من مكتبة مِداد الخطيب

حقوق الآباء على الأبناء

مشاركة
حقوق الآباء على الأبناء الحَمدُ للهِ الَّذِي قَرَنَ حَقَّ الوَالِدَينِ بِحَقِّهِ العَظِيمِ فِي مُحكَمِ القُرآنِ، وَجَعَلَ الإِحسَانَ إِلَيهِمَا وَخَفضَ الجَنَاحِ لَهُمَا مِن أَعظَمِ شُعَبِ الإِيمَانِ وَأَوثَقِ أَسبَابِ دُخُولِ الجِنَانِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ الَّذِي أَودَعَ فِي قُلُوبِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ فَيضًا مِنَ الرَّحمَةِ وَالحَنَانِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن عَرَفَ قَدرَ نِعَمِ اللهِ فَشَكَرَ المُنْعِمَ السُّبحَانَ، وَشَكَرَ وَالِدَيهِ بِالبِرِّ وَالطَّاعَةِ وَالإِحسَانِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الأَبرَارِ وَإِمَامُ الأَخيَارِ، الَّذِي أَعلَى مَقَامَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ مِن غَوَائِلِ العُقُوقِ وَالنُّكرَانِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ الجَدِيدَانِ. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَمِفتَاحُ الفَلَاحِ فِي الدُّنيَا وَيَومَ الدِّينِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَجَلِّ مَظَاهِرِ تَقوَى القُلُوبِ وَطَهَارَةِ النُّفُوسِ: القِيَامَ بِحُقُوقِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَتَوقِيرَهُم، وَبَذلَ الغَالِي وَالنَّفِيسِ فِي إِرضَائِهِم وَإِدخَالِ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِهِم. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: هَل تَأَمَّلَ أَحَدُنَا يَومًا مَكَانَةَ الوَالِدَينِ فِي كِتَابِ اللهِ العَزِيزِ، فَرَأَى كَيفَ يَذكُرُ اللهُ تَوحِيدَهُ وَعِبَادَتَهُ الَّتِي خُلِقَت لِأَجلِهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، ثُمَّ يَعطِفُ عَلَيهَا مُبَاشَرَةً بِلَا فَاصِلٍ حَقَّ الوَالِدَينِ وَالإِحسَانَ إِلَيهِمَا؟ اِقرَؤُوا إِن شِئتُم قَولَ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ حِينَ أَصدَرَ قَضَاءَهُ الشَّرعِيَّ المُحكَمَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وَقَولَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، بَل قَرَنَ اللهُ شُكرَهُ بِشُكرِهِمَا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِن سُورَةِ لُقمَانَ فَقَالَ عزَّ مِن قَائِلٍ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾! لِمَاذَا يَا عِبَادَ اللهِ هَذَا الاقتِرَانُ العَجِيبُ بَينَ حَقِّ الخَالِقِ العَظِيمِ وَحَقِّ الوَالِدَينِ؟ قَالَ عُلَمَاءُ التَّفسِيرِ: لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ هُوَ السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فِي إِيجَادِكَ وَخَلقِكَ وَإِمدَادِكَ بِالنِّعَمِ، وَجَعَلَ سُبحَانَهُ وَالِدَيكَ هُمَا السَّبَبَ الظَّاهِرِيَّ فِي وُجُودِكَ وَحَيَاتِكَ وَتَربِيَتِكَ؛ فَمَن لَم يَشكُرِ الوَالِدَينِ اللَّذَينِ يَرَى إِحسَانَهُمَا وَتَضحِيَتَهُمَا بِعَينِهِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَكَيَفَ يَشكُرُ رَبَّهُ العَظِيمَ؟! مَعَاشِرَ الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ: عُودُوا بِذَاكِرَتِكُم إِلَى أَيَّامِ طُفُولَتِكُمُ الأُولَى يومَ كُنتُم أَجِنَّةً فِي ظُلُمَاتِ الأَرحَامِ، ثُمَّ أَطفَالًا رُضَّعًا لَا تَملِكُونَ لِأَنفُسِكُم ضَرًّا وَلَا نَفعًا، وَلَا تَستَطِيعُونَ دَفعَ أَذًى وَلَا جَلبَ طَعَامٍ أَو شَرَابٍ؛ مَنِ الَّذِي حَمَلَكَ فِي بَطنِهِ تِسعَةَ أَشهُرٍ يَتَجَرَّعُ الآلَامَ وَالأَثقَالَ؟ مَنِ الَّذِي سَهِرَ اللَّيَالِيَ الطِّوَالَ عِندَ رَأسِكَ إِذَا مَرِضتَ، يَبكِي لِأَنِينِكَ وَيَتَمَنَّى لَوِ انتَقَلَ الوَجَعُ مِن جَسَدِكَ إِلَى جَسَدِهِ؟ مَنِ الَّذِي كَدَحَ فِي هَوَاجِرِ الحَرِّ وَقَوَارِسِ البَردِ، يَقتَطِعُ اللُّقمَةَ مِن فَمِهِ لِيَضَعَهَا فِي فَمِكَ، وَيَلبَسُ الخَلَقَ مِنَ الثِّيَابِ لِيَكسُوَكَ الجَدِيدَ الفَاخِرَ، وَيَستَقبِلُ المَخَاطِرَ بِصَدرِهِ لِتَعِيشَ أَنتَ آمِنًا مُطمَئِنًّا؟ لَقَد صَوَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ هَذِهِ التَّضحِيَةَ العَظِيمَةَ تَصوِيرًا يَستَدرُّ الدَّمعَ مِنَ العُيُونِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ لُقمَانَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَحقَافِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. فَسُبحَانَ مَن يَرحَمُ الوَالِدَينِ حَتَّى وَهُوَ يُوصِي الأَبنَاءَ بِهِمَا! أَلَا تَرَونَ يَا عِبَادَ اللهِ أَنَّ اللهَ لَم يُوصِ الآبَاءَ بِالأَبنَاءِ إِلَّا نَادِرًا؛ لِأَنَّ فِطرَةَ الأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ تَندَفِعُ بِطَبعِهَا إِلَى حُبِّ الوَلَدِ وَالتَّضحِيَةِ لَهُ، وَلَكِنَّهُ سُبحَانَهُ أَكثَرَ مِن وَصِيَّةِ الأَبنَاءِ بِالآبَاءِ؛ لِأَنَّ الوَلَدَ إِذَا اشتَدَّ سَاعِدُهُ، وَقَوِيَ عُودُهُ، وَاستَغنَى بِمَالِهِ وَزَوجِهِ وَمَنصِبِهِ، قَد تَأخُذُهُ الغَفلَةُ وَالكِبرِيَاءُ فَيَنسَى ذَلِكَ الشَّيخَ الكَبِيرَ وَتِلكَ العَجُوزَ الضَّعِيفَةَ اللِّذَينِ أَفنَيَا شَبَابَهُمَا وَصِحَّتَهُمَا لِيَبْنِيَا شَبَابَهُ وَقُوَّتَهُ! وَللهِ دَرُّ الشَّاعِرِ القَدِيمِ أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصَّلتِ حِينَ نَطَقَ بِلِسَانِ كُلِّ وَالِدٍ مَكلُومٍ يُخَاطِبُ وَلَدَهُ: غَذَوتُكَ مَولُودًا وَعُلتُكَ يَافِعًا ... تُعَلُّ بِمَا أَجنِي عَلَيكَ وَتُنهَلُ إِذَا لَيلَةٌ نَابَتكَ بِالشَّكوِ لَم أَبِت ... لِشَكوَاكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلمَلُ وَرَحِمَ اللهُ الشَّاعِرَ الوَاعِظَ الَّذِي ذَكَّرَ الوَلَدَ بِعِظَمِ حَقِّ أُمِّهِ الَّتِي قَاسَتِ الشَّدَائِدَ مِن أَجلِهِ فَقَالَ: لِأُمِّكَ حَقٌّ لَو عَلِمتَ كَبِيرُ ... كَثِيرُكَ يَا هَذَا لَدَيهِ يَسِيرُ فَكَم لَيلَةٍ بَاتَت بِثِقلِكَ تَشتَكِي ... لَهَا مِن جَوَاهَا أَنَّةٌ وَزَفِيرُ عِبَادَ اللهِ: لَقَد فَصَّلَ الإِسلَامُ حُقُوقَ الآبَاءِ عَلَى الأَبنَاءِ تَفصِيلًا دَقِيقًا يَشمَلُ حَالَةَ القُوَّةِ وَحَالَةَ الضَّعفِ وَالكِبَرِ، وَيَمتَدُّ فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعدَ مَمَاتِهِمَا؛ فَمِن أَعظَمِ حُقُوقِ الوَالِدَينِ عَلَى الأَبنَاءِ: أَن يَعْلَمَ الوَلَدُ أَنَّ بِرَّهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ نَوَافِلِ العِبَادَاتِ، بَل مُقَدَّمٌ عَلَى فَرِيضَةِ الجِهَادِ الكِفَائِيِّ فِي سَبِيلِ اللهِ! وَاسْمَعُوا إِلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَأَلتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقتِهَا»، قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَينِ»، قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَستَأذِنُهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟»، قَالَ: نَعَم، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ: أَقبَلتُ مَعَكَ أَبتَغِي الأَجرَ مِنَ اللهِ، وَتَرَكتُ أَبَوَيَّ يَبكِيَانِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ارجِعْ إِلَيهِمَا فَأَضحِكْهُمَا كَمَا أَبكَيتَهُمَا!». تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ هَذَا الفِقهَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»، «فَأَضحِكْهُمَا كَمَا أَبكَيتَهُمَا»! سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خِدمَةَ الوَالِدَينِ وَالصَّبرَ عَلَى رِعَايَتِهِمَا جِهَادًا؛ لِأَنَّ النَّفسَ قَد تَمَلُّ أَحيَانًا مِن كَثرَةِ مَطَالِبِ الشَّيخُوخَةِ وَضَعفِ الكِبَرِ، فَمَن صَبَرَ وَاحتَسَبَ وَأَدخَلَ البَسمَةَ وَالسُّرُورَ عَلَى قَلبِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَهُوَ فِي مَيدَانِ جِهَادٍ عَظِيمٍ يُكتَبُ لَهُ بِهِ أَجرُ المُجَاهِدِينَ! وَمِن أَعظَمِ حُقُوقِ الآبَاءِ عَلَى الأَبنَاءِ: خَفضُ الجَنَاحِ وَالأَدَبُ الرَّفِيعُ فِي القَولِ وَالفِعلِ وَالنَّظرَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا بَلَغَا سِنَّ الكِبَرِ وَالعَجزِ؛ فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ثُمَّ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. انظُرُوا إِلَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿عِنْدَكَ﴾؛ أَي فِي كَنَفِكَ وَبَيتِكَ وَتَحتَ رِعَايَتِكَ المُبَاشِرَةِ، لَا مَنبُوذَينِ فِي دُورِ العَجَزَةِ وَالمُسِنِّينَ، وَلَا مَترُوكَينِ فِي وَحدَةٍ قَاتِلَةٍ لَا يَطرُقُ الوَلَدُ بَابَهُمَا إِلَّا فِي المُنَاسَبَاتِ! وَنَهَى اللهُ عَن كَلِمَةِ «أُفٍّ» وَهِيَ أَدنَى حُرُوفِ التَّضَجُّرِ وَالتَّأَفُّفِ، فَلَو كَانَ فِي اللُّغَةِ كَلِمَةٌ أَقَلُّ مِن «أُفٍّ» لَنَهَى اللهُ عَنهَا! وَقَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: «أَي لَا تَنفُضْ يَدَكَ عَلَيهِمَا»، وَقَالَ إِمَامُ المُفَسِّرِينَ مُجَاهِدُ بنُ جَبرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا يَنبَغِي لِلوَلَدِ أَن يُحِدَّ النَّظَرَ إِلَى وَالِدَيهِ، وَلَا يَرفَعَ صَوتَهُ فَوقَ صَوتِهِمَا». وَقَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: «لَا تَمتَنِعْ مِن شَيءٍ أَحَبَّاهُ». وَمِن حُقُوقِ الوَالِدَينِ الكُبرَى: مَعرِفَةُ عِظَمِ حَقِّ الأُمِّ بِمَزِيدٍ مِنَ الرِّفقِ وَالصُّحبَةِ، مَعَ حِفظِ مَقَامِ الأَبِ وَإِجلَالِهِ وَسَخَاءِ اليَدِ لَهُ بِالمَالِ وَالنَّفَقَةِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَن أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ». وَكَمَا خَصَّتِ السُّنَّةُ الأُمَّ بِثَلَاثَةِ أَربَاعِ الصُّحبَةِ لِمَا انفَرَدَت بِهِ مِن مَشَاقِّ الحَملِ وَالوِلَادَةِ وَالإِرضَاعِ، فَقَد جَعَلَتِ الأَبَ أَوسَطَ أَبوَابِ الجَنَّةِ وَأَحسَنَهَا؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الوَالِدُ أَوسَطُ أَبوَابِ الجَنَّةِ، فَإِن شِئتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أَوِ احفَظْهُ». وَإِيَّاكَ أَيُّهَا الابنُ أَن تُحَاسِبَ أَبَاكَ أَو أُمَّكَ بِمِيزَانِ الدِّرهَمِ وَالدِّينَارِ، أَو تَمُنَّ عَلَيهِمَا بِنَفَقَةٍ أَنفَقتَهَا؛ فَقَد رَوَى ابنُ مَاجَه وَالإِمَامُ أَحمَدُ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَن يَجتَاحَ مَالِي! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً فَاصِلَةً تَقطَعُ كُلَّ شُحٍّ فِي نُفُوسِ الأَبنَاءِ: «أَنتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ!». فَكُلُّ مَا تَملِكُهُ أَيُّهَا الوَلَدُ مِن عِلمٍ وَشَهَادَةٍ وَتِجَارَةٍ وَمَنصِبٍ إِنَّمَا هُوَ بَعدَ فَضلِ اللهِ ثَمرَةُ غَرسِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ وَدُعَائِهِمَا وَتَعَبِهِمَا! بَل إِنَّ الإِسلَامَ أَوجَبَ صُحبَةَ الوَالِدَينِ بِالمَعرُوفِ وَالإِحسَانَ إِلَيهِمَا حَتَّى لَو كَانَا كَافِرَينِ يُجَاهِدَانِ وَلَدَهُمَا عَلَى الشِّركِ بِاللهِ؛ فَلَا يُطِيعُهُمَا فِي مَعصِيَةِ الخَالِقِ، لَكِنَّهُ لَا يَسقُطُ عَنهُ وَاجِبُ بِرِّهِمَا وَخِدمَتِهِمَا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ لُقمَانَ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. فَإِذَا كَانَ هَذَا حَقَّ الوَالِدِ المُشرِكِ، فَكَيَفَ بِحَقِّ الوَالِدَينِ المُسلِمَينِ المُوَحِّدَينِ الرَّاكِعَينِ السَّاجِدَينِ اللَّذَينِ عَلَّمَاكَ الفَاتِحَةَ وَالصَّلَاةَ وَحُبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ؟! عِبَادَ اللهِ: وَلَو نَظَرنَا فِي سِيَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَحِمَهُم، لَرَأَينَا عَجَبًا عُجَابًا فِي تَعظِيمِ حُقُوقِ الوَالِدَينِ وَالتَّفَانِي فِي خِدمَتِهِمَا؛ فَهَذَا صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ وَحَافِظُ الأُمَّةِ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يَروِي عَنهُ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَن يَخرُجَ مِن بَيتِهِ أَو يَدخُلَ وَقَفَ عَلَى بَابِ حُجرَةِ أُمِّهِ العَجُوزِ فَنَادَى بِأَدَبٍ وَحَنَانٍ: «السَّلَامُ عَلَيكِ يَا أُمَّتَاهُ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، رَحِمَكِ اللهُ كَمَا رَبَّيتِنِي صَغِيرًا!»، فَتَرُدُّ عَلَيهِ أُمُّهُ قَائِلَةً: «وَعَلَيكَ السَّلَامُ يَا بُنَيَّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَأَنتَ فَجَزَاكَ اللهُ خَيرًا وَرَضِيَ عَنكَ كَمَا بَرَرتَنِي كَبِيرًا!». وَلَم يَحُجَّ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَجَّ التَّطَوُّعِ طِيلَةَ حَيَاةِ أُمِّهِ لِئَلَّا يُفَارِقَهَا وَيَدَعَ خِدمَتَهَا! وَهَذَا سَيِّدُ التَّابِعِينَ أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ القَرَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، الَّذِي حَبَسَهُ بِرُّهُ بِأُمِّهِ العَجُوزِ فِي اليَمَنِ عَنِ القُدُومِ إِلَى المَدِينَةِ لِرُؤيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَعَوَّضَهُ اللهُ بِهَذَا البِرِّ شَرَفًا لَم يَنَلهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ؛ حَيثُ أَوصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الفَارُوقَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَن يَطلُبَ مِن أُوَيسٍ الدُّعَاءَ وَالاستِغفَارَ، وَبَيَّنَ سَبَبَ تِلكَ المَنزِلَةِ العَالِيَةِ بَينَ أَهلِ السَّمَاءِ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بَارٌّ بِهَا، لَو أَقسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ استَطَعتَ أَن يَستَغفِرَ لَكَ فَافعَلْ!». وَاسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى فِقهِ التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ وَعَابِدِ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مُحَمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ رَحِمَهُ اللهُ، كَمَا رَوَى الذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ وَابنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشقَ؛ فَقد كَانَ لَهُ أَخٌ صَالِحٌ عَابِدٌ يُقَالُ لَهُ عُمَرُ بنُ المُنكَدِرِ، فَبَاتَ عُمَرُ لَيلَتَهُ قَائِمًا يُصَلِّي للهِ تَعَالَى حَتَّى الصَّبَاحِ، وَبَاتَ مُحَمَّدُ بنُ المُنكَدِرِ طَوَالَ اللَّيلِ جَالِسًا عِندَ قَدَمَي أُمِّهِ يَغمِزُهُمَا وَيُدَلِّكُهُمَا لِيُخَفِّفَ عَنهَا الأَلَمَ وَيُرَوِّحَ عَنهَا، فَلَمَّا أَصبَحَ الصَّبَاحُ قَالَ مُحَمَّدُ بنُ المُنكَدِرِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ الفَقِيهَةَ العَظِيمَةَ: «بَاتَ أَخِي عُمَرُ يُصَلِّي، وَبِتُّ أَغمِزُ قَدَمَي أُمِّي، فَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لَيلَتِي بِلَيلَتِهِ!». لِمَاذَا؟ لِأَنَّ نَفْعَ قِيَامِ اللَّيلِ قَاصِرٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهُوَ نَافِلَةٌ، أَمَّا بِرُّ الوَالِدَةِ وَتَخفِيفُ أَلَمِهَا فَهُوَ فَرِيضَةٌ مُتَعَدِّيَةُ النَّفعِ، وَإِدخَالٌ لِلسُّرُورِ عَلَى أَعظَمِ الخَلقِ حَقًّا! بَل كَانَ مُحَمَّدُ بنُ المُنكَدِرِ رَحِمَهُ اللهُ يَضَعُ خَدَّهُ عَلَى الأَرضِ بَينَ يَدَي أُمِّهِ وَيَقُولُ لَهَا تَذَلُّلًا وَتَوَاضُعًا: «يَا أُمَّهْ، قُومِي ضَعِي قَدَمَكِ عَلَى خَدِّي!». أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِوَالِدِينَا وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ بِرَّ الوَالِدَينِ بَرَكَةً فِي الأَعمَارِ وَسَعَةً فِي الأَرزَاقِ، وَجَعَلَ عُقُوقَهُمَا شُؤمًا وَخُسرَانًا فِي الدُّنيَا وَيَومَ التَّلَاقِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الخَلَّاقُ الرَّزَّاقُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ بِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ عَلَى الإِطلَاقِ. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاحذَرُوا كُلَّ الحَذَرِ مِن دَاءِ العُقُوقِ الَّذِي استَشرَى فِي بَعضِ البُيُوتِ فِي زَمَانِنَا هَذَا؛ فَكَم نَرَى وَنَسمَعُ مِن مَآسٍ تَتَفَطَّرُ لَهَا الأَكبَادُ: اِبنٌ يَرفَعُ صَوتَهُ فِي وَجهِ أَبِيهِ الشَّيخِ الكَبِيرِ وَيَنهَرُهُ، وَآخَرُ يُقَدِّمُ رِضَا زَوجَتِهِ أَو أَصدِقَائِهِ عَلَى رِضَا أُمِّهِ الَّتِي حَمَلَتهُ وَأَرضَعَتهُ، فَيَلقَى أَصدِقَاءَهُ بِالبَشَاشَةِ وَالضَّحِكِ وَالسَّمرِ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَى وَالِدَيهِ قَطَّبَ جَبِينَهُ، وَانشَغَلَ عَن حَدِيثِهِمَا بِالنَّظَرِ فِي هَاتِفِهِ، كَأَنَّ مَجلِسَهُمَا ثَقِيلٌ عَلَى قَلبِهِ! وَثَالِثٌ يُقَاطِعُ أَبَاهُ مِن أَجلِ حُطَامٍ زَائِلٍ مِنَ المَالِ أَوِ المِيرَاثِ! أَمَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا اتَّفَقَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُم بِأَكبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الإِشرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَينِ»؟ أَمَا يَخشَى المُقَصِّرُ فِي حَقِّ وَالِدَيهِ أَن تُصِيبَهُ دَعوَةُ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّتِي أَمَّنَ عَلَيهَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «رَغِمَ أَنفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنفُ»، قِيلَ: مَن يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَن أَدرَكَ أَبَوَيهِ عِندَ الكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَو كِلَيهِمَا فَلَم يَدخُلِ الجَنَّةَ»؟! فَيَا مَن لَا يَزَالُ وَالِدَاهُ أَو أَحَدُهُمَا عَلَى قَيدِ الحَيَاةِ: اِعلَمْ أَنَّكَ فِي غَنِيمَةٍ عُظمَى وَنِعمَةٍ لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ! بَابُ الجَنَّةِ مَفتُوحٌ فِي بَيتِكَ، فَادخُلْ عَلَى وَالِدَيكَ بَعدَ صَلَاتِكَ هَذِهِ، وَقَبِّلْ رُؤُوسَهُمَا وَأَيدِيَهُمَا وَأَقدَامَهُمَا، وَاطلُبْ صَفحَهُمَا وَدُعَاءَهُمَا، وَآنِسْ وَحشَتَهُمَا، وَأَغدِقْ عَلَيهِمَا مِن مَالِكَ وَوَقتِكَ وَبَشَاشَتِكَ قَبلَ أَن يَأتِيَ يَومٌ تَدخُلُ فِيهِ الدَّارَ فَتَجِدُ مَكَانَهُمَا خَالِيًا، وَفِرَاشَهُمَا مَطوِيًّا، فَتَتَمَنَّى لَو بَذَلتَ الدُّنيَا كُلَّهَا لِتَسمَعَ دَعوَةً وَاحِدَةً مِن فَمِ أُمِّكَ أَو أَبِيكَ فَلَا تَجِدُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا! وَأَمَّا مَن مَاتَ وَالِدَاهُ أَو أَحَدُهُمَا، فَلَا يَحزَنْ وَلَا يَيأَسْ؛ فَإِنَّ بَابَ البِرِّ وَالوَفَاءِ لَا يُغلَقُ بِالمَوتِ، بَل يَبقَى مَفتُوحًا مَا دَامَ الوَلَدُ الصَّالِحُ حَيًّا يَرفَعُ يَدَيهِ بِالدُّعَاءِ وَالاستِغفَارِ، وَيَتَصَدَّقُ عَنهُمَا، وَيَقضِي دُيُونَهُمَا وَنُذُورَهُمَا، وَيَصِلُ رَحِمَهُمَا وَأَهلَ مَوَدَّتِهِمَا؛ مِصدَاقًا لِقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَنهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ». وَمِصدَاقًا لِمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا حِينَ لَقِيَ أَعرَابِيًّا بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلَّمَ عَلَيهِ ابنُ عُمَرَ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَركَبُهُ، وَأَعطَاهُ عِمَامَةً كَانَت عَلَى رَأسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَصلَحَكَ اللهُ، إِنَّهُمُ الأَعرَابُ وَإِنَّهُم يَرضَونَ بِاليَسِيرِ! فَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الوَلَدِ أَهلَ وُدِّ أَبِيهِ». فَأَكثِرُوا يَا عِبَادَ اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ لِوَالِدِيكُم فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَدُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، كَمَا عَلَّمَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لِسَانِ أَنبِيَائِهِ الكِرَامِ فِي سُورَةِ إِبرَاهِيمَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، وَاعلَمُوا أَنَّ البِرَّ سَلَفٌ وَدَينٌ؛ فَمَن بَرَّ وَالِدَيهِ اليَومَ، سَخَّرَ اللهُ لَهُ أَبنَاءَهُ فَبَرُّوهُ فِي كِبَرِهِ وَبَعدَ مَمَاتِهِ، وَهَل جَزَاءُ الإِحسَانِ إِلَّا الإِحسَانُ! ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى خَيرِ الوَرَى وَسَيِّدِ المُرسَلِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ المَبِينِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الأَئمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ اغفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، اللَّهُمَّ ارحَمهُمَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا، اللَّهُمَّ مَن كَانَ مِنهُم حَيًّا فَأَطِلْ فِي عُمُرِهِ عَلَى طَاعَتِكَ، وَمَتِّعهُ بِالصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، وَاختِمْ لَهُ بِالصَّالِحَاتِ، وَأَعِنَّا عَلَى بِرِّهِ وَإِرضَائِهِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ وَمَن كَانَ مِنهُم مَيِّتًا فَأَنزِلْ عَلَى قَبرِهِ الضِّيَاءَ وَالنُّورَ، وَالفُسحَةَ وَالسُّرُورَ، وَجَازِهِ بِالإِحسَانِ إِحسَانًا، وَبِالسَّيِّئَاتِ عَفوًا وَغُفرَانًا، وَاجَمَعنَا بِهِم فِي الفِردَوسِ الأَعلَى مِنَ الجَنَّةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ أَعِذنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِن شُؤمِ العُقُوقِ وَالقَطِيعَةِ، وَارزُقنَا بِرَّ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَارزُقنَا بِرَّ أَبنَائِنَا وَبَنَاتِنَا، وَأَصلِحْ بُيُوتَ المُسلِمِينَ وَأَلِّفْ بَينَ قُلُوبِهِم يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.