من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

التقسيط وضبط الرغبات: لا ترهن غدك لمظهر اليوم

مشاركة
🕌 التقسيط وضبط الرغبات: لا ترهن غدك لمظهر اليوم #خطبة_جمعة #الديون #التقسيط #القناعة #الاستهلاك #الأسرة #أخلاق الحمدُ للهِ الذي بَسَطَ الرِّزقَ لِمَن يشاءُ من عبادِهِ وقَدَر، وجَعَلَ القَناعَةَ كَنزاً لا يَفنى لمن رضيَ وشَكَر، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، الغنيُّ الحَميد، الذي حَذَّرَنا من التَّبذيرِ والإسرافِ واتِّباعِ الهوى، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، إمامُ القانعين، وسيِّدُ المتوكِّلين، الذي استعاذَ باللهِ من غَلَبَةِ الدَّينِ وقَهْرِ الرِّجال، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً. أمَّا بعد: هل تَخَيَّلتَ يوماً أن تشتريَ قيودَكَ بحُرِّ مالِك؟ نعم، قيودٌ لا تُكبِّلُ اليدينِ أو القَدَمين، بل تُكبِّلُ العَقلَ بالهُموم، والقَلبَ بالقَلَق، والمستقبلَ بالمجهول! في زماننا هذا، صِرنا نشتري ما لا نَحتاج، بمالٍ لا نَملك، لنُثيرَ إعجابَ أناسٍ لا يَهتمُّونَ بنا أصلاً! فما هو هذا الفَخُّ المنصوبُ الذي وَقَعَ فيه الكثيرون؟ وكيف حَذَّرَنا منه النَّبيُّ ﷺ قبل ألفٍ وأربعمائةِ عام؟ الجوابُ يَمَسُّ صميمَ حياتِنا اليوم، فاستعيروني أسماعَكم وقلوبَكم. أيُّها الإخوةُ المؤمنون، تَخيَّلوا معي هذا المشهدَ الذي يَتكرَّرُ في أسواقِنا ومَنازلِنا كلَّ يوم: شابٌّ في مُقتَبَلِ عُمُرِه، أو أبٌ يَكدحُ لأجلِ عيالِه، يَقِفُ أمامَ شاشةِ هاتفِه، تَعرضُ له السُّوقُ أحدثَ الأجهزة، أو أفخمَ الملبوسات، أو أغلى المَركبات. يَنظُرُ في رصيدِه فلا يَجِدُ ما يُغطِّي ثَمَنَها. وهنا، يأتيهِ الحلُّ السِّحريُّ المسموم، كلمةٌ واحدةٌ تُضيءُ له الشاشة: "قَسِّطها... اشتَرِ الآن، وادفَع لاحقاً!". وبضغطةِ زِرٍّ واحدة، يَحصلُ على ما يَشتهي، وهو لا يدري أنَّهُ بهذه الضغطةِ لم يَشترِ سِلعةً، بل رَهَنَ مُستقبلَهُ، وباعَ طُمأنينةَ لياليهِ لأجلِ مَظهَرٍ زائفٍ لا يدومُ طويلاً. عبادَ الله، إنَّ الإسلامَ دينٌ واقعيٌّ، يَعلمُ حوائجَ الناسِ، ولذلكَ أباحَ الدَّينَ والبيعَ بالآجالِ في حالاتِ الحاجةِ والضَّرورة. من احتاجَ لمسكنٍ يُؤويه، أو علاجٍ يَشفيه، أو مركبةٍ تَقضي حوائجَهُ ولا غِنى له عنها، فاستدانَ أو قَسَّطَ بنيَّةِ السَّداد؛ فإنَّ اللهَ في عَونِه. لكنَّ المُصيبةَ الكبرى، والآفةَ التي اجتاحت مُجتمعاتِنا، هي "دُيونُ التَّرَفِ والكَماليات". أن تستدينَ لتُسافرَ سَفْرَةً سياحيةً تُصوِّرُها للناس! أن تُقَسِّطَ لتبديلِ هاتفِكَ الذي يَعملُ بكفاءة، فقط لأنَّ النُّسخةَ الجديدةَ قد نَزَلت الأسواق! أن تُرْهِقَ كاهِلَكَ بأقساطٍ شَهريةٍ لملابسَ ذاتِ علاماتٍ تُجاريةٍ باهظة، أو أثاثٍ تُفاخرُ به الزَّائرين! هذا هو السَّفَهُ الذي نَهى اللهُ عنه، يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى في مُحكَمِ التنزيل: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27]. تأمَّلوا هذه الآيةَ العظيمة! لِماذا وَصَفَ اللهُ المُبذِّرَ بأنَّهُ أخٌ للشيطان؟ قال العلماءُ: لأنَّ الشيطانَ كَفَرَ بنعمةِ اللهِ وعصاه، والمُبذِّرَ يكفُرُ بنعمةِ المالِ فيضعُهُ في غيرِ مَوضعِه، ويُنفقُهُ في شهواتِهِ الكاذبة، حتى إذا افتَقَرَ واحتاج، بَدَأَ يتسخَّطُ على أقدارِ الله ويَشكو ضِيقَ الرِّزق! أيها الأحبة، هل سألتم أنفسَكم يوماً: لماذا نَلجأُ إلى دُيونِ الكماليات؟ ما الذي يَجعلُ العاقلَ يَخنقُ راتبَهُ الشَّهريَّ في أقساطٍ مُتعدِّدةٍ حتى لا يَبقى منه ما يَكفي طعامَهُ وشرابَه؟ السببُ الحقيقيُّ ليس في السِّلعة، بل في "القلب". إنَّهُ السُّقوطُ في فَخِّ المُقارناتِ الملعونة. نَفتحُ وسائلَ التَّواصُلِ الاجتماعي، فنرى أُناساً يَستعرضونَ حياةً مُلمَّعةً، وسَفَرياتٍ فاخرة، ومطاعمَ غالية، فنشعُرُ بالنَّقص! نُريدُ أن نُثبِتَ للناسِ أنَّنا لسنا أقلَّ منهم. نُريدُ أن نَلبسَ مثلهم، ونَركبَ مثلهم، حتى لو كان الثمنُ ذُلَّ الدَّين! واسمعوا لهذا الحديثِ العظيم، الذي يَجعلُ القلوبَ الحيَّةَ تَرتجف. في صحيح البخاري، عن عائشةَ رضي اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُكثرُ في صلاتِهِ أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ». والمَغْرَمُ هو الدَّين. فقال له قائل: ما أكثرَ ما تَستعيذُ من المَغرَمِ يا رسولَ الله؟ (أي لماذا تُكثرُ من التَّعَوُّذِ من الدَّينِ بالذَّات؟). فأجابَ الصَّادقُ المصدوقُ بِكلماتٍ تُشَخِّصُ عِلَّةَ الدَّين، قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ». يا الله! الدَّينُ لا يُفسِدُ جَيبَكَ فقط، بل يُفسِدُ أَخلاقَك! يَجعلكَ تَكذبُ هرباً من الدَّائنين، وتُخلفُ الوعودَ لِعجزِكَ عن السَّداد. ولذلك كان السَّلفُ الصالحُ يَرونَ الدَّينَ هَمّاً يُمرضُ الجسد، وذُلاً يكسرُ النَّفس. قال أميرُ المؤمنينَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي اللهُ عنه: "إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ، وَآخِرَهُ حَرْبٌ". ويُروى في الأثرِ أنَّ "الدَّيْنَ هَمٌّ بِاللَّيْلِ، وَذُلٌّ بِالنَّهَارِ". فكيفَ يَرضى مُسلمٌ عاقلٌ أن يَشتريَ همَّ الليلِ وذُلَّ النَّهارِ، بقِسطٍ شَهريٍّ لِهاتفٍ جوَّالٍ جديد، أو شاشةِ تلفازٍ، أو ثَوبٍ فاخر؟! أينَ ذَهبت حلاوةُ السِّلعة؟ واللهِ إنَّها تَذهبُ في أولِ أسبوعٍ من الشِّراء، ويبقى ثِقَلُ الدَّينِ يَقضُّ مَضجَعَكَ أشهُراً بل ربَّما سنوات! ولنتأمل معاً هذه القصةَ المهيبةَ التي وقعت في عهدِ النبيِّ ﷺ، لِنَعرفَ كيفَ كانَ ينظرُ الإسلامُ لِخَطرِ الدَّين. روى الإمامُ النَّسائيُّ في سُنَنِه عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ. فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ، فَقَالَ: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟». قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ. تَخيَّلوا المشهد! رجلٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ، قد مات، وغُسِّلَ وكُفِّن، ووُضِعَ أمامَ النَّبيِّ ﷺ لِيُصلِّيَ عليه. الصَّلاةُ من النَّبيِّ شفاعةٌ ورَحمة. لكنَّ النبيَّ يَسأل: هل عليه دَين؟ قالوا: ديناران. (ودينارانِ مبلغٌ يسير). فماذا فَعَلَ النبيُّ ﷺ؟ تَراجَعَ للوَراءِ وقال كلمتَهُ القاسيةَ التي هَزَّت قلوبَ الصَّحابة: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ!». يا لَلحسرة! حُرِمَ من صلاةِ رسولِ اللهِ لأجلِ دينارين! فقامَ أبو قَتادةَ رضي الله عنه مَفزوعاً وقال: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! حينها فَقَط، تَقَدَّمَ النَّبيُّ ﷺ وصَلَّى عليه. وجاءَت تَتِمَّةُ القِصَّةِ في مُسنَدِ الإمامِ أحمد، أنَّهُ لَمَّا رآهُ النَّبيُّ ﷺ مِن الغد قال: «ما فَعَلَ الدِّينارانِ؟»، قال: إنما مات أمس يا رسول الله! فلما رآهُ في اليوم التالي قال: قد قَضَيتُهُما يا رسول الله، فقال ﷺ: «الآنَ بَرَدَتْ عليه جِلْدُهُ». أيها الإخوة، إذا كان هذا حالَ مَن ماتَ وعليهِ دَينٌ يَسير! فماذا نقولُ في شابٍّ يَموتُ وذِمَّتُهُ مُعَلَّقةٌ بآلافِ الرِّيالاتِ التي استدانَها وتَعَسَّرَ في سدادِها، لا لِشيءٍ إلا لِيُسافرَ ويُصوِّرَ للناسِ أنَّهُ يعيشُ حياةَ الأغنياء؟ ماذا نَقولُ فيمَن تَرَكَ لأبنائِهِ دُيوناً باهظةً لأنَّهُ أرادَ أن يُقيمَ حفلَ زفافٍ أُسطورياً لا يَملكُ كُلفَتَه؟ إنَّ من أعظمِ أسبابِ هذا البلاء: غِيابُ التفريقِ بين "الحاجةِ" و"الرَّغبة". الحاجةُ هي ما لا تَستقيمُ الحياةُ إلا به. أمَّا الرَّغبةُ، فهي ما تَهواهُ النَّفسُ ويُمكِنُ العيشُ بِدونِه. والسُّوقُ اليومَ — بإعلاناتِهِ الذَّكيَّة — يَعملُ ليلَ نهارَ لِيُقنعَكَ أنَّ "رَغباتِكَ" هي "حاجاتٌ" لا يُمكِنُك العيشُ بدونِها! واسمعوا لهذا الدَّرسِ التَّربويِّ البليغِ من الفاروقِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي اللهُ عنه. رأى عُمرُ بنُ الخطابِ الصحابيَّ الجليلَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما وفي يَدِهِ لحمٌ اشتراه، فاستوقَفَهُ عُمرُ وقال: ما هذا يا جابر؟ فقال جابر: لحمٌ اشتَهَيتُهُ فاشتَرَيتُه. فَنَظَرَ إليهِ عُمرُ مًتعجِّباً، وقال قولتَهُ التي تُكتَبُ بماءِ الذَّهب، قال: «أَوَكُلَّمَا اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ يَا جَابِرُ؟! أَمَا تَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾!». الله أكبر! عمرُ يُحذِّرُ جابراً من مجرَّدِ الاستجابةِ لِكُلِّ شَهوةِ طعامٍ في مالِهِ الحُرّ! فماذا لو رأى عُمرُ زمانَنا هذا؟ ماذا لو رأى مَن يَدخُلُ المجمَّعاتِ التِّجاريَّة، فلا يَرى سِلعةً إلا اشتهاها، فإن لَم يَجد ثَمَنَها أَخرَجَ هاتِفَهُ وقَسَّطَ ثَمَنَها على شُهورٍ وسنوات، ليَخرُجَ مُحَمَّلاً بالأكياسِ وبالدُّيونِ معاً؟ عبادَ الله، إنَّ العبوديَّةَ الحقيقيَّةَ في هذا العصرِ لم تَعُد عبوديَّةَ الرِّقِّ والأغلال، بل هي "عبوديَّةُ الرَّغبات". وكما قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رَحمهُ الله: "ومَن عَشِقَ شيئاً غيرَ اللهِ عُذِّبَ به". ومَن جَعَلَ رِضا النَّاسِ ومَظهَرَهُ أمامَهم غايَةً يُنفقُ فيها ما لا يَملك، عاقَبَهُ اللهُ بالذُّلِّ في الدُّنيا، والقَلَقِ الذي لا يَنقضي. يقولُ اللهُ تعالى واصفاً حقيقةَ هذا الطَّمَعِ البشري: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]. وقال عزَّ من قائل مُرشداً إلى الاعتدال: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]. قاعدةٌ ربَّانيةٌ واضحة: أَنفِق مِمَّا آتاك الله، لا مِمَّا لم يُؤتِك! لا تُكلِّف نفسَكَ فوقَ طاقتِها لتُرضيَ أعينَ النَّاظرين. فإنَّ الذي يَنظرُ إليكَ اليومَ مُنبَهِراً بسيَّارَتِكَ الجديدةِ، أو هاتفِكَ الفاخر، لن يَسدادَ عَنكَ قِسطاً واحداً حينَ تَطرقُ البُنوكُ والشَّركاتُ بابَك! فيا من أرهقته أقساط الكماليات، ويا من أغرته سهولة الشراء بالدين... كل لحظة تمر وأنت فيها أسير لهذه الديون، هي لحظة تُسرق من راحتك، وحريتك، وطمأنينة بيتك. فلا تبنِ سجنك بيديك. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروهُ وتوبوا إليه، إنَّهُ هو الغفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن فَخِّ الاستهلاكِ ودُيونِ الكماليات، ووَقَفنا مع حَقيقةِ الدَّينِ كيفَ سَلَبَ صلاةَ النَّبيِّ ﷺ عن المَيِّت، وكيفَ أنَّ الاستجابةَ لِكُلِّ رَغبةٍ وشَهوةٍ هي استعبادٌ للنَّفسِ وإرهاقٌ للمُستقبل. والآن، إخوتي، وبعدَ أن أدركنا حَجمَ المُشكلة، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأهمّ: كيفَ نَكسرُ هذه الدَّوَّامة؟ وكيفَ نُحَصِّنُ أنفُسَنا وبُيوتَنا من إغراءاتِ التَّقسيطِ والتَّبذير؟ وأوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزلَ من مَنبري هذا: الأولى (قلبيَّة): اغرِسوا القَناعَةَ في قُلوبِكم. القناعةُ هي الجَنَّةُ المعجَّلة. انظُر إلى مَن هو دونَكَ في أمورِ الدُّنيا تَقنَع بما أعطاك الله. قال تعالى لِنبيِّهِ ﷺ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]. رِزقُ اللهِ الذي بَينَ يَدَيك، وإن قلّ، خيرٌ وأبقى من زَهرةِ دُنيا تَنتهي بِحسرةِ الدَّين. قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رَحِمهُ اللهُ مَعنىً عَظيماً حين قال: "الرِّضا بابُ اللهِ الأعظَم، وجَنَّةُ الدُّنيا، ومُستراحُ العارِفين". فاستَرِح بالقَناعة. الثانية (لسانيَّة): الاستعاذةُ اليوميَّةُ من الدَّين. حَصِّن نَفسَكَ كلَّ صباحٍ ومَساءٍ بالدُّعاءِ النَّبويِّ العظيم: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ الهَمِّ والحَزَنِ، وأعوذُ بِكَ منَ العَجزِ والكَسَلِ، وأعوذُ بِكَ منَ الجُبنِ والبُخلِ، وأعوذُ بِكَ من غَلَبَةِ الدَّينِ وقَهْرِ الرِّجال". الدُّعاءُ يَصنَعُ في قَلبِكَ مَناعةً ضدَّ الاستِخفافِ بالاستِدانة. الثالثة (عمليَّة): فَرِّق بين الحاجَةِ والرَّغبة. قبلَ أن تَضغطَ زِرَّ الشِّراء، أو تَمضي عَقداً لقِسطٍ جديد، اسأل نَفسَكَ صِدقاً: هل أنا "أحتاجُ" هذا الشَّيءَ أم "أرغبُ" فيه؟ الحاجةُ لا يُمكِنكَ العيشُ أو العَملُ بِدونِها، أمَّا الرَّغبةُ فيُمكنكَ تأجيلُها حتى يَرزقَكَ اللهُ ثَمَنَها طَوعاً. لا تَشتَرِ كماليَّاتٍ بِمالٍ مُقتَرَضٍ أَبداً. الرابعة (اجتماعيَّة): تَوَقَّفوا عن مُقارَنَةِ حَياتِكُم بالشَّاشات. الذي تَرَونَهُ في وسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعيِّ هو صُوَرٌ مُلَمَّعَةٌ ومُنتقاة. لا تُقارِن واقعَكَ وتَعَبَكَ بِلَحْظَةِ سَفَرٍ أو طعامٍ عَرَضَها غيرُك. فكثيرٌ من هؤلاءِ يَغرَقونَ في الدُّيونِ لِيُحافظوا على صُورَتِهم أمامَكم. عِش حَياتَك حَسَبَ دَخْلِك، ولا تَسمَح لأحدٍ أن يُحَدِّدَ لكَ مَعاييرَ السَّعادة. الخامسة (موضوعيَّة): قَرِّر اليومَ قَطعَ قُيودِ التَّقسيط. إن كُنتَ قد تورَّطتَ في تَطبيقاتِ التَّقسيطِ لِشراءِ كماليَّاتٍ وملابسَ وأدَوات، فاقطَع هذا الحَبلَ اليوم. احذِف هذه التَّطبيقاتِ من هاتِفِك، ضَع خُطَّةً لِسدادِ ما عَليك، وعاهِدِ اللهَ ألَّا تَعودَ للاستدانةِ إلا في ضَرورةٍ قُصوى. الحُريَّةُ الماليَّةُ والبالُ الخالي من الدَّينِ لا يُعادلهُما ثَوبٌ جَديدٌ ولا هاتفٌ حَديث. فاتقوا الله عباد الله، واعلَموا أنَّ حِفظَ المالِ وحُسنَ التَّدبيرِ فيه من شُكْرِ المُنْعِمِ سُبحانَه. ثم صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عليه، عملاً بقولِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. 🤲 الدعاء اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ من غَلَبَةِ الدَّينِ وقَهْرِ الرِّجال. اللَّهُمَّ اكفِنا بِحلالِكَ عن حَرامِك، وأَغنِنا بِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللَّهُمَّ اقضِ الدَّينَ عن المَدينين، ونَفِّس كَربَ المكروبين، ويَسِّر أُمورَ المُعسِرين، وافتَح لنا ولهم أبوابَ رِزقِكَ ورَحمَتِك. اللَّهُمَّ ارزُقنا قَناعَةً تَملأُ قُلوبَنا، ورِضاً بِما قَسَمتَ لنا، وبَرَكَةً في أرزاقِنا وأعمارِنا. اللَّهُمَّ لا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبلَغَ عِلمِنا، ولا تُسَلِّط عَلينا بِذنوبِنا مَن لا يَخافُكَ فينا ولا يَرحَمُنا. اللَّهُمَّ انصُر إخوانَنا المُستَضعَفينَ والمظلومينَ في فلسطين وفي كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لهم ناصراً ومُعيناً، واحقِن دِماءَهم، واستُر عَوراتِهم، وآمِن رَوعاتِهم. اللَّهُمَّ أَصلِح أحوالَ المُسلمينَ في كُلِّ أرض، ورُدَّنا إلى دِينِكَ رَدّاً جَميلاً. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمنكرِ والبغي، يَعِظُكم لعلَّكم تَذكَّرون. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركم، واشكروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون، وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.