من مكتبة مِداد الخطيب

حُقُوقُ الأَمْوَاتِ... هَدَايَا الأَحْيَاءِ إِلَى القُبُورِ

مشاركة
🕌 حُقُوقُ الأَمْوَاتِ... هَدَايَا الأَحْيَاءِ إِلَى القُبُورِ #خطبة_جمعة #حق_الميت #بر_الوالدين #الدعاء_للميت #الصدقة #رقائق إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [سُورَةُ الأَحْزَابِ: 70–71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ. تَخَيَّلُوا مَعِي رَجُلًا فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ: ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَظُلْمَةِ الوَحْدَةِ... يَنْتَظِرُ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ، شَيْئًا قَدْ يُنْقِذُهُ مِنْ عَذَابٍ مُحَقَّقٍ، أَوْ يَرْفَعُهُ دَرَجَاتٍ عَالِيَةً فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. هُوَ لَا يَنْتَظِرُ مَالًا لِيَجْمَعَهُ، وَلَا طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ، بَلْ يَنْتَظِرُ هَدِيَّةً تُصْنَعُ هُنَا فَوْقَ الأَرْضِ، لِتَصِلَ إِلَيْهِ هُنَاكَ تَحْتَ التُّرَابِ. فَمَا هِيَ هَذِهِ الهَدِيَّةُ؟ وَلِمَاذَا بَخِلْنَا بِهَا عَلَى أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْنَا بَعْدَ أَنْ وَارَيْنَاهُمُ التُّرَابَ؟ إِجَابَةٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَسْتَمِعُوا إِلَيْهَا بِقُلُوبِكُمْ قَبْلَ آذَانِكُمْ. أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، نَحْنُ نَظُنُّ فِي غَفْلَتِنَا أَنَّ رِحْلَةَ العَلَاقَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَنْ نُحِبُّ تَنْتَهِي عِنْدَ بَابِ المَقْبَرَةِ. نَظُنُّ أَنَّنَا حِينَ نَنْفُضُ أَيْدِيَنَا مِنْ تُرَابِ قُبُورِهِمْ، قَدْ طَوَيْنَا كِتَابَهُمْ، وَأُسْدِلَ السِّتَارُ عَلَى حُقُوقِهِمْ. وَلَكِنَّ الشَّرْعَ الحَنِيفَ يُخْبِرُنَا بِحَقِيقَةٍ أُخْرَى تَمَامًا؛ حَقِيقَةٍ تَبُثُّ الأَمَلَ فِي قُلُوبِ الرَّاحِلِينَ، وَتَضَعُ الأَمَانَةَ فِي أَعْنَاقِ البَاقِينَ. إِنَّ لِلْمَيِّتِ حُقُوقًا عَظِيمَةً لَا تَسْقُطُ بِخُرُوجِ رُوحِهِ، بَلْ تَتَأَكَّدُ وَتَتَعَاظَمُ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ دَارِ العَمَلِ وَالكَسْبِ، إِلَى دَارِ الجَزَاءِ وَالِانْتِظَارِ، فَصَارَ أَسِيرًا لِمَا قَدَّمَ، وَمُرْتَهِنًا لِمَا يَتْرُكُ خَلْفَهُ مِنْ أَثَرٍ وَدُعَاءٍ وَوَفَاءٍ. وَاسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي إِذَا تَأَمَّلْتُمُوهَا لَنْ تَبْقَى قُلُوبُكُمْ كَمَا كَانَتْ، يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سُورَةُ الحَشْرِ: 10]. تَأَمَّلُوا! اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَجْعَلُ مِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَنْسَوْنَ مَنْ سَبَقَهُمْ. لَمْ يَقُلْ "يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا" وَيَسْكُتْ، بَلْ أَتْبَعَهَا بِالدُّعَاءِ لِلأَمْوَاتِ ﴿وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. هَذَا هُوَ دِينُ الوَفَاءِ؛ دِينٌ يَرْبِطُ الأَحْيَاءَ بِالأَمْوَاتِ بِحَبْلٍ مِنَ النُّورِ وَالدُّعَاءِ وَالرَّحْمَةِ. هَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ يَوْمًا: مَاذَا يَحْتَاجُ أَبِي الَّذِي مَاتَ؟ أَوْ أُمِّي الَّتِي رَحَلَتْ؟ أَوْ أَخِي الَّذِي دَفَنْتُهُ بِيَدَيَّ؟
أَوَّلُ وَأَعْظَمُ حَقٍّ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ هُوَ قَضَاءُ دَيْنِهِ، وَفَكُّ أَسْرِهِ. الدَّيْنُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ حَبْسٌ لِلرُّوحِ عَنِ النَّعِيمِ فِي الآخِرَةِ. يَقُولُ مَوْلَانَا سُبْحَانَهُ، مُقَدِّمًا سَدَادَ الدَّيْنِ عَلَى كُلِّ حَقٍّ فِي المِيرَاثِ: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 11]. قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَدَاءَ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذَ الوَصِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَمْتَدَّ يَدُ وَارِثٍ إِلَى دِرْهَمٍ وَاحِدٍ مِنَ التَّرِكَةِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الرُّوحَ مُعَلَّقَةٌ بِهِ! وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ بَيَانًا شَافِيًا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ، حِينَمَا قَالَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ». يَا لَهَا مِنْ كَلِمَةٍ مُخِيفَةٍ.. "مُعَلَّقَةٌ"! لَا هِيَ قَادِرَةٌ عَلَى الِارْتِقَاءِ إِلَى مَنَازِلِ السُّعَدَاءِ، وَلَا هِيَ نَاجِيَةٌ مِنْ حِسَابِ الغُرَمَاءِ. مُعَلَّقَةٌ مَحْبُوسَةٌ كَالأَسِيرِ المُرْتَهَنِ حَتَّى يُؤَدَّى عَنْهُ مَا اقْتَرَضَهُ. وَتَأَمَّلُوا فِي هَذَا المَشْهَدِ النَّبَوِيِّ المَهُولِ لِنَعْرِفَ مَدَى خُطُورَةِ الأَمْرِ. يُؤْتَى بِرَجُلٍ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ مَاتَ، فَيَسْأَلُ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ كَمَا عَادَتُهُ: «هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟». قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، دِينَارَانِ! الرَّقْمُ لَيْسَ المَلَايِينَ وَلَا القُصُورَ، دِينَارَانِ فَقَطْ! فَتَرَاجَعَ النَّبِيُّ ﷺ خَطْوَةً إِلَى الوَرَاءِ، وَامْتَنَعَ عَنِ الصَّلَاةِ قَائِلًا: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». إِنَّهَا الصَّدْمَةُ! النَّبِيُّ الرَّحِيمُ الَّذِي كَانَتْ صَلَاتُهُ سَكَنًا وَرَحْمَةً لِأَصْحَابِهِ يَمْتَنِعُ! فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا المَوْقِفَ العَصِيبَ، تَقَدَّمَ مُسْرِعًا وَقَالَ: "هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا أَضْمَنُهُمَا". فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الغَدِ فَقَالَ: «مَا صَنَعَ الدِّينَارَانِ؟» فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ". فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ التَّالِي، لَقِيَهُ، فَقَالَ: «مَا صَنَعَ الدِّينَارَانِ؟» فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: "قَدْ قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً هِيَ بَيْتُ القَصِيدِ: «الآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدَتُهُ!». أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ، إِذَا كَانَ الأَبُ قَدْ مَاتَ مَدْيُونًا، فَمِنْ أَعْظَمِ البِرِّ الَّذِي يُقَدِّمُهُ لَهُ أَبْنَاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ أَنْ يُسَارِعُوا قَبْلَ تَقْسِيمِ المِيرَاثِ، بَلْ قَبْلَ أَنْ تَجِفَّ دُمُوعُهُمْ، لِسَدَادِ دَيْنِهِ، لِكَيْ تَبْرُدَ عَلَيْهِ جِلْدَتُهُ وَتُرْفَعَ رُوحُهُ إِلَى مَنَازِلِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَأَيُّ عُقُوقٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَتَقَاسَمَ الأَوْلَادُ أَمْوَالَ أَبِيهِمْ، وَيَتَنَازَعُوا فِي المِيرَاثِ، وَالأَبُ فِي قَبْرِهِ مَحْبُوسٌ مَأْسُورٌ مُعَلَّقٌ بِدَيْنِهِ الَذِي تَرَكُوهُ؟! وَلَعَلَّكُمْ تَسْأَلُونَ: وَإِذَا كَانَ المَيِّتُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ، هَلِ انْتَهَتْ مَسْؤُولِيَّتُنَا؟ الجوابُ أَنَّ هُنَاكَ حُقُوقًا أُخْرَى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ تَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ! وَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ. فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهِ، فَقَدْ قَالَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ وَاجِبٌ لَمْ يُؤَدِّهِ مَعَ اسْتِطَاعَتِهِ، وَجَبَ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَدَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ.
وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الأَمْرِ الأَخْطَرِ وَالمِفْتَاحِ الأَعْظَمِ.. إِنَّهُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ. أَيُّهَا النَّاسُ، المَيِّتُ فِي قَبْرِهِ يَسْتَوْحِشُ لِلدُّعَاءِ كَمَا يَسْتَوْحِشُ الحَيُّ لِلْمَاءِ إِذَا ظَمِئَ. يَقُولُ الحَقُّ سُبْحَانَهُ مُوَجِّهًا الأَبْنَاءَ لِدُعَاءِ أَبَدِيٍّ لَا يَنْقَطِعُ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [سُورَةُ الإِسْرَاءِ: 24]. هَذَا الدُّعَاءُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُتْلَى فِي الهَوَاءِ، بَلْ هُوَ شِفْرَةٌ رَبَّانِيَّةٌ تُرْسَلُ مِنَ الأَرْضِ لِتُحْدِثَ انْقِلَابًا عَظِيمًا فِي مَنَازِلِ الجَنَّةِ. وَاسْمَعُوا لِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ العُلَمَاءُ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ». يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! الرَّجُلُ قَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَتَوَقَّفَتْ حَسَنَاتُهُ، وَهُوَ فِي قَبْرِهِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَقُولَ حَتَّى سُبْحَانَ اللَّهِ. وَفَجْأَةً، تُرْفَعُ دَرَجَتُهُ، وَتُعْلَى مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ المَلِيكِ المُقْتَدِرِ، فَيَتَعَجَّبُ! مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا وَقَدْ أُغْلِقَ صَحِيفَتِي؟ فَيَأْتِيهِ الجَوَابُ الَّذِي يُثْلِجُ الصَّدْرَ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ! بِدَعْوَةٍ رَفَعَهَا ابْنُكَ أَوْ ابْنَتُكَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَأَنْتَ نَائِمٌ فِي لَحْدِكَ لَا تَعْلَمُ، وَصَلَتْكَ هَدِيَّةً مُغَلَّفَةً بِنُورِ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَقَدْ قَرَّرَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِجْمَاعَ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ عَلَى انْتِفَاعِ المَيِّتِ بِالدُّعَاءِ وَصُوصُلِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ إِلَيْهِ، قَائِلًا: "أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْأَمْوَاتِ يَنْفَعُهُمْ وَيَصِلُهُمْ ثَوَابُهُ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَنِ المَيِّتِ تَنْفَعُهُ وَيَصِلُهُ ثَوَابُهَا". فَهَلْ يَعْقِلُ أَنْ نَعْلَمَ هَذَا الإِجْمَاعَ، ثُمَّ نَبْخَلَ عَلَى آمَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَحِبَّائِنَا بِدَعْوَةٍ فِي سُجُودِنَا؟! ثُمَّ نَأْتِي لِلْحَقِّ الثَّالِثِ؛ وَهُوَ "الصَّدَقَةُ عَنِ المَيِّتِ". يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 88–89]. فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، لَا نَفْعَ إِلَّا بِالعَمَلِ الصَّالِحِ. وَمِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ الَّتِي يَصِلُ أَجْرُهَا بَعْدَ المَوْتِ الصَّدَقَةُ الجَارِيَةُ. وَقَدْ جَاءَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ — وَهُوَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ الأَنْصَارِ — إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْلُومًا بِمَوْتِ أُمِّهِ فَجْأَةً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَعَمْ». فَقَالَ سَعْدٌ بِكُلِّ كَرَمٍ وَبِرٍّ: "فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَافَ (وَهُوَ بُسْتَانُ نَخْلٍ عَظِيمٌ يَمْلِكُهُ) صَدَقَةٌ عَلَيْهَا!". هَكَذَا فَهِمَ الصَّحَابَةُ بُرَّ الأُمِّ بَعْدَ مَوْتِهَا. وَانْظُرُوا إِلَى حَالِنَا اليَوْمَ... بَعْضُنَا قَدْ يَشْتَرِي لِمَيِّتِهِ قَبْرًا فَاخِرًا، وَيُقِيمُ لَهُ سُرَادِقَ عَزَاءٍ يُنْفِقُ فِيهِ الأُلُوفَ المُؤَلَّفَةَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، لِيَقُولَ النَّاسُ "عَزَاءٌ مَهِيبٌ". وَالوَاقِعُ أَنَّ المَيِّتَ لَا يَنْتَفِعُ مِنْ ذَلِكَ قِطْمِيرًا! لَوْ أَنَّنَا أَخَذْنَا رُبُعَ تِلْكَ الأَمْوَالِ المَنْثُورَةِ فِي المُفَاخَرَةِ، فَحَفَرْنَا بِهَا بِئْرَ مَاءٍ يَشْرَبُ مِنْهُ المُحْتَاجُونَ، أَوْ كَفَلْنَا بِهَا يَتِيمًا فَقِيرًا، أَوْ طَبَعْنَا بِهَا مَصَاحِفَ تُتْلَى فِي المَسَاجِدِ، لَوَصَلَتِ البَرَكَاتُ إِلَى قَبْرِهِ فِي أَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [سُورَةُ يس: 12]. كُلُّ أَثَرٍ تَصْنَعُهُ صَدَقَتُكَ بِنِيَّةِ المَيِّتِ هُوَ عُمُرٌ ثَانٍ لَهُ، يُكْتَبُ فِي صَحِيفَتِهِ وَهُوَ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى.
وَمِنَ العَجَائِبِ فِي حُقُوقِ الأَمْوَاتِ عَلَيْنَا، حَقٌّ يَغْفُلُ عَنْهُ الكَثِيرُونَ... "صِلَةُ أَهْلِ وُدِّهِ". عِبَادَ اللَّهِ، هَلْ كَانَ لِأَبِيكَ صَدِيقٌ يُحِبُّهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ؟ هَلْ كَانَتْ لِأُمِّكِ جَارَةٌ تَسْتَأْنِسُ بِهَا قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ؟ اسْمَعُوا إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا — وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ — أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ». وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ ذَاتَ يَوْمٍ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ لَهُ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَمَعَهُ عِمَامَةٌ يَلُفُّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَقِيَ نَفْسَهُ مِنْ حَرِّ الصَّحْرَاءِ، فَمَرَّ بِأَعْرَابِيٍّ مِنْ سُكَّانِ البَادِيَةِ. فَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ فَعَرَفَهُ، وَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى. فَنَزَلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ حِمَارِهِ وَأَعْطَاهُ لِلْأَعْرَابِيِّ، وَخَلَعَ عِمَامَتَهُ وَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ! فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ يَتَعَجَّبُونَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِيَّ حِمَارًا تَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ! فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كَلِمَةَ مَنْ فَقِهَ حُقُوقَ الأَمْوَاتِ: "إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ — أَيْ كَانَ صَدِيقًا لِأَبِي — وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ". مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ دَعَوْتَ فِيهَا لِمَنْ فَقَدْتَ؟ كَيْفَ نَرْضَى أَنْ نَتْرُكَ آبَاءَنَا فِي وِحْدَةِ القُبُورِ نَسْيًا مَنْسِيًّا بَعْدَ أَنْ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ مِنْ أَجْلِنَا؟ هَلْ كَثْرَةُ مَشَاغِلِ الدُّنْيَا أَنْسَتْنَا أَنَّ لَنَا أَحِبَّةً يَنْتَظِرُونَ مِنَّا دَعْوَةً لَا تُكَلِّفُنَا شَيْئًا؟ تَأَمَّلُوا هَذَا المَعْنَى جَيِّدًا. ذَكَرَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ كَلَامًا تَقْشَعِرُّ لَهُ الأَبْدَانُ؛ حَيْثُ يُصَوِّرُ أَنَّ الأَرْوَاحَ فِي البَرْزَخِ تَلْتَقِي وَتَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِ الأَحْيَاءِ، وَأَنَّ هَدَايَا الأَحْيَاءِ مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ تَصِلُهُمْ. بَلْ وُصِفَ حَالُهُمْ بِأَنَّ أَعْمَالَ الأَحْيَاءِ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِهِمُ المَوْتَى! فَإِذَا رَأَوْا خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا وَفَرِحُوا وَقَالُوا: "الحَمْدُ لِلَّهِ هَذَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ"، وَإِذَا رَأَوْا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَعَاصٍ وَتَفْرِيطٍ، حَزِنُوا حُزْنًا شَدِيدًا. فَكِّرُوا مَعِي: أَيُّ عَذَابٍ أَنْ نُحْزِنَ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا فِي قُبُورِهِمْ بِمَعَاصِينَا وَتَفْرِيطِنَا، وَبِقَطِيعَتِنَا لِرَحِمِنَا؟ وَأَيُّ فَرَحٍ نُهْدِيهِمْ حِينَ نَتَصَدَّقُ عَنْهُمْ وَنَدْعُو لَهُمْ؟ يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ فِي تَصْوِيرِ حَالِ المَيِّتِ وَهُوَ يَنْتَظِرُ الدُّعَاءَ، كَأَنَّ دَعْوَتَكَ تَأْتِيهِ فِي "طَبَقٍ مِنْ نُورٍ"، فَيُقَالُ لَهُ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: "هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنْ أَخِيكَ فُلَانٍ! هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنِ ابْنِكَ فُلَانٍ!". فَيَفْرَحُ بِهَا فَرَحًا لَا يُدْرِكُهُ أَهْلُ الدُّنْيَا كُلُّهُمْ. هَذِهِ الدَّقَائِقُ الَّتِي نَعِيشُهَا الآنَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِنَجَاةِ أَحَدِكُمْ وَنَجَاةِ مَنْ يُحِبُّ تَحْتَ التُّرَابِ. فَكُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ وَأَنْتَ غَافِلٌ عَنْ مَيِّتِكَ، هِيَ حِرْمَانٌ لَهُ مِنْ نُورٍ كَانَ بِإِمْكَانِكَ أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَيْهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ". مَنْ قَصَّرَ فِي بِرِّ وَالِدَيْهِ حَالِ حَيَاتِهِمَا، فَبَابُ البِرِّ لَمْ يُغْلَقْ بَعْدَ مَوْتِهِمَا. الدُّعَاءُ لَهُمَا، الِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، إِنْفَاذُ وَصِيَّتِهِمَا، صِلَةُ رَحِمِهِمَا الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، كُلُّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ البِرِّ. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ، حِينَ سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ: "هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟" قَالَ ﷺ: «نَعَمْ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا (أَيِ الدُّعَاءُ لَهُمَا)، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا». أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🔷 الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللَّهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَنْ حُقُوقِ الأَمْوَاتِ المَنْسِيَّةِ، وَوَقَفْنَا مَعَ خُطُورَةِ الدَّيْنِ وَضَرُورَةِ قَضَائِهِ حَتَّى تَبْرُدَ عَلَيْهِمْ جُلُودُهُمْ، وَتَأَمَّلْنَا كَيْفَ يَنْتَظِرُ المَيِّتُ دَعْوَةً حَانِيَةً تَرْفَعُهُ دَرَجَاتٍ فِي الجَنَّةِ، وَخَتَمْنَا بِأَهَمِّيَّةِ الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ وَصِلَةِ أَصْدِقَائِهِمْ. وَالآنَ، وَنَحْنُ نُدْرِكُ حَاجَتَهُمْ المَاسَّةَ إِلَيْنَا، كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا إِلَى عَمَلٍ حَقِيقِيٍّ بَعْدَ صَلَاتِنَا؟ أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي: الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): اسْتَحْضِرْ نِيَّةً صَادِقَةً لِأَنْ تَكُونَ أَنْتَ "الوَلَدَ الصَّالِحَ" الَّذِي يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ العَمَلِ. فَصَلَاحُ قَلْبِكَ هُوَ نُورٌ لِقُبُورِهِمْ بِلَا انْقِطَاعٍ. الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): اجْعَلْ لِأَمْوَاتِكَ وِرْدًا يَوْمِيًّا مِنَ الدُّعَاءِ وَلَوْ فِي سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ؛ قُلْ كُلَّ لَيْلَةٍ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ فُلَانًا. دَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ تَكْفِي، وَلَكِنَّ أَثَرَهَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ. الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): تَصَدَّقْ عَنْ مَنْ فَقَدْتَ وَلَوْ بِمَبْلَغٍ قَلِيلٍ هَذَا الأُسْبُوعَ؛ مُسَاهَمَةٌ فِي حَفْرِ بِئْرٍ، أَوْ كَفَالَةُ يَتِيمٍ، أَوْ حَتَّى سُقْيَا مَاءٍ تَنْوِيهَا لَهُ، لِيَأْتِيهِ الأَجْرُ كَالغَيْثِ المُتَتَابِعِ. الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): اتَّصِلْ اليَوْمَ بِصَدِيقٍ لِأَبِيكَ المُتَوَفَّى، أَوْ زُرْ جَارَةً قَدِيمَةً لِأُمِّكِ الرَّاحِلَةِ، فَهَذَا مِنْ أَبَرِّ البِرِّ الَّذِي يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ فِي حَيَاةِ البَرْزَخِ. الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ حَاسِمَةٌ): تَفَقَّدُوا دُيُونَ أَمْوَاتِكُمْ. أَيُّهَا الوَرَثَةُ، مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَى مَيِّتِهِ دَيْنًا، لَا تَهْنَأْ لَهُ لَقْمَةٌ حَتَّى يَقْضِيَهُ، فَإِنَّ التَّرِكَةَ مُحَرَّمَةٌ حَتَّى تُسَدَّدَ حُقُوقُ العِبَادِ بَرَاءَةً لِذِمَّةِ الرَّاحِلِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ عَلَى رِعَايَةِ العُهُودِ مَعَ الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [سُورَةُ الحَشْرِ: 18]. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سُورَةُ الأَحْزَابِ: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. 🤲 الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ البَارِّينَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَارْزُقْنَا الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَدْعُو لَنَا مِنْ بَعْدِنَا، فَأَنْتَ القَائِلُ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [سُورَةُ الطُّورِ: 21]. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَوْتَانَا وَمَوْتَى المُسْلِمِينَ، الَّذِينَ شَهِدُوا لَكَ بِالوَحْدَانِيَّةِ، وَلِنَبِيِّكَ بِالرِّسَالَةِ، وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ، وَعَافِهِمْ وَاعْفُ عَنْهُمْ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُمْ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُمْ، وَاغْسِلْهُمْ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ إِنْ كَانُوا مُحْسِنِينَ فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مُسِيئِينَ فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ. اللَّهُمَّ جَازِهِمْ بِالحَسَنَاتِ إِحْسَانًا، وَبِالسَّيِّئَاتِ عَفْوًا وَغُفْرَانًا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُبُورَهُمْ رِيَاضًا مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَلَا تَجْعَلْهَا حُفَرًا مِنْ حُفَرِ النَّارِ. اللَّهُمَّ كَمَا جَمَعْتَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِكَ، فَاجْمَعْنَا بِهِمْ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. اللَّهُمَّ يَا فَالِقَ الإِصْبَاحِ وَيَا خَالِقَ الأَرْوَاحِ، انْصُرْ المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَكُنْ لَهُمْ نَاصِرًا وَمُعِينًا. عِبَادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ. 🌿 هُنَا يَنْتَهِي القَلَمُ، وَهُنَا تَبْدَأُ مَسْؤُولِيَّتُكَ أَيُّهَا الخَطِيبُ. هَذَا نَصٌّ صَاغَهُ نَمُوذَجٌ آلِيٌّ ذَكِيٌّ، وَالآلَةُ تُحْسِنُ وَتُسِيءُ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِيهَا. فَلَا تَأْمَنْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ تَحَقُّقٍ — رَاجِعْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَامْزُجْهَا بِقَلْبِكَ وَتَجْرِبَتِكَ، فَالمِنْبَرُ مِيزَانٌ يَوْمَ الحِسَابِ، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ صَقْلَ هَذِهِ الخُطْبَةِ وَتَطْوِيرَهَا فَحَدِّدْ طَلَبَكَ بِدِقَّةٍ أَوْ أَوْضِحْ مَا تُرِيدُ إِضَافَتَهُ؛ تَنَلْ مَا يُلَائِمُ مِنْبَرَكَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.