غَزوَةُ بَدرٍ الكُبرَى وَمَا حَولَهَا: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن يَومِ الفُرقَانِ وَدُرُوسِ النَّصرِ وَاليَقِينِ وَالشُّورَى وَالتَّوَاضُعِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
الحَمدُ للهِ نَاصِرِ المُؤمِنِينَ، وَمُعِزِّ الصَّابِرِينَ المُتَّقِينَ، وَمُذِلِّ الطُّغَاةِ المُستَكبِرِينَ، جَعَلَ يَومَ بَدرٍ فُرقَانًا بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَآيَةً بَاقِيَةً عَلَى أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ لَا بِكَثرَةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ وَالجَحَافِلِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَبِيرُ المُتَعَالُ، صَدَقَ وَعدَهُ، وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَأَعَزَّ جُندَهُ، وَهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وَقُدوَةً لِلسَّالِكِينَ، فَكَانَ أَعظَمَ النَّاسِ تَوَكُّلًا عَلَى رَبِّهِ، وَأَعدَلَهُم فِي حُكمِهِ، وَأَرحَمَهُم بِأَصحَابِهِ وَبِالنَّاسِ أَجمَعِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ لا سِيَّمَا أَهلُ بَدرٍ الَّذِينَ شَهِدُوا يَومَ الفُرقَانِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ؛ فَإِنَّ التَّقوَى هِيَ مِفتَاحُ النَّصرِ وَالتَّأيِيدِ، وَبَابُ الفَرَجِ وَالتَّسدِيدِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ، وَيَا مَن شَرَحَ اللهُ صُدُورَكُم لِنُورِ الإِسلَامِ حَدِيثًا فَأَصبَحتُم إِخوَةً لَنَا فِي الدِّينِ وَالعَقِيدَةِ: إِنَّ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ أَيَّامًا خَالِدَةً غَيَّرَت مَجرَى التَّارِيخِ البَشَرِيِّ كُلِّهِ، وَفِي طَلِيعَةِ تِلكَ الأَيَّامِ يَومٌ عَظِيمٌ سَمَّاهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي القُرآنِ الكَرِيمِ «يَومَ الفُرقَانِ»؛ إِنَّهُ يَومُ غَزوَةِ بَدرٍ الكُبرَى، الَّتِي وَقَعَت فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِن شَهرِ رَمَضَانَ المُبَارَكِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ، حَيثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنفَالِ: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١].
وَلِكَي نَفهَمَ قِصَّةَ غَزوَةِ بَدرٍ فَهْمًا صَحِيحًا يَا عِبَادَ اللهِ، لَا بُدَّ أَن نَنظُرَ أَوَّلًا إِلَى «مَا قَبلَ بَدرٍ»: لِمَاذَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابُهُ إِلَى بَدرٍ؟
لَقَد مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالمُؤمِنُونَ فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً يَدعُونَ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَمَكَارِمِ الأَخلَاقِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالحِكمَةِ؛ فَقَابَلَهُم زُعَمَاءُ الشِّركِ فِي قُرَيشٍ بِأَشَدِّ أَنوَاعِ التَّعذِيبِ وَالتَّنكِيلِ وَالقَتلِ وَالحِصَارِ، حَتَّى اضطُرَّ المُسلِمُونَ إِلَى الهِجرَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ تَارِكِينَ خَلفَهُم بُيُوتَهُم وَأَموَالَهُم وَتِجَارَتَهُم؛ فَقَامَت قُرَيشٌ بِمُصَادَرَةِ تِلكَ البُيُوتِ وَالأَموَالِ ظُلمًا وَعُدوَانًا، وَجَهَّزَت بِهَا قَافِلَةً تِجَارِيَّةً كُبرَى بِقِيَادَةِ أَبِي سُفيَانَ عَائِدَةً مِنَ الشَّامِ تَمُرُّ بِالقُربِ مِنَ المَدِينَةِ!
هُنَا أَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الإِذنَ لِلمُظلُومِينَ أَن يَدَافِعُوا عَن أَنفُسِهِم وَيَستَرِدُّوا حُقُوقَهُمُ المَسلُوبَةَ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩-٤٠]. فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أَصحَابِهِ لِاعتِرَاضِ القَافِلَةِ استِردَادًا لِبَعضِ أَموَالِهِمُ المَنهُوبَةِ، وَلَم يَخرُجُوا بِنِيَّةِ حَربٍ كُبرَى، حَتَّى إِنَّهُ لَم يَكُن مَعَهُم فِي الجَيشِ كُلِّهِ إِلَّا فَرَسَانِ اثنَانِ وَسَبعُونَ بَعِيرًا يَتَعَاقَبُ الرِّجَالُ عَلَى رُكُوبِهَا!
غَيرَ أَنَّ أَبَا سُفيَانَ عَلِمَ بِخُرُوجِ المُسلِمِينَ فَحَوَّلَ طَرِيقَ القَافِلَةِ نَحوَ سَاحِلِ البَحرِ وَنَجَا بِهَا، وَأَرسَلَ إِلَى قُرَيشٍ أَنِ ارجِعُوا فَقَد نَجَت قَافِلَتُكُم! وَلَكِنَّ أَبَا جَهلٍ أَبَى إِلَّا الكِبرَ وَالبَغْيَ وَالطُّغيَانَ، وَأَصَرَّ عَلَى التَّقَدُّمِ بِجَيشٍ جَرَّارٍ قِوَامُهُ أَلفُ مُقَاتِلٍ مُدَجَّجِينَ بِالسِّلَاحِ وَالدُّرُوعِ وَمِائَةِ فَرَسٍ لِلقَضَاءِ عَلَى الإِسلَامِ وَأَهلِهِ؛ وَأَرَادَ اللهُ بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ أَن يَلتَقِيَ الجَمعَانِ لِيَكُونَ النَّصرُ الأَعظَمُ لِدِينِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنفَالِ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].
إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَقَبلَ أَن تَبدَأَ المَعرَكَةُ، تَجَلَّت أَروَعُ صُوَرِ الشُّورَى وَالعَدلِ وَالتَّوَاضُعِ فِي شَخصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَلَم يُكرِهْ أَصحَابَهُ عَلَى القِتَالِ، بَل جَمَعَهُم وَقَالَ لَهُم كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ!»؛ فَقَامَ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَالمِقدَادُ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُم عَنِ المُهَاجِرِينَ فَأَحسَنُوا، ثُمَّ قَامَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَيِّدُ الأَنصَارِ فَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ الَّتِي أَبرَقَ لَهَا وَجهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سُرُورًا: «يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَد آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقنَاكَ، وَشَهِدنَا أَنَّ مَا جِئتَ بِهِ هُوَ الحَقُّ، وَأَعطَينَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ، فَامضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَوِ استَعرَضتَ بِنَا هَذَا البَحرَ فَخُضتَهُ لَخُضنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكرَهُ أَن تَلقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ فِي الحَربِ، صُدُقٌ عِندَ اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَينُكَ!».
وَانظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى تَوَاضُعِ النَّبِيِّ القَائِدِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَبُولِهِ لِلرَّأيِ السَّدِيدِ؛ حِينَ جَاءَهُ الصَّحَابِيُّ الحُبَابُ بنُ المُنذِرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي سِيرَةِ ابنِ هِشَامٍ، فَسَأَلَهُ بَأَدَبٍ جَمٍّ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ هَذَا المَنزِلَ، أَمَنزِلًا أَنزَلَكَهُ اللهُ لَيسَ لَنَا أَن نَتَقَدَّمَهُ وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنهُ، أَم هُوَ الرَّأيُ وَالحَربُ وَالمَكِيدَةُ؟» قَالَ: «بَل هُوَ الرَّأيُ وَالحَربُ وَالمَكِيدَةُ»، فَأَشَارَ عَلَيهِ الحُبَابُ بِالتَّقَدُّمِ إِلَى أَقرَبِ مَاءٍ مِنَ القَومِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَوْرًا: «لَقَد أَشَرتَ بِالرَّأيِ»، وَنَزَلَ عَلَى مَشُورَتِهِ!
بَل تَأَمَّلُوا مَشهَدًا يَهُزُّ الوِجدَانَ فِي عَدلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قُبَيلَ انطِلَاقِ المَعرَكَةِ بلحظات؛ حِينَ كَانَ يُسَوِّي صُفُوفَ أَصحَابِهِ بِقِدْحٍ (عُودٍ صَغِيرٍ) فِي يَدِهِ، فَمَرَّ بِسَوَادِ بنِ غَزِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ خَارِجٌ قَلِيلًا عَنِ الصَّفِّ، فَوَخَزَهُ فِي بَطنِهِ بِالعُودِ وَقَالَ: «استَوِ يَا سَوَادُ»، فَقَالَ سَوَادٌ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَوجَعتَنِي وَقَد بَعَثَكَ اللهُ بِالحَقِّ وَالعَدلِ، فَأَقدْنِي مِن نَفسِكَ!»؛ فَمَاذَا فَعَلَ قَائِدُ الجَيشِ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَمَامَ جُندِيٍّ مِن جُنُودِهِ؟ كَشَفَ عَن بَطنِهِ الشَّرِيفِ وَقَالَ: «استَقِدْ يَا سَوَادُ!»؛ فَإِذَا بِسَوَادٍ يَعتَنِقُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَيُقَبِّلُ بَطنَهُ وَيَقُولُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، قَد حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدتُ أَن يَكُونَ آخِرُ العَهدِ بِكَ أَن يَمَسَّ جِلدِي جِلدَكَ!»؛ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِخَيرٍ!
وَلَمَّا جَنَّ لَيلُ بَدرٍ، جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ أَقصَى دَرَجَاتِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ، وَأَعلَى مَقَامَاتِ التَّوَكُّلِ وَالافتِقَارِ إِلَى اللهِ؛ فَصَفَّ الجَيشَ، ثُمَّ دَخَلَ العَرِيشَ يُنَاجِي رَبَّهُ وَيَبتَهِلُ إِلَيهِ مَادًّا يَدَيهِ كَمَا رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنجِزْ لِي مَا وَعَدتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدتَنِي، اللَّهُمَّ إِن تُهلِك هَذِهِ العِصَابَةَ مِن أَهلِ الإِسلَامِ لَا تُعبَد فِي الأَرضِ»، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَن مَنكِبَيهِ، فَأَتَاهُ الصِّدِّيقُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَأَلقَى رِدَاءَهُ عَلَى مَنكِبَيهِ وَالتَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ وَقَالَ: «يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ»؛ فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن سَاعَتِهِ فِي سُورَةِ الأَنفَالِ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، وَأَنزَلَ عَلَيهِمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً وَطُمَأنِينَةً، وَأَنزَلَ المَطَرَ لِيُطَهِّرَهُم وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقدَامَ، وَكَانَ النَّصرُ المُبِينُ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وَقَالَ سُبحَانَهُ مُذكِّرًا بِأَنَّ الفَضلَ كُلَّهُ للهِ وَحدَهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: إِذَا كُنَّا قَد رَأَينَا عَظَمَةَ الإِسلَامِ قَبلَ بَدرٍ وَفِي أَثنَاءِ بَدرٍ، فَتَعَالَوا نَنظُرْ إِلَى «مَا بَعدَ بَدرٍ»؛ كَيفَ تَعَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالمُسلِمُونَ بَعدَ الانتِصَارِ مَعَ سَبعِينَ أَسِيرًا مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يُعَذِّبُونَهُم بِالأَمسِ فِي مَكَّةَ؟
لَم يَنتَقِمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنهُم، وَلَم يُمَثِّلْ بِقَتلَاهُم، بَل أَوصَى أَصحَابَهُ بِالإِحسَانِ إِلَى الأَسرَى؛ حَتَّى قَالَ أَبُو عُزَيزِ بنُ عُمَيرٍ -وَكَانَ مِن أَسرَى المُشرِكِينَ يَومَ بَدرٍ ثُمَّ أَسلَمَ- كَمَا فِي سِيرَةِ ابنِ هِشَامٍ: «كُنتُ فِي رَهطٍ مِنَ الأَنصَارِ حِينَ أَقبَلُوا بِي مِن بَدرٍ، فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُم وَعَشَاءَهُم خَصُّونِي بِالخُبزِ وَأَكَلُوا التَّمرَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُم بِنَا، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنهُم كِسرَةُ خُبزٍ إِلَّا نَفَحَنِي بِهَا!»؛ وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ ثَنَاءُ اللهِ تَعَالَى عَلَى الأَبرَارِ فِي سُورَةِ الإِنسَانِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
بَلِ انظُرُوا إِلَى القَرَارِ الحَضَارِيِّ الفَرِيدِ الَّذِي اتَّخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي فِدَاءِ الأَسرَى كَمَا رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «كَانَ نَاسٌ مِنَ الأَسرَى يَومَ بَدرٍ لَم يَكُن لَهُم فِدَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَهُم أَن يُعَلِّمُوا أَولَادَ الأَنصَارِ الكِتَابَةَ!»؛ كُلُّ أَسِيرٍ يُعَلِّمُ عَشَرَةً مِن غِلمَانِ المُسلِمِينَ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ يُطلَقُ سَرَاحُهُ حُرًّا طَلِيقًا! أَيُّ دِينٍ هَذَا الَّذِي يَجعَلُ مَحوَ الأُمِّيَّةِ وَنَشرَ العِلمِ ثَمَنًا لِلحُرِّيَّةِ حَتَّى فِي سَاحَاتِ الحُرُوبِ؟
فَاحمَدُوا اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ عَلَى نِعمَةِ هَذَا الدِّينِ العَظِيمِ، وَخُذُوا مِن غَزوَةِ بَدرٍ دَرسَ اليَقِينِ بِاللهِ، وَالجَمعِ بَينَ العَمَلِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّحَلِّي بِالعَدلِ وَالتَّوَاضُعِ وَالرَّحمَةِ مَعَ الخَلقِ أَجمَعِينَ؛ وَمَا أَصدَقَ قَولَ الشَّاعِرِ فِي يَومِ الفُرقَانِ:
بِيَومِ بَدرٍ أَعَزَّ اللهُ مِلَّتَنَا ... وَأَشرَقَ الحَقُّ وَانزَاحَت دَيَاجِيرُ
نَصرٌ مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ نَبلُغُهُ ... إِذَا استَقَامَت عَلَى التَّقوَى المَعَايِيرُ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالمَلحَمَةِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن أَهلِ بَدرٍ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا وَإِخوَانَنَا المُسلِمِينَ الجُدُدَ وَسَائِرَ المُؤمِنِينَ عَلَى الإِسلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَزِدْنَا إِيمَانًا وَيَقِينًا وَفِقهًا فِي الدِّينِ، وَانصُرْ إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ نَصرًا عَزِيزًا مُؤَزَّرًا كَنَصرِكَ لِأَولِيَائِكَ يَومَ بَدرٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، وَاجعَلْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
غَزوَةُ بَدرٍ الكُبرَى وَمَا حَولَهَا: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن يَومِ الفُرقَانِ وَدُرُوسِ النَّصرِ وَاليَقِينِ وَالشُّورَى وَالتَّوَاضُعِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.