من مكتبة مِداد الخطيب

حَقُّ الجَار... ووصيَّةُ السَّماءِ المَنسيَّة

مشاركة
🕌 حَقُّ الجَار... ووصيَّةُ السَّماءِ المَنسيَّة #خطبة_جمعة #حق_الجار #الجوار #صلة_الرحم #الأخلاق_الإسلامية #الأسرة_والمجتمع #حقوق_المسلمين الحمدُ للهِ الذي ألَّفَ بينَ قلوبِ المؤمنينَ فجَعَلَهم إخوةً مُتراحمين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الإحسانَ إلى الجارِ من كمالِ الإيمانِ وعلاماتِ المُتَّقين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، خيرُ جارٍ عَرَفَتهُ البشريَّة، وأعظَمُ مَن أدَّى الحُقوقَ لأهلِها، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: أيها المؤمنون، هل سألتُم أنفسَكم يوماً: كيف تَغيَّرت حياتُنا حتى بَنَينا بيننا وبين أقربِ الناسِ إلينا سُدوداً من الإسمنتِ والحديدِ والصَّمت؟ في هذا الزمانِ العجيب، الذي نَحملُ فيه أجهزةً صَغيرةً تُخبرُنا بما يَحدثُ في أقصى مَشارقِ الأرضِ ومَغاربها في كَسرٍ من الثانية، أصبَحنا نَجهلُ اسمَ الرَّجلِ الذي يَنامُ ولا يَفصلُنا عنهُ سِوى جدارٍ واحد! نُعزِّي غُرباءَ في قارَّةٍ أخرى بضغطةِ زِر، ويموتُ جارُنا الذي يَسكنُ باباً مُقابلاً لبابنا، فلا نَعلمُ بموتهِ إلا حينَ نَرى الجَنازةَ أو نَشَمَّ رائحةَ الفَقد. هناكَ شيءٌ عظيمٌ قد انكَسَرَ في مجتمعاتنا، وهذا الشَّيءُ ليس ترفاً اجتماعياً نَبكيه، بل هو رُكنٌ من أركانِ أخلاقِ هذا الدِّين. عبادَ الله، إنَّ قضيَّةَ الجارِ في الإسلامِ ليست مُجرَّدَ "آدابِ ذَوقيَّة" أو "إتيكيت اجتماعي"، بل هي قضيَّةُ دينٍ وعقيدةٍ مُرتَبطةٍ بتوحيدِ اللهِ جلَّ جلاله. واسمعوا لهذه الآيةِ العظيمة التي إذا تأملتُموها لَن تَبقى مَفاهيمُكم كما كانت. يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾. تأمَّلوا التسلسلَ الإلهيَّ المَهيب! بدأَ اللهُ جلَّ في عُلاهُ بأعظمِ حقٍّ في الوجود: عبادَتِهِ وتوحيدِه، ثم ثَنَّى بحقِّ الوالدَين، ثم الأقربين، ثم انحَدَرَ في سِلسلةِ الحُقوقِ حتى وَصَلَ إلى الجار. لم يَقل "أحسِنوا إلى الجار" في آيةٍ مُنفصلة، بل قَرَنَ الإحسانَ إليهِ بالأمرِ بعبادَتِهِ وعدمِ الإشراكِ به! قال الإمامُ القُرطبيُّ رحمهُ اللهُ في تفسيره: "بناءً على هذه الآية، فالإحسانُ إلى الجارِ مَندوبٌ إليه، مسلماً كان أو كافراً، وهو يتضمَّنُ المُؤاساةَ وتَركَ الأذى، والمُحاماةَ دونه". أيها المسلمون، متى آخِرُ مرَّةٍ طَرقتَ فيها بابَ جارِكَ تسألُ عن حاله؟ متى آخِرُ مرَّةٍ أرسلتَ لهُ طَبقاً من طعامك؟ لعلَّكم تَقولون: نحنُ في زَمانِ مَشاغل، والناسُ لا تُحبُّ مَن يَتطفَّلُ عليها. ولكنْ اسمعوا لهذا المشهدِ الذي يهزُّ القلوبَ من سيرةِ نبيِّنا ﷺ. يقفُ الصادقُ المصدوقُ ﷺ بينَ أصحابه، وتَتكرَّرُ عليهِ زياراتُ أمينِ الوحيِ جبريلَ عليه السلام. في كلِّ مرةٍ يَنزلُ فيها جبريل، كان يُوصي النبيَّ بوصيةٍ غريبةٍ تُدهشُه. قال رسولُ الله ﷺ: «ما زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ». الله أكبر! «حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ». أي: من كثرةِ ما شَدَّدَ جبريلُ على حقِّ الجار، خَشِيَ النبيُّ ﷺ أن يَنزلَ أمرٌ من السماءِ بأنَّ الجارَ يَرثُ من مالِ جارِهِ إذا مات، كما يَرثُ الابنُ والأخ! هذا ليس كلاماً يُقالُ للترغيبِ العابر، بل هو تشريعٌ سَماويٌّ يُبيِّنُ أنَّ الجارَ في الإسلامِ بمَنزلةِ العائلة. ذكرَ الحافظُ ابنُ حجرٍ العَسقلانيُّ تعليقاً على هذا الحديث: "وفي هذا الحديثِ تعظيمُ حقِّ الجار، وتأكيدُ الوصيةِ به، والندبُ إلى حِفظِهِ ورعايتِه، حتى كادَ أن يَجعَلَهُ شريكاً في المال". يا مَن غَرَّتهُ جدرانُ شقَّتِهِ وأغلقَ بابَهُ على نفسِه! إنَّ الجِوارَ ليس فقط سَلاماً بارداً في مِصعدِ البناية. انظروا إلى حالِنا اليوم: اثنانِ يَسكنانِ في نفسِ البناية، يَقفانِ معاً في المِصعد، كُلٌّ منهما يُطأطئُ رأسَهُ في شاشةِ هاتِفِه، صمتٌ قُبور، لا ابتسامة، لا سلام، ولا حتى سُؤالٌ عن الحال. كيفَ انحَدَرنا إلى هذهِ العُزلةِ الموحِشة؟ وفي ذاتِ الوقت، نَجدُ أحدَنا يَكتبُ في مواقعِ التواصُل مَنشوراتٍ عن الإنسانيَّةِ والمَحَبَّة، ويُتابعُ أخبارَ آلافِ البَشر... وجارُهُ لا يَعرفُ إن كانَ مريضاً أو مَدْيُوناً أو جائعاً! واسمعوا لهذا التوجيهِ النبويِّ الذي يَخترقُ كلَّ هذهِ الحُواجز. يوصي النبيُّ ﷺ الصحابيَّ الجليلَ أبا ذرٍّ الغِفاريَّ رضي الله عنه، وصيةً عمليَّةً دقيقة، لا تَحتاجُ إلى ثروةٍ ولا إلى جُهد. يقول ﷺ: «يا أبا ذَرٍّ، إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فأكْثِرْ ماءَها، وتَعاهَدْ جِيرانَكَ». سبحانَ الله! لم يَقل لهُ: اذبَح خَروفاً، بل قال: «مَرَقَة»... و«أكثِر ماءَها». الشأنُ ليس في قيمَةِ الطَّعامِ الماديَّة، الشأنُ في إيصالِ رسالةٍ للجار: "أنا أتذكَّرُك، أنتَ في بالي، نحنُ عائلةٌ واحدة". هذا الماءُ الزَّائدُ في المَرَقَة، هو الذي كانَ يَصنَعُ أُمَّةً مُتلاحمةً لا يَستطيعُ عدوٌّ أن يَخترقَ صَفَّها. ولكِنْ، ماذا لَو كان الجارُ سيئاً؟ ماذا لو كان يُؤذي، أو يُزعج، أو لا يُراعي حُرمة؟ هنا يَتجلَّى مَعدنُ المُؤمنِ الحقيقي. الصَّبرُ على أذى الجارِ مَرتبةٌ من مَراتبِ الصِّدِّيقين. يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. دعوني أقصُّ عليكم مشهداً عجيباً من تاريخِ سَلَفِنا الصالح، مشهداً يُلخِّصُ معنى "الجِوار" الحقيقي. كانَ للإمامِ أبي حنيفةَ النُّعمانِ رحمهُ اللهُ جارٌ شابٌ، وكان هذا الشابُّ يَشربُ الخمرَ ويُغنِّي طَوالَ اللَّيل، ويُزعجُ الإمامَ في خَلوتِه وتهجُّدِه. كان الشابُّ يُردِّدُ بيتاً من الشِّعرِ وهو سَكران، يَقولُ فيه: أضاعُونِي وأيَّ فَتىً أضاعُوا... ليومِ كَريهةٍ وسِدادِ ثَغْرِ! وكان أبو حنيفةَ يَسمعُهُ كلَّ ليلةٍ ويَصبِر. وفي ليلةٍ من اللَّيالي، سَكَنَ الصَّوت. افتَقَدَ الإمامُ جارَهُ المُزعِج! فسألَ عنهُ في الصَّباح، فقيلَ له: إنَّ عَسَسَ الشُّرطةِ قد قَبضوا عليهِ البارحةَ وأودَعوهُ السِّجن. هل قال الإمام: "الحمدُ لله الذي أراحني منه"؟ هل شَمِتَ به؟ لا والله! لقد رَكِبَ أبو حنيفةَ بَغلَتَهُ، وانطَلَقَ إلى أميرِ الكوفةِ يشفعُ لجارِهِ السِّكِّير المُزعِج. فلمَّا رآهُ الأمير، أكرَمَهُ وأطلقَ سراحَ الشابِّ إكراماً للإمام. خَرَجَ الشابُّ من السِّجن، فدنا منهُ أبو حنيفةَ العالِمُ الوقور، ورَبَتَ على كَتفِ الشابِّ وقال له كلمةً واحدة: "يا فتى... هل أضَعناكَ؟" (يُشيرُ إلى بيتِ الشِّعرِ الذي كان يُردِّدُه). فبكى الشابُّ، وتابَ إلى الله، ولَزِمَ حَلْقَةَ أبي حنيفةَ حتى صارَ من الفُقهاء! أرأيتم؟ لقد صَبَرَ على أذاه، ثم بَحَثَ عنه، ثم أنقَذَه، ثم هَداه. هذا هو الجوارُ الذي نُريدُه! أيها الإخوةُ الأحبَّة، إنَّ الإساءةَ إلى الجارِ ليست خطيئةً عابرة، بل هي قاصمةٌ للظَّهر، ومُحبطةٌ للأعمال، وخَطرٌ يُهدِّدُ أصلَ الإيمان. استَمِعوا إلى هذا الحديثِ المُرعِب، الذي يَجعلُ القلوبَ تَرتَجف. يقِفُ النبيُّ ﷺ مُقسِماً، ويُكرِّرُ القَسَمَ ثلاثَ مرَّات: «واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ!». قيلَ: ومَن يا رسولَ اللَّهِ؟ خابَ وخَسِرَ! قالَ ﷺ: «الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» (أي شرورَهُ وأذاه). أيعقل أن يترك أحدكم الصلاة ثم يطمع في رحمة الله؟! الجواب: لا. فكيفَ نَطمعُ في كمالِ الإيمانِ ونحنُ نُؤذي جيرانَنا بصوتٍ مُزعج، أو بِنَفاياتٍ نَرميها أمامَ أبوابهم، أو بمِصفِّ سيَّاراتٍ نَعتدي فيهِ على حُقوقهم، أو بتتبُّعٍ لِعَوراتهم ونَظراتٍ نَخترقُ بها نَوافذهم؟ قال الإمامُ الحسنُ البصريُّ رحمه الله: "ليس حُسنُ الجِوارِ كَفَّ الأذى، ولكنَّ حُسنَ الجِوارِ الصَّبرُ على الأذى". فإذا كان كَفُّ الأذى لا يَكفي، فكيفَ بمَن يُبادِرُ بالأذى؟! وفي حديثٍ آخَرَ أخرَجَهُ أحمد، قيلَ للنبيِّ ﷺ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانَةَ يذكرُ مِن كَثرةِ صَلاتِها، وصيامِها، وصَدَقَتِها؛ غَيرَ أنَّها تُؤذي جِيرانَها بلِسانِها؟ تأمَّلوا! صلاة، صيام، صدقة... ما النتيجة؟ قال ﷺ جُملةً قاطعة: «هي في النَّارِ». ثم قيلَ له: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانَةَ يذكرُ مِن قِلَّةِ صيامِها وصَدَقَتِها وصَلاتِها، وأنَّها تَصَدَّقُ بالأثوارِ مِنَ الأقِطِ (قِطَع جُبنٍ صَغيرة)، ولا تُؤذي جِيرانَها بلِسانِها؟ قال ﷺ: «هي في الجَنَّةِ». يا سُبحانَ الله! امرأةٌ طارت بها أفعالُها القليلةُ وحُسنُ جِوارها إلى الجنة، وامرأةٌ هَوَت بها صلاتُها وصيامُها مع سُوءِ جِوارها إلى النار. فماذا يَنفعُكَ أن تَكونَ في المسجدِ في الصَّفِّ الأوَّل، وجارُكَ في البيتِ يَدعو عليكَ في جَوفِ اللَّيلِ من ظُلمِك وتَعَدِّيك؟ وليسَ حقُّ الجِوارِ مَحصوراً في المُسلمِ فقط! بل حتَّى الجارُ غيرُ المُسلمِ لهُ حقٌّ عظيمٌ في رقَبَتِك. يَذبحُ الصَّحابيُّ الجليلُ عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما شاةً في بيته، فيَدخُلُ على غُلامهِ ويَسألهُ بِحِرصٍ عجيب: "يا غُلام، هل أهدَيتَ لِجارِنا اليَهوديّ؟ هل أهدَيتَ لِجارِنا اليَهوديّ؟ سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: ما زالَ جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظَننتُ أنَّه سيُورِّثُه". انظروا إلى هذهِ العَظَمة! جيلٌ تَربَّى على أنَّ الرَّحمةَ لا تَعرِفُ تَمييزاً في حُقوقِ البَشرِ اليوميَّة. الجارُ جارٌ، مسلماً كانَ أو غيرَ مُسلم، لَهُ حَقُّ الجِوارِ، وحَقُّ الحِماية، وحَقُّ الطَّعام، وحقُّ الكَلِمَةِ الطيِّبة. ألا يُشبهُ هذا التوجيهُ حالَ كثيرٍ منَّا اليومَ حينما نَسمعُ أنينَ المستضعفين والمظلومين من جيراننا وإخواننا في بقاع الأرض؟ إن لم تَسَعهم أيدينا، فلتَسَعهم قُلوبُنا ودعواتُنا. بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيم، ونَفَعني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذِّكرِ الحكيم. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحدَّثنا في خُطبتنا الأولى عن المَكانةِ العَظيمةِ للجارِ في شَرعِنا، ووَقَفنا مع وَصيَّةِ جبريلَ عليهِ السَّلامُ التي لم تَنقَطِع، وتَدبَّرنا وعيدَ النَّبيِّ ﷺ لمَن أذى جارَه، وتَعَلَّمنا من موقفِ الإمامِ أبي حنيفةَ كيفَ يكونُ الصَّبرُ والاحتواء. والآن، إخوتي، بَقيَ السؤالُ العَمليُّ الذي سيُحدِّدُ إن كانت هذه الخطبةُ ستَمُرُّ مُرورَ الرِّيحِ أم ستُثمرُ في قُلوبكم وبيوتكم: كيفَ نُترجِمُ هذا إلى واقعٍ في حَياتِنا اليوم؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم، خَمسِ خُطواتٍ تَفتحُ لكم أبوابَ الرَّحمة: الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قلبَكَ تِجاهَ جيرانِك. لا تَحسُدهم إن رَأيتَ عليهم نِعمة، ولا تَفرح فيهم إن نَزَلَت بهم مُصيبة. قال رسول الله ﷺ: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسِه». الثانية (لِسانيَّة): صُن لسانَكَ عن أعراضِهم، ولا تَتتبَّع عَوراتهم. الجارُ يَرى من جارِهِ ما لا يَراهُ غيرُه، والأمانةُ تقتضي السِّتر. ومَن سَتَرَ مُسلماً سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخرة. لا تَكُن مِعوَلاً لِنَقلِ أسرارِ بيوتهم إلى المَجالس. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): تَعاهَدهُم ولو بالقليل. طَبِّق حديثَ «المَرَقَة» ولو مرَّةً في الشَّهر. أرسِل لجارِكَ شيئاً ممَّا طَبَخت، أو فاكهةً ممَّا اشتَرَيت، أو هديَّةً بَسيطةً لأطفاله. لا تَنتظر مُناسبة، فإنَّ الهديَّةَ المُفاجئةَ تَسلُّ سَخيمةَ القُلوب. الرابعة (اجتماعيَّة): كُن أوَّلَ مَن يُلقي السَّلام. إذا التقيتَ بهِ في طريقٍ أو مِصعد، لا تَشغَل نفسَكَ بِهاتِفِك، بل ابتَسم في وجههِ وقُل: "السلام عليكم، كيفَ حالُك يا جاري؟". تبسُّمكَ في وجهِ أخيكَ صدقة، وكلمةٌ طيِّبةٌ قد تُغيِّرُ يومَهُ كُلَّه. الخامسة (موضوعيَّة): تَغافَل واحتَمِل الزَّلَّة. إذا ركنَ سيارَتَهُ في مَكانِك يوماً، أو ارتَفَعَ صوتُ أبنائهِ قليلاً، أو قَصَّرَ في حَقِّك... فكُن أنتَ الأكبَرَ عَقلاً والأوسَعَ صَدراً. تذكَّر قولَ الحسنِ البصري: "حُسنُ الجِوارِ الصَّبرُ على الأذى". فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي التي تَحملكم على أداءِ الحقوقِ لأهلها، والوقوفِ عند حُدودِ الله في السِّرِّ والعَلَن. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقول ربكم جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا ممن حسُنَت أخلاقُهم، وطابت أقوالُهم، وأمِنَهم جيرانُهم. اللهم اجعلنا غيثاً أينما حَلَلنا نَفعنا، واجعلنا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشر. اللهم نَقِّ قلوبنا من الغِلِّ والحسدِ والشحناء، وألِّف بين قلوبِنا وقلوبِ جيراننا وإخواننا. اللهم مَن كان من جيراننا مريضاً فاشفه، ومَن كان مَديوناً فاقضِ دَينَه، ومَن كان مَهموماً ففرِّج همَّه، ومَن كان ميتاً فاغفر له وارحمه. اللهم احفظ أمتنا، وارحم مستضعفينا، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، وكن لهم عوناً ونصيراً، وولِّ عليهم خيارهم يا رب العالمين. اللهم اجعلنا ممن إذا ذُكِّروا تذكَّروا، وإذا أُمِروا ائتمروا، وإذا نُهوا انتهوا. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.