🕌 وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ... مَقامُكَ عِندَ الله
#خطبة_جمعة #تكريم_الإنسان #حفظ_الكرامة #الأخلاق #إيمانيات #عقيدة #تزكية_النفس
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الإنسانَ في أحسَنِ تَقويم، وكَرَّمَهُ وفَضَّلَهُ على كثيرٍ مِمَّن خَلَقَ تَفضيلًا. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، نَفَخَ في الإنسانِ مِن رُوحِه، وأسجَدَ له مَلائكَتَه، وسَخَّرَ له ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ جميعًا مِنه. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُكَرَّمين، وخَيرُ مَن حَفِظَ حُقوقَ العِبادِ، وعَلَّمَ البَشَريَّةَ مَعنى الكَرامة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، هل سَألتم أنفسَكم يومًا وأنتم تَنظرون إلى السَّماءِ في ليلةٍ صافية: ما قيمتي أنا في هذا الكونِ الواسع؟
مِلياراتُ المَجَرَّات، وملايينُ الكَواكب، ومَخلوقاتٌ لا يَعلَمُ عَدَدَها إلا الله، جبالٌ راسيات، ومُحيطاتٌ هادرات، ومَلائكةٌ لا يُحصيهم عَدّ... وفي وَسَطِ هذا الخَضمِّ الهائل، يَقِفُ الإنسان. هذا الكائنُ الصغيرُ في حَجمه، القَصيرُ في عُمُره. أيعقِلُ أن يَلتَفِتَ خالقُ هذا الكَونِ العظيمِ إليك؟ أيعقِلُ أن يَكونَ لكَ عندَ اللهِ مَقام؟
استَمِعوا إلى هذا الإعلانِ الرَّبَّانيِّ الذي يَهتَزُّ له الوِجدان. يَقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
اللهُ أكبَر. تكريمٌ إلهيٌّ مُباشر. لم يَقُل "كَرَّمنا المسلمين" فحسب، بل قال: ﴿بَنِي آدَمَ﴾. الجنسُ البشريُّ بأسره يَحمِلُ في أصلِ خِلقَتِهِ خَتمَ الكَرامةِ الإلهيَّة.
تأمَّلوا في قِصَّة الخَلقِ الأولى. اللهُ جلَّ جلالُه خَلَقَ السَّماواتِ بكلمة ﴿كُن﴾، وخَلَقَ الجبالَ والبحارَ بكلمة، لكنَّه لَمَّا أرادَ خَلقَ أبينا آدَمَ عليه السلام، خَلَقَهُ بيَدِه! نعم بيَدِه الكريمة، تَكريمًا وتشريفًا. ثم نَفَخَ فيه من رُوحه. ثم أَمَرَ أشرفَ خَلقه — الملائكة — أن يَسجدوا لهذا المخلوق الجديد. قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29].
أرأيتم مَقامَكم عند الله؟ أرأيتم كيف بَدَأَت القِصَّة؟ لقد بَدَأَت بسُجودِ الملائكةِ لأبيكم. بَدَأَت بالكَرامة، وبَدَأَت بالرِّفعَة.
قال الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله في كلامٍ نَفيسٍ يَسلبُ اللُّب: "يا ابنَ آدَم، خَلَقَ اللهُ الأشياءَ كلَّها لأجلِك، وخَلَقَكَ لأجلهِ. فكيف تَشتَغِلُ بما هو مَخلوقٌ لك، عَمَّن أنتَ مَخلوقٌ له؟".
كيف يَلِيقُ بمخلوقٍ أسجَدَ اللهُ له مَلائكَتَه، أن يَسجُدَ هو لِهَوًى أو شَهوة؟
كيف يَلِيقُ بمن كَرَّمَهُ اللهُ من سابعِ سماء، أن يُهينَ نَفسَهُ في طِينِ الأرض؟
هنا بيتُ القَصيد، وهنا الجُرحُ الغائرُ في زَماننا.
نَحنُ في عَصرٍ حَقَّقَ فيه الإنسانُ أعلى دَرَجاتِ التَّقَدُّم المادِّي. صَعِدنا إلى الفَضاء، وفَلَقنا الذَّرَّة، واختَرَعنا شاشاتٍ تَطوي العالَمَ في كَفِّ اليد. لكن... هل حافَظَ إنسانُ هذا العَصرِ على كَرامتِه؟
انظُروا حَولكم اليوم. لقد أهانَ الإنسانُ نَفسَه إهانةً لم يَسبِق لها مَثيل. حَوَّلتهُ الأسواقُ الماديَّةُ إلى مُجَرَّدِ "رَقم" مُستَهلِك. وحَوَّلَتهُ شاشاتُ التَّواصُل إلى مُجَرَّد "مادَّة" تُعرَض للبيع، يَلهَثُ خَلفَ الإعجاباتِ والمُشاهَدات، ولو كان الثَّمَنُ كَرامتَه، ومُروءتَه، وحياءَه.
كم من إنسانٍ أهانَ نَفسَهُ وباعَ مَبادِئَهُ من أجلِ عَرَضٍ زائل؟
كم من إنسانٍ رَضيَ أن يَكونَ أُضحوكَةً أمامَ مَلايينِ النَّاس في مَقاطِعَ تافِهة، فَقط ليُقالَ إنَّه "مَشهور"؟ أينَ الكَرامةُ الَّتي نَفَخَها اللهُ فيك؟
لقد حَذَّرَنا القُرآنُ من هذا الانحِدارِ المُخيف، فقال ربُّنا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: 4-6].
أحسَنُ تَقويمٍ ليس في اعتدالِ القامة وحُسن الوجه فَقط، بل في اعتدال الرُّوح وعَظَمَة الغاية. وأسفَلُ سافلين: هي الهاويةُ الَّتي يَقَعُ فيها الإنسانُ حين يَتَخَلَّى عن إيمانهِ ويَرتَضي أن يَكونَ عَبداً لِشَهَواته.
...
فيا أيُّها الإنسان.
اعرِف قَدرَك.
وَقَفَ نَبيُّكم ﷺ يوماً يَنظُرُ إلى الكَعبةِ المُشَرَّفة، تلكَ البِنيَةِ العَظيمةِ الَّتي تَهوي إليها قُلوبُ الملايين، فَخاطَبَها قائلاً: «ما أطيَبَكِ وأطيَبَ ريحَكِ! ما أعظَمَكِ وأعظَمَ حُرمَتَكِ! والَّذي نَفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، لَحُرمَةُ المُؤمنِ أعظَمُ عِندَ اللهِ حُرمَةً مِنكِ» [رواه ابن ماجه بإسناد صحيح].
هل استَشعَرتم هذا المَعنى؟ دَمُك، وعِرضُك، ومالُك، وكَرامَتُك — أعظَمُ حُرمةً عندَ اللهِ من أستارِ الكَعبة وجُدرانِها!
وهذه الكَرامةُ — يا عبادَ الله — لم تَجعَلها الشَّريعةُ للمؤمنِ فَقط، بل لِكُلِّ نَفسٍ بَشريَّةٍ مَعصومة.
واسمَعوا لهذه القصَّةِ الَّتي تَهُزُّ القُلوب، وتُسقِطُ كُلَّ دَعاوى التَّعَصُّب. مَرَّت جِنازةٌ أمامَ النَّبيِّ ﷺ فَقامَ لها واقِفاً إجلالاً لِلمَوت. فَقيلَ له يا رَسولَ الله: إنَّها جِنازَةُ يَهوديّ! بِمَعنى أنَّه ليسَ مُسلِماً لِتَقومَ له. فَماذا قالَ إمامُ المُكَرَّمين ﷺ؟ التَفَتَ إليهم وقالَ كَلمةً كُتِبَت بماءِ الذَّهَبِ في صَحائِفِ الإنسانيَّة: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» [متفق عليه].
أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟ بَلى والله! نَفسٌ خَلَقَها الله، وكَرَّمَها بالحياة. هكذا نَظَرَ الإسلامُ للإنسان.
فمَن الَّذي جَعَلَنا اليومَ نَستَخِفُّ بِكَرامَةِ النَّاس؟
مَن الَّذي أعطانا الحَقَّ أن نَتَطاوَلَ على الضُّعفاء؟
تَجِدُ الرَّجُلَ يُصَلِّي في الصَّفِّ الأوَّل، فإذا خَرَجَ إلى عَمَلهِ أو مَتجَرِه، أهانَ العامِلَ الَّذي تَحتَ يَدِه، وصَرَخَ في وَجهِ المُوَظَّفِ البَسيط، ونَظَرَ إليهِم نَظرَةَ دُونيَّة وكأنَّهُم خُلِقوا مِن طِينٍ غيرِ طِينتِه.
وتَجِدُ الآخَرَ يَعلو مَنصِبُهُ وتَكثُرُ أموالُه، فَيَتَكَبَّرُ على الخَلق، ويَنسى أنَّ الَّذي أعطاهُ المَنصِبَ هو الَّذي كَرَّمَ هذا الفَقير.
وتَجِدُ ثالِثاً يَستَبيحُ كَرامَةَ زَوجَتِهِ في البَيت، فَيَشتِمُ ويَشطُطُ ويَكسِرُ نَفسَها الَّتي كَرَّمَها الله.
أينَ هؤلاءِ مِن صَرخَةِ أميرِ المؤمنين عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه حينَ ضَرَبَ ابنُ أحَدِ الوُلاةِ رَجُلاً مِن عامَّةِ النَّاس، فَاستَدعاهُما عُمَر، وأعطى السَّوطَ لِلمَظلوم وقال: اضرِبِ ابنَ الأكرَمين. ثُمَّ التَفَتَ إلى الوالي وقال جُملَتَهُ الخالدة: "مَتى استَعبَدتُمُ النَّاسَ وقَد وَلَدَتهُم أُمَّهاتُهم أحراراً؟".
وقبلَ ذلك، المَوقِفُ النَّبَويُّ الَّذي يَكسِرُ كُلَّ كِبرٍ جاهليّ. اِختَلَفَ الصَّحابيُّ الجَليلُ أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ مَع بِلَالِ بنِ رَباح رضي الله عنهما. وفي لَحظَةِ غَضَب، قالَ أبو ذَرٍّ لِبِلَال: "يا ابنَ السَّوداء!".
كَلِمَةٌ واحِدةٌ، مَسَّت كَرامَةَ بِلَال، فشَكا إلى النَّبيِّ ﷺ. فَتَغَيَّرَ وَجهُ النَّبيِّ ﷺ واشتَدَّ غَضَبُه، وقال لِأبي ذَر: «أعَيَّرتَهُ بِأُمِّه؟ إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّة!» [متفق عليه].
لم يَشفَع لِأبي ذَرٍّ سَبقُهُ في الإسلام، ولا كَثرَةُ صِيامِهِ وقِيامِه، ولا حُبُّ النَّبيِّ ﷺ له! كَرامَةُ الإنسانِ خَطٌّ أحمَرُ لا يُسمَحُ بِتَجاوُزِه، حتَّى بَينَ أفضَلِ النَّاس. فَوَضَعَ أبو ذَرٍّ رَأسَهُ عَلى الأرض، وأقسَمَ ألَّا يَرفَعَهُ حتَّى يَطَأَ بِلَالٌ خَدَّهُ بِقَدَمِه، استِغفاراً لِذَنبِه ورَدّاً لِكَرامَةِ أخيه.
عبادَ الله، إنَّ كَرامَتَكُم عِندَ اللهِ عَظيمة، وكَرامَةَ النَّاسِ حَولَكُم في شَرعِ اللهِ مَصونة.
يقول الله تعالى مُحذراً من الاستخفاف بالناس: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]. وتأملوا الإعجاز: لم يقل "لا تلمزوا إخوانكم"، بل قال ﴿أَنفُسَكُمْ﴾. لأنك حين تطعن في كرامة إنسان آخر، فأنت في الحقيقة تطعن في كرامتك أنت، وتهين إنسانيتك أنت.
كان الحَسَنُ البَصريُّ رَحمهُ اللهُ يَنظُرُ إلى النَّاسِ وهُم يَتَكالَبونَ على مَعاصي الدُّنيا ويُهينونَ أنفُسَهم فيها، فَيَقولُ بِصَوتٍ يَقطُرُ إشفاقاً: "يا ابنَ آدَم، إنَّكَ لَستَ بِمُرتَخَصٍ، فلا تَبِع نَفسَكَ بِثَمَنٍ بَخس!".
إن كنتَ تَعلَمُ أنَّ ثَمَنَكَ الجَنَّة، فكيف تَبيعُ نَفسَكَ لِلشَّيطان؟
وإن كنتَ تَعرِفُ أنَّكَ مَخلوقٌ لِلخُلود، فَكيفَ تَستَهلِكُ نَفسَكَ في التَّفاهات؟
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36].
لا والله، لَن تُترَكَ سُدى. أنتَ مَركَزُ العِنايَةِ الرَّبَّانيَّة. ولقد جاءكَ الدِّينُ لِيَحفَظَ عَلَيكَ هذه الكَرامة. فَمَن أطاعَ اللهَ ارتَفَعَ حتَّى يَكونَ عِندَ اللهِ خَيراً مِن بَعضِ المَلائِكة، ومَن عَصى وأفسَدَ وتَكَبَّرَ ومَسَّ كَرامَةَ العِبادِ، انحَدَرَ حتَّى يَكونَ كَالأنعامِ بَل هُوَ أضَلُّ سَبيلاً.
نَسألُ اللهَ أن يَحفَظَ علينا كَرامَةَ الإيمان، وأن يُعيذَنا مِن ذُلِّ المَعصية وذُلِّ السُّؤال.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُعِزُّ مَن يَشاء ويُذِلُّ مَن يَشاء، بِيَدِهِ الخَيرُ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدير، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعد:
عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مع حَقيقَةِ التَّكريمِ الرَّبَّانيِّ لِلإنسان، وكيفَ أنَّ اللهَ رَفَعَ قَدرَنا وخَلَقَنا بِيَدِهِ وأسجَدَ لَنا مَلائِكَتَه. ورَأينا كيفَ أنَّ الإسلامَ يَحفَظُ حُرمَةَ النَّفسِ البَشَريَّةِ وكَرامَتَها.
والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمّ: كيفَ نُتَرجِمُ هذا التَّكريمَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا اليَوميَّة؟ كيفَ أعيشُ كَرامَتي وأحفَظُ كَرامَةَ مَن حَولي؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ ميثاقاً نُعاهِدُ اللهَ عَليه:
الأولى (قَلبيَّة): ألا تَكسِرَ قَلبَكَ بِذُلِّ المَعصية. اليَومَ، وحينَ تُخالِطُكَ شَهوَةٌ في خَلوَة، ذَكِّر نَفسَكَ قائلاً: "أنا أكرَمُ على اللهِ مِن أن أُدَنِّسَ صَحيفَتي بِهذا الدَّنَس". قال النَّبيُّ ﷺ: «كُلُّ النَّاسِ يَغدو، فَبائعٌ نَفسَهُ فَمُعتِقُها أو مُوبِقُها». فَكُن مِمَّن أعتَقَ نَفسَهُ بِعِزَّةِ الطَّاعة، لا مِمَّن أوبَقَها وأهلَكَها بِذُلِّ الذَّنب.
الثانية (لِسانيَّة): صُن لِسانَكَ اليَومَ عَن كُلِّ كَلِمَةٍ تَخدِشُ كَرامَةَ إنسان. لا تَسخَر، لا تَشتِم، لا تَتَنَمَّر، لا تَنتَقِص مِن أحَد. قَد تَنطِقُ بِكَلِمَةٍ تَظُنُّها مُزاحاً، وتَكونُ عِندَ اللهِ أثقَلَ مِن جَبَلِ أُحُد لأنَّها كَسَرَت نَفسَ امرِئٍ مُسلِم. قال ﷺ: «كُلُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومَالُهُ، وعِرضُه».
الثالثة (عَمَليَّة): أَعطِ الأجيرَ والخادِمَ والضَّعيفَ حقَّهُ الماديَّ والمَعنوي. هذه الَّليلة، أو غَداً في عَملِك، تَعامَل مَع أضعَفِ الحَلَقاتِ حَولَكَ بِكُلِّ احتِرام. ألقِ السَّلامَ على عامِلِ النَّظافة، ابتَسِم لِلبائِعِ البَسيط، إيَّاكَ أن تَستَغِلَّ حاجَةَ أحَدٍ أو فَقره. واعلَم أنَّ «إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلَى صُوَرِكُم وأموالِكُم، ولَكِن يَنظُرُ إلَى قُلوبِكُم وأعمالِكُم».
الرابعة (اجتماعيَّة): بَيتُكَ هُوَ المِحرابُ الأوَّلُ لِلكَرامة. لا تَبنِ سُلطَتَكَ في بَيتِكَ على إهانَةِ زَوجَتِكَ أو شَتمِ أبنائك، بِحُجَّةِ التَّأديب. الأبناءُ الَّذين يَتَرَبَّونَ في جَوٍّ مِنَ الاحتِرامِ والشُّورى، يَخرُجونَ إلى المُجتَمَعِ أُباةً أحراراً، والَّذين يُساقونَ بِالإهانةِ يَكبَرونَ بِقُلوبٍ مَكسورة. فاحفَظ كَرامَةَ أهلِكَ يَحفَظِ اللهُ بَيتَك.
الخامسة (موضوعيَّة): تَوَقَّف عَن إهانَةِ عَقلِكَ ووَقتِكَ أمامَ الشَّاشات. بدءاً مِن اليَوم، الغِ مُتابَعَةَ الحِساباتِ الَّتي تَنشُرُ التَّفاهَةَ وتَمتهنُ الخَلق. لا تُساهِم بنَشرِ مَقطَعٍ يُستَهزَأُ فيهِ بإنسان. حافِظ على رُقِيِّ ذَوقِكَ وعَقلِك، فَأنتَ خَليفَةُ اللهِ في أرضِه، ولَستَ مُجَرَّدَ رَقمٍ في عَدَّادِ المُشاهَدات.
فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي الميزان الأوحد للكرامة عند الله، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائل: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه"، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك أن تحفظ علينا كرامة الدين، وعزة الإيمان، وطمأنينة اليقين.
اللهم لا تُذِلَّنا لغيرك، ولا تُحوجنا إلى شرار خلقك، واكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم اجعلنا ممن يحفظون عهودك، ويصونون حرمات عبادك، ويَسعون في الأرض بالعدل والإحسان.
اللهم ارحم المستضعفين والمظلومين من المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ دماءهم، وصُن أعراضهم، وأطعم جائعهم، واكسُ عاريهم، وانصرهم بنصرك المؤزر يا قوي يا عزيز.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، واجمعنا بهم في جنات النعيم.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ... مَقامُكَ عِندَ الله
1,680 كلمةنص كامل · جاهز للقراءة والنسخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.
كلماتٌ أخرى تحمل أثرًا
كل المكتبةخطب الجمعةالعربية
تَضحِيَاتُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَصَبرُهُم عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِ الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن ثَمَنِ الثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ وَمَوَاقِفِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ وَأَئِمَّةِ الهُدَى
تَضحِيَاتُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَصَبرُهُم عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِ الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن ثَمَنِ الثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ وَمَوَاقِف…
تزكية النفسالسيرة والصحابة
2,188 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمُ مَصَائِبِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَشهَدِ الوَدَاعِ النَّبَوِيِّ وَوَصَايَاهُ الأَخِيرَةِ وَثَبَاتِ الصِّدِّيقِ وَوَاجِبِنَا فِي التَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ
وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمُ مَصَائِبِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَشهَدِ الوَدَاعِ النَّبَوِيِّ وَوَصَايَاهُ الأَخِير…
السيرة والصحابةالموت والآخرة
2,134 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَيُترَكُ الفُقَرَاءُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ فِي الأَفرَاحِ وَفَضلِ جَبرِ خَوَاطِرِ المَسَاكِينِ
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَيُترَكُ الفُقَرَاءُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ فِي الأ…
الأخلاق والمعاملاتالمجتمع والعلاقات
1,974 كلمةاقرأ النص كاملًا