🕌 سَلامَةُ الصُّدُورِ... جَنَّةُ الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَة
#خطبة_جمعة #سلامة_الصدر #العفو_والتسامح #صلة_الرحم #أخلاق #رقائق #تربية_النفس
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ سَلامَةَ القُلوبِ مِفتاحًا لِدُخولِ الجَنَّات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، نَقَّى صُدورَ أوليائِهِ من الغِلِّ والحَسَدِ فَفازوا بالرِّضوان، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أطهَرُ النَّاسِ قَلبًا، وأصدَقُهُم لِسانًا، وأعظَمُهُم عَفوًا وتَسامُحًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ سَليمَ الصَّدرِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
تَخيَّلوا معي رَجُلًا لا يَصومُ النَّهارَ إلَّا الفَريضة، ولا يَقومُ اللَّيلَ إلَّا قَليلًا، ومع ذلكَ يُقسِمُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ أنَّهُ من أهلِ الجَنَّة! وفي المُقابِل.. رَجُلٌ يَصومُ، ويُصَلِّي، ويَتَصَدَّق، وتُعرَضُ أعمالُهُ على اللهِ مَرَّتَينِ في الأُسبوع، فيَقولُ اللهُ لملائكَتِه: «اتركوا هذا العَبدَ، لا تَرفَعوا لَهُ عَمَلًا».
ما السِّرُّ الذي رَفَعَ الأوَّلَ وأسقَطَ الثَّاني؟ السِّرُّ ليس في الجَوارح، بل في مُضغَةٍ بَينَ الأضلاع.. السِّرُّ في "الصَّدر". هذا ما سَنَعرِفُهُ بعد قليل.
يا عِبادَ الله، نَحنُ في زَمَنٍ بَنَينا فيهِ أطوَلَ القُصور، وضَيَّقنا فيهِ أوسَعَ القُلوب. زَمَنٌ نَتَواصَلُ فيهِ مع مَن في أقصى مَشارِقِ الأرضِ ومَغاربِها في كَسرٍ من الثَّانية، ونَقطَعُ فيهِ رَحِمًا وأخًا وجارًا يَسكُنُ مَعنا في نَفسِ الشَّارعِ لِسَنَوات! زَمَنٌ كثُرَت فيهِ صَلَواتُنا وصَدَقاتُنا في الظَّاهر، وتَراكَمَت فيهِ أحقادُنا وضَغائنُنا في الباطِن.
واللهِ يا إخوتي، إنَّ القَضيَّةَ لَيست مُجَرَّدَ "أخلاقٍ ومُجامَلاتٍ اجتماعيَّة"، بل هي قَضيَّةُ نَجاةٍ أو هَلاكٍ يومَ العَرضِ الأكبَر.
يَقولُ رَبُّنا جَلَّ جَلالُه، واصِفًا مَشهَدَ القِيامَةِ الأَعظَم: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
تَأمَّلوا هذهِ الآيةَ جَيِّدًا. لم يَقُل رَبُّنا: إلَّا مَن أتى اللهَ بِصَلاةٍ كَثيرة، أو صِيامٍ طَويل، بل قال: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. لأنَّ القَلبَ هو المَلِك، والأعمالَ جُنودُه. فإن كانَ المَلِكُ مَريضًا بالحِقدِ، والحَسَدِ، والكِبرِ، والغِلِّ على عِبادِ الله.. فَسَدَت كُلُّ أعمالِ الجُنود.
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "القلبُ السَّليمُ هو الَّذي سَلِمَ من شِركٍ يُناقِضُ التَّوحيد، وبِدعَةٍ تُخالِفُ السُّنَّة، وشَهوَةٍ تُخالِفُ الأمر، وغَفلةٍ تُناقِضُ الذِّكر، وهَوىً يُناقِضُ التَّجريدَ والإخلاص". ومن أعظَمِ أسسِ سَلامَتِهِ: سَلامَتُهُ من إرادَةِ الشَّرِّ لِعِبادِ الله.
هل سَأَلَ أحَدُنا نَفسَهُ يَومًا: كيفَ رَصيدي من سَلامَةِ الصَّدر؟ نَحنُ نُفَتِّشُ حِساباتِنا البَنكيَّةَ كُلَّ يَوم، ونُفَتِّشُ هَواتِفَنا كُلَّ ساعَة، فهل فَطِنَّا لِتَفتيشِ قُلوبِنا قَبلَ أن نَنام؟
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الَّذي يَجعَلُ كُلَّ مُخَصامٍ أو مُقاطِعٍ يَرتَجِفُ خَوفًا على عَمَلِه.
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» (رواهُ مُسلم).
يا سُبحانَ الله! تَصَوَّروا المَشهَد.. بابُ الجَنَّةِ يُفتَح. رَحمةُ اللهِ تَتَنَزَّل. عَمَلُكَ الَّذي تَعِبتَ فيهِ طَوالَ الأُسبوع — صَلاتُك، دُعاؤك، صَدَقَتُك — يَصعَدُ إلى السَّماء، حَتَّى إذا وَصَل.. وَجَدَ البابَ مُغلَقًا!
لِماذا يا رَبّ؟ ألم أُصَلِّ؟ ألم أصُم؟
فيَأتي الجَواب: بَلى، ولَكِنَّ في قَلبِكَ شَحناءَ وقطيعةً لأخيك! قَد يَكونُ أخاكَ من أُمِّكَ وأبيك، اختَلَفتُما على مِترٍ من مِيراث، فَقاطَعتَهُ عَشرَ سِنين! قَد يَكونُ جارَك، اختَلَفتُما على مَوقِفِ سَيَّارة، فهَجَرتَه! قَد يَكونُ صَديقَك، قالَ كَلِمةً في لَحظَةِ غَضَب، فَحَمَلتَها في قَلبِكَ كَالجَمرَةِ المُشتَعِلَة!
«أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».. أوقِفوا أعمالَهُما، لا تَقبَلوها، حتَّى يُنَظِّفا قُلوبَهُما.
أيُّها المَحرومُ بِقَطيعَتِه.. هل تَستَحِقُّ الدُّنيا بِرُمَّتِها أن تُوقِفَ قَبولَ صَلاتِكَ ودُعائكَ خَمسَ عَشرَةَ سَنة؟ هل يَستَحِقُّ المِيراثُ أو الخِلافُ التَّافِهُ أن تَقِفَ يَومَ القِيامَةِ مُفلِسًا لأنَّ أعمالَكَ كُلَّها كانت "مُعَلَّقَة" مَوقوفَة؟
وعلى النَّقيضِ تَمامًا، تَعالَوا نَنتَقِل إلى صِفَةِ مَن طَهَّرَ صَدرَه، كيفَ يَسبِقُ العُبَّادَ والزُّهَّاد.
جَلَسَ النَّبيُّ ﷺ يَومًا مَع أصحابِه، فَقالَ كَلِمَةً زَلزَلَتِ المَجلِس: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». فطَلَعَ رَجُلٌ بَسيطٌ منَ الأنصار، تَنطُفُ لِحيَتُهُ من وُضوئِه. وفي اليَومِ الثَّاني قالَها ﷺ، فطَلَعَ نَفسُ الرَّجُل. وفي اليَومِ الثَّالثِ قالَها، فَطَلَعَ نَفسُ الرَّجُل!
عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاص (وكانَ شابًّا عابِدًا حَريصًا على الجَنَّة) أرادَ أن يَعرِفَ السِّر. فَتَحايَلَ على الرَّجُلِ وباتَ عِندَهُ في بَيتِهِ ثَلاثَ لَيالٍ لِيُراقِبَ عِبادَتَه.
تَخَيَّلوا ماذا وَجَدَ عَبدُ الله؟
يَقول: فَلَم أَرَهُ يَقومُ منَ اللَّيلِ شَيئًا كَثيرًا! بَل كانَ إذا تَعارَّ (أي استَيقَظَ وتَقَلَّبَ) من اللَّيلِ يَذكُرُ الله، ولا يَقومُ إلَّا لِصَلاةِ الفَجر.
فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلاثُ لَيالٍ، قالَ لَهُ عَبدُ الله: يا عَمّ، لم يَكُن بَيني وبَينَ أبي غَضَب، ولَكِنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ عَنكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ إنَّكَ من أهلِ الجَنَّة، فأرَدتُ أن أعرِفَ عَمَلَكَ لأقتَديَ بِك، فلَم أرَكَ تَعمَلُ كَبيرَ عَمَل! فَما الَّذي بَلَغَ بِكَ ما قالَ رَسولُ الله؟
هُنا.. وفي هَذِهِ اللَّحظَةِ الحاسِمَة، نَطَقَ الرَّجُلُ بِالسِّرِّ الَّذي جَعَلَهُ يَمشي على الأرضِ وهو من أهلِ الجَنَّة.. قال: "مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ.. غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ".
فَقالَ لَهُ عَبدُ الله: "هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهَذِهِ الَّتِي لَا نُطِيقُ!".
نَعَم يا عِبادَ الله.. «هَذِهِ الَّتِي لَا نُطِيقُ». الصَّلاةُ سَهلَة، والصِّيامُ مَقدورٌ عَلَيه، ولَكِنَّ تَطهيرَ القَلبِ منَ الغِلِّ والحَسَدِ والكِبرِ يَحتاجُ إلى جِهادٍ جَبَّار. أن تَضَعَ رَأسَكَ على وِسادَتِكَ كُلَّ لَيلَة، وتَقولَ بِصِدق: "يا رَبّ، إنِّي قَد عَفَوتُ عَن كُلِّ مَن ظَلَمَني، واغتابَني، وأخَذَ حَقِّي، واشتَمَني، صَدَقَةً لِوَجهِكَ الكَريم".. هذا هو العَمَلُ الَّذي يَصنَعُ المُعجِزات.
ولَعَلَّ قائِلًا يَقولُ في نَفسِهِ الآن: "يا خَطيب، أنتَ لا تَعرِفُ واقِعَنا! لَقَد ظَلَموني ظُلمًا عَظيمًا. أُختي أكلَت حَقِّي. أخي شَتَمَني أمامَ النَّاس. صَديقي طَعَنَني في ظَهري. كيفَ أعفو وتَسلَمُ صَدري بَعدَ كُلِّ هذا الألَم؟ العَفوُ ضَعفٌ وإهانَة!".
وأنا أقولُ لَك: مَن قالَ إنَّ العَفوَ ضَعف؟ قالَ النَّبيُّ ﷺ — وهو الصَّادِقُ المَصدوق: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» (رواهُ مُسلم). لَم يَقُل "إلَّا ذُلًّا"، بل "إلَّا عِزًّا". العَفوُ هو أخلاقُ الكِبارِ الَّذينَ يَنظُرونَ إلى الآخِرَة، لا إلى مَعارِكِ الدُّنيا التَّافِهَة.
واسمَعوا إلى هذا المَشهَدِ التَّاريخيِّ العَجيب، لِتَعرِفوا كَيفَ كانَ عُلَماءُ السَّلَفِ يُعالِجونَ قُلوبَهُم.
الإمامُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله، سُجِنَ، وعُذِّب، وضُيِّقَ عَلَيه، وكانَ وراءَ هذا الإيذاءِ عُلَماءُ وخصومٌ حَرَّضوا السُّلطانَ عَلَيه. وتَمُرُّ الأيَّام، ويَأتيهِ أحَدُ تَلاميذهِ الكِبار (وهو ابنُ القَيِّم) مُبَشِّرًا وفَرِحًا، يَزُفُّ لَهُ خَبَرَ مَوتِ أكبَرِ أعدائِه، الرَّجُلِ الَّذي كانَ سَبَبًا في سَجنِه!
ماذا فَعَلَ ابنُ تَيميَّة؟ هل فَرِح؟ هل سَجَدَ شُكرًا للهِ أن أهلَكَ عَدوَّه؟
يَقولُ ابنُ القَيِّم: "فَنَهَرَني (أي صَرَخَ فِيَّ وزَجَرَني)، وتَنَكَّرَ لي، واستَرجَعَ (قال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون)، ثُمَّ قامَ مِن فَورِهِ إلى بَيتِ أهلِ المُتَوَفَّى فعَزَّاهُم، وقالَ لَهُم: أنا لَكُم مَكانَه، لا تَحتاجونَ إلى شَيءٍ إلَّا أخبَرتُموني!".
يا لَعَظَمَةِ هَذِهِ القُلوب! هَؤُلاءِ رِجالٌ فَهِموا قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40].
إذا كانَ مَلِكٌ من مُلوكِ الدُّنيا يَقولُ لَك: "تَنازَل عَن حَقِّكَ لأجلي وأجرُكَ وثَمَنُكَ عِندي".. فكيفَ سَتَكرمُك عَطِيَّتُه؟ فكيفَ إذا كانَ مَلِكُ المُلوك، مالِكُ السَّماواتِ والأرض، هو الَّذي يَقولُ لَك: «فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ»؟! أيُّ عَطاءٍ، وأيُّ كَرامةٍ، وأيُّ جَنَّةٍ سَيُعطيكَ إيَّاها إذا نَزَعتَ الغِلَّ مِن قَلبِكَ لأجلِه؟
أمَّا واقِعُنا المُعاصِر، فَقَد زادَت فيهِ أسبابُ قَسوةِ القُلوب.
دَخَلَت وسائِلُ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ بُيوتَنا، فصِرنا نَرى "جَروباتِ" العائلةِ على (الواتساب) تَنفَجِرُ بالقَطيعَةِ من أجلِ مِزاحٍ غَيرِ مَقصود، أو كَلِمَةٍ عابِرَة. تَجِدُ الأخَ يُغادِرُ المَجموعَة، ويُقاطِعُ إخوَتَهُ أشهُرًا، لأنَّ أحَدَهُم لَم يَرُدَّ على رِسالَتِه!
وتَجِدُ النِّساءَ في مَجالِسِهِنَّ، تَنظُرُ إحداهُنَّ إلى صورَةِ حَياةِ الأُخرى ومَطاعِمِها ومَلابِسِها في الشَّاشَة، فيَشتَعِلُ قَلبُها حَسَدًا وغِلًّا، وتَقول: "لِماذا هي ولَيسَ أنا؟"، حَتَّى يَأكُلَ الحَسَدُ حَسَناتِها كَما تَأكُلُ النَّارُ الحَطَب.
قالَ النَّبيُّ ﷺ مُحَذِّرًا إيَّانا قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ.. لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» (رواهُ التِّرمِذي).
يَحيا الحَقودُ في دُنياهُ في عَذابٍ دائم. لا يَنامُ مُرتاحًا، ولا يَأكُلُ هَنيئًا، كُلَّما رَأى نِعمَةً على أخيهِ ضاقَ صَدرُه. والحَسَدُ — يا عِبادَ الله — هو الذَّنبُ الوَحيدُ الَّذي لا يَعودُ على صاحِبِهِ بِمُتعَةٍ أو لَذَّة، بل بِحَرقَةٍ وهَمٍّ مُقيم. أمَّا سَليمُ الصَّدر، فَيَعيشُ في جَنَّةٍ قَبلَ جَنَّةِ الآخِرَة. كُلَّما رَأى نِعمَةً على مُسلِمٍ، فَرِحَ ودَعا لَهُ بِالبَرَكَة، فَيُرَدِّدُ المَلَك: "ولَكَ بِمِثل".
يا أُمَّةَ مُحَمَّد، إنَّ اللهَ قَد وَصَفَ الجَنَّةَ بِوَصفٍ عَجيب. لَم يَكتَفِ بِوَصفِ أنهُرِها وقُصورِها وحورِها، بَل نَصَّ على أعظَمِ نَعيمٍ نَفسيٍّ فيها، فَقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]. لا غِلّ.. لا حَسَد.. لا ضَغينَة.
فَمَن أرادَ هَذا النَّعيمَ هُناك، فَلْيَبدَأ بِصِناعَتِهِ هُنا.. في قَلبِه، اليَومَ قَبلَ الغَد.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلمينَ من كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ خَطَرِ الغِلِّ والشَّحناء، وكَيفَ أنَّها تُوقِفُ رَفعَ الأعمالِ إلى اللهِ يَومَيِ الإثنَينِ والخَميس، ورَأَينا كَيفَ فازَ ذَلِكَ الرَّجُلُ المَجهولُ بِشهادَةِ النَّبيِّ ﷺ لَهُ بالجَنَّةِ لِسَلامَةِ صَدرِه.
والآنَ، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأكبَرِ الَّذي يَحسِمُ قَضِيَّتَنا: كَيفَ نُطَهِّرُ هَذِهِ الصُّدور في حَياتِنا الواقِعِيَّةِ المَليئَةِ بِالمُشاحَنات؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، مَن أخذَ بِها طَهَّرَ اللهُ صَدرَهُ وأراحَ بالَه:
الأُولى (قَلبيَّة): عاهِدِ اللهَ اللَّيلَةَ — قَبلَ أن تَنام — أن تَعفوَ عَن كُلِّ مَن ظَلَمَكَ وأساءَ إلَيكَ عَفْوًا مُطلَقًا لِوَجهِ الله. قُل: "يا رَبّ، إنِّي تَصَدَّقتُ بِعِرضي على المُسلمين، فَمَن شَتَمَني أو ظَلَمَني أو أكلَ حَقِّي فَهو في حِلِّ". افعَلها كَي يَنامَ قَلبُكَ هادِئًا، ولِتَنالَ عِزَّةَ الدُّنيا وأجرَ الآخِرَة، ولِتُفتَحَ لِعَمَلِكَ أبوابُ السَّماء.
الثَّانِيَة (لِسانيَّة): سِلاحُكَ العَجيبُ ضِدَّ الشَّيطان: إذا وَجَدتَ في قَلبِكَ غِلًّا وحِقدًا على إنسانٍ بَعَينِه.. فارفَع يَدَيكَ وادعُ لَهُ بِالخَيرِ والتَّوفيقِ والمَغفِرَة بظَهرِ الغَيب! إنَّ الدُّعاءَ لِمَن تَكرَه، يَكسِرُ كِبرَ النَّفس، ويُحطِّمُ خُطَطَ الشَّيطانِ الَّذي يَسعى للتَّفريق، ويَجعَلُ المَلَكَ يَقول: "ولَكَ بِمِثل".
الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): بَعثِرِ الخِصامَ بِرِسالَةٍ أو مُكالمَة. اليَوم، خُذ هاتِفَك، وابعَث رِسالَةَ سَلامٍ لأخٍ قاطَعتَهُ مُنذُ أشهُر، أو قَريبٍ هَجَرتَه مُنذُ سَنوات. لا تَنتَظِر مِنهُ رَدًّا، ولا تُعاتِبه، ولا تَطلُب اعتِذارًا. قُل: "السَّلامُ عَلَيكُم، كَيفَ حَالُك، سامَحَنا اللهُ وإيَّاك". هَذِهِ الخُطوةُ البَسيطَةُ هي الَّتي تَصنَعُ "خَيرُكُما الَّذي يَبْدَأُ بِالسَّلام".
الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): إيَّاكَ أن تَكونَ بَريدَ الشَّيطانِ بَينَ النَّاس! لا تَنقُل كَلامًا سَيِّئًا من شَخصٍ لآخَر. إذا سَمِعتَ فُلانًا يَذُمُّ فُلانًا، فَادفِنِ الكَلِمَةَ في مَكانِها، ولا تَكُن مِمن يَمشونَ بِالنَّميمَةِ لِيُفسِدوا بَينَ الإخوَة، فالنَّمَّامُ لا يَدخُلُ الجَنَّة. بَل كُن مِفتاحًا لِلخَير، مُصلِحًا بَينَ النَّاس.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة حَياتيَّة): توقَّف عن مُراقَبَةِ حَياةِ الآخَرينَ على شاشاتِ التَّواصُل، وتَوَقَّف عَنِ المُقارَنَة! مَن راقَبَ حَياةَ النَّاسِ أفسَدَ قَلبَهُ بِالحَسَد، واحتَقَرَ نِعمَةَ اللهِ عَلَيه. ارضَ بِما قَسَمَ اللهُ لَك تَكُن أغنَى النَّاس، وبارِك لأخيكَ ما رُزِق، يُبارِك لَكَ اللهُ فيما أُعطيت.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ هَذِهِ الدُّنيا أقصَرُ مِن أن نَقضِيَها في الخُصومات، وأهونُ مِن أن نُعَلِّقَ فيها قَبولَ أعمالِنا بِسَبَبِ قَطيعَة.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائِل: "لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا".
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تَرزُقَنا قُلوبًا سَليمَة، ونُفوسًا مُطمَئِنَّة، تَرضى بِقَضائك، وتَقنَعُ بِعَطائك.
اللَّهُمَّ انزَع مِن قُلوبِنا الغِلَّ، والحِقدَ، والحَسَدَ، والشَّحناءَ لإخوانِنا المُؤمِنين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَعفو ويَصفَح، ومِمَّن يُقابِلُ الإساءَةَ بالإحسان، طَمَعًا في مَغفِرَتِكَ ورِضوانِك.
اللَّهُمَّ مَن ظَلَمَنا أو أساءَ إلَينا فَقَد عَفَونا عَنهُ لِوَجهِكَ الكَريم، فاعفُ عَنَّا، واغفِر لَنا، وارحَمنا، إنَّكَ أنتَ العَفُوُّ الغَفور.
اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِ المُسلمين، وأصلِح ذاتَ بَينِهِم، واهدِهِم سُبُلَ السَّلام، وجَنِّبهُمُ الفَواحِشَ والمِحَنَ والذُّنوبَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن.
اللَّهُمَّ ارزُقنا قَبلَ المَوتِ تَوبَة، وعِندَ المَوتِ شَهادَة، وبَعدَ المَوتِ جَنَّةً ونَعيمًا.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَر، واللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون.
وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.