🕌 كَأْسٌ كُلُّ النَّاسِ شَارِبُهَا.. فَاحْذَرُوا سَكْرَةَ الدُّنْيَا
#خطبة_جمعة #الموت #الدار_الآخرة #الاستعداد_للموت #حقيقة_الدنيا #الزهد #رقائق #إيمانيات
الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ المَوْتَ حَتْمًا مَقْضِيًّا عَلَى كُلِّ حَيٍّ، وَقَهَرَ بِهِ الجَبَابِرَةَ وَالأَكَاسِرَةَ، وَجَعَلَ القُبُورَ مَنَازِلَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَمَنْ قَصُرَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ المُلْكُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبُهُمْ فِي الآخِرَةِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:
تَخَيَّلُوا مَعِي رَجُلًا يُنْفِقُ عُمُرَهُ فِي بِناءِ قَصْرٍ مُنِيفٍ فِي مَدِينَةٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّهُ سَيُطْرَدُ مِنْهَا غَدًا، وَيَتْرُكُ بَيْتَهُ الَّذِي سَيَسْكُنُهُ لِلْأَبَدِ خَرِبًا مُظْلِمًا، بِلَا مَتَاعٍ وَلَا زَادٍ! لَعَلَّكُمْ تَعْجَبُونَ مِنْ حَمَاقَتِهِ المَكْشُوفَةِ. وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ المُوجِعَةَ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ كَثِيرًا مِنَّا هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِعَيْنِهِ! نُعَمِّرُ دُنْيَا سَنَتْرُكُهَا، وَنُخَرِّبُ آخِرَةً سَنَقْدَمُ عَلَيْهَا. فَكَيْفَ سَرَقَتْنَا الدُّنْيَا حَتَّى نَسِينَا لَحْظَةَ الوَدَاعِ الحَتْمِيَّةَ؟ وَكَيْفَ غَفَلْنَا عَنْ حَقِيقَةٍ نَرَاهَا كُلَّ يَوْمٍ رَأْيَ العَيْنِ؟ جَوَابٌ نَقِفُ مَعَهُ اليَوْمَ فِي خُطْبَتِنَا.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ ذَكَرْتُمْ فِيهَا المَوْتَ؟ لَا أَسْأَلُكُمْ سُؤَالًا عَابِرًا يَمُرُّ عَلَى اللِّسَانِ بِلَا قَصْدٍ.. بَلْ أَسْأَلُكُمْ: مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ وَقَفْتُمْ فِيهَا أَمَامَ المِرْآةِ، فَنَظَرْتُمْ إِلَى هَذَا الجَسَدِ القَوِيِّ المُعَافَى، وَأَدْرَكْتُمْ يَقِينًا أَنَّهُ سَيُدْرَجُ قَرِيبًا فِي كَفَنٍ أَبْيَضَ، وَيُنْزَلُ حِيدًا فِي حُفْرَةٍ ضَيِّقَةٍ، وَيُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ ثُمَّ يُتْرَكُ فِي ظُلْمَةٍ لَا يُؤْنِسُهَا إِلَّا العَمَلُ الصَّالِحُ؟ مَتَى آخِرُ مَرَّةٍ شَعَرْتُمْ فِيهَا أَنَّ هَذِهِ الأَنْفَاسَ المَعْدُودَةَ الَّتِي نَتَنَفَّسُهَا قَدْ تَتَوَقَّفُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَلَا نُدْرِكُ صَبَاحَهَا؟
إِنَّنَا ـ يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ ـ نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَوَاطَأَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى تَخْدِيرِنَا. زَمَنٌ مَادِيٌّ جَاحِدٌ، يُصَوِّرُ لَنَا الدُّنْيَا وَكَأَنَّهَا دَارُ خُلُودٍ وَقَرَارٍ، وَيَجْعَلُ ذِكْرَ المَوْتِ "كَآبَةً" أَوْ جَرِيمَةً تُعَكِّرُ صَفْوَ الحَيَاةِ الزَّائِفِ! وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَسَمَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ فِي كِتَابِهِ حِينَ قَالَ، وَقَوْلُهُ الحَقُّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
تَأَمَّلُوا.. لَمْ يَقُلْ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلُّ نَفْسٍ سَتَمُوتُ.. بَلْ قَالَ: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. وَالذَّوْقُ فِيهِ إِحْسَاسٌ وَتَجْرِبَةٌ وَمُعَانَاةٌ سَيَمُرُّ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ. السَّلَاطِينُ وَالمُلُوكُ، الأَغْنِيَاءُ وَالفُقَرَاءُ، الأَصِحَّاءُ وَالمَرْضَى، الأَطْفَالُ وَالشُّيُوخُ.. الكُلُّ سَيَتَجَرَّعُ هَذِهِ الكَأْسَ. وَالخَاتِمَةُ النِّهَائِيَّةُ، وَالوَزْنُ الحَقِيقِيُّ لِلنَّجَاحِ لَيْسَ فِي رَصِيدِ البَنْكِ، وَلَا فِي المَنْصِبِ الزَّائِلِ، بَلْ فِي آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾. هَذَا هُوَ الفَوْزُ الوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ نَبْكِيَ مِنْ أَجْلِهِ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ المُشْكِلَةَ الكُبْرَى لَيْسَتْ فِي أَنَّنَا نَجْهَلُ المَوْتَ. فَلَا يُوجَدُ عَاقِلٌ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ يُنْكِرُ حَقِيقَةَ الفَنَاءِ. لَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّنَا صِرْنَا نَتَعَامَلُ مَعَ المَوْتِ وَكَأَنَّهُ قَانُونٌ يَسْرِي عَلَى الآخَرِينَ فَقَطْ! نُشَيِّعُ الجَنَائِزَ، وَنَدْفِنُ الأَصْدِقَاءَ وَالأَقَارِبَ، ثُمَّ نَنْفُضُ أَيْدِيَنَا مِنَ التُّرَابِ، وَنَعُودُ إِلَى دُنْيَانَا نَتَخَاصَمُ عَلَى لُعَاعَتِهَا، نُقَاطِعُ أَرْحَامَنَا مِنْ أَجْلِ مِيرَاثٍ، وَنَهْجُرُ إِخْوَانَنَا مِنْ أَجْلِ كَلِمَةٍ، وَنَتْرُكُ صَلَاتَنَا مِنْ أَجْلِ صَفْقَةٍ تِجَارِيَّةٍ أَوْ شَاشَةٍ مُضِيئَةٍ!
يَقُولُ سُبْحَانَهُ مُصَوِّرًا هَذَا الضَّيَاعَ العَجِيبَ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: 1-3]. انْتَبِهُوا لِهَذَا التَّشْخِيصِ الإِلَهِيِّ الدَّقِيقِ: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. القَلْبُ حِينَ يَلْهُو يَعْمَى عَنِ الحَقَائِقِ حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ كَالشَّمْسِ كَابِدَةَ السَّمَاءِ. إِنَّ الإِنْسَانَ يَسِيرُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا كَأَنَّهُ فِي حُلُمٍ طَوِيلٍ، يَجْمَعُ، وَيَبْنِي، وَيُخَطِّطُ لِعَشَرَاتِ السِّنِينَ القَادِمَةِ، حَتَّى تَصْفَعَهُ لَحْظَةُ اليَقَظَةِ الكُبْرَى الكَاشِفَةِ.
وَاسْمَعُوا لِهَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَةِ، الَّتِي تَرُدُّ القُلُوبَ إِلَى مَوَاضِعِهَا. يُذْكَرُ أَنَّ الخَلِيفَةَ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ لَمَّا دَخَلَ المَدِينَةَ حَاجًّا، سَأَلَ عَنْ عَالِمٍ يُذَكِّرُهُ بِاللهِ، فَدَلُّوهُ عَلَى الإِمَامِ الجَلِيلِ أَبِي حَازِمٍ مَسْلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ، رَحِمَهُ اللهُ. فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، سَأَلَهُ الخَلِيفَةُ سُؤَالًا يُلَخِّصُ حَالَنَا اليَوْمَ.. قَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَازِمٍ، مَا لَنَا نَكْرَهُ المَوْتَ؟
فَأَجَابَهُ العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ بِكَلِمَةٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، فَقَالَ: «لِأَنَّكُمْ عَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا، وَخَرَّبْتُمُ الآخِرَةَ، فَتَكْرَهُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ العُمْرَانِ إِلَى الخَرَابِ!».
يَا سُبْحَانَ اللهِ! هَذَا هُوَ دَاءُ أُمَّتِنَا فِي هَذَا الزَّمَانِ. عَمَّرْنَا الدُّنْيَا، زَيَّنَّا بُيُوتَنَا بِأَفْخَرِ الأَثَاثِ، وَسَعَيْنَا خَلْفَ أَرْفَعِ المَنَاصِبِ، وَتَعَلَّقَتْ قُلُوبُنَا بِأَرْصِدَةِ البُنُوكِ، وَفِي المُقَابِلِ.. خَرَّبْنَا الآخِرَةَ! تَرَكْنَا الصَّلَوَاتِ أَوْ أَخَّرْنَاهَا، هَجَرْنَا كِتَابَ اللهِ الشُّهُورَ وَالْأَعْوَامَ، أَكَلْنَا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَأَطْلَقْنَا لِأَلْسِنَتِنَا العَنَانَ فِي أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ خَوْضًا وَغِيبَةً. فَبِاللهِ عَلَيْكُمْ، كَيْفَ لَا نَكْرَهُ أَنْ نَذْهَبَ إِلَى دَارٍ لَمْ نُقَدِّمْ لَهَا عَمَلًا صَالِحًا يُؤْنِسُ وَحْشَتَهَا؟
إِخْوَتِي فِي اللهِ، لَقَدْ بَيَّنَ لَنَا رَسُولُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةَ هَذِهِ الدُّنْيَا وَحَجْمَهَا، فَقَالَ كَمَا فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا».
مُسَافِرٌ نَزَلَ يَسْتَرِيحُ لِلَحَظَاتٍ.. فَهَلْ رَأَيْتُمْ مُسَافِرًا يُنْفِقُ كُلَّ مَالِهِ وَجُهْدِهِ لِيُزَيِّنَ الغُرْفَةَ فِي مَحَطَّةِ القِطَارِ الَّتِي سَيُغَادِرُهَا بَعْدَ سَاعَةٍ؟ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مَجْنُونٌ! فَكَيْفَ نَفْعَلُ نَحْنُ ذَلِكَ فِي دَارِ مَمَرٍّ، وَنَتَغَافَلُ عَنْ دَارِ المَقَرِّ؟ يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ مُحَذِّرًا مِنْ هَذَا الخِدَاعِ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7]. نَعْلَمُ خَبَايَا التِّجَارَاتِ، وَدَقَائِقَ التِّكْنُولُوجْيَا، وَأَسْرَارَ السِّيَاسَةِ وَالاِقْتِصَادِ.. وَلَكِنَّنَا فِي شَأْنِ الآخِرَةِ، وَشَأْنِ العَرْضِ عَلَى اللهِ، فِي غَفْلَةٍ عَمْيَاءَ مُطْبِقَةٍ!
وَلِأَجْلِ أَنْ يَقْطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا طَرِيقَ هَذِهِ الغَفْلَةِ، جَاءَنَا بِتِلْكَ الوَصِيَّةِ القَاطِعَةِ الجَامِعَةِ. يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: المَوْتَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). وَتَأَمَّلُوا كَلِمَةَ "هَاذِمِ"، وَهِيَ بِالذَّالِ كَمَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ تَعْنِي القَاطِعَ، وَبِالدَّالِ تَعْنِي المُهْلِكَ المُخَرِّبَ. المَوْتُ يَقْطَعُ لَذَّةَ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ فِي المَهْدِ.
ذِكْرُ المَوْتِ ـ يَا مَعَاشِرَ المُصَلِّينَ ـ لَيْسَ دَعْوَةً لِلاِكْتِئَابِ كَمَا يَظُنُّ الجُهَّالُ. لَيْسَ تَرْكًا لِلْعَمَلِ، وَلَا إِهْمَالًا لِعِمَارَةِ الأَرْضِ بِالحَلَالِ. كَلَّا، بَلْ ذِكْرُ المَوْتِ هُوَ عَدَسَةُ التَّصْحِيحِ الَّتِي تُعِيدُ تَرْتِيبَ أَوْلَوِيَّاتِكَ! حِينَ تَذْكُرُ المَوْتَ، تَسْتَصْغِرُ الخِلَافَاتِ التَّافِهَةَ مَعَ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَعَ أَخِيكَ أَوْ جَارِكَ. حِينَ تَذْكُرُ المَوْتَ، يَهْمَدُ طَمَعُكَ فِي رِبْحٍ حَرَامٍ فِيهِ غِشٌّ وَخِدَاعٌ. حِينَ تَذْكُرُ المَوْتَ، تَقُومُ مِنْ فِرَاشِكَ الدَّافِئِ لِصَلَاةِ الفَجْرِ طَائِعًا خَاشِعًا، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ آخِرَ سَجْدَةٍ تَسْجُدُهَا للهِ!
انْظُرُوا إِلَى سَلَفِنَا الصَّالِحِ، كَيْفَ تَعَامَلُوا مَعَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ. هَذَا الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ رَحِمَهُ اللهُ، التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ، حَفَرَ فِي قَعْرِ دَارِهِ قَبْرًا يَوْمِيًّا. فَكَانَ إِذَا وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قَسْوَةً، أَوِ اغْتَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا، نَزَلَ فِي ذَلِكَ القَبْرِ، وَاسْتَلْقَى فِيهِ ظُلْمَةً وَوَحْدَةً. ثُمَّ جَعَلَ يُرَدِّدُ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. يُرَدِّدُهَا مِرَارًا وَيَبْكِي، ثُمَّ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: «يَا رَبِيعُ، قَدْ رُجِعْتَ، فَاعْمَلْ قَبْلَ أَنْ لَا تُرْجَعَ!».
يَا رَبِيعُ، قَدْ رُجِعْتَ! نَعَمْ.. كُلُّنَا اليَوْمَ نَمْلِكُ مَا يَتَمَنَّاهُ أَهْلُ القُبُورِ الآنَ. أَهْلُ القُبُورِ يَتَمَنَّوْنَ لَوْ سُمِحَ لَهُمْ بِالرُّجُوعِ لِأَجْلِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، لِأَجْلِ سُبْحَانَ اللهِ مَرَّةً، لِأَجْلِ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ، لِأَجْلِ أَنْ يَعْتَذِرُوا لِمَنْ ظَلَمُوهُ فِيمَا مَضَى. أَنْتَ تَمْلِكُ الوَقْتَ الَّذِي خَسِرُوهُ، فَلِمَاذَا تُضَيِّعُهُ فِي التَّفَاهَاتِ، وَتُبَدِّدُهُ أَمَامَ الشَّاشَاتِ صَفْحَةً تِلْوَ أُخْرَى، تَتَتَبَّعُ أَخْبَارَ الفَنَانِينَ وَالْمَشَاهِيرِ السَّاعَةَ تِلْوَ السَّاعَةِ، وَتُهْمِلُ مُصْحَفَكَ الَّذِي قَدْ يَرْفَعُكَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ؟
وَلَوْ كَانَ هَذَا المَوْتُ يَسْتَأْذِنُ قَبْلَ مَجِيئِهِ لاَسْتَعْدَدْنَا لَهُ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي بَغْتَةً. وَوَاللهِ لَقَدْ كَثُرَ مَوْتُ الفَجْأَةِ فِي عَصْرِنَا حَتَّى صَارَ ظَاهِرَةً مُفْزِعَةً! كَمْ مِنْ شَابٍّ فِي رَيْعَانِ الصِّبَا، قَوِيِّ البُنْيَانِ، خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ صَبَاحًا يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ مَحْمُولًا عَلَى الأَعْنَاقِ. كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ نَامَ عَلَى فِرَاشِهِ لَيْلًا، وَضَبَطَ مُنَبِّهَهُ لِغَدٍ، فَلَمْ يُوقِظْهُ المُنَبِّهُ، بَلْ أَيْقَظَتْهُ صَيْحَةُ المَلَكِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ! يَقُولُ تَعَالَى قَاطِعًا أَمَانِيَّ التَّسْوِيفِ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34].
وَتَأَمَّلُوا ـ يَا رَحِمَكُمُ اللهُ ـ اللَّحْظَةَ الفَاصِلَةَ الحَاسِمَةَ الَّتِي يَنْكَشِفُ فِيهَا الغِطَاءُ، حِينَ يَنْزِلُ مَلَكُ المَوْتِ. هُنَاكَ تَتَبَخَّرُ كُلُّ الأَمَانِي الزَّائِفَةِ. هُنَاكَ لَا يَنْفَعُ المَنْصِبُ، وَلَا العَشِيرَةُ، وَلَا الأَمْوَالُ، وَلَا المُلْكُ. يَقُولُ رَبُّنَا، ذُو العِزَّةِ وَالجَلَالِ، مُصَوِّرًا هَذَا المَشْهَدَ المَهِيبَ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].
﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾! أَيِ الحَقُّ الَّذِي كُنْتَ تَتَغَافَلُ عَنْهُ، الحَقُّ الَّذِي شَغَلَتْكَ عَنْهُ صَفَقَاتُكَ، الحَقُّ الَّذِي صَرَفَتْكَ عَنْهُ غَفْلَتُكَ.. جَاءَكَ الآنَ ظَاهِرًا جَلِيًّا صَارِخًا. وَ﴿ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.. أَيْ تَهْرَبُ، وَتُعْرِضُ، وَتَلْتَفُّ. تَهْرَبُ إِلَى الطِّبِّ فَيَعْجَزُ الطَّبِيبُ، تَهْرَبُ إِلَى الدَّوَاءِ فَيُخْفِقُ الدَّوَاءُ، تَهْرَبُ إِلَى أَهْلِكَ فَيَقِفُونَ عَوْنًا لَا يَمْلِكُونَ دَفْعَ شَيْءٍ عَنْكَ! ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: 83-85]. هُنَا، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تَتَمَزَّقُ حُجُبُ الدُّنْيَا، وَيَرَى الإِنْسَانُ مَقْعَدَهُ إِمَّا إِلَى رِضْوَانٍ وَجَنَّةٍ، أَوْ إِلَى سَخَطٍ وَنَارٍ.
فَأَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ أَيْنَ الَّذِينَ مَشَوْا فِي الأَرْضِ مَرَحًا كَأَنَّهُمْ سَيَخْرِقُونَ الأَرْضَ أَوْ يَبْلُغُونَ الجِبَالَ طُولًا؟ أَيْنَ الَّذِينَ بَخَسُوا حُقُوقَ العُمَّالِ وَالضُّعَفَاءِ؟ أَيْنَ الَّذِينَ عَقُّوا وَالِدِيهِمْ لِإِرْضَاءِ شَهَوَاتِهِمْ؟ أَيْنَ الَّذِينَ سَفَكُوا الدِّمَاءَ وَسَرَقُوا الأَمْوَالَ؟ ذَهَبُوا جَمِيعًا.. وَتَرَكُوا الدُّنْيَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94]. فُرَادَى! بِلَا حَرَسٍ، بِلَا جَاهٍ، بِلَا أَرْصِدَةٍ. لَا يَحْمِلُ الإِنْسَانُ فِي كَفَنِهِ، الَّذِي لَا جُيُوبَ فِيهِ، إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ: عَمَلَهُ!
يَقُولُ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ كَلِمَةً عَظِيمَةً حَاسِمَةً: «ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ».
يَا مَنْ غَرَّتْهُ الشَّوَافِعُ المُؤَقَّتَةُ.. إِذَا جَاءَ مَلَكُ المَوْتِ فَلَا وَسَاطَةَ تَشْفَعُ، وَإِذَا أُدْخِلْتَ القَبْرَ فَلَا صَاحِبَ يَدْفَعُ. لَيْسَ مَعَكَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ. يَقُولُ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مُخَاطِبًا كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، فَإِذَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ، وَيُوشِكُ إِذَا ذَهَبَ بَعْضُكَ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّكَ».
فَالعُمُرُ يَنْقُصُ، وَالسَّاعَةُ تَحِينُ، وَالنِّهَايَةُ قَرِيبَةٌ، فَهَلْ أَعْدَدْنَا لِذَلِكَ اليَوْمِ عُدَّتَهُ؟ هَلْ نَقَّيْنَا قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ؟ هَلْ تُبْنَا مِنْ ذُنُوبِ الخَلَوَاتِ الَّتِي لَا يَرَاهَا إِلَّا خَالِقُ السَّمَاوَاتِ؟
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُمْ، وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ حَقَّ مَغْفِرَتِهِ، وَتُوبُوا إِلَيْهِ تَوْبَةً نَصُوحًا، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ، وَقَفْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى مَعَ حَقِيقَةِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ الَّتِي غَرَّتْنَا، وَكَيْفَ أَنَّ المَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً فَيَقْطَعُ الآمَالَ وَيَكْشِفُ الحَقَائِقَ، وَتَأَمَّلْنَا أَنَّ تَعْمِيرَنَا لِلدُّنْيَا وَتَخْرِيبَنَا لِلْآخِرَةِ هُوَ مَا جَعَلَنَا نَخَافُ الاِنْتِقَالَ وَالوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ. وَالآنَ، إِخْوَتِي فِي اللهِ، بَقِيَ السُّؤَالُ العَمَلِيُّ الأَهَمُّ: كَيْفَ نُحَوِّلُ هَذَا الشُّعُورَ بِرَهْبَةِ المَوْتِ إِلَى عَمَلٍ يُنْقِذُنَا غَدًا؟ كَيْفَ نَسْتَعِدُّ لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا فِرَارَ مِنْهَا؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُمْ هَذَا، فِيهَا صَلَاحُ المَعَادِ بِمَشِيئَةِ رَبِّ العِبَادِ:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): جَدِّدُوا نِيَّاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلَةِ، وَاجْعَلُوا رِضَا اللهِ وَالآخِرَةَ هُوَ هَمَّكُمُ الأَكْبَرَ. إِذَا كَانَتِ الآخِرَةُ هِيَ الهَمَّ، جَمَعَ اللهُ لَكَ شَمْلَكَ وَأَتَتْكَ الدُّنْيَا رَاغِمَةً. تَفَقَّدْ قَلْبَكَ وَانْزِعْ مِنْهُ حُبَّ الدُّنْيَا المُطْغِي، وَلَا تَجْعَلْهَا أَكْبَرَ هَمِّكَ وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِكَ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): أَكْثِرُوا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ. كَانَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ فِي اليَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ وَهُوَ المَغْفُورُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. لَا تَنَمْ اللَّيْلَةَ إِلَّا وَلِسَانُكَ يَلْهَجُ: "أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، فَلَعَلَّهَا تَكُونُ المَاحِيَةَ لِخَطَايَا سِنِينَ مَضَتْ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): بَادِرُوا بِأَدَاءِ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ. إِنْ كَانَ عَلَيْكَ دَيْنٌ لِأَحَدٍ فَاكْتُبْهُ وَوَثِّقْهُ وَاسْعَ لِسَدَادِهِ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ حَسَنَاتِكَ يَوْمَ لَا دِينَارَ وَلَا دِرْهَمَ. وَإِنْ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ لِنَفْسِكَ صَدَقَةً جَارِيَةً، وَلَوْ بِالقَلِيلِ الَّذِي تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَافْعَلْ.. فَإِنَّهَا العَمَلُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى وَأَنْتَ تَحْتَ التُّرَابِ كَمَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ.
الرَّابِعَةُ (اِجْتِمَاعِيَّةٌ): صِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ. المَوْتُ لَا يَنْتَظِرُ مَنْ يَتَخَاصَمُونَ لِيَتَصَالَحُوا. بَادِرْ أَنْتَ بِالاِتِّصَالِ عَلَى أَخِيكَ أَوْ أُخْتِكَ أَوْ قَرِيبِكَ الَّذِي قَاطَعْتَهُ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ؛ فَإِنَّ العَفْوَ هُنَا فِي الدُّنْيَا يُورِثُكَ عَفْوَ اللهِ تَعَالَى عَنْكَ حِينَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحَاسَبُ، فَهَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ؟
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): أَوْصَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَقَالَ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ». حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ النَّوْمِ: لَوْ أَنَّ هَذِهِ هِيَ اللَّيْلَةُ الأَخِيرَةُ، فَهَلْ أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِلِقَاءِ اللهِ؟
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ لَحْظَةَ الخُرُوجِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا لَحْظَةٌ قَاطِعَةٌ، فَأَعِدُّوا لَهَا مَا يَسُرُّكُمْ أَنْ تَلْقَوْا بِهِ رَبَّكُمْ، فَإِنَّ التَّقْوَى هِيَ الزَّادُ الَّذِي لَا يَبْلَى.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ ذَكَرَ المَوْتَ فَاسْتَعَدَّ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا، وَاجْعَلِ الجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا.
اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنَ الغَفَلَاتِ، وَطَهِّرْهَا مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَارْزُقْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا قَبْلَ المَمَاتِ، وَرَاحَةً وَسَكِينَةً عِنْدَ المَمَاتِ، وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً بَعْدَ المَمَاتِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ فِيهِ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا غَيْرُ غَضْبَانَ. اللَّهُمَّ أَنْزِلْ رَحْمَتَكَ وَمَغْفِرَتَكَ عَلَى مَنْ سَبَقُونَا إِلَى القُبُورِ، نَوِّرْ عَلَيْهِمْ ظُلْمَتَهُمْ، وَآوِ وَحْشَتَهُمْ، وَأَلْحِقْنَا بِهِمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالإِيمَانِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الخَطِيبُ الكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. المِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.