🕌 المال المفقود: أمانة اللقطة قبل فرحة العثور
#خطبة_جمعة #اللقطة #الأمانة #أكل_الحرام #فقه_المعاملات #أخلاق #الرقائق
الحمدُ لله الذي حَرَّمَ أكلَ أموالِ الناسِ بالباطل، وجَعَلَ الأمانةَ من أعظم الدلائل على صِدق الإيمان وحُسن اليقين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدور، ويَجزي الأمناءَ بفضله جناتِ النعيم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، الصادقُ الأمين، والقُدوةُ للمتقين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعد:
تمشي في الطريق آمناً، فتقع عينك فجأة على مبلغ من المال، أو هاتف ثمين، أو مصاغ ذهبي ملقى على الأرض. فيتسارع نبضك، ويهمس لك الشيطان: "لقد ساق الله إليك رزقاً من حيث لا تحتسب، خذه ولا تخبر أحداً". لكن لحظة! هل تعلم أن هذه "الهدية" الموهومة قد تكون جمرة من نار تأكل حسناتك وتدمر بركة بيتك؟ وما بين فرحة العثور وحسرة يوم القيامة خيط رفيع جداً اسمه "الأمانة". فكيف نتعامل مع ما نجده في طرقاتنا؟ وما هي أحكام "اللقطة" في ديننا؟ الجواب عن هذا سيغير نظرتك تماماً لكل مفقود تقع عليه عيناك.
أيها المؤمنون.. تخيلوا معي مشهداً يتكرر كل يوم في الأسواق والمستشفيات والطرقات والمطارات. رجلٌ مسكين يفقد شقاء عمره الذي جمعه قرشاً قرشاً، وأمٌّ تفقد ذهبها الذي ادخرته لزواج ابنتها، وشاب يضيع هاتفه الذي يحوي أسراره وعمله وذكرياته. في المقابل.. عينٌ أخرى تلتقط هذا المفقود.. ويدٌ تمتد لتأخذه وتضعه في الجيب في خفية عن أعين البشر. في تلك اللحظة بالذات، تُنصب الموازين الخفية، وتُختبر السرائر، ويظهر المؤمن التقي من المدعي المفتون.
يا عباد الله، إن لُقَطَة الطريق ليست غنيمة باردة، بل هي ابتلاء واختبار عظيم، يبتلي الله به عبده ليرى هل تمتد يده للحرام أم تعف طمعاً في مرضاة الله. يقول الله جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: 58]. آيةٌ جامعة مانعة، لا تستثني أمانة دون أمانة، فما تجده في طريقك هو أمانة ألقاها الله أمامك ليمتحن صدق إيمانك.
وقد بيّن الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره هذه الحقيقة العظيمة، فذكر أن الأمانة تعم جميع وظائف الدين، وتعم كل ما اؤتمن عليه الإنسان من أموال وأعراض. فكيف يطيب لمسلم أن يأكل مالاً يعلم يقيناً أن صاحبه الآن يبكي عليه قهراً وحسرة؟ أيعقل أن يسد أحدنا جوعته أو يقضي حاجته بمالٍ ممزوج بدموع المظلومين والمكلومين؟!
يقول الله تعالى محذراً من هذه الخيانة العظيمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنفال: 27]. خيانة الأمانة هنا ليست فقط في ودائع الناس التي وضعوها عندك بطلبهم، بل تشمل ما وقع في يدك من أموالهم بغير قصد منهم.
ولعظمة هذا الأمر، لم يترك النبي ﷺ مسألة "اللقطة" لاجتهادات الناس، بل فصّل أحكامها بياناً شافياً. فاسمعوا لهذا الحديث العظيم الذي يؤسس لفقه اللقطة. جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن لقطة الذهب والورق، فقال له الصادق المصدوق ﷺ: «اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرّفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه» (متفق عليه).
تأملوا هذا التفصيل النبوي الدقيق! "الوكاء" هو الخيط الذي تُربط به، و"العفاص" هو الوعاء الذي تُحفظ فيه. يأمرك النبي ﷺ أن تتأمل تفاصيل هذا الشيء المفقود، لكي تمتحن من يدعيه لاحقاً لئلا يأخذه كاذب. ثم ماذا؟ هل تأخذه مباشرة؟ لا! بل "عَرّفها سَنة". عام كامل وأنت تبحث عن صاحبها، تسأل في المكان الذي وجدتها فيه، وتعلن عنها بالطرق المتاحة. عام كامل وأنت حارس لمال غيرك، تتعب في حفظه والنداء عليه! لماذا كل هذا التعب؟ لأن حرمة مال المسلم عند الله عظيمة، ولأن الشريعة تسد كل باب يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: هل نحن نفعل ذلك؟ هل من يجد مبلغاً في سيارة أجرة، أو يجد هاتفاً في حديقة عامة، يبادر إلى الإعلان عنه والبحث عن صاحبه؟ أم أن بعض النفوس الضعيفة تسارع إلى نزع شريحة الهاتف، وتهيئة الجهاز لبيعه، أو إخفاء المال في الجيب مع ابتسامة عريضة وكأنه انتصار؟
أين هؤلاء من وعيد الله الجبار؟ يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 188]. ويقول النبي ﷺ بكلمات تقرع القلوب الحية: «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به» (رواه الطبراني بإسناد صحيح). أي رزق هذا الذي تأتيك به لقطة مسروقة؟ وأي بركة ترجوها في بيت أدخلت عليه مالاً حراماً ليس لك فيه عرق ولا تعب، بل هو شقاء غيرك ومصيبته؟
قال الحسن البصري رحمه الله كلمة تكتب بماء الذهب: "بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد". فكيف تلقى الله وفي رقبتك مالُ يتيم ضاع منه فالتقطته أنت ولم ترده؟ أو دواء مريض سقط منه فأخذت ثمنه وتنعمت به؟
يا أمة محمد ﷺ.. لنتأمل معاً كيف كان سلفنا الصالح يتعاملون مع هذا الامتحان. جاء عن أُبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: «وجدت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي ﷺ فقال: عرّفها حولاً. فعرفتها حولاً فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرّفها حولاً. فعرفتها فلم أجد، ثم أتيته الثالثة، فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها» (متفق عليه).
ثلاث سنوات! ثلاث سنوات وأُبي بن كعب، الصحابي الجليل، يسأل ويبحث عن صاحب المائة دينار. لم تغلبه نفسه، ولم يقل "لقد فعلت ما علي"، بل كان يعود للنبي ﷺ فيأمره بمزيد من البحث والتريث. هكذا تُعظم الأمانات في قلوب الرجال الذين عرفوا الله حق المعرفة.
وهنا نصل إلى الأمر الأخطر، ولعلكم تسألون: وماذا عمن يتعفف ويرد الأمانة طمعاً في ثواب الله؟ هل يضيع أجره؟ هل يذهب تعبه هباءً؟
كلا والله! بل إن الشريعة ما سدت باباً للحرام إلا وفتحت أبواباً من الحلال والبركة والتعويض الرباني. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 215].
واسمعوا لهذه القصة العظيمة التي رواها الإمام ابن الجوزي في كتابه عن أبي بكر البزاز رحمه الله، لتعلموا كيف يعوض الله الأمناء. قال أبو بكر: كنت بمكة مجاوراً، فأصابني يوماً جوع شديد لم أجد ما أدفعه به، فخرجت أبحث عن شيء، فإذا بي أجد كيساً من حرير مشدوداً بخرقة. أخذته وعدت لبيتي، ففتحته فإذا فيه عقد من لؤلؤ لم أرَ مثله قط في حياتي.
وبينما أنا جائع، سمعت منادياً ينادي في أزقة مكة: من وجد كيساً فيه كذا وكذا فله خمسمائة دينار! فقلت في نفسي: أنا محتاج جائع، آخذ الدنانير وأرد العقد. فدعوته، وسألته عن علامات الكيس والعقد، فوصفها وصفاً دقيقاً لا يخطئ. فأعطيته الكيس. فأخرج الرجل خمسمائة دينار وقال: خذ مكافأتك. فقلت له: والله لا آخذ عليها جزاءً، إنما رددتها لله! وأبيت أن آخذ الدنانير رغم شدة جوعي وفقري.
يقول أبو بكر: ومرت الأيام، وركبت البحر مسافراً، فانكسرت بنا السفينة، وغرق الناس، وتعلقت أنا بقطعة خشب يتقاذفني الموج، حتى ألقاني على جزيرة مأهولة. فدخلت مسجدها، وكنت أقرأ القرآن، فاجتمع علي أهل الجزيرة يتعلمون مني، ثم رأوا خطي فطلبوا مني أن أعلم أبناءهم الكتابة، فأصابني من ذلك خير كثير.
ثم قالوا لي: عندنا فتاة يتيمة ذات دين ومال، نريد أن نزوجك إياها. فامتنعت أولاً، ثم ألحوا علي فقبلت. فلما أدخلوها علي يوم الزفاف، نظرت إليها... فإذا بعنقها العقد ذاته الذي وجدته بمكة!
فلم أنطق بحرف، بل بقيت أنظر إلى العقد مبهوتاً. فقالوا: يا شيخ، لقد كسرت قلب اليتيمة بنظرك للعقد دون وجهها! فقلت لهم: ما قصة هذا العقد؟ فقصوا علي قصة الكيس الذي ضاع في مكة، وقالوا: إن أباها هو من أضاعه، وقد رده إليه رجل أمين، فكان أبوها في سجوده يدعو ويقول: "اللهم ارزق ابنتي زوجاً كصاحب العقد". فقلت لهم: أنا والله صاحب العقد! فكبّروا وكبّر أهل الجزيرة جميعاً.
يا سبحان الله! ترك الحرام وهو جائع بمكة، فساقه الله إليه حلالاً طيباً مباركاً ومعه زوجة ومال بعد سنين! صدق رسول الله ﷺ حين قال: «من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه».
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله مبيناً هذا السر العجيب: "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، والعوض أنواع مختلفة، وأجلّ ما يعوض به: الأنس بالله، ومحبته، وطمأنينة القلب بقضائه".
أيها المؤمنون، قد يقول قائل: هذا في الذهب والمبالغ الطائلة، فماذا عن الأشياء اليسيرة؟ قلم تجده، أو ريالات قليلة لا يلتفت لها الناس عادة؟
تأملوا دقة الورع النبوي! يمر النبي ﷺ بتمرة ملقاة في الطريق، تمرة واحدة! لا تغني من جوع، فينظر إليها ويقول: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» (متفق عليه). ترك التمرة خشية أن تكون من مال محرم عليه، وهو النبي المعصوم! فكيف بمن يتساهل في سرقة الممتلكات اليسيرة بدعوى أنها حقيرة لا يُسأل عنها؟
إن ميزان الله أدق مما تتخيلون، يقول ربنا جل في علاه: ﴿يَوْمَئِذٍ يُصْدَرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة: 6-8]. ذرة! ليست ديناراً ولا درهماً ولا هاتفاً ولا عقداً... بل ذرة من شر سيكشفها الله لك يوم القيامة.
وفي عصرنا هذا تعددت صور "اللقطة" وتنوعت. أين نحن من التحويلات البنكية التي تصل إلى الحسابات بالخطأ؟ يأتيك مبلغ من شخص لا تعرفه بسبب رقم أخطأ فيه، فتفرح به وتسارع إلى سحبه وإنفاقه! ألا تعلم أن هذا مال امرئ مسلم حُرِّم عليك أخذُه؟ ألا تعلم أن ذمتك لا تبرأ حتى تعيده إلى البنك أو تبحث عن صاحبه؟ هذا هو امتحان الأمانة في العصر الحديث.
إن الأمانة ليست مجرد كلمة تقال، بل هي جبل ثقيل أشفقت السماوات والأرض والجبال من حمله وحمله الإنسان. فمن أداها نجا، ومن خانها هلك. وإياك أن تغرك غفلة الناس أو جهلهم بك، فالله ناظر إليك. قال الفضيل بن عياض رحمه الله يوماً، وهو الخبير بدسائس النفوس: "الخوف من الله يمنعك من الخيانة، ولو كنت في خلوة لا يراك فيها إلا هو".
عباد الله، إننا سنقف جميعاً يوماً بين يدي الله، حفاة عراة، لا درهم معنا ولا دينار، ولا هاتف ولا سيارة. يومها لن يسألنا الله كم جمعنا، بل سيسألنا: من أين اكتسبناه؟ ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [سورة الصافات: 24]. فماذا أعددت من جواب لذلك الموقف العظيم إن كان في صحيفتك مال أخذته من طريق ولم ترده، أو حق استبحته لنفسك لأن أحداً لم يرك؟
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أمّا بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن خطورة اللقطة، وكيف أنها أمانة ثقيلة واختبار من الله وليست غنيمة تُستباح، ووقفنا مع هدي النبي ﷺ في لزوم تعريفها وردها، ورأينا كيف تكفل الله بتعويض الأمناء الذين تركوا الحرام لوجهه الكريم. والآن، إخواني وأخواتي، بعد أن علمنا هذا الحق المبين، كيف نطبق هذا الخُلق العظيم ونترجمه واقعاً في حياتنا؟
وأوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): انوِ من هذه اللحظة نيةً خالصةً لله أنك إن وجدت شيئاً لا تملكه في طريقك فلن يدخل جيبك منه قرش حرام. عاهد ربك أن قلبك لن يطمع في مال غيرك، فإن الله إذا رأى من قلبك الصدق والتعفف، أغناك من فضله، كما أخبر المصطفى ﷺ: «ومن يستعفف يعفه الله».
الثانية (لِسانيَّة): الكلمة الصادقة والنصيحة. إذا رأيت صاحبك أو قريبك وجد شيئاً ليس له وهمّ بأخذه، فبلّغه بلسانك وحذره من نار الحرام. كن أنت صوت الضمير الذي يعيده للحق، فالسكوت على الحرام مشاركة فيه.
الثالثة (عَمَليَّة): من وجد منكم شيئاً يسيراً في الماضي - مما لا تُتعب النفس في البحث عنه - وأخذه أو أنفقه، أو بحث عن صاحبه طويلاً ويئس منه، فليخرج الليلة وليتصدق بقيمته بنية الأجر لصاحبه الحقيقي. برئ ذمتك الآن قبل يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
الرابعة (اجتماعيَّة): ربوا أبناءكم في البيوت على هذه الأمانة العظيمة. إذا عاد ابنك من المدرسة بقلم ليس له، أو بلعبة وجدها في الحديقة، فلا تبتسم له! بل خذ بيده، وأرجعه معه في اليوم التالي ليعيده من حيث أخذه. هكذا يُزرع الخوف من الحرام في صدور الجيل، وهكذا تبنون جدار الأمانة المتين في الأسرة.
الخامسة (موضوعيَّة): احذروا صور اللقطة العصرية الخفية. التحويلات البنكية الخاطئة، شحنات التوصيل التي تصل لبيتك بالخطأ، المبالغ الزائدة التي يعطيها لك البائع سهواً... كل هذه "أمانات ولقطة". أرجعها لأصحابها فوراً ولا تتردد، فإن درهماً واحداً من الحرام يفسد عليك آلافاً من الحلال.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي الحافظة لكم من أكل الحرام، وهي التي تنير البصائر عند الفتن، وتحول بين المرء وبين الطمع في حق غيره.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائل: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم طهر أموالنا من الحرام، واكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
اللهم اجعلنا من المؤدين للأمانات، الرافعين لراية الحق، المعظمين لحرمات المسلمين.
اللهم لا تجعل في جيوبنا درهماً حراماً، ولا في بطوننا لقمة سحت، ولا في بيوتنا مالاً لا يرضيك.
اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، واجعلنا ممن إذا ابتلي بالشح والطمع عصمته، وإذا عرضت له فتنة المال ثبتّه.
اللهم اجعلنا ممن يألفون الحلال ويرضون به، وممن يفرون من الحرام فرارهم من النار.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وارفع البلاء عن المظلومين والمستضعفين يا رب العالمين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالمال المفقود: أمانة اللقطة قبل فرحة العثور
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.