من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

التجارة بين الأصدقاء: الصراحة قبل اختلاف الحساب

مشاركة
🕌 التجارة بين الأصدقاء... الصراحة قبل اختلاف الحساب #خطبة_جمعة #التجارة #الصداقة #المعاملات_المالية #حفظ_الحقوق #فقه_البيوع #أخلاق إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفُسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادِيَ له. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسُولُه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]. أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدَقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهَديِ هَديُ مُحمَّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة. عباد الله، تخيلوا معي رجلين نشآ معاً، يتقاسمان الرغيف، وتجمعهما مقاعد الدراسة، وتشهد مجالس الحي على ضحكاتهما وأخوتهما التي ظن الجميع أنها لن تنقطع أبداً. ثم قررا أن يفتحا باباً للرزق معاً... فما مضت سنتان إلا وانقطعت الزيارات، وتبدلت الضحكات إلى اتهامات، وانتهى بهما المطاف وقوفاً أمام أبواب المحاكم! ما الذي أدخل العداوة بين الأخوين؟ وما الذي حول الثقة إلى خيانة؟ الجواب في خطبتنا اليوم. أيها المسلمون، إن الإسلام دين واقعي، لا يعيش في سماء المثاليات المقطوعة عن الأرض، بل ينزل إلى الأسواق، ويدخل في الشركات، ويفصل في المنازعات. وقد علمنا ديننا أن المال فتنة، وأن الدرهم والدينار محكٌّ تسقط عليه كثير من الأقنعة، وتُختبر به أصدق العلاقات. استمعوا إلى هذا التشخيص القرآني العجيب لحال الشركاء. يقول الله عز وجل على لسان نبيه داود عليه السلام: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: 24]. تأملوا هذه الآية! الخلطاء هم الشركاء. والقرآن يقرر حقيقة موجعة: "كثيراً" من الشركاء يبغي بعضهم على بعض، ويظلم بعضهم بعضاً. النجاة من هذا البغي ليست بالقرابة، ولا بصداقة الطفولة، بل بشيء واحد نصت عليه الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. الإيمان المانع، والعمل الصالح الضابط. ولأن الشريعة تعلم أن النفوس تتغير عند رؤية الأرباح، وأن الذاكرة تخون عند وقوع الخسائر، أنزل الله تبارك وتعالى أطول آية في القرآن الكريم كله! لم تنزل أطول آية في الصلاة، ولا في الصيام، بل نزلت في المعاملات المالية. إنها آية الدَّين في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]. ثم يسد القرآن كل أبواب التحجج بالصداقة والقرابة، فيقول في الآية نفسها: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾. يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيرها: "أمر الله بالكتابة لئلا يقع النسيان، ولتُحفظ الأموال، وتُقطع المنازعات". معاشر المصلين، إن الطامة الكبرى التي تدمر التجارة بين الأصدقاء تتلخص في كلمتين: "الحياء الخاطئ". يأتي الشاب لصديقه بفكرة مشروع، فيتحمسان. يدفع هذا مالاً، ويقدم هذا جهداً. فإذا قيل لهما: اكتبا عقداً، وحددا النسبة، وبيّنا الراتب من الربح. قالا: نحن إخوة! "أنا وأنت واحد"! ولا يليق أن تدخل الأوراق الرسمية بيننا. وهذه والله هي بداية الكارثة. هذا الحياء ليس من الدين في شيء. بل هو مخالفة صريحة لأمر الله القائل: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ﴾. الذي يستحيي من توثيق حقه وحق أخيه اليوم، سيضطر غداً لرفع صوته في المحاكم. "اكتب عقدك... لتحفظ صديقك". هذه هي المعادلة الشرعية. واسمعوا لهذا الموقف العظيم من حياة سلفنا الصالح. وقف رجل يوماً يثني على رجل آخر أمام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويمدح أمانته. فنظر إليه عمر بنظرته الثاقبة وسأله ثلاثة أسئلة تزن الجبال. قال عمر: هل جاورته فعرفت ليله ونهاره؟ قال: لا. قال: هل سافرت معه في سفر يحفر عن أخلاق الرجال؟ قال: لا. ثم طرح السؤال الأهم، قال: "هل عاملته بالدرهم والدينار الذي يبين ورع المرء؟" قال الرجل: لا! فقال عمر كلمته القاطعة: "فإنك لا تعرفه، لعلك رأيته راكعاً وساجداً في المسجد!". نعم يا عباد الله... الصلاة في المسجد سهلة، لكن الصلاة الحقيقية تظهر في الأسواق. الديانة الحقيقية تظهر عندما تُقسم الأرباح وتُتحمل الخسائر. ولقد وضع النبي ﷺ قاعدة ذهبية لكل من أراد أن يشارك أخاه في تجارة، قاعدة تغني عن آلاف القوانين الوضعية. قال رسول الله ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» (متفق عليه). توقفوا معي عند قوله ﷺ: "فإن صدقا وبيّنا". الصدق: ألا تغش صديقك. والبيان: هو الصراحة المطلقة. البيان هو ألا تترك شيئاً للظروف. كيف نقتسم الربح؟ ما هو دورك وما هو دوري؟ ماذا لو خسرنا، كيف نتحمل الخسارة؟ ماذا لو أراد أحدنا الانسحاب غداً، كيف نقيم الشركة؟ هذا هو "البيان" الذي يجلب البركة. ومن العجائب، أنك تجد الصديقين يخوضان في المشروع، فإذا ربحا، اختلفا من يأخذ أكثر. وإذا خسرا، ألقى كل منهما باللائمة على الآخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبيناً أصلاً عظيماً: "العدل واجب في كل شيء ولكل أحد، والظلم محرم في كل شيء ولكل أحد". وظلم الصديق أشد مضاضة من ظلم الغريب! ولعلكم تسألون: ما هو الضامن لاستمرار بركة الله في تجارة الأصدقاء والشركاء؟ الضامن بيّنه النبي ﷺ في الحديث القدسي العظيم الذي تقشعر له الأبدان. يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» (رواه أبو داود وصححه الحاكم). يا لها من معية إلهية! الله جل جلاله يكون ثالثكما في الشركة، يبارك في صفقتكما، ويفتح لكما أبواب الرزق، ويدفع عنكما الخسارة... متى؟ ما دامت الأمانة حاضرة والصراحة قائمة. فإذا دخل الغش، وإذا أُخفيت الحسابات، وإذا دُسّت الفواتير، وإذا استغفل الصديق صديقه... ماذا يحدث؟ "خرجتُ من بينهما". تُسحب البركة، وترفع المعية، ويوكلان إلى أنفسهما، فيأكل بعضهما بعضاً. ... فانتبه. قبل أن تبدأ تجارة مع أقرب الناس لقلبك. لا تعتمد على حسن النوايا وحدها، فإن النوايا لا تصمد أمام بريق الذهب إن لم تكن مقيدة بحدود الشرع. كان أئمتنا وسلفنا يقولون حكمة تكتب بماء الذهب: "تعاشروا كالإخوان، وتعاملوا كالأغراب". في المجلس والمقهى نحن إخوة، نفدي بعضنا بأرواحنا. لكن في التجارة والحسابات، نتعامل كالأغراب؛ نكتب، ونشهد، ونحاسب، ونوثق. لأنني بضبط الحساب معك لا أخوّنك، بل أرفع عن قلبي وقلبك مدخل الشيطان! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولِسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أما بعد: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن التجارة بين الأصدقاء، ووقفنا مع آية الدَّين التي تأمر بالكتابة، وتأملنا كيف أن الحياء الخاطئ يدمر العلاقات، وختمنا بحديث معية الله للشركاء الأمناء. والآن، نحن أمام السؤال الأهم: كيف نترجم هذا إلى واقع عملي يحمي أموالنا وعلاقاتنا؟ وأوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري: الأولى (قلبية): طهّر نيتك قبل توقيع العقد. لا تدخل في شراكة بنية الاستغفار لجهد أخيك أو استغلال ماله. قال النبي ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه». اعقد العزم في قلبك اليوم أنك لن تُدخل درهماً حراماً على أهل بيتك من مال شريكك، مهما كانت الفرصة سانحة. الثانية (لسانية): الصراحة ثم الصراحة ثم الصراحة. تحدث عن الأسوأ قبل الأفضل. اجلس مع صديقك اليوم، وصارحه بكل وضوح بما يزعجك في سير العمل. الصراحة المبكرة قد تسبب حرجاً لدقائق، لكنها تمنع قطيعة تدوم لسنوات. لا تقل "الأمور ستتضح لاحقاً"، بل بيّنها الآن. الثالثة (عملية فعلية): الكتابة والإشهاد الفوري. إن كنت تعمل مع صديق دون عقد مكتوب، فاذهب إليه غداً، وضعا النقاط على الحروف، واكتبا عقداً يرضي الله. ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. لا تدع الشيطان يقول لك: عيب أن تطلب منه توقيعاً. العيب والله أن تقفا غداً في المحاكم كالأعداء. الرابعة (اجتماعية): تقديم الأخوة على الدرهم. إن وقع الخلاف، واشتد النزاع، ووصلتم إلى طريق مسدود... فاشترِ أخاك وتنازل عن بعض حقك الدنيوي المادي لتكسبه. الأخ الصادق لا يُعوض بكنوز الدنيا، والمال غادٍ ورائح. قال النبي ﷺ: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». كن سمحاً لا متعنتاً. الخامسة (موضوعية): افصلوا بين الجلسات الشخصية والعمل. لا تجعلوا هموم التجارة تفسد عليكم جلسات الود. اجعلوا للعمل وقته ومكانه وحساباته الدقيقة، واجعلوا للأخوة مساحتها النقية التي لا يدنسها الطمع. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على أداء الحقوق لأصحابها، وتمنع أيديكم عن الحرام، وتصون أخوّتكم من الزوال. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائل: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه». اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. اللهم أصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، ولا تجعل للشيطان طريقاً لإفساد ودادنا وأخوتنا. اللهم من شارك أخاه فبارك لهما في تجارتهما، وارزقهما الصدق والبيان، وأبعد عنهما الكذب والكتمان. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم ارزقنا السماحة في البيع والشراء والتقاضي، واجعلنا ممن تظلهم في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.