من مكتبة مِداد الخطيب

الحَجُّ... رِحْلَةُ الْقُلُوبِ وَمِيلَادُ الرُّوحِ

مشاركة
🕌 الحَجُّ... رِحْلَةُ الْقُلُوبِ وَمِيلَادُ الرُّوحِ #خطبة_جمعة #الحج #عشر_ذي_الحجة #التوبة #موسم_الطاعة #إيمانيات الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، دَعَا عِبَادَهُ لِضِيَافَتِهِ فَأَقْبَلُوا يُلَبُّونَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَخَيْرُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ، فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَاتِ، تَشْخَصُ أَبْصَارُ الْمَلَايِينِ نَحْوَ بَيْداءَ قَاحِلَةٍ، لَا زَرْعَ فِيهَا وَلَا مَاءَ. يَتْرُكُونَ وِسَادَاتِهِمُ الْوَثِيرَةَ، وَيَنَامُونَ عَلَى حَصَى الْمُزْدَلِفَةِ. يَتَجَرَّدُونَ مِنْ ثِيَابِهِمُ الْمُطَرَّزَةِ لِيَلْبَسُوا قِطْعَتَيْنِ مِنْ قُمَاشٍ أَبْيَضَ كَالْكَفَنِ. مَنْ أَرْغَمَهُمْ؟ وَمَا الَّذِي يَدْفَعُ إِنْسَانًا لِيَتْرُكَ مَلَذَّاتِهِ كُلَّهَا، لِيَقِفَ فِي زِحَامٍ خَانِقٍ، تَحْتَ حَرٍّ شَدِيدٍ، تَبْكِي عَيْنَاهُ وَيَرْتَجِفُ قَلْبُهُ؟ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ سَيُغَيِّرُ نَظَرَتَنَا لِلْعِبَادَةِ مِنْ جُذُورِهَا.. فَلْنَقِفْ مَعَهُ الْآنَ. يَقُولُ مَوْلَانَا جَلَّ جَلَالُهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. الْحَجُّ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لَيْسَ رِحْلَةَ أَجْسَادٍ تُسَافِرُ بِالطَّائِرَاتِ، بَلْ هُوَ رِحْلَةُ قُلُوبٍ تُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ السَّمَاوَاتِ. الْحَجُّ هُوَ رِحْلَةُ التَّجَرُّدِ وَالِاسْتِسْلَامِ التَّامِّ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. تَأَمَّلُوا.. لِمَاذَا شُرِعَ الْإِحْرَامُ؟ إِنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثَوْبٍ نَرْتَدِيهِ، بَلْ هُوَ إِعْلَانُ مُسَاوَاةٍ كُبْرَى؛ يَقِفُ الْغَنِيُّ بِجِوَارِ الْفَقِيرِ، وَالْأَمِيرُ مَعَ الْأَجِيرِ، لَا رُتَبَ تُرْفَعُ، وَلَا مَنَاصِبَ تَشْفَعُ، وَلَا أَلْقَابَ تَلْمَعُ. كُلُّهُمْ يَهْتِفُونَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ تَتَصَدَّعُ لَهُ الْجِبَالُ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ". وَهَلْ تَدْرُونَ مَا مَعْنَى "لَبَّيْكَ"؟ مَعْنَاهَا: جِئْنَاكَ يَا رَبَّنَا مُسْتَسْلِمِينَ، مُنْقَادِينَ، تَارِكِينَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا خَلْفَ ظُهُورِنَا! وَلْنَعُدْ بِالذَّاكِرَةِ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ إِلَى الْبِدَايَةِ الْأُولَى. كَيْفَ بَدَأَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ الْعَظِيمَةُ؟ نَبِيُّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَتْرُكُ زَوْجَتَهُ هَاجَرَ وَطِفْلَهُ الرَّضِيعَ إِسْمَاعِيلَ فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ. بَلَدٌ مُوحِشٌ، لَا بَشَرَ فِيهِ، وَلَا مَاءَ، وَلَا حَيَاةَ. تَلْحَقُ بِهِ الزَّوْجَةُ الْمُؤْمِنَةُ وَتَسْأَلُهُ بِنَبْرَةِ الْخَائِفِ: أَتَتْرُكُنَا هُنَا؟ فَلَا يَلْتَفِتُ. فَتَسْأَلُهُ بِفِطْرَةِ الْمُوقِنِ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ كَلِمَةً خَلَّدَهَا التَّارِيخُ: "إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا". ثُمَّ تَمْضِي السُّنُونُ، وَيُنَادِيهِ رَبُّهُ جَلَّ وَعَلَا أَمْرًا بِالْبِنَاءِ وَالدَّعْوَةِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]. نَادَى إِبْرَاهِيمُ فِي صَحْرَاءَ خَالِيَةٍ صَامِتَةٍ، فَتَكَفَّلَ اللَّهُ بِإِيصَالِ صَوْتِهِ إِلَى أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. إِنَّهَا قِصَّةُ صِدْقٍ مَعَ اللَّهِ، وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ، خَلَّدَ اللَّهُ ذِكْرَهُ. أَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِي هَذَا؟ هَلْ رَأَيْتُمْ كَيْفَ أَنَّ الِامْتِثَالَ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَوْ خَالَفَ هَوَى النَّفْسِ، هُوَ طَرِيقُ النَّجَاةِ وَالرِّفْعَةِ؟
وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَزَاءُ عَظِيمًا يَتَجَاوَزُ الْمَقَايِيسَ. يَقُولُ حَبِيبُكُمْ وَنَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَشِّرًا لِلْأُمَّةِ قَاطِبَةً: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). سُبْحَانَ اللَّهِ! كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ! صَفْحَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، خَالِيَةٌ مِنَ السَّيِّئَاتِ، مَمْحُوَّةٌ عَنْهَا الْخَطَايَا. أَيُّ كَرَمٍ هَذَا؟ أَيُّ فَضْلٍ ذَاكَ؟ وَقَدْ قَرَّرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْنًى بَلِيغًا حِينَ قَالَ مَا مَعْنَاهُ إِنَّ سَيْرَ الْقُلُوبِ إِلَى اللَّهِ أَسْرَعُ مِنْ سَيْرِ الْأَبْدَانِ. فَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ يَبْدَأُ مِنْ قَلْبٍ انْكَسَرَ لِلَّهِ قَبْلَ جَسَدٍ طَافَ بِالْكَعْبَةِ. وَلَكِنْ، دَعُونِي أَسْأَلُكُمْ، وَأَسْأَلُ نَفْسِي مَعَكُمْ: انْظُرُوا إِلَى حَالِنَا الْيَوْمَ! كَمْ مِمَّنْ يَرْتَدِي لِبَاسَ الْإِحْرَامِ، وَيَقِفُ أَمَامَ أَعْظَمِ بَيْتٍ فِي الدُّنْيَا، تَرَى هَاتِفَهُ بِيَدِهِ لَا يُفَارِقُهُ؟! عَيْنَاهُ مُعَلَّقَتَانِ بِالشَّاشَةِ، يُتَابِعُ أَخْبَارَ تِجَارَتِهِ، وَيَلْتَقِطُ الصُّوَرَ لِيَرَاهَا النَّاسُ، جَاءَ بِجَسَدِهِ لَكِنَّ رُوحَهُ بَقِيَتْ هُنَاكَ، مَسْجُونَةً فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَظَاهِرِ! أَيْنَ قَلْبُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَأَنْتَ فِي ضِيَافَةِ مَلِكِ الْمُلُوكِ؟ أَيْنَ انْكِسَارُكَ؟ أَيْنَ خُضُوعُكَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ قَالَبًا بِطَافٍ، إِذَا كَانَ الْقَلْبُ هَائِمًا بِالدُّنْيَا. وَوَاللَّهِ إِنَّ التَّأْثِيرَ لَيَصِلُ ذُرْوَتَهُ إِذَا تَأَمَّلْنَا مَشْهَدَ عَرَفَةَ! ذَلِكَ الْمَشْهَدُ الَّذِي تَتَصَاغَرُ فِيهِ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا. وُقُوفٌ خَاشِعٌ، وَأَيْدٍ مُرْتَفِعَةٌ، وَعُيُونٌ بَاكِيَةٌ. يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ أَنَّهُ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَنَظَرَ إِلَى مَلَايِينِ الْبَشَرِ يَضِجُّونَ بِالدُّعَاءِ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْتَفَتَ لِمَنْ حَوْلَهُ وَقَالَ بِصَوْتٍ يَخْنُقُهُ الْبُكَاءُ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ صَارُوا إِلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ لَئِيمٍ، فَسَأَلُوهُ دَانِقًا (أَيْ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ دِرْهَمٍ)، أَكَانَ يَرُدُّهُمْ؟" قَالُوا: لَا وَاللَّهِ. فَبَكَى حَتَّى سَقَطَ، وَقَالَ: "وَاللَّهِ لَمَغْفِرَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ إِعْطَاءِ رَجُلٍ دَانِقًا!". يَا لَعَظَمَةِ هَذَا الرَّبِّ الرَّحِيمِ! هَلْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ سَيَرُدُّ هَذِهِ الْأَيَادِيَ الْمُرْتَفِعَةَ؟ هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ دُمُوعَ التَّائِبِينَ، وَأَنِينَ الْمُذْنِبِينَ تَذْهَبُ هَبَاءً مَنْثُورًا؟ كَلَّا وَاللَّهِ! يَقُولُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). يَوْمُ الْعِتْقِ الْأَكْبَرِ، يَوْمُ الرَّحْمَةِ الْعُظْمَى، فَيَا طُوبَى لِمَنْ شَهِدَهُ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ، وَوِجْدَانٍ سَلِيمٍ! وَأَمَّا نَحْنُ الْيَوْمَ، فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ بَرَكَاتُ الْحَجِّ لِمَنْ سَافَرَ وَلَبَّى وَطَافَ، فَمَاذَا يَفْعَلُ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ، وَأَقْعَدَهُ الْفَقْرُ أَوِ الْمَرَضُ هُنَا فِي بَلَدِهِ؟ هَلْ نُحْرَمُ مِنْ هَذَا الْفَضْلِ؟ هَلْ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ دُونَنَا؟ هَذَا مَا سَنُجِيبُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِنَا الثَّانِيَةِ، فَإِنَّ أَبْوَابَ اللَّهِ لَا تُغْلَقُ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. --- الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ طُفْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى حَوْلَ أَسْرَارِ الْحَجِّ وَكَيْفَ أَنَّهُ هِجْرَةٌ بِالْقَلْبِ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا بِالْأَبْدَانِ، وَوَقَفْنَا مَعَ مَشَاهِدِ الرَّحْمَةِ الْكُبْرَى يَوْمَ عَرَفَةَ. وَالْآنَ يَبْقَى السُّؤَالُ الْأَهَمُّ: كَيْفَ نَعِيشُ هَذَا الْمَوْسِمَ وَنَحْنُ فِي بُيُوتِنَا؟ كَيْفَ نُزَاحِمُ الْحُجَّاجَ فِي الْأَجْرِ وَنَحْنُ هُنَا لَمْ نَرْحَلْ؟
لِذَلِكَ أُوصِيكُمْ بِخَمْسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ، قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُمْ هَذَا: الْأُولَى (وَصِيَّةٌ قَلْبِيَّةٌ): أَخْلِصُوا لِلَّهِ التَّوْبَةَ وَالنِّيَّةَ الْيَوْمَ. فَإِنْ كَانَتْ الْأَبْدَانُ قَدْ حُبِسَتْ، فَلْتَطُفِ الْقُلُوبُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، وَلْتَسْعَ الْأَرْوَاحُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِنَاءً عَلَى التَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يُبَلِّغُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ. الثَّانِيَةُ (وَصِيَّةٌ لِسَانِيَّةٌ): عَطِّرُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالذِّكْرِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا: "فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ". اِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ تَضِجُّ بِذِكْرِ اللَّهِ كَمَا تَضِجُّ مِنًى بِأَصْوَاتِ الْمُلَبِّينَ. الثَّالِثَةُ (وَصِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): صُومُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ، وَلَا تُفَرِّطُوا أَبَدًا فِي صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ. اغْتَنِمُوهُ لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ، فَهُوَ يَوْمٌ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ مِنْ ذُنُوبِكُمْ. صُومُوا عَنِ الطَّعَامِ، وَصُومُوا عَنِ الْحَرَامِ. الرَّابِعَةُ (وَصِيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ): صِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. فَالْحَجُّ مُؤْتَمَرٌ لِلْمُسَامَحَةِ، فَلَا يَصْعَدُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ إِلَى اللَّهِ وَفِي الْقَلْبِ قَطِيعَةٌ، أَوْ غِلٌّ، أَوْ شَحْنَاءُ لِأَخٍ مُسْلِمٍ. مَنْ خَاصَمَ، فَلْيَبْدَأْ بِالسَّلَامِ الْيَوْمَ. الْخَامِسَةُ (وَصِيَّةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ): مَنْ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ وُقُوفُ عَرَفَةَ، فَلْيَقِفْ مَعَ حُدُودِ اللَّهِ فَلَا يَتَعَدَّاهَا. وَمَنْ لَمْ يَرْمِ الْجَمَرَاتِ، فَلْيَرْمِ الشَّيْطَانَ بِمُخَالَفَةِ الْهَوَى. وَمَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلْيُعَظِّمْ شَعِيرَةَ الْأُضْحِيَّةِ، وَيُطْعِمِ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ لِيُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ الْغَايَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ الْحَجُّ وَالذَّبْحُ، وَهِيَ زَادُكُمُ الْحَقِيقِيُّ فِي سَفَرِكُمُ الطَّوِيلِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا حِينَ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ يَا مَنْ تَلَبَّتْ لَهُ الْحَنَاجِرُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ، وَذَلَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، تَقَبَّلْ مِنَ الْحَجَّاجِ حَجَّهُمْ، وَمِنَ الصَّائِمِينَ صَوْمَهُمْ، وَمِنَ الذَّاكِرِينَ ذِكْرَهُمْ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنَّا قَدْ حُرِمْنَا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ هَذَا الْعَامَ بِأَجْسَادِنَا، فَلَا تَحْرِمْنَا مَغْفِرَتَكَ وَعِتْقَكَ وَفَضْلَكَ بِقُلُوبِنَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ كَمَا بَيَّضْتَ ثِيَابَ الْحُجَّاجِ بِالْإِحْرَامِ، بَيِّضْ صَحَائِفَنَا بِالْمَغْفِرَةِ، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ، وَارْزُقْنَا زِيَارَةَ بَيْتِكَ الْحَرَامِ مَرَّاتٍ وَعَدِيدَاتٍ حُجَّاجًا وَعُمَّارًا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَدَارَكْتَهُمْ بِرَحْمَتِكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَعْتَقْتَ رِقَابَهُمْ مِنَ النَّارِ، وَغَفَرْتَ لَهُمْ كُلَّ عَارٍ وَشَنَارٍ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَارْحَمْ مُسْتَضْعَفِيهِمْ، وَاجْبُرْ كَسْرَهُمْ، وَانْصُرْ مَظْلُومَهُمْ، يَا نَاصِرَ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينِ. عِبَادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.