🕌 حُسْنُ الخُلُقِ... أَثْقَلُ مَا فِي المِيزَان
#خطبة_جمعة #حسن_الخلق #الأخلاق #تربية_النفس #القدوة #المعاملات #تزكية #أخلاق_المسلم
الحمدُ للهِ الذي حَسَّنَ خَلْقَنا، وأَمَرَنا بتَحسينِ خُلُقِنا، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ مَكارِمَ الأخلاقِ مِيزاناً لتَفاضُلِ العِباد، ومِعراجاً تَرتقي بهِ الأرواحُ إلى أَعالي الجِنان. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الدِّينَ كُلَّهُ خُلُقاً، فمَنْ زادَ عليكَ في الخُلُقِ زادَ عليكَ في الدِّين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، المُبَعوثُ رَحمةً للعالَمين، ومُتَمِّماً لمكارِمِ الأخلاقِ للمُؤمِنين، المَوصوفُ من رَبِّهِ بأعظَمِ ثَناءٍ حينَ قالَ عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين، ومَنْ سارَ على نَهجِهم واقتَفى أثَرَهم إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
أيها الإخوةُ الأحبَّة، عَجَباً لِنَفسٍ تَزِنُ ذُنوبَها وأعمالَها بِمِكيالِ النَّاس، وتَنسى أنَّ مِيزانَ السَّماءِ أَدَقّ! وعَجَباً لنا جَميعاً! نَقِفُ أمامَ المِرآةِ في كلِّ صباح، نُهَندِمُ ثِيابَنا، ونُسَرِّحُ شُعورَنا، ونَتَعَطَّرُ بأطيَبِ العُطور، نَحزَنُ إنْ أصابَ ثَوبَنا دَنَسٌ قليل، ونَخجَلُ إن رآنا النَّاسُ على هَيئةٍ رَثَّة... ولكنْ، هَل سَأَلنا أنفُسَنا يوماً: متى آخِرَ مَرَّةٍ وَقَفنا فيها أمامَ "مِرآةِ القُرآنِ والسُّنَّة" لِنُهَندِمَ أخلاقَنا؟ هَل نَخجَلُ مِنْ قُبحِ ألسِنَتِنا كما نَخجَلُ من قُبحِ ثِيابِنا؟ وهَل نَتَعَطَّرُ بالكَلِمَةِ الطَّيِّبةِ كما نَتَعَطَّرُ للمَجالس؟
إنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ تَقدَّمَت فيه المَظاهِرُ، وتَأخَّرَت فيه المَخَابِر. زَمَنٌ بَنَينا فيه ناطِحاتِ السَّحاب، وهَدَمنا فيه كَثيراً من بَساطَةِ القُلوبِ ونَقائِها. زَمَنٌ تَسارَعَت فيه وسائِلُ التَّواصُل، وتَقَطَّعَت فيه أواصِرُ التَّراحُم. فكانَ لِزاماً علينا أن نَعودَ إلى الأَصل، إلى الجَوهَرِ الذي بُعِثَ مِنْ أجلِهِ سيِّدُ البَشَر ﷺ. واسمَعوا له وهو يُلَخِّصُ غايَةَ رِسالَتِهِ العُظمى في كَلِماتٍ قِصار، كأنَّها دُستورٌ للأمَّة، قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (رواه أحمد).
يا عبادَ الله، إنَّ حُسنَ الخُلُقِ ليسَ "نافِلَةً" دَعَويَّة، أو تَحسيناً مَظهَرياً يُمكِنُ للمُسلِمِ أن يَتَخَلَّى عنه إذا ضاقَت بهِ الظُّروف. بل هو صُلبُ الدِّينِ ولُبُّه. يقول الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب، قال: "الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ فِي الْخُلُقِ، زَادَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ".
تَأمَّلوا معي جَيِّداً... لِماذا شَرَعَ اللهُ العِبادات؟ هل شَرَعَها حَرَكاتٍ طَقسيَّةً جوفاء لا أثَرَ لها في الواقِع؟ حاشا وكَلَّا. خُذوا الصَّلاةَ مَثَلاً، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [سورة العنكبوت: 45]. وخُذوا الزَّكاة، يقول جلَّ وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [سورة التوبة: 103]. وخُذوا الصِّيام، يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (رواه البخاري). وخُذوا الحَجّ، يقولُ مَولانا سُبحانَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [سورة البقرة: 197].
أرأيتم؟ ما من عِبادَةٍ كُبرى إلَّا وغايَتُها النِّهائيَّةُ ثَمَرَةٌ أَخلاقيَّة. العِبادةُ هي الشَّجَرَة، والأخلاقُ هي الثَّمَرَة. فمَن جاءَ بِشَجَرَةٍ لا ثَمَرَ لها، فما قيمَتُها؟ ومَن أدَّى حَرَكاتِ العِبادَةِ ولم تَتَهَذَّب رُوحُهُ ولم يَستَقِم لِسانُه، فكَأنَّهُ يَنفُخُ في قِربَةٍ مَثقوبَة.
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيمِ الذي يَكشِفُ لَنا خُطورَةَ هذا الانفِصالِ بَينَ العِبادَةِ والخُلُق. ذُكِرَ للنَّبيِّ ﷺ امرأةٌ! قالوا: يا رَسولَ الله، إنَّ فُلانَةَ تَصومُ النَّهارَ، وتَقومُ اللَّيلَ، وتَتَصَدَّقُ... (مَلَفٌّ عِباديٌّ ضَخم، وجِبالٌ من الحَسَنات)، ثُمَّ قالوا: ولكِنَّها تُؤذي جِيرانَها بِلِسانِها! فماذا قالَ الصَّادِقُ المَصدوق ﷺ؟ هل قال خَصِّموا من حَسَناتِ صِيامِها؟ هل قال وازِنوا بَينَ أعمالِها؟ كَلَّا، بَل أطلَقَ حُكماً حاسِماً يَرجُفُ لهُ القَلب: قال ﷺ: «لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ فِي النَّارِ». ثُمَّ قالوا له: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانَةَ تُصَلِّي المَكتوبَةَ، وتَتَصَدَّقُ بِأثوارٍ من الأَقِط (أيْ بقِطَعٍ من الجُبنِ، أعمالٌ عِباديَّةٌ قَليلةٌ جِدّاً)، ولكِنَّها لَا تُؤْذِي أَحَداً! فَقالَ ﷺ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ» (رواه أحمد وصححه الألباني).
يا سُبحانَ الله!
أَيُعقَلُ أنَّ العِبادَةَ الطَّويلَةَ أَحبَطَها لِسانٌ سَليط، وأنَّ العِبادَةَ القَليلَةَ رَفَعَها خُلُقٌ حَسَن؟ نَعَم، لأنَّ المَقصِدَ من العِبادَةِ قَد تَحَقَّقَ في الثَّانيةِ، وضاعَ في الأُولى. يَقولُ العارِفُ باللهِ يَحيى بنُ مُعاذٍ رَحِمَهُ الله: "سُوءُ الْخُلُقِ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا كَثْرَةُ الْحَسَنَاتِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا كَثْرَةُ السَّيِّئَاتِ".
أيها المُؤمِنون، دَعونا نَتَخَيَّل مَشهَداً يَومَ القِيامَة. النَّاسُ في عَرَصاتِ الحَشر، الشَّمسُ تَدنو من الرُّؤوس، الهَولُ عَظيم، الأنفاسُ مَحبوسَة، والكُلُّ يَبحثُ عن عَمَلٍ يُثَقِّلُ بِهِ مِيزانَه، عَمَلٍ يَرجَحُ بكِفَّةِ السَّيِّئاتِ ويَميلُ بِهِ نَحوَ النَّجاة. في تِلكَ اللَّحظَةِ الحاسِمَة، ما هو أثقَلُ شَيءٍ يوضَعُ في المِيزان؟ هَل هي سَنَواتُ قِيامِ اللَّيل؟ هَل هي المَلايينُ المُنفَقَة؟ واسمَعوا الجَوابَ اليَقينَ من فَمِ الَّذي لا يَنطِقُ عن الهَوى ﷺ، يَقول: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح).
شَيءٌ لا يُكَلِّفُكَ دِرهَماً ولا دِيناراً، ولا يُرهِقُ عُضواً ولا عَضَلَة، مُجَرَّدُ بَسْمَةٍ صادِقَة، وكَلِمَةٍ طَيِّبَة، وكَظمٍ لِغَيظ، وسَلامَةٍ لِصَدر... وإذا بِهِ يَزِنُ جِبالاً من الحَسَناتِ يَومَ العَرضِ الأَكبَر! بَل اسمَعوا للبِشارَةِ الأعظَم. قَد يَحزَنُ بَعضُنا ويَقول: أنا رَجُلٌ ضَعيفُ البِنيَة، لا أستَطيعُ صِيامَ الهَواجِر، ولا قِيامَ اللَّيالي الطِّوال، أذهَبُ إلى عَمَلي مَكدوحاً وأعودُ مُنهَكاً، فكَيفَ أُدرِكُ مَراتِبَ السَّابِقين؟ يُجيبُكَ النَّبيُّ ﷺ بِبِشارَةٍ تُطَيِّبُ الخاطِر: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (رواه أبو داود). تُمسي في فِراشِك، وتُصبِحُ في عَمَلِك، وأنتَ عِندَ اللهِ بِمَنزِلَةِ مَنْ يَصومُ الدَّهرَ ولا يُفطِر، ويَقومُ اللَّيلَ ولا يَفتُر! لِماذا؟ لأنَّكَ تَخرُجُ للناسِ بِوَجهٍ طَلْق، وصَدرٍ سَليم، تُحسِنُ إلى مَنْ أساءَ إليك، وتَعفو عَمَّن ظَلَمَك، وتُعطي مَنْ حَرَمَك.
ولكِنْ... لِنَقِف هُنا وَقفَةَ صِدقٍ ومُكاشَفَة مَعَ أنفُسِنا.
هَلِ الخُلُقُ الحَسَنُ هو أن تَبَتَسِمَ لِمُديرِكَ في العَمَل خَوفاً من سُلطَتِه؟ هَلِ الخُلُقُ الحَسَنُ هو أن تَتَأنَّقَ في الحَديثِ مَعَ الغُرَباءِ في المَجالِسِ لِيَقولوا عَنكَ لَبِقاً؟ هَلِ الخُلُقُ الحَسَنُ يُختَبَرُ داخِلَ المَسجِدِ حَيثُ السَّكينَةُ والهُدوء؟
كَلَّا والله! هُنا لَيسَت مَيادينَ الاختِبارِ الحَقيقيَّة.
إنَّ الاختِبارَ الحَقيقيَّ لِحُسنِ الخُلُقِ، يَقَعُ عِندَما تَكونُ قادِراً على البَطشِ والأَذى ولا رَقيبَ عليكَ إلَّا الله.
يُختَبَرُ خُلُقُكَ وأنتَ في مَنزِلِك، خَلفَ الأبوابِ المُغلَقَة، مَعَ زَوجَتِكَ وأبنائِك. مَعَ مَنْ يَحتَمِلونَ مِنكَ ما لا يَحتَمِلُهُ غَيرُهم. لِذلِك قالَ المُصطَفى ﷺ واضِعاً المِعيارَ الذَّهَبي: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» (رواه الترمذي). الرَّجُلُ الذي يَتَحَوَّلُ خارِجَ بَيتِهِ إلى حَمامَةِ سَلام، يُلَطِّفُ الأجواء ويُمازِحُ الأصدِقاء، فإذا دَخَلَ بَيتَهُ تَحَوَّلَ إلى أسَدٍ هَصُور، يَشتِمُ على أتفَهِ الأسباب، ويُقَطِّبُ حواجِبَهُ عِندَ كُلِّ زَلَّة... هذا رَجُلٌ أجادَ النِّفاقَ الاجتِماعي، ولَم يُدرِك من حُسنِ الخُلُقِ شَيئاً!
يُختَبَرُ خُلُقُكَ يا عَبدَ الله... عِندَما يَتَأخَّرُ العامِلُ البَسيطُ أو الخادِمُ الضَّعيفُ في تَلبيةِ طَلَبِك. كَيفَ تُعاهِدُ نَفسَكَ حينَها؟ هل تَرميهِ بِسِهامِ الكَلامِ الجارِح لأنَّكَ تَعلَمُ أنَّهُ لا يَستَطيعُ الرَّد؟ أم تَتَذَكَّرُ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [سورة البقرة: 83]، فتَرحَمَ ضَعفَهُ وتَعذِرَ خَطَأه؟
يُختَبَرُ خُلُقُكَ... وأنتَ في زِحامِ الطُّرُقات، عِندَما يُخطِئُ بِحَقِّكَ سائِقٌ آخَر. هل تَفجُرُ في الخُصومَة وتُخرِجُ أسوَأَ ما في قَاموسِك؟ أم تَتَحَلَّى بِوِقارِ الإيمانِ وتُعلِنَ العَفو؟
يُختَبَرُ خُلُقُكَ... في مَجموعاتِ (الواتساب) ومَنَصَّاتِ التَّواصُلِ الاجتِماعي، حَيثُ تَختَفي الوُجوهُ خَلفَ الشَّاشات، وحَيثُ تَسهُلُ الشَّتيمَةُ بِنَقرَةِ زِرّ. هُناكَ يَظهَرُ المُؤمِنُ الحَقُّ الَّذي يَتَذَكَّرُ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: 53].
إخوتي الكِرام، لَعَلَّ قائِلاً في نَفسِهِ الآنَ يَقول: "واللهِ إنِّي رَجُلٌ سَريعُ الغَضَب، طَبعي حادّ، هكَذا خُلِقت، وهكَذا نَشَأت، ولا قُدرَةَ لي على تَغييرِ
طِباعي!".
ومَنْ قالَ لَكَ يا أخي إنَّ الطِّباعَ لا تَتَغَيَّر؟ لو كانتِ الأخلاقُ الجِبلِّيَّةُ قَدَراً مَحتوماً لا فِكاكَ مِنه، لَما بَعَثَ اللهُ الرُّسُل، ولَما أُنزِلَتِ الكُتُب، ولَما كانَ هُناكَ مَعنىً للثَّوابِ والعِقاب!
الأخلاقُ قِسمانِ يا عِبادَ الله: أخلاقٌ غَريزيَّةٌ جَبَلَ اللهُ بَعضَ العِبادِ عليها فاستَراحوا وأراحوا. فقد قالَ النبيُّ ﷺ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» (رواه مسلم). ففَرِحَ الأَشَجُّ وقال: يا رَسولَ الله، أَخُصْلَتَانِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا، أَمْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمَا؟ قالَ: «بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا». فقال: الحَمدُ للهِ الَّذي جَبَلَني عَلى خَلَّتَينِ يُحِبُّهُما اللهُ ورَسولُه.
هذا هو القِسمُ الأَوَّل، وهِيَ مِنحَةٌ رَبَّانيَّة.
أمَّا القِسمُ الثَّاني: فَهيَ الأخلاقُ المُكتَسَبَة التي تَأتي بالمُجاهَدَةِ، والمُصابَرَة، وتَرويضِ النَّفس. قالَ رسولُ الله ﷺ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ» (رواه الطبراني وحسنه الألباني).
التَّحَلُّم، أي: أن تَتَكَلَّفَ الحِلمَ حَتَّى يُصبِحَ فيكَ سَجِيَّة. أن تَغضَب، فَتَأتي الكَلِمَةُ الجارِحَةُ إلى حُنجُرَتِك، فتَكتُمُها قَهراً لله، وتَتَصَنَّعُ الهُدوء، مَرَّةً بَعدَ مَرَّة، ومَوقِفاً بَعدَ مَوقِف، حتَّى يَلينَ قَلبُك، وتَسهُلَ أخلاقُك، فَيُكافِئُكَ اللهُ بِأنْ يَجعَلَ الحِلمَ طَبعاً أصيلاً فيك. ذَكَرَ الإمامُ أبو حامِدٍ الغَزاليُّ في الإحياءِ أنَّ الأخلاقَ إنَّما تَتَغَيَّرُ بِرِياضَةِ النَّفس، كما تَتَرَوَّضُ الدَّابَّةُ الشَّموسُ حتَّى تَنقاد.
وتَعالَوا نَعيشُ بِمُخَيِّلَتِنا لِلَحَظاتٍ مَعَ قِصَّةٍ تَهتَزُّ لها شِغافُ القُلوب، قِصَّةٍ تَروي لَنا كَيفَ يَكونُ تَرويضُ النَّفسِ واحتِسابُ الخُلُقِ عِندَ الشَّدائِد.
يُروى عن عَليِّ بنِ الحُسَين، زَينِ العابِدينَ رَحِمَهُ الله، أنَّهُ كانَ لَهُ غُلامٌ يَصُبُّ عَليهِ الماءَ لِيَتَوَضَّأ. فبَينَما هو كَذلِك، وقَعَ الإبريقُ (أو الإناءُ الحارُّ) من يَدِ الغُلامِ على وَجهِ زَينِ العابِدين فجَرَحَهُ وأسَالَ دَمَه!
تَخَيَّلِ المَوقِف! أَلَمٌ، وجُرحٌ، ومِنْ غُلامٍ مَملوك! رَفَعَ عَلِيٌّ رأسَهُ نَحوَ الغُلامِ والدَّمُ يَقطُرُ على لِحيَتِه، ونَظَرَ إليهِ نَظرَةَ غَضَب. هُنا أدرَكَ الغُلامُ الخَطَر، فماذا استَخدَمَ لِيَحتَمي؟ استَخدَمَ القُرآن.
بَادَرَ الغُلامُ وقال مُرتَجِفاً: يا مُعلِّمي، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾!
سَمِعَ زَينُ العابِدينَ الآية، فَسَكَنَ فَوْراً، وقال بِهُدوء: "قَد كَظَمتُ غَيظي".
طَمِعَ الغُلامُ في المَزيدِ من آياتِ الرَّحمَةِ فقال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾!
فَقالَ عَلِيٌّ: "قَد عَفَوتُ عَنكَ".
فطَمِعَ الغُلامُ في الغايَةِ العُظمى فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 134].
فماذا قالَ هذا الرَّجُلُ الذي تَرَبَّى في مَدرَسَةِ النُّبُوَّة؟ هل قالَ يَكفيكَ العَفو؟ لا! بَل نَظَرَ إليهِ وقال: "اذهَبْ، فأنتَ حُرٌّ لِوَجهِ الله!".
يا سُبحانَ الله! تَأمَّلوا إخوَتي هَذا التَّدَرُّجَ العَجيب! انتِقالٌ من الغَضَبِ المُشتَعِل، إلى كَظمِ الغَيظِ بِالقُوَّة، إلى العَفوِ الصَّافي، ثُمَّ الارتِقاءُ إلى قِمَّةِ الهَرَم: الإحسانُ المُطلَق وإعتاقُ الرَّقَبَة.
كم مِنَّا اليَومَ قادِرٌ على أن يَفعَلَ عُشرَ هذا مَعَ زَوجَتِهِ إنْ تأخَّرَ طَعامُها، أو مَعَ ابنِهِ إن أخطَأَ في تَصَرُّف، أو مَعَ مُوظَّفٍ أخطَأَ في عَمَلِه؟
إخوَتي الكِرام، إنَّ القُلوبَ مَزارِع، والأخلاقَ بَذورُها، واليَومَ نَغرِسُ، وغَداً في ساحَةِ الحَشرِ نَحصُد. وقَد أخبَرَنا نَبيُّنا ﷺ بِأرفَعِ مَنازِلِ الجنَّة، وبِأقرَبِ النَّاسِ إليهِ يَومَ تَدنُو الشَّمسُ وتَبلُغُ القُلوبُ الحَناجِر، فقال: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ» (رواه الترمذي).
مَن أرادَ جِوارَ الحَبيبِ المُصطَفى ﷺ في فِردَوسِهِ الأعلى، فلْيُهَيِّئ لِنَفسِهِ مَجلِساً بِحُسنِ خُلُقِهِ اليَوم، قَبلَ أن يَبني لَهُ قَصراً في الدُّنيا يَترُكُهُ غَداً.
بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإيَّاكم بِما فِيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائِرِ المُسلمين من كلِّ ذَنب، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم
ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنْ سَارَ عَلى نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ مِيزانِ الأَخلاقِ الرَّبَّاني، وكَيفَ أنَّ حُسنَ الخُلُقِ أثقَلُ شَيءٍ في صَحيفَةِ المُؤمِن، وكَيفَ أنَّهُ يُبلِّغُ العَبدَ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القائِم، وعَرَفنا أنَّ المِعيارَ الحَقيقيَّ لِلأخلاقِ لَيسَ في المَساجِدِ بَل في زِحامِ الحَياة وخَلفَ جُدرانِ البُيوت، وأنَّ النَّفسَ قَابِلَةٌ لِلتَّهذيبِ بالتَّحَلُّمِ والمُجاهَدة. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا المُعاصِرَة؟
أُوصيكُم عِبادَ اللهِ بِخَمسِ وَصايا عَمَليَّةٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِنْ مِنبَري:
الأُولى (قَلبيَّة): طَهِّروا قُلوبَكُم من سُمومِ الباطِن؛ من الكِبرِ والحَسَدِ والغِلِّ، فالخُلُقُ الحَسَنُ لا يَنبُتُ في قَلبٍ حاقِد! راجِع نِيَّتَكَ اليَوم، واعفُ عَمَّن ظَلَمَك، وسامِح مَن أساءَ إليك في دُنيا زائلَة — فإنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أفضَل؟ قال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ» قالوا: صَدوق اللِّسان نَعرِفه، فما مَخموم القَلب؟ قال: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ» (رواه ابن ماجه). فلا تَحمِل في صَدرِكَ عَداوَةً لِمُسلِمٍ تَنامُ وتَستَيقِظُ مَعَك.
الثَّانِيَة (لِسانيَّة): صُونوا ألسِنَتَكُم، فَهيَ المِعبَرُ الرَّئيسيُّ للأخلاق! لا لِلغِيبَة، لا لِلنَّميمَة، ولا لِلسُّخرِيَةِ والاستِهزاءِ بالآخَرين، خاصَّةً في مَواقِعِ التَّواصُل التي باتَت مِحرَقَةً لِلحَسَنات. قَبلَ أن تَكتُبَ تَعليقاً جارِحاً أو تُرسِلَ رِسالَةً مُسيئَة، تَذَكَّر: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. أمسِك لِسانَكَ اليَومَ عن شَكوَى النَّاس وذَمِّهم، واستَبدِلهُ بِالذِّكر.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): تَبَسَّموا في وُجوهِ النَّاس! الابتِسامَةُ صَدَقَةٌ مَجَّانِيَّةٌ لا تُكَلِّفُ قِرشاً، وهِيَ مِفتاحُ القُلوب. ابتَسِم لِزَميلِكَ في العَمَل، ولِلعامِلِ الذي يُنَظِّفُ الشَّارِع، ولِلَّذي يَبيعُكَ في الدُّكَّان. وفي أوقاتِ الاستِفزازِ اليَوم... اختَبِر نَفسَك: اضبِط أعصابَكَ، واكظِم غَيظَكَ مَرَّةً واحِدَةً فَقط عِندَ استِفزازٍ عابِر، وقُل: "إنِّي احتَسَبتُ غَضَبي هذا عِندَ الله".
الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): اجعَلوا خَيرَ أخلاقِكُم لِأهلِ بُيوتِكُم. زَوجَتُكَ، زَوجُكِ، وأبناؤكُم... هُم أَولى النَّاسِ بِابتِسامَتِكُم وسَعَةِ صُدورِكُم. لا تُعطُوا النَّاسَ حَلاوَةَ المَنطِق وتَترُكوا لِأهلِكُم فُضالَةَ الصَّبرِ ومَرارَةَ الطِّباع. اليَومَ، عُد إلى بَيتِكَ، وألقِ السَّلامَ بِبَشاشَة، وقُل كَلِمَةَ شُكرٍ طَيِّبَةٍ لِمَن يَخدِمُكَ في دارِك، فهذا هو مِيزانُ رُجولَتِكَ وإيمانِك.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): تَواضَعوا، واعتَذِروا إذا أخطَأتُم. الاعتِذارُ لَيسَ إهانَةً لِلكَرامَة، بَل هو ذُروَةُ الشَّجاعَةِ وحُسنِ الخُلُق. مَن أخطَأَ في حَقِّ أخيهِ، أو جارِه، أو حَتَّى ابنِهِ الصَّغير، فلْيَذهَبْ إلَيهِ وَلْيَعتَذِر بِنَفسٍ رَاضِيَة. إنَّما المُؤمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ سَهل، ألِفٌ مَألوف، ولا خَيرَ فيمَن لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَف.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوى اللهِ هي العاصِمُ من الزَّلَل، وهي الدَّافِعُ لِكُلِّ خُلُقٍ جَميل. ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 133-134].
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَنْ أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَليهِ في مُحكَمِ كِتابِه، حَيثُ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَنْ تَبِعَهم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اهْدِنا لِأحسَنِ الأخلاق، لا يَهدِي لأحسَنِها إلَّا أنت، واصرِف عَنَّا سَيِّئَها، لا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَها إلَّا أنت.
اللَّهُمَّ كَما حَسَّنتَ خَلْقَنا فحَسِّن خُلُقَنا، وكَما
زَيَّنتَ ظَواهِرَنا فَطَهِّر بَواطِنَنا يَا رَبَّ العَالَمين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن مُنكَراتِ الأخلاقِ والأعمالِ والأهواءِ والأدواء.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا من الكَذِب، وأعيُنَنا من الخِيانَة، إنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِفتاحاً لِلخَير، مِغلاقاً لِلشَّر، هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضَالِّينَ ولا مُضِلِّين.
اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ المُستَضعَفينَ من المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِهم، وفَرِّج هَمَّهم، وتَوَلَّ أمرَهم، واجعَل لَهم من كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجاً، ومن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً.
اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَلِيُّها ومَولاها.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.