🕌 تَوَاضُعُ العُظَمَاء... وَقَفَاتٌ مَعَ سَيِّدِ الأَرْضِ وَالسَّمَاء
#خطبة_جمعة #تواضع_النبي #السيرة_النبوية #الأخلاق #الكبر #التواضع #الشمائل_المحمدية
الحمدُ للهِ الذي رَفَعَ المتواضعينَ لِجلالِهِ دَرَجات، ووَضَعَ المتكبِّرينَ والمُتَجَبِّرينَ في أَسفَلِ الدَّرَكات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَلَّ عن الشَّبيهِ والمَثيلِ والنَّظير، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، خَيرُ مَن مَشى على الأرضِ هَونًا، وأعظَمُ مَن خَفَضَ جَناحَهُ لِلمؤمنين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيرًا.
أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، نحنُ نَعيشُ اليومَ في زَمَنٍ يَتَفاخَرُ فيه النَّاسُ بألقابِهِم، ويَتَطاوَلونَ بأموالِهِم، ويَستَعلونَ على بَعضِهِم بِمَناصِبِهِم. زَمَنٌ أصبَحَ فيهِ "الكَبرياءُ" كَأنَّهُ صِفَةُ قُوَّة، و"التَّواضُعُ" كَأنَّهُ عَلامَةُ ضَعف! واليوم، أُريدُ أن آخُذَكُم في رِحلَةٍ إلى حَياةِ أعظَمِ رَجُلٍ عَرَفَتهُ البَشَريَّة. رَجُلٌ دانَت لَهُ الجَزيرَةُ العَرَبيَّة، ومَلَكَ قُلوبَ الملايين، وكانَ يَستَطيعُ أن يَعيشَ عِيشَةَ المُلوكِ والأكاسِرَة... لكنَّهُ اختارَ شَيئًا آخَرَ تَمامًا. بَعدَ قَليل، سَنَعرِفُ كَيفَ كانَ يَمشي؟ كَيفَ كانَ يَأكُل؟ وكَيفَ كانَ يَتَعامَلُ مَعَ أضعَفِ النَّاس؟ سِرٌّ مِن أسرارِ عَظَمَتِهِ، يَحتاجُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا اليومَ لِيُعالِجَ بِهِ قَلبَه.
أَيُّها المُسلِمون، يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ في حَقِّ نَبيِّهِ ﷺ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. رَفَعَ اللهُ ذِكرَهُ في الأذانِ، وفي الإقامَةِ، وفي التَّشَهُّدِ، وفي السَّماواتِ العُلى. جَعَلَهُ سيِّدَ وُلْدِ آدَم، وأوَّلَ مَن تَنشَقُّ عنهُ الأرض، وأوَّلَ شافِعٍ وأوَّلَ مُشَفَّع. مَقامٌ لا يُدانِيهِ مَقام، وعَظَمَةٌ لا تَصِلُ إليها الأوهام.
ولكِن، تَعالَوا مَعي نَنظُر كيفَ تَعامَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ مَعَ هذهِ المَكانَةِ العُظمى! هل صَنَعَ لِنَفسِهِ عَرشًا يَجلِسُ عَليه؟ هل مَنَعَ النَّاسَ مِن الدُّخولِ عَليه؟ هل تَرَفَّعَ عن الفُقَراءِ والمَساكين؟
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الذي يُلَخِّصُ لَنا الفَلسَفَةَ المُحَمَّديَّةَ في الحَياة. يَجلِسُ النَّبيُّ ﷺ ذاتَ يَومٍ، فَيَنزِلُ إِليهِ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ مَعَ جِبريلَ عَليهِ السَّلام، فَيُخَيِّرُهُ المَلَكُ بَينَ أمرَينِ عَظيمَين، يَقولُ لَه: "يَا مُحَمَّدُ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ، أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ، أَوْ عَبْدًا رَسُولًا؟".
تَخَيَّلوا المَوقِف! الخِيارُ مَفتوح. مَلِكٌ نَبيٌّ، كَسُلَيمانَ وداوُدَ عَليهِما السَّلام، لَهُ المُلكُ والسُّلطانُ والأبَّهَة. أو عَبدٌ رَسول، يَجوعُ يَومًا فَيَصبِر، ويَشبَعُ يَومًا فَيَشكُر. فنَظَرَ النَّبيُّ ﷺ إلى جِبريلَ يَستَشيرُه، فَأشارَ إِليهِ جِبريلُ بِيَدِهِ أن "تَوَاضَعْ". فَماذا قالَ سيِّدُنا وحَبيبُنا ﷺ؟ قالَ بِكُلِّ يَقين: «بَلْ عَبْدًا رَسُولًا» [رواه أحمد].
وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قال: «بَلْ أجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا...». اختارَ العُبوديَّةَ الخالِصَةَ لله! اختارَ أن يَكونَ قَريبًا مِنَ الأرض، قَريبًا مِنَ الفُقَراء، بَعيدًا عَن مَظاهِرِ المُلوك. ولِذلِكَ، لَمَّا أَرادَ اللهُ أن يَمْدَحَهُ في أَعظَمِ رِحلَةٍ في التَّاريخ، رِحلَةِ الإسراءِ والمِعراج، لَم يَقُل: سُبحانَ الذي أسرى بِنَبيِّهِ، بَل قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]. شَرَّفَهُ بِوَصفِ "العُبوديَّة".
إخوَتي في الله، دَعونا نَدخُلُ إلى بَيتِ النَّبيِّ ﷺ. الرَّجُلُ الذي يَقودُ الجُيوش، ويُديرُ الدَّولَة، ويَستَقبِلُ الوُفود، ويُوحى إِليهِ مِنَ السَّماء، ماذا يَفعَلُ إذا أُغلِقَ عَليهِ بابُ بَيتِه؟
سُئِلَت أُمُّنا عائِشَةُ رَضيَ اللهُ عَنها: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قالت: «كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -يَعْنِي فِي خِدْمَةِ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» [رواه البخاري]. وفي رِوايَةٍ أُخرى، تُفَصِّلُ لَنا أُمُّ المُؤمِنينَ هذا التَّواضُعَ العَجيب، فتَقول: «كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ».
يُرَقِّعُ ثَوبَه! ويَخصِفُ نَعلَه! ويَحلُبُ شاتَه! بِيَدَيهِ الشَّريفَتَينِ الَّتَينِ كانَتا تُبايِعانِ على الجَنَّة. أينَ نَحنُ مِن هذا يا عِبادَ الله؟ كَم مِن رَجُلٍ اليَومَ يَرى نَفسَهُ "أكبَرَ" مِن أن يُساعِدَ زَوجَتَهُ في شَيءٍ مِن أُمورِ البَيت؟ كَم مِنَّا مَن يَظُنُّ أنَّ الرُّجولَةَ هِيَ التَّرَفُّعُ والأمرُ والنَّهيُ فَقَط؟ هَذا سيِّدُ الرِّجالِ ﷺ، يُعَلِّمُنا أنَّ التَّواضُعَ في البَيتِ هُوَ
قِمَّةُ الرُّجولَة، وأكبَرُ دَليلٍ على ارتِقاءِ النَّفس.
أَيُّها الأَحِبَّة، لَقَد كانَ مِن أَعظَمِ مَظاهِرِ تَواضُعِهِ ﷺ تَعامُلُهُ مَعَ الضُّعَفاءِ والمَساكينِ والأطفال. قالَ اللهُ لَهُ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]. فامتَثَلَ الأمرَ أكمَلَ امتِثال.
يَقولُ خادِمُهُ أَنَسُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عَنه، واسمَعوا إلى هذهِ الشَّهادَةِ الَّتي تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟» [متفق عليه]. عَشرُ سَنَوات! وَلَم يَسمَع كَلِمَةَ عِتابٍ واحِدَة، وهو الغُلامُ الصَّغيرُ الخادِم، والنَّبيُّ ﷺ هو السَّيِّدُ المُطاع! أيُّ نَفسٍ بَشَريَّةٍ تَتَّسِعُ لِهذا الحِلمِ وهذا التَّواضُع؟
ويَأتيهِ الرَّجُلُ يَرتَعِدُ خَوفًا ورَهبَةً عِندَما وَقَفَ بَينَ يَدَيه، ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَقِفُ أمامَ جَبَّارٍ مِن جَبابِرَةِ الأرض. فَماذا فَعَلَ النَّبيُّ ﷺ؟ هل استَمتَعَ بِمَشهَدِ الرُّعبِ في عَينَيِ الرَّجُلِ كَما يَفعَلُ طُغاةُ اليَوم؟ بَل رَقَّ قَلبُهُ، وقالَ لَهُ بِنَبرَةٍ حانيَةٍ تُذيبُ الجَليد: «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ -أي اللَّحمَ المُجَفَّف-» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني]. يُذَكِّرُ نَفسَهُ ويُذَكِّرُ الرَّجُلَ بِبَداياتِهِ البَسيطَة، لِيَرفَعَ عنهُ الحَرَج!
ومَرَّت بِهِ يَومًا امْرَأَةٌ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ -أي أنَّها مُصابَةٌ بِمَرَضٍ نَفسيٍّ أو عَقلي- فاستَوقَفَتِ النَّبيَّ ﷺ في الطَّريقِ وقالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً! هَل دَفَعَها الحَرَس؟ هل تَجاهَلَها ومَضى لِمَشاغِلِ الدَّولَة العُظمى؟ لا وَالله! بَل وَقَفَ، ونَظَرَ إِلَيها وقال: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ». قال أَنَسٌ: فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا [رواه مسلم].
هذا هو التَّواضُعُ الذي زَلزَلَ قُلوبَ الصَّحابَةِ فَفَدَوهُ بِأرواحِهِم.
يا عِبادَ الله، أُريدُكُم أن تَتَخَيَّلوا مَعي هَذا المَشهَدَ التَّاريخيَّ المَهيب.
لَحظَةُ الانتِصارِ الأعظَم. يَومَ فَتْحِ مَكَّة. النَّبيُّ ﷺ يَعودُ إلى البَلَدِ الَّذي طُرِدَ مِنهُ، وأُوذِيَ فيه، وقُتِلَ أصحابُه، وصُودِرَت أموالُهُم. يَعودُ اليومَ قائِدًا مُظَفَّرًا، على رَأسِ عَشَرَةِ آلافِ سَيفٍ تَلمَعُ في الشَّمس. الجُيوشُ تُحيطُ بِه، وأعداءُ الأمسِ يَقِفونَ أذِلَّاءَ يَنتَظِرونَ حُكمَه.
كَيفَ يَدخُلُ الفاتِحونَ المُنتَصِرون؟ كَيفَ دَخَلَ القَياصِرَةُ والأكاسِرَة؟ يَدخُلونَ بِالكِبرِ والتَّبَختُرِ والنَّظَرِ إلى النَّاسِ مِن عَلُ.
ولكِن، كَيفَ دَخَلَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى مَكَّة مُنتَصِرًا؟
يَروي الصَّحابَةُ أَنَّهُ دَخَلَها راكِبًا عَلى ناقَتِهِ، وقَد طَأطَأَ رَأسَهُ تَواضُعًا للهِ عزَّ وجَلَّ، حَتَّى إنَّ ذَقنَهُ لَيَكادُ يَمَسُّ رَحلَ النَّاقَة! دَخَلَ يَبكي ويَقرَأُ سُورَةَ الفَتح: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3].
لم يَعلُ صَوتُه، ولَم يَفتَخِر بِقُوَّتِه، بَل كانَ يَقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ». كانَ يَرُدُّ الفَضلَ كُلَّهُ لِصاحِبِ الفَضلِ جَلَّ جَلالُه. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ عَن هذا المَشهَد: "كانَ أكمَلَ النَّاسِ عُبوديَّةً للهِ في حالِ انتِصارِه، لَم يُداخِلهُ كِبرُ الفاتِحين، بَل تَواضُعُ الشَّاكِرين".
فأينَ نَحنُ مِن هذا الميزانِ النَّبَويِّ الدَّقيق؟
أَيُّها الإخوَةُ، لِنَقفْ مَعَ أنفُسِنا وَقفَةَ صِدق. إنَّنا نَعيشُ أزمَةً أخلاقيَّةً حَقيقيَّةً في هذا الزَّمان. مَرَضُ "الكِبر" يَتَسَلَّلُ إلى القُلوبِ بِطُرُقٍ خَفيَّة.
الوَظيفَةُ العاليَةُ جَعَلَت بَعضَنا يَتكَبَّر!
الشَّهادَةُ الجامِعيَّةُ جَعَلَت بَعضَنا يَتَعالى!
المَبلَغُ مِنَ المالِ في البَنكِ نَفَخَ في الصُّدور!
بَل حَتَّى عَدَدُ المُتابِعينَ في وَسائِلِ التَّواصُلِ الاجتِماعيِّ جَعَلَ بَعضَ الشَّبابِ يَمشي في الأرضِ مَرَحًا كَأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرض!
يا عَبدَ الله... ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: 6-7]. مَن أنتَ لِتَتَكَبَّر؟ ومِمَّ خُلِقتَ حَتَّى تَتَعالى؟ بَدايَتُكَ نُطفَةٌ مَذِرَة، ونِهايَتُكَ جيفَةٌ قَذِرَة، وأنتَ
بَينَهُما تَحمِلُ العَذِرَة!
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ كَلِمَةً تَهُزُّ القُلوبَ الحَيَّة، وتَقرَعُ آذانَ الغافِلين: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا، قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» [رواه مسلم].
بَطَرُ الحَقِّ: أي رَفضُ الحَقِّ إذا جاءَكَ مِمَّن هُوَ أَقَلُّ مِنكَ شَأنًا.
وغَمطُ النَّاسِ: أيِ احتِقارُهُم واستِصغارُهُم والتَّقليلُ مِن شَأنِهِم.
هَل تَستَصغِرُ عامِلَ النَّظافَةِ في الشَّارِع؟ هَل تَتَعالى على الخادِمِ في المَطعَم؟ هَل تَحتَقِرُ مَن هُوَ أَقَلُّ مِنكَ تَعليمًا أو نَسَبًا أو مِهنَة؟ احذَر! فإنَّ هَذا هُوَ مِثقالُ الذَّرَّةِ الذي قَد يَحجُبُ عَنكَ ريحَ الجَنَّة.
يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "هَل تَدرونَ مَا التَّواضُع؟ التَّواضُعُ أَن تَخرُجَ مِن بَيتِكَ فَلَا تَلقَى مُسلِمًا إِلَّا رَأَيتَ لَهُ الفَضلَ عَلَيك". أن تَرى أنَّ الجَميعَ قَد يَكونونَ خَيرًا مِنكَ عِندَ الله!
أَيُّها المؤمنون، إنَّ التَّواضُعَ لَيسَ مَهانَةً ولا ذُلًّا كَما قَد يَظُنُّ البَعض. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ صَراحَةً: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» [رواه مسلم]. كُلَّما خَفَضتَ جَناحَكَ للهِ ولِعِبادِه، رَفَعَ اللهُ قَدرَكَ في الأَرضِ والسَّماء.
تَذَكَّروا دائِمًا: نَحنُ مِن تُراب، وسَنَعودُ إلى التُّراب. غَدًا سَنُدفَنُ جَميعًا تَحتَ الأرضِ، ولا فَرقَ هُناكَ بَينَ رَئيسٍ ومَرؤوس، ولا بَينَ غَنيٍّ وفَقير، ولا بَينَ صُوفٍ وَحَرير. سَيَأكُلُ الدُّودُ الأجسادَ، ولَن يَبقى إلَّا العَمَلُ الصَّالِحُ والقَلبُ السَّليم. وقد سَطَّرَ اللهُ القاعِدَةَ النِّهائيَّةَ لِلدَّارِ الآخِرَةِ في قَولِه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، الذي جَعَلَ التَّواضُعَ سِمَةَ أوليائِه، والكِبرَ مَهلَكَةً لأعدائِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ المتواضِعِ لِرَبِّه، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ مَلامِحَ مِن تَواضُعِ سيِّدِ البَشَرِ ﷺ، كَيفَ اختارَ مَقامَ العُبوديَّة، وكَيفَ خَدَمَ أهلَهُ، وكَيفَ رَحِمَ الضُّعَفاء، وكَيفَ طَأطَأَ رَأسَهُ يَومَ انتِصارِهِ الأعظَم. وكَيفَ أنَّ الكِبرَ — وَلَو كانَ مِثقالَ ذَرَّة — هو الحِجابُ السَّميكُ بَينَ العَبدِ وبَينَ الجَنَّة. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَم: كَيفَ نُتَرجِمُ حُبَّنا لِهذا النَّبيِّ المُتَواضِعِ إلى واقِعٍ في حَياتِنا اليَوم؟ كَيفَ نُعالِجُ أَمراضَ قُلوبِنا؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري، فاحفَظوها واعمَلوا بِها:
الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ مِن شُعورِ الأفضَليَّةِ على النَّاس. ذَكِّر نَفسَكَ كُلَّ صَباحٍ أنَّ كُلَّ نِعمَةٍ تَملِكُها (مال، عِلم، مَنصِب، صِحَّة) هي مِنَ الله، ولَولا سِترُهُ لافتُضِحتَ، ولَولا فَضلُهُ لَهَلَكت. فَلا تَغتَرَّ بِما أُعطيت، فإنَّ المُعطيَ قادِرٌ عَلى السَّلبِ في طَرفَةِ عَين.
الثانية (لِسانيَّة): زِن كَلِماتِكَ مَعَ الضُّعَفاء. عامِلُ النَّظافَة، الخادِمَةُ في البَيت، العامِلُ البَسيط، الفَقيرُ المُحتاج... لا تُنادِهم بِصيغَةِ الأمرِ القاسيَةِ أو التَّأفُّف. تَحَدَّث إِلَيهِم بِلُطف، وبادِرهُم بِالابتِسامَة. «الكَلِمَة الطَّيِّبة صَدَقة».
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): كُن كَرَسولِ اللهِ ﷺ في بَيتِك. اليَوم، قُم بِعَمَلٍ بَسيطٍ في مَنزِلِك؛ رَتِّب مَكانَك، ساعِد زَوجَتَك، اخدِم نَفسَكَ بِيَدِك. هذا العَمَلُ البَسيطُ يَكسِرُ حاجزَ الكِبرِ في النَّفس، ويَبني المَوَدَّةَ في الأسرة.
الرابعة (اجتماعيَّة): بادِر بِالسَّلامِ عَلى مَن تَعرِفُ ومَن لا تَعرِف. لا تَنتَظِر أن يُسَلِّمَ النَّاسُ عَلَيكَ لِأنَّكَ "المُدير" أو "الأكبَر". قالَ النَّبيُّ ﷺ: «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». التَّواضُعُ يَبدَأُ مِن إفشاءِ السَّلامِ بِوجهٍ بَشوش.
الخامسة (موضوعيَّة): امشِ في الأرضِ هَونًا. راقِب مِشيَتَك، جِلسَتَك، وَنَظرَتَك للآخرين. تَذَكَّر وَصفَ اللهِ لِعِبادِهِ المُقَرَّبين: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:
63].
فاتقوا الله عباد الله، فإن التقوى هي الميزانُ الوحيدُ للتفاضُلِ بينكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليهِ طاعَةً لِرَبِّ العالَمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين، وارضَ اللَّهمَّ عَن الخُلَفاءِ الرَّاشِدين، أبي بَكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وعَلِيّ، وعَن سائِرِ الصَّحابَةِ والتَّابِعين.
اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تَرزُقَنا خُلُقَ التَّواضُع، وأن تُنَقِّيَ قُلوبَنا مِن الكِبرِ والعُجْبِ والغُرور، واجعَلنا في أعيُنِنا صِغارًا، وفي أعيُنِ النَّاسِ كِبارًا بِطاعَتِك.
اللَّهمَّ اخفِض أجنِحَتَنا لإخوانِنا المُؤمِنين، واجعَلنا مِنَ الرُّحَماءِ المُتَواضِعين، الَّذي يَمشونَ على الأرضِ هَونًا.
اللَّهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلِمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، وادْفَع الظُّلمَ عن عِبادِكَ المُستَضعَفين. اللَّهمَّ كُن لأهلِنا المَظلومينَ والمُحاصَرينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهمَّ اربُط على قُلوبِهِم، وثَبِّت أقدامَهُم، واكشِف غُمَّتَهُم، وأنْزِل سَكينَتَكَ عَلَيهِم.
اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في كُلِّ مَكان، ورُدَّنا إلى دِينِكَ رَدًّا جَميلًا.
اللَّهمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، والمُسلِمينَ والمُسلِمات، الأَحياءِ مِنهُم والأموات.
عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا الله العظيم يَذكُركُم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكُم، ولَذِكرُ الله أكبر، والله يعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.