🕌 الأمانة الكبرى.. وحصاد الطغيان وبناء الأجيال
#خطبة_جمعة #الأمانة #الثورة_السورية #سقوط_الظلم #تربية_الأبناء #عقيدة #دمشق
الحمدُ للهِ الذي قَصَمَ ظُهورَ الجبابرة، وأذَلَّ رقابَ الأكاسرة، وأورَثَ الأرضَ لعبادِهِ المُستضعَفين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الأمانةَ مِيزانَ الدِّين وقِوامَ اليقين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، الصادقُ الأمين، الذي حَذَّرنا من تضييعِ الأماناتِ والرُّكونِ للظالمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
يا أهلَ الشامِ المُبارَكة، يا أهلَ دِمشقَ الفَيْحَاء.. تَنَفَّسوا اليومَ هَواءَ العِزَّةِ، وارْفَعوا رُؤوسَكُم شُكراً للهِ الذي أذْهَبَ عَنكُم رِجسَ الطُّغيان، وطَوَى صَفحةً من أشدِّ صَفحاتِ التاريخِ ظُلمًا وبَطشًا وغَدراً. لقد سَقَطَ الطاغية، وانْكَسَرَ القَيد، وعادَتِ المآذِنُ تَصدَحُ بتكبيرِ مَن في السَّماء، لا بتمجيدِ طَواغيتِ الأرض. ولكن.. بَعدَ نشوَةِ الفَتحِ وزوالِ الغُمَّة، يَقِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا اليومَ أمامَ مَسؤوليَّةٍ أعظَم، وسُؤالٍ أثقَل: كيف نَحفَظُ الأمانةَ التي سَقَطَ مِن أجلِها الشُّهَداء؟ وما هي حقيقةُ هذه الأمانةِ التي جَعَلها اللهُ مِيزانَ بَقاءِ الأُمَم؟
عبادَ الله، يَظُنُّ كثيرٌ من الناسِ أنَّ الأمانةَ مَحصورةٌ في حِفظِ الأموالِ والوَدائِعِ الماديَّة، وهذا فَهمٌ قاصِرٌ مَنقوص. الأمانةُ في دِيننا هي الدِّينُ كُلُّه، هي العَقيدة، هي الدِّماءُ، هي الأوطانُ، هي الأعراض، هي الأجيالُ التي تَتربَّى في بُيوتنا.
اسمعوا لقولِ ربِّكم جَلَّ وعَلا، وتأمَّلوه بِقُلوبِكم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
تأمَّلوا.. السماواتُ باتِّساعِها، والأرضُ بامتدادِها، والجبالُ برسُوخِها، رَجَفَتْ وأشفَقَتْ من حَملِ هذه الأمانة، لعِظَمِ شأنِها وخَطَرِ تضييعِها، وحَمَلها الإنسان. فمَن رَعَاها كانَ عندَ اللهِ أكرَمَ من الملائكة، ومَن ضَيَّعها وِخانَها، كانَ كما وَصَفهُ القرآن: ظَلوماً جَهولاً.
وقد بيَّن لنا الصادقُ المصدوق ﷺ أنَّ خِيانةَ الأمانةِ هي علامةُ السُّقوطِ الدِّينِيِّ والأخلاقي، فقال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه]. الخيانةُ يا عبادَ اللهِ ليسَت سِمةَ المؤمنين، بل هي سِيمَاءُ المُنافقين.
وإذا أردتُم أن تَعرِفوا أبشَعَ صُوَرِ خِيانةِ الأمانةِ في التارِيخِ المُعاصِر، فانظُروا إلى ما فَعَلَهُ النِّظامُ الباطنِيُّ النُّصيرِيُّ المُجرِمُ في شَامِنا المُبارَكة. لقد استُؤمِنوا على حُكمِ بِلادِ المُسلمين، فماذا فَعَلوا؟
لقد خانوا الأمانةَ العُظمى، وباعُوا البِلادَ، وسَفَكوا الدِّماءَ المَعصُومة. لم يَكتَفوا بسَرِقةِ أموالِ الأمَّة، بل حاوَلوا سَرِقةَ عَقيدتِها. حَوَّلوا المَدارِسَ إلى مَعاسكِرَ لمَسخِ الفِطرة، وأجْبَروا النَّاسَ في زَنازِينِهم أقبيَتِهم المُظلِمةِ على السُّجودِ لِصُوَرِ بَشَرٍ مِثلِهم، وأجْرَوْا كَلِمةَ الشِّركِ على ألسِنَةِ المُستضعَفين بقُوَّةِ السِّياطِ والنَّار.
أيُّها المُسلِمون، إنَّ جرائِمَ هذه الطَّائِفَةِ النُّصيرِيَّةِ ومَن عاوَنَهم مِن غُلاةِ الباطنيَّةِ ليْسَت مُجَرَّدَ أخطاءٍ سِياسيَّة؛ بل هي انحِرافٌ عَقَدِيٌّ جَذريٌّ حَذَّرَ منهُ عُلماءُ الأُمَّةِ مُنذُ قُرون. يقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة رحمهُ اللهُ في وَصفِ هؤلاءِ الباطنيَّة: "هؤلاءِ القومُ المُسَمَّوْن بالنُّصَيرِيَّةِ هُم وسائِرُ أصنافِ القَرامِطةِ الباطنيَّةِ أكفَرُ مِن اليهودِ والنَّصارى، بَل وأكفَرُ مِن كَثيرٍ مِن المُشرِكين، وضَرَرُهم على أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ أعظَمُ مِن ضَرَرِ الكُفَّارِ المُحارِبين.. ولهم في مُعاداةِ الإسلامِ وأهلِهِ وقائِعُ مَشهورة، وكُتُبٌ مَسطورة".
هكذا وَصَفهم العُلماءُ بالأمس، وهكذا رأيناهُم بأعيُنِنا اليوم! قَصَفوا بُيوتَ الله، ودَمَّروا المآذِن، وألْقَوا البَرامِيلَ المُتفَجِّرةَ على الأطفالِ النِّيام، وشَرَّدوا الملايينَ مِن حَرائِرِ الشَّامِ ورِجالِها في بِقاعِ الأرض. ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8].
إنَّنا من على هذا المِنبَر، وفي ظِلِّ هذا الفَتحِ المُبين، نُعلِنُ البَراءَةَ التَّامَّةَ إلى اللهِ من عَقائِدِهم الفاسِدة، ومِن جَرائِمِهِمُ الدَّامِية. نَبرَأُ إلى اللهِ مِن كُلِّ قَطرةِ دَمٍ سَفَكوها، ومِن كُلِّ مَسجِدٍ دَمَّروه. ونُذَكِّرُ أنفُسَنا والعالَمَ أجمَع: لماذا قامَت هذه الثَّورةُ المُبارَكة؟
لم تَقُم ثَورتُنا من أجْلِ رَغيفِ خُبزٍ فَقَط، ولا مِن أجْلِ مَنصِبٍ أو دُنيا زائلة. بل قامَت انتِصاراً لـ "لا إله إلا الله". قامَت لِتَستَرِدَّ أمانةَ الدِّينِ والكَرامةِ التي دِيسَت بالأحذيةِ لعُقود. قامَت الأُمَّةُ لتقولَ للطَّاغية: أنتَ لَستَ رَبّاً، ولا مَعبُوداً، إنَّما أنتَ عَبدٌ ذَليلٌ في قَبضَةِ الجبَّارِ القَهَّار.
يقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6]. ولقد أرانا اللهُ في فِرعَونِ الشَّامِ وجُنودِهِ ما كانُوا يَحذَرون، فلهُ الحَمدُ والمِنَّة.
أيُّها الإخوَةُ الكِرام.. إذا كُنَّا قد انتَصَرنا في معركَةِ التَّحريرِ العَسكري، وإذا كانَتْ أمانةُ الأرضِ قد عادَتْ إلينا، فإنَّنا مُقبِلون على مَعرَكةٍ لا تَقِلُّ شَراسةً وخطورة: إنَّها مَعركةُ "بِناءِ الإنسان" ومَعركةُ "تَطهيرِ العُقول"، إنَّها أمانةُ الأجيالِ القادِمة.
نَحنُ على أبوابِ الإجازةِ الصَّيفيَّة، والأبناءُ سيَخرُجون من مَدارِسِهم، ليَجِدوا أمامهُم وقتاً طَويلاً وفَرَاغاً قاتِلاً. هؤلاءِ الأبناءُ يا عِبادَ الله، هُم أمانةٌ في أعناقِكُم، هُم الغَرسُ الذي تتركونَهُ بَعدكُم.
يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
تأمَّلوا كَلِمة ﴿قُوا﴾.. وِقايَةٌ، حِمايَةٌ، جِدارٌ مَتينٌ تَبنِيهِ بيَنَ أولادِكَ وبينَ النَّار. وكيفَ تَكونُ الوِقايَة؟ أبالتَّهاونِ وتَركِهِم لفَوضَى الشَّاشاتِ والشَّوارع؟ أبتَركِهِم للأجهِزَةِ الذكيَّةِ تَسرِقُ أوقاتَهم وتُفسِدُ عَقائِدَهم؟
يقولُ النبيُّ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.. وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].
إنَّ الطُّغاةَ طَوالَ خَمسينَ عاماً سَعَوْا لِتَدميرِ عُقولِ شَبابِنا، ونَشرِ التَّفاهَةِ والضَّياعِ بَينهم ليَسهُلَ اسْتِعبادُهم. واليومَ، بعدَ أن تَنَفَّسنا الحُريَّة، ألا يَجْدُرُ بنا أن نَصنَعَ جيلاً جَديداً عِصامِيًّا؟ جيلاً يَعرِفُ مَعنى الأمانة، ويَعرِفُ دِماءَ الشُّهداءِ التي عَبَّدَتْ لهُ طَريقَ الكَرامة؟
لقد كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَغتَنِمُونَ أوقاتَ فَراغِ أبنائِهِم لِصِناعَةِ العُظَماء.
استَمِعوا إلى قِصَّةِ أُمِّ الإمامِ مالِكِ بنِ أنسٍ رَحمهُ الله. لمَّا حَلَّ وَقتُ تَعَلُّمِهِ، لم تَترُكهُ يَلعَبُ في أزِقَّةِ المَدينةِ طِيلَةَ وَقتِه، بل ألبَسَتْهُ أجمَلَ الثِّياب، وعَمَّمَتْهُ بعِمامَةٍ جَميلة، ثُمَّ دَفَعَتْهُ بيَدِها إلى مَجلِسِ رَبيعةَ الرَّأي (عالِمِ المَدينة)، وقالَت لهُ كَلِمَةً كُتِبَتْ بِماءِ الذَّهَب: "اذهَب إلى رَبيعة، فَتَعَلَّم مِن أَدَبِهِ قَبلَ أن تَتَعَلَّمَ مِن عِلمِه".
هكذا كانت الأمُّ تَصنَعُ إماماً للأمَّة! شَغَلَت فَراغَهُ بالبِناء.
قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رَحِمهُ الله: "فمَن أهمَلَ تَعليمَ وَلَدِهِ ما يَنفَعُه، وتَرَكَهُ سُدىً، فقد أساءَ إليهِ غايَةَ الإساءة، وأكثَرُ الأولادِ إنَّما جاءَ فَسادُهم مِن قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم لهم، وتَركِ تَعليمِهِم فرائِضَ الدِّينِ وسُنَنَه".
يا آباءنا في دِمشقَ وفي كُلِّ الشَّام.. لا تَترُكوا أبناءكُم للفرَاغِ في هذا الصَّيف. المَساجِدُ التي فُتِحَتْ وحُرِّرَتْ تَنتَظِرُهُم. حَلَقاتُ القُرآنِ تَستَصرِخُكُم. أرسِلوهُم لِيَحفَظوا كِتابَ الله، عَلِّموهُم سِيرةَ نبيِّهِم ﷺ. املَؤوا وِجدانَهُم بِقِصَصِ الصَّحابة. عَلِّموهُم أنَّ هذهِ الحُريَّةَ دُفِعَ ثَمَنُها أشلاءً ودِماء، لِكَيْ لا يَتَنازَلوا عَن دينِهِم بَعدَ أن كَبِروا.
إنَّ الأمانةَ العُظمى اليومَ أن لا تَخونوا اللهَ والرَّسولَ في هؤلاءِ الأطفال. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
نَسألُ اللهَ العَظيمَ أن يُعينَنا على حَملِ الأمانة، وأن يُبارِكَ لنا في أوقاتِنا وأبنائِنا، وأن يَحفَظَ شَامَنا من كُلِّ مَكرٍ وكَيد.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، نَصَرَ عَبدَه، وأعَزَّ جُندَه، وهَزَمَ الأحزابَ وَحدَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتِنا الأولى عن عِظَمِ الأمانةِ التي نَحمِلُها اليومَ بَعدَ زَوالِ طُغيانِ الباطِنيَّةِ النُّصيريَّةِ وعُصْبَتِهم، وقِفنا عِندَ خِيانَتِهم الكُبرى لِلدِّينِ والدِّماءِ والأوطان، وخَتَمنا بِأهميَّةِ بناءِ الجِيلِ الجَديدِ، وصِيانةِ أبنائِنا خِلالَ الإجازةِ الصَّيفيَّةِ ليَكونوا بُناةً للمُستقبَل. والآن، وبَعدَ أن رَفَعَ اللهُ عنَّا الغُمَّة، كيفَ نُتَرجِمُ حِفظَ الأمانةِ إلى واقِعٍ نَعيشُه؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم:
الأولى (قلبية): جَدِّدوا النِّيَّةَ للهِ تعالى، واجعَلوا من فَرَحِكُم بسُقوطِ الطَّاغِيَةِ شُكراً حَقيقياً لا بَطَراً. اسجُدوا للهِ شُكراً في بُيوتِكم، وطَهِّروا قُلوبكُم من أيِّ رُكونٍ لغيرِ اللهِ، فقد رَأيتُم كيف أذَلَّ اللهُ مَن رَكَنَ إلى السِّلاحِ والظُّلم.
الثانية (لسانية): حَدِّثوا أبناءَكم في مَجالِسِكم عن "ثَمَنِ هذا الفَتح". استَخدِموا ألسِنَتكم لِتَرووا لهم قِصَصَ الشُّهداءِ والمُعتقَلين، ومُعاناةَ المُهَجَّرين. لا تَجعَلوا ذاكِرةَ الجِيلِ تُمسَح، فإنَّ أمَّةً تَنسى دِماءَ شُهدائِها، هي أمَّةٌ تُخاطِرُ بِعَودَةِ جَلَّادِها.
الثالثة (عملية): خُذُوا بِأيدي أبنائِكم اليوم — لا غداً — وسَجِّلُوهُم في حَلَقاتِ المَساجِدِ والمَعاهِدِ الشَّرعيَّةِ الصَّيفيَّة. اجعَلوا للوَلَدِ وِرداً يوميَّاً من القُرآنِ ونَشاطاً نافِعاً. احْمُوهُم من غَزْوِ الشَّاشاتِ التي تُدَمِّرُ هُوِيَّتَهم في صَمت.
الرابعة (اجتماعية): تَعاهَدوا أيتامَ الشُّهَداءِ وأرامِلَهُم في هذا الفَتح. إنَّ من أعظَمِ أداءِ الأمانةِ أن نتكافَلَ اليومَ ونَمسَحَ دَمعةَ يَتيمٍ فَقَدَ أباهُ لِنَقِفَ نَحنُ اليومَ في المساجِدِ أحراراً. تَفَقَّدوا جِيرانَكُم وأعِينُوا المُحتاجِين.
الخامسة (موضوعية): رُدُّوا على الانحرافِ الباطنِيِّ والعَقائِدِ الفاسِدةِ بِتَعليمِ أنفُسِكُم وأبنائِكم "التَّوحيدَ الخالِص". إنَّ أفضَلَ طَريقةٍ لِلبَراءِ من عقائِدِ الطُّغاةِ هي تَعَلُّمُ العَقيدةِ السُّنيَّةِ الصَّافيةِ ونَشرُها في كُلِّ بَيتٍ وحَيّ.
فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي الحِصنُ المَتين، وهي التي تَحمِلُكُم على أداءِ الأماناتِ رِعايتِها.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، عملاً بقولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ لكَ الحَمدُ أن أكْرَمتَنا بِزَوالِ الظُّلم، اللَّهُمَّ أَتِمَّ عَلَينا نِعمَتَكَ بِالأمنِ والأمانِ في كُلِّ رُبوعِ الشَّام.
اللَّهُمَّ ارحَم شُهداءَنا، وتَقَبَّل دِماءَهُم، واجبُر كَسرَ المُصابين، وفُكَّ قَيدَ الأسرى والمُعتَقَلين يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ المؤَدِّينَ للأمانات، الحافِظينَ للعُهود، ولا تَجعَلنا مِن الخائِنِينَ الغادِرين.
اللَّهُمَّ احفَظ أبناءَنا وشَبابَنا، وحَبِّب إليهِمُ الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِهم، وكَرِّه إليهِمُ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيانَ، واجعَلهُم مِن الرَّاشِدين.
اللَّهُمَّ اجعَل بُيوتَنا مَحاضِنَ للتَّقوى، وارزُقنا القُوَّةَ على حِمايَةِ أجيالِنا من مُضِلَّاتِ الفِتَن، ما ظَهَرَ منها وما بَطَن.
عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.