من مكتبة مِداد الخطيب

حُسنُ الظَّنِّ بِاللهِ عِندَ تَأَخُّرِ الفَرَجِ: الثَّبَاتُ عَلَى الدُّعَاءِ وَالعَمَلِ وَالفَرقُ بَينَ الرَّجَاءِ الصَّادِقِ وَالتَّمَنِّي

مشاركة
حُسنُ الظَّنِّ بِاللهِ عِندَ تَأَخُّرِ الفَرَجِ: الثَّبَاتُ عَلَى الدُّعَاءِ وَالعَمَلِ وَالفَرقُ بَينَ الرَّجَاءِ الصَّادِقِ وَالتَّمَنِّي الحَمدُ للهِ الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ الفَرَجِ بَعدَ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ، وَبِلُطفِهِ تَنجَلِي الكُرُوبُ الحَالِكَةُ وَيَتَّسِعُ كُلُّ مَسْلَكٍ ضَيِّقٍ وَطَرِيقٍ، يَبتَلِي عِبَادَهُ بِتَأَخُّرِ المَطَالِبِ لِيَرفَعَ دَرَجَاتِهِم فِي مَقَامَاتِ الصَّبرِ وَاليَقِينِ وَالتَّصدِيقِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، يَعلَمُ مَصَالِحَ عِبَادِهِ وَيُدَبِّرُ أُمُورَهُم بِحِكمَتِهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن أَحسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَلَم يَأسَ مِن رَوحِهِ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَ أَعظَمَ النَّاسِ ثِقَةً بِاللهِ وَأَثبَتَهُم قَلبًا عِندَ تَكَاتُفِ الخطُوبِ وَالكُرُوبِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَعظَمِ امْتِحَانَاتِ الإِيمَانِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا المَرءُ فِي حَيَاتِهِ: تِلكَ المَسَافَةَ الزَّمَنِيَّةَ الفَاصِلَةَ بَينَ رَفعِ الدُّعَاءِ وَنُزُولِ الفَرَجِ! تِلكَ الأَيَّامُ أَوِ الشُّهُورُ أَوِ السَّنَوَاتُ الَّتِي يَطرُقُ فِيهَا المَكرُوبُ بَابَ السَّمَاءِ، وَيَسعَى فِيهَا المَديُونُ لِقَضَاءِ دَينِهِ، وَيَنتَظِرُ فِيهَا المَرِيضُ شِفَاءَ بَدَنِهِ، وَيَتَشَوَّقُ فِيهَا المَحرُومُ إِلَى ذُرِّيَّةٍ أَو وَظِيفَةٍ أَو مَخرَجٍ مِن ضِيقٍ؛ ثُمَّ يَنظُرُ حَولَهُ فَيَرَى الأَسبَابَ المَادِّيَّةَ لَا تَزَالُ مُوصَدَةً، وَالمَطلُوبَ لَا يَزَالُ مُتَأَخِّرًا! هُنَالِكَ فِي تِلكَ السَّاعَةِ الحَرِجَةِ، يَأتِي الشَّيطَانُ إِلَى القَلبِ المُتعَبِ لِيَهمِسَ فِيهِ بِوَسَاوِسِ السُّوءِ قَائِلًا: «لَو كَانَ اللهُ يُرِيدُ إِجَابَتَكَ لَأَجَابَكَ مِن أَوَّلِ مَرَّةٍ! إِلَى مَتَى تَدعُو وَتَعمَلُ وَلَا تَرَى ثَمَرَةً؟!». فَإِمَّا أَن يَسقُطَ الإِنسَانُ فِي وَهدَةِ القُنُوطِ فَيَقطَعَ الدُّعَاءَ وَيُسيءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَإِمَّا أَن يَنكَفِئَ إِلَى قُعودٍ سَلبِيٍّ وَتَمَنٍّ فَارِغٍ بِلَا عَمَلٍ وَلَا سَعيٍ، يَظُنُّ صَاحِبُهُ أَنَّهُ مُحسِنٌ لِلظَّنِّ بِاللهِ وَهُوَ قَاعِدٌ عَنِ الطَّاعَةِ وَالأَخذِ بِالأَسبَابِ! فَكَيفَ يُحَقِّقُ المُؤمِنُ عِبَادَةَ «حُسنِ الظَّنِّ بِاللهِ» حِينَ يَتَأَخَّرُ الفَرَجُ؟ وَمَا هِيَ الحِكَمُ الرَّبَّانِيَّةُ البَالِغَةُ فِي تَأجِيلِ بَعضِ المَطَالِبِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى؟ وَمَا هُوَ الفَرقُ الحَاسِمُ بَينَ الرَّجَاءِ الصَّادِقِ الَّذِي يَدفَعُ إِلَى العَمَلِ، وَالتَّمَنِّي الكَاذِبِ الَّذِي يُورِثُ الكَسَلَ وَالبَطَالَةَ؟ إِنَّ حُسنَ الظَّنِّ بِاللهِ يَا عِبَادَ اللهِ هُوَ أَصلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ التَّوحِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَبنِيٌّ عَلَى مَعرِفَةِ العَبدِ بِأَسمَاءِ رَبِّهِ وَصِفَاتِهِ؛ فَمَن عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ الرَّحِيمُ الوَدُودُ، الكَرِيمُ الجَوَادُ، الحَكِيمُ العَلِيمُ، القَادِرُ الَّذِي لَا يُعجِزُهُ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، استَحَالَ أَن يَظُنَّ بِرَبِّهِ إِلَّا الخَيرَ وَالرَّحمَةَ وَالحِكمَةَ! وَاستَمِعُوا إِلَى هَذَا الوَعدِ الإِلَهِيِّ الصَّادِقِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي». وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَبلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُم إِلَّا وَهُوَ يُحسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ». أَتَدرُونَ لِمَاذَا يَتَأَخَّرُ الفَرَجُ أَحيَانًا عَنِ العَبدِ المُؤمِنِ مَعَ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ وَيَسمَعُ نِدَاءَهُ؟ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُؤَخِّرُ الإِجَابَةَ بُخلًا وَلَا عَجزًا — حَاشَاهُ سُبحَانَهُ وَخَزَائِنُهُ مَلأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ — وَلَكِنَّهُ يُؤَخِّرُهَا لِحِكَمٍ بَالِغَةٍ يَعلَمُهَا هُوَ وَلَا نَعلَمُهَا نَحنُ! قَد يَطلُبُ العَبدُ الشَّيءَ فِي وَقتٍ يَكُونُ حُصُولُهُ فِيهِ فِتنَةً لَهُ فِي دِينِهِ أَو دُنيَاهُ، فَيُؤَخِّرُهُ العَلِيمُ الحَكِيمُ إِلَى الوَقتِ الأَنفَعِ وَالأَصلَحِ لَهُ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وَقَد يُؤَخِّرُ اللهُ الفَرَجَ لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَن يَسمَعَ صَوتَ عَبدِهِ وَتَضَرُّعَهُ وَانكِسَارَهُ بَينَ يَدَيهِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَو أُعطِيَ حَاجَتَهُ مِن أَوَّلِ يَومٍ لَفَتَرَ عَنِ الدُّعَاءِ وَغَفَلَ عَنِ اللَّجَأِ إِلَى اللهِ؛ فَأَرَادَ اللهُ بِتَأخِيرِ الفَرَجِ أَن يُعطِيَكَ «عِبَادَةَ الِافتِقَارِ وَالدُّعَاءِ» الَّتِي هِيَ أَعظَمُ عِندَهُ وَأَبقَى لَكَ مِنَ الحَاجَةِ الدُّنيَوِيَّةِ نَفسِهَا! بَل إِنَّ دَعوَةَ المُؤمِنِ لَا تَضِيعُ عِندَ اللهِ أَبَدًا؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِن مُسلِمٍ يَدعُو بِدَعوَةٍ لَيسَ فِيهَا إِثمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعطَاهُ اللهُ بِهَا إِحدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَن تُعَجَّلَ لَهُ دَعوَتُهُ، وَإِمَّا أَن يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَن يَصرِفَ عَنهُ مِنَ السُّوءِ مِثلَهَا»، قَالُوا: إِذًا نُكثِرُ! قَالَ ﷺ: «اللهُ أَكثَرُ!». فَأَنتَ مَعَ الدُّعَاءِ رَابِحٌ فِي كُلِّ حَالٍ: إِمَّا فَرَجٌ مُعَجَّلٌ فِي الدُّنيَا، وَإِمَّا بَلَاءٌ كَانَ نَازِلًا بِكَ فَصَرَفَهُ اللهُ عَنكَ بِدُعَائِكَ، وَإِمَّا جِبَالٌ مِنَ الحَسَنَاتِ تَفرحُ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ! وَلِهَذَا حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِن آفَةِ «استِعجَالِ الإِجَابَةِ» الَّتِي تُبطِلُ ثَمَرَةَ الدُّعَاءِ؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُستَجَابُ لِأَحَدِكُم مَا لَم يَعجَل، يَقُولُ: دَعَوتُ فَلَم يُستَجَب لِي»، وَفِي لَفظِ مُسلِمٍ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاستِعجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَد دَعَوتُ وَقَد دَعَوتُ فَلَم أَرَ يَستَجِيبُ لِي، فَيَستَحسِرُ عِندَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ». وَيَضرِبُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ مَثَلًا بَدِيعًا لِهَذَا المُستَعجِلِ الَّذِي يَترُكُ الدُّعَاءَ عِندَ تَأَخُّرِ الفَرَجِ، فَيُشَبِّهُهُ بِمَن بَذَرَ بَذرًا أَو غَرَسَ غِرَاسًا، فَجَعَلَ يَتَعَاهَدُهُ وَيَسقِيهِ أَيَّامًا، فَلَمَّا استَبطَأَ نُضجَ الثَّمَرَةِ تَرَكَ السَّقيَ وَأَهمَلَ الزَّرعَ حَتَّى يَبِسَ وَمَاتَ قَبلَ أَوَانِ حَصَادِهِ! وَيَقُولُ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي صَيدِ الخَاطِرِ كَلِمَةً تُثَبِّتُ القُلُوبَ عِندَ طُولِ البَلَاءِ: إِنَّ لِلبَلَاءِ مُدَّةً مَعلُومَةً عِندَ اللهِ كَمُدَّةِ الحَملِ؛ لَا يَملِكُ أَحَدٌ أَن يَستَعجِلَ وِلَادَتَهَا قَبلَ تَمَامِ أَشهُرِهَا، فَمَتَى تَمَّت مُدَّتُهَا وُلِدَ الفَرَجُ فِي لَحظَةٍ لَا يَحتَسِبُهَا العَبدُ! وَانظُرُوا — يَا عِبَادَ اللهِ — إِلَى أَعظَمِ مَدرَسَةٍ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ تُعَلِّمُنَا حُسنَ الظَّنِّ بِاللهِ مَعَ الثَّبَاتِ عَلَى العَمَلِ وَالبَحثِ عَنِ الأَسبَابِ حِينَ تَشتَدُّ الظُّلمَةُ؛ إِنَّهَا مَدرَسَةُ نَبِيِّ اللهِ يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ! فَقَدَ يَعقُوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ أَحَبَّ أَبنائِهِ إِلَيهِ يُوسُفَ، وَمَرتِ السَّنَوَاتُ الطِّوَالُ وَلَم يَنقَطِع رَجَاؤُهُ؛ ثُمَّ اشتَدَّ البَلَاءُ فَفَقَدَ وَلَدَهُ الثَّانِيَ وَاحتُجِزَ فِي مِصرَ، وَفَقَدَ بَصَرَهُ مِن شِدَّةِ الحُزنِ؛ وَفِي تِلكَ اللَّحظَةِ الَّتِي يَظُنُّ فِيهَا النَّاسُ أَنَّ كُلَّ الأَبوَابِ قَد أُغلِقَت، أَعلَنَ يَعقُوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ قِمَّةَ حُسنِ الظَّنِّ بِاللهِ فَقَالَ: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾! وَلَكِن هَلِ اكتَفَى يَعقُوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالأَمَانِي وَالقُعُودِ؟ كَلَّا وَاللهِ! بَل أَمَرَ بَنِيهِ بِالحَرَكَةِ وَالسَّعيِ وَالبَحثِ الجَادِّ وَقَرَنَ ذَلِكَ بِاليَقِينِ بِرَحمَةِ اللهِ قَائِلًا لَهُم كَمَا فِي سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾! وَهَذَا يَقُودُنَا إِلَى الفُرقَانِ العَظِيمِ الَّذِي يَجِبُ أَن يَستَقِرَّ فِي وعيِ كُلِّ مُسلِمٍ: الفَرقِ بَينَ «الرَّجَاءِ وَحُسنِ الظَّنِّ الصَّادِقِ» وَبَينَ «التَّمَنِّي وَالغُرُورِ العَاطِلِ عَنِ العَمَلِ»! فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ اليَومَ يَقعُدُ عَن طَلَبِ الرِّزقِ وَتَطوِيرِ مَهَارَتِهِ وَالأَخذِ بِأَسبَابِ النَّجَاحِ، أَو يَتهاوَنُ بِالفَرَائِضِ وَيَقَعُ فِي المَحَارِمِ، فَإِذَا نُصِحَ قَالَ: «أَنَا أُحسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي»! وَقَد كَشَفَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ هَذِهِ المَغالَطَةَ بَبيَانٍ شَافٍ، فَقَرَّرَ أَنَّ حُسنَ الظَّنِّ بِاللهِ إِن حَمَلَ العَبدَ عَلَى العَمَلِ وَحَثَّهُ عَلَيهِ وَسَاقَهُ إِلَيهِ فَهُوَ رَجَاءٌ صَحِيحٌ صَادِقٌ، وَإِن دَعَاهُ إِلَى البَطَالَةِ وَالكَسَلِ وَالتَّفرِيطِ فَهُوَ تَمَنٍّ وَغُرُورٌ! وَضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِرَجُلٍ لَهُ أَرضٌ زِرَاعِيَّةٌ فَأَهمَلَهَا وَلَم يَحرُثْهَا وَلَم يَبذُرْهَا وَلَم يَسقِهَا، ثُمَّ جَلَسَ فِي بَيتِهِ يَنتَظِرُ أَن تُخرِجَ لَهُ مِنَ الثِّمَارِ مِثلَ مَا تُخرِجُ أَرضُ مَن حَرَثَ وَبَذَرَ وَسَقَى؛ فَهَذَا لَا يُسَمِّيهِ العُقَلَاءُ رَجَاءً، بَل يُسَمُّونَهُ عَجزًا وَسَفَهًا! وَلِهَذَا جَمَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ بَينَ الرَّجَاءِ وَبَينَ الإِيمَانِ وَالعَمَلِ وَالمُجَاهَدَةِ فَلَم يَفصِل بَينَهَا، إِذ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وَقَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ السَّائِرَةَ الَّتِي تَصلُحُ مِيزَانًا لِكُلِّ زَمَانٍ: «إِنَّ قَومًا أَلهَتهُم أَمَانِيُّ المَغفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنيَا وَلَا حَسَنَةَ لَهُم، يَقُولُ أَحَدُهُم: إِنِّي لَأُحسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي! وَكَذَبَ، لَو أَحسَنَ الظَّنَّ لَأَحسَنَ العَمَلَ!». وَمَا أَروَعَ مَا أَنشَدَهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي دِيوَانِهِ وَهُوَ يَبعَثُ الأَمَلَ وَاليَقِينَ فِي كُلِّ قَلبٍ استَبطَأَ الفَرَجَ وَضَاقَت عَلَيهِ الحِيَلُ: وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ لَهَا الفَتَى ... ذَرعًا وَعِندَ اللهِ مِنهَا المَخرَجُ ضَاقَت فَلَمَّا استحكَمَت حَلَقَاتُهَا ... فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّهَا لَا تُفرَجُ فَأَحسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُم يَا عِبَادَ اللهِ، وَاجمَعُوا بَينَ إِلحَاحِ الدُّعَاءِ وَإِتقَانِ العَمَلِ، وَاعلَمُوا أَنَّ الفَجرَ لَا يَطلُعُ إِلَّا بَعدَ أَشدِّ سَاعَاتِ اللَّيلِ ظُلمَةً، كَمَا وَعَدَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الشَّرحِ وَعدًا مُؤَكَّدًا لَا يَتَخَلَّفُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ الَّذِي يَكشِفُ السُّوءَ وَيُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، وَلا يَخِيبُ عَبدٌ أَنزَلَ حَاجَتَهُ بِبَابِهِ وَرجَاهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مَعبُودَ سِوَاهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصطَفَاهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ أَعظَمَ مِفتَاحٍ يَستَجلِبُ بِهِ المَرءُ فَرَجَ اللهِ عِندَ تَأَخُّرِ المَطَالِبِ هُوَ تَحقيقُ تَقوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، مَعَ صِدقِ التَّوَكُّلِ عَلَيهِ وَتَفوِيضِ الأَمرِ إِلَيهِ، كَمَا جَمَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَينَهُمَا فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ بِقَولِهِ العَظِيمِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. وَحَتَّى نُحَوِّلَ حُسنَ الظَّنِّ بِاللهِ إِلَى مَنهَجِ حَيَاةٍ يَثبُتُ بِهِ القَلبُ عِندَ الشَّدَائِدِ وَتَأَخُّرِ الفَرَجِ، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ: الأُولَى: الدَّيمُومَةُ عَلَى الدُّعَاءِ وَالحَذَرُ مِن كَلِمَاتِ الاستِبطَاءِ؛ فَإِيَّاكَ أَن تَنطِقَ بِلِسَانِكَ أَو تُحَدِّثَ نَفسَكَ بِقَولِ: «دَعَوتُ طَوِيلًا فَلَم يُستَجَب لِي»، بَلِ اجعَل تَأَخُّرَ الفَرَجِ دَافِعًا لَكَ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الإِلحَاحِ وَتَحَرِّي أَوقَاتِ الإِجَابَةِ فِي السُّجُودِ وَالسَّحَرِ وَآخِرِ سَاعَةٍ مِن يَومِ الجُمُعَةِ؛ فَمَن أَدمَنَ قَرعَ البَابِ يُوشِكُ أَن يُفتَحَ لَهُ. الثَّانِيَةُ: القَرنُ الدَّائِمُ بَينَ الرَّجَاءِ القَلبِيِّ وَالسَّعيِ العَمَلِيِّ؛ فَلَا تَقعُدْ عَنِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ المَشرُوعَةِ بِحُجَّةِ انتظارِ الفَرَجِ، بَلِ ابذُلْ أَقصَى جُهدِكَ فِي طَلَبِ الرِّزقِ أَوِ التَّدَاوِي أَو إِصلَاحِ شَأنِكَ، وَتَذَكَّرْ وَصِيَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «احرِص عَلَى مَا يَنفَعُكَ، وَاستَعِن بِاللهِ وَلَا تَعجَز». الثَّالِثَةُ: تَفَقُّدُ مَوَانِعِ الإِجَابَةِ بِإِصلَاحِ المَطعَمِ وَرَدِّ المَظَالِمِ؛ فَإِذَا تَأَخَّرَ عَنكَ الفَرَجُ فَرَاجِعْ نَفسَكَ فِي حَلَالِ مَكسَبِكَ وَأَدَاءِ حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ؛ فَقَد ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ الرَّجُلَ يَمُدُّ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطعَمُهُ حَرَامٌ وَمَلبَسُهُ حَرَامٌ، فَقَالَ ﷺ: «فَأَنَّى يُستَجَابُ لِذَلِكَ؟!». الرَّابِعَةُ: التَّعَبُّدُ للهِ بِالرِّضَا عَن تَدبِيرِهِ وَتَوقِيتِهِ؛ فَسَلِّمْ قَلبَكَ لِحِكمَةِ اللهِ، وَتَيَقَّنْ أَنَّ خِيرَةَ اللهِ لَكَ خَيرٌ مِن خِيرَتِكَ لِنَفسِكَ، وَأَنَّ المَنعَ مِنَ اللهِ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ عَطَاءٌ وَحِمَايَةٌ، وَأَنَّهُ سُبحَانَهُ سَيُعطِيكَ مَا سَأَلتَ أَو خَيرًا مِمَّا سَأَلتَ فِي الوَقتِ الَّذِي يَعلَمُ أَنَّهُ أَصلَحُ لِقَلبِكَ وَدِينِكَ. الخَامِسَةُ: مُلَازَمَةُ الِاستِغفَارِ وَدُعَاءِ ذِي النُّونِ وَتَفْرِيجِ كُرَبِ المَكرُوبِينَ؛ فَإِنَّ مَن نَفَّسَ عَن مُؤمِنٍ كُربَةً نَفَّسَ اللهُ عَنهُ، وَمَن لَزِمَ تَسبِيحَ يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي خَلَّدَهُ اللهُ فِي سُورَةِ الأَنبِيَاءِ فَقَالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، جَعَلَ اللهُ لَهُ مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِن كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالهُدَى، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ بِقَولِهِ الكَرِيمِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ املَأ قُلُوبَنَا بِحُسنِ الظَّنِّ بِكَ، وَصِدقِ التَّوَكُّلِ عَلَيكَ، وَجَمِيلِ الرَّجَاءِ فِيمَا عِندَكَ، وَلَا تَكِلنَا إِلَى أَنفُسِنَا وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِن خَلقِكَ طَرفَةَ عَينٍ. اللَّهُمَّ يَا فَارِجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، وَيَا مُجِيبَ دَعوَةِ المُضطَرِّينَ، فَرِّج هُمُومَنَا، وَنَفِّس كُرُوبَنَا، وَاقضِ دُيُونَنَا، وَاشفِ مَرضَانَا، وَحَقِّق بِفَضلِكَ آمَالَنَا فِيمَا يُرضِيكَ عَنَّا. اللَّهُمَّ اجعَل لَنَا مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِن كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا، وَمِن كُلِّ بَلَاءٍ عَافِيَةً، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ بِالأَمنِ وَالإِيمَانِ وَالرَّخَاءِ وَالِاستِقرَارِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.