من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

الاحتكار وقت الحاجة: حين تتحول المعاناة إلى فرصة جشع

مشاركة
🕌 الاحتكار وقت الحاجة: حين تتحول المعاناة إلى فرصة جشع #خطبة_جمعة #الاحتكار #أكل_أموال_الناس #التجارة_مع_الله #الرحمة_بالخلق #فقه_المعاملات #الأخلاق الحمدُ للهِ الذي بَسَطَ الرِّزقَ لعِبادِه بقَدَر، وأحَلَّ البَيعَ وحَرَّمَ أكلَ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ والضَّرَر، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الرَّحمَةَ مِفتاحَ الخَيرِ والبَرَكات، والمُتاجَرَةَ بآلامِ الخَلقِ مُمحِقَةً للمَكاسِبِ والثَّرَوات. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ النَّاسِ بالنَّاس، وأعظَمُ مَن أرشَدَ التُّجَّارَ إلى طَريقِ النَّجاة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا معي رَجُلاً يَحضُرُ الجُمَعَ والجَماعات، ويَصومُ النَّهار، ويُصلِّي في الصَّفِّ الأوَّل، لكنَّه يُبعَثُ يومَ القِيامَةِ ووُقوفُهُ مع قَتَلَةِ النُّفوسِ وقُطَّاعِ الطُّرق! ما هو الذَّنبُ العَظيمُ الذي يَجعَلُهُ في هذا الدَّرَك؟ وكيف يَتَحَوَّلُ طَعامُ النَّاسِ وداؤُهُم إلى نيرانٍ تَتَّقِدُ في بُطونِ بَعضِ البَشَر؟ سِرٌّ خَطيرٌ وجَوابٌ مُفزِع، قد يُغَيِّرُ نَظرَتَنا للأسواقِ والمَكاسِبِ إلى الأبَد... فَأَرعوني أسماعَكُم وقُلوبَكُم. أيها الإخوةُ المؤمنون، مَشهَدٌ يَتَكَرَّرُ في أزمِنَةِ الأزماتِ والغَلاء. أبٌ مَكروبٌ يَقِفُ أمامَ مَتجَر، في جَيبِهِ مالٌ كان يَكفي بالأمسِ لِشِراءِ طَعامِ أطفالِهِ أو دَوائِهِم، لكنَّهُ اليومَ لا يَكفي لِشِراءِ النِّصف. يَلتَفِتُ يَمنَةً ويَسرَة، يَبتَلِعُ غُصَّتَهُ، ويَعودُ إلى بَيتِهِ مَكسورَ القَلب، لا يَدري بِمَ يُسكِتُ بُكاءَ صِغارِه! وفي ذاتِ اللَّحظَة، وفي مَكانٍ آخَر، يَجلِسُ تاجِرٌ خَلفَ أبوابٍ مُغلَقَة، يَنظُرُ إلى مَخازِنِهِ المُمتَلِئَةِ بالبَضائِعِ التي يَحتاجُها هذا الأبُ المِسكين، يَفرَكُ يَدَيهِ فَرَحاً بانتِظارِ أن يَتَضاعَفَ السِّعرُ غَداً! هل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَوماً: كيفَ يَنظُرُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ إلى هذا التَّاجِر؟ أليسَت البَضاعَةُ بَضاعَتَهُ والمخزَنُ مَخزَنَهُ يَبيعُ مَتى شاء؟ اسمعوا الجَوابَ الرَّبَّانيَّ الحاسِم، يَقولُ اللهُ تَعالى قاطِعاً كُلَّ تبريرٍ بشَري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. والاحتِكارُ ليسَ فيه تراضٍ حَقيقي، بل هو استِغلالٌ لِضَرورَةِ المضطَرّ، وابتِزازٌ لِلُقمَةِ عَيشِه. واسمَعوا إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو يَنزِعُ عَن هذا المُحتَكِرِ ثَوبَ البَراءَة، ويُلبِسُهُ ثَوبَ الخَطيئَةِ المُتَعَمَّدَة، يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَحتَكِرُ إلَّا خاطِئٌ» (رواهُ مُسلم). تَأمَّلوا مَعي هَذِهِ الكَلِمَة العَميقَة: «خاطِئ». لَم يَقُل مُخطِئ! فالمُخطِئُ هو مَن يَفعَلُ الشَّيءَ بِغَيرِ قَصد، أمَّا "الخاطِئ" فهو المُتَعَمِّدُ للإثمِ والظُّلم، كما قالَ تَعالى عَن فِرعَونَ وهامان: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾. نَعَم، المُحتَكِرُ الذي يَجمَعُ أقواتَ النَّاسِ ليَرفَعَ أسعارَها مُتَعَمِّدٌ لِلجَريمَة، مُصِرٌّ على أذِيَّةِ المُسلِمين! يا عِبادَ الله، الاحتِكارُ لَيسَ شَطارَةً تِجاريَّة، ولا ذَكاءً سوقيَّاً كما يُسَمِّيهِ بَعضُ الغافِلينَ اليَوم. الاحتِكارُ خِيانَةٌ للأمَّةِ في لَحَظاتِ ضَعفِها. كيفَ يَرضى مُسلِمٌ أن يَبنيَ ثَروَتَهُ على أنَّاتِ المَرضى وبُكاءِ الجائِعين؟ يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ في حَديثٍ تَرتَجِفُ مِنهُ القُلوبُ الحَيَّة: «مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواهُ أحمد). تَخَيَّلوا المَشهَد! لَم يَقُل يُعَذِّبُهُ فَقَط، بَل «يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ»؛ أي يُجلِسُهُ في مُعظَمِ النَّارِ وأشَدِّها اشتِعالاً! لِماذا؟ لأنَّهُ أحرَقَ قُلوبَ الفُقَراءِ في الدُّنيا، فَكانَ الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَل. ولَعَلَّكُم تَسأَلونَ: ما هو المِقياسُ الحَقيقيُّ للتَّاجِرِ المُؤمِنِ وَقتَ الأَزَمات؟ دَعونا نَنتَقِلُ سَوِيَّاً أربَعَةَ عَشَرَ قَرناً إلى الوَراء، إلى المَدينَةِ المُنَوَّرَةِ في عَهدِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عَنه. أصابَ النَّاسَ قَحطٌ شَديدٌ وجوعٌ مُهلِك. السَّماءُ حَبَسَت ماءَها، والأرضُ مَنَعَت نَباتَها، والبُطونُ طَوَت على الجوع. وفي قِمَّةِ هَذِهِ المُعاناة، قَدِمَت قافِلَةٌ عظيمَةٌ لِعُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضيَ اللهُ عَنهُ مِنَ الشَّام، ألفُ بَعيرٍ مُحَمَّلَةٌ بِالبُرِّ والزَّيتِ والزَّبيب. ما إن سَمِعَ تُجَّارُ المَدينَةِ بِها، حَتَّى هَرَعوا إلى عُثمانَ يَطرقونَ بابَه. قالوا: يا عُثمان، بِعنا هَذِهِ القافِلَة. قال: كَم تُربِحونَني؟ قالوا: الدِّرهَمَ بِدِرهَمَين (أي مِئَة بِالمِئَة). قال: أُعطيتُ أكثَر! قالوا: نُعطيكَ الدِّرهَمَ بِثَلاثَة. قال: أُعطيتُ أكثَر! فَتَعَجَّبَ التُّجَّارُ وقالوا: يا عُثمان، نَحنُ تُجَّارُ المَدينَةِ ولا يوجَدُ غَيرُنا، فَمَنِ الَّذي أعطاك أكثَر؟ أجابَهُم عُثمانُ بِيَقينِ التَّاجِرِ الَّذي عَرَفَ أينَ يَضَعُ صَفقَتَه: "إنَّ اللهَ أعطاني بِكُلِّ دِرهَمٍ عَشَرَة! أُشهِدُكُم يا مَعشَرَ التُّجَّار، أنِّي جَعَلتُها صَدَقَةً لِفُقَراءِ المَدينَةِ في سَبيلِ الله!". اللهُ أكبَر! انظُروا إلى الفَرقِ الشَّاسِع. عُثمانُ كانَ يَستَطيعُ أن يَبيعَها بأضعافِ مُضاعَفَة، والسُّوقُ سَوقُهُ، والنَّاسُ مُضطَرُّون، ولَم يَكُن أحَدٌ لِيَلومَهُ بِحِساباتِ التِّجارَة. لَكِنَّهُ نَظَرَ إلى السَّماءِ قَبلَ أن يَنظُرَ إلى الأرض، وعامَلَ الخالِقَ قَبلَ أن يُعامِلَ المَخلوق. قال تَعالى في أمثالِ هَؤلاء: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]. وفي المُقابِل، كيفَ يَرضى مُسلِمٌ اليَوم، يَجمَعُ حَليبَ الأَطفال، أو دَواءَ المَرضى، أو أقواتَ البُيوت، ويُخفيها في مَخازِنِهِ أشهُراً، حَتَّى إذا ارتَفَعَ صُراخُ النَّاس، أخرَجَها لِيَبيعَها بِأضعافِ ثَمَنِها؟ أيُعقَلُ أن تَبنيَ ثَروَتَكَ عَلى انهِيارِ بُيوتِ إخوانِك؟ قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ الله: "الاحتِكارُ المُحَرَّمُ هُوَ أن يَعمِدَ الرَّجُلُ إلى ما يَحتاجُ إلَيهِ النَّاسُ مِن طَعامِهِم ولِباسِهِم فيَحبِسَهُ عَلَيهِم لِيُغليَهِ السِّعر، وهَذا مِن أعظَمِ الظُّلم". بَل قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ كَلِمَةً تَقطَعُ نِياطَ القَلب: "المُحتَكِرُ قاطِعُ طَريقٍ عَلى عِبادِ اللهِ في أرزاقِهِم". نَعَم! قاطِعُ طَريق، لأنَّهُ يَسرِقُ أرزاقَهُم بِحيلَةٍ مَكشوفَةٍ أمامَ الله. يا مَعشَرَ التُّجَّار، ويا مَن يَتَعامَلونَ في بَيعِ حاجاتِ النَّاس، إنَّ البَرَكَةَ لا تُقاسُ بِكَثرَةِ الأصفارِ في الرَّصيد البَنكِي، بَل تُقاسُ بِما يَضَعُهُ اللهُ مِن طُمَأنينَةٍ في قَلبِك، وصِحَّةٍ في بَدَنِك، وصَلاحٍ في ذُرِّيَّتِك. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]. والاحتِكارُ أُختُ الرِّبا، كِلاهُما استِغلالٌ لِحاجَةِ المِسكين. روي عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ أنَّهُ كان يَطوفُ في السُّوق، فَوَجَدَ رَجُلاً يَحتَكِرُ الطَّعام، فَقالَ لَه بِصَوتِ الفُاروقِ الَّذي لا يُحابي أحَداً عَلى حِسابِ رَعيَّتِه: "لا حُكرَةَ في سوقِنا، مَن جَلَبَ إلينا طَعاماً فَليَبِع كَيفَ شاء، ومَنِ احتَكَرَ عَلَينا طَعامَنا فَليُخرَج مِن سوقِنا!". هَكَذا كانَ المَوقِفُ الحازِم. الجالِبُ الَّذي يُيَسِّرُ عَلى النَّاسِ مَرزوقٌ، والمُحتَكِرُ مَلعونٌ مَطرودٌ مِن رَحمَةِ الله، كَما وَرَدَ في المَعنَى عَن بَعضِ السَّلَف. وَلِذا قَرَّرَ عُلَماؤُنا أنَّهُ يَجوزُ لِوَلِيِّ الأمرِ أن يُجبِرَ المُحتَكِرَ عَلى إخراجِ بَضاعَتِهِ وبَيعِها بِثَمَنِ المِثلِ رَغماً عَن أنفِه، دَفعاً لِلضَّرَرِ عَنِ العَامَّة، فَإنَّ مَصلَحَةَ الجَماعَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلى جَشَعِ الفَرد! تَأمَّلوا هَذِهِ الكَلِمَةَ جَيِّداً: "إنَّ المالَ الَّذي تَكِنزُهُ مِنِ احتِكارِكَ لِحاجاتِ النَّاس، قَد تَشتَري بِهِ قَصراً في الدُّنيا، لَكِنَّكَ قَد تَحفِرُ بِهِ قَبراً مِن نيرانٍ لِنَفسِك!". كيف تَهونُ عَلَيكَ دَمعَةُ اليَتيم؟ وكيف يَطيبُ لَكَ مَنامٌ بَينَما هُناكَ مَن باتَ يَطوي جُوعَهُ يَدعو عَلَيكَ في سُجودِه؟ يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يا مَعشَرَ التُّجَّار، إنَّ التُّجَّارَ يُبعَثونَ يَومَ القِيامَةِ فُجَّارًا، إلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ، وبَرَّ، وصَدَقَ» (رواهُ التِّرمِذيُّ وقالَ حَسَنٌ صَحيح). يا مَن غَرَّتَهُ الدُّنيا وألهاهُ التَّكاثُر، إن كُنتَ تَظُنُّ أنَّ الأَزَماتِ فُرصَةٌ لِمُضاعَفَةِ الأرباح، فَاعلَم أنَّ اللهَ جَعَلَها فُرصَةً لاختِبارِ المَعادِنِ وكَشفِ القُلوب. إنَّ التَّاجِرَ الَّذي يَخفِضُ سِعرَهُ في الأزماتِ ابتِغاءَ وَجهِ الله، أو يَرضى بِالرِّبحِ اليَسيرِ رَحمَةً بِعِبادِ الله، هو الَّذي صَدَقَ في تِجارَتِهِ مَعَ الله. ويَكفيهِ شَرَفاً قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، والصِّدِّيقِينَ، والشُّهَداءِ» (رواهُ التِّرمذي). فَأَيُّ المَقامَينِ تَختار؟ مَعَ الشُّهَداءِ والأبرار؟ أم مَعَ الفُجَّارِ والأشرار؟ أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، حَدَّثناكُم في خُطبَتِنا الأُولى عَن جَريمَةِ الاحتِكارِ واستِغلالِ حاجاتِ النَّاس، وكَيفَ أنَّ هذا الفِعلَ يَنزَعُ الرَّحمَةَ مِنَ القَلب، ويَجلِبُ مَحقَ البَرَكَةِ في المال، وتَأمَّلنا مَوقِفَ عُثمانَ رَضيَ اللهُ عَنهُ حينَ تاجَرَ مَعَ اللهِ في أزمَةِ المُسلِمين، وكَيفَ كانَ وَعيدُ النَّبيِّ ﷺ لِمَن دَخَلَ في أسعارِ المُسلِمينَ لِيُغليَها. والآنَ يَبقَى السُّؤالُ العَمَلِيّ: كيفَ نُتَرجِمُ هذا في واقِعِنا وحَياتِنا؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأُولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ مِنَ الهَلَعِ عَلى الرِّزق. فَإنَّ الَّذي دَفَعَ المُحتَكِرَ لِجَشَعِهِ هو ضَعفُ يَقينِهِ بِرَزَّاقِيَّةِ الله، وظَنُّهُ أنَّ رِزقَهُ يَنقُصُ إن رَحِمَ النَّاس. استَحضِرِ اليَومَ يَقينَاً جازِماً بِأنَّ رِزقَكَ مَكتوبٌ في السَّماء، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. الثَّانِيَة (لِسانيَّة): إن كُنتَ تَعرِفُ تاجِراً قَد زَلَّت قَدَمُهُ في هذا الباب، فكَلِّمهُ هَذِهِ اللَّيلَة، وانصَحهُ بِلِينٍ ورِفق. ذَكِّرهُ بِمَوقِفِهِ بَينَ يَدَيِ الله، وبِأنَّ اللُّقمَةَ المَغموسَةَ بِدُموعِ المَساكينِ قَد تَكونُ سَبَباً في دَعوَةٍ مَرفوعَةٍ تَختَرِقُ السَّماواتِ لِتَمحَقَ مالَه. الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): كُن جالِباً لِلخَيرِ لا مانِعاً لَه. إن كانَ في يَدِكَ بَضاعَةٌ يَحتاجُها النَّاس، فاعلَنِ اليَومَ عَن بَيعِها بِسِعرٍ يُرضي الله، أو تَنازَل عَن جُزءٍ مِن هِامِشِ رِبحِكَ رَحمَةً بِعِبادِ الله. هَذِهِ الخُطوَةُ العَمَلِيَّةُ اليَومَ هي التِّجارَةُ الرَّابِحَةُ مَعَ الله. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): في أوقاتِ الغَلاءِ والأزمات، تَفَقَّدوا مَن حَولَكُم. ابحَث اللَّيلَةَ عَن أُسرَةٍ طَحَنَها الغَلاء، واشتَرِ لَهُم طَعاماً أو دَواءً دونَ أن يَعلَموا. ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. رَحمَتُكَ بِهِم قَد تَكونُ سَبَباً لِرَحمَةِ اللهِ بِك. الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): أَيُّها التَّاجِرُ المُسلِم، اجعَل شِعارَكَ مِن هَذِهِ الجُمُعَة: "الرَّحمَةُ قَبلَ الرِّبح". تَذَكَّر أنَّ الدِّينَ لَيسَ رَكَعَاتٍ في المَسجِدِ فَحَسب، بَل هو مُعامَلَتُكَ في السُّوق. كُن مِمَّن يَقولُ عَنهُم رَسولُ الله ﷺ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» (رواهُ البخاري). فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هي العِصمَةُ مِن كُلِّ مَهلَكَة، وهي دَليلُ القَلبِ في زِحامِ الفِتَنِ والشَّهَوات. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ طَهِّر أموالَنا مِن كُلِّ شُبهَةٍ وحَرام، واغنِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللَّهُمَّ حَبِّب إلَينا الرَّحمَةَ بِلِعِباد، ونَقِّ قُلوبَنا مِنَ الجَشَعِ والطَّمَع، واجعَلنا مِمَّن إذا أُعطيَ شَكَر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أنعَمتَ عَلَيهِ بَذَلَ وأنفَق. اللَّهُمَّ لَيِّن قُلوبَ مَن وَلَّيتَهُم أقواتَ المُسلِمين، واجعَلهُم رُحَماءَ بِإخوانِهِم، مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر. اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عَنِ المَدينين، واجعَل لِلمُستَضعَفينَ مِنَ المُؤمِنينَ في كُلِّ مَكانٍ فَرَجاً ومَخرَجاً. اللَّهُمَّ احفَظ أوطانَنا، وأدِم سِترَكَ عَلَينا، واجعَل عاقِبَةَ أمورِنا كُلِّها إلى خَير. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.