🕌 العز بن عبد السلام... سلطان العلماء وبائع الملوك
#خطبة_جمعة #العز_بن_عبد_السلام #العلماء #سيرة #الأمر_بالمعروف #الصدع_بالحق #تاريخ_الإسلام
الحمدُ للهِ الذي رَفَعَ بالعلمِ أقوامًا فجَعَلهم في الخَيرِ قادةً يُقتَدى بهم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعِزُّ مَن أطاعَهُ ونَصَرَ دِينَه ولو اجتَمَعَت عليهِ أهلُ الأرض، ويُذِلُّ مَن حادَ عن شَرعِه ولو مَلَكَ كُنوزَ الدُّنيا. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ العُلماءِ، وقُدوةُ الدُّعاةِ الصَّادقين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أيها الإخوة المؤمنون، لَو قيلَ لكم: إنَّ رَجُلاً في تاريخِ الإسلامِ، لا يَملِكُ سَيفاً ولا مِدفعاً ولا جَيشاً، وَقَفَ في وَجهِ أعظمِ مُلوكِ زمانِه، وأمَرَ بِبَيعِ أُمراءِ الجَيشِ وقادَتِه في السُّوقِ كَما يُباعُ العَبيد، فَرَدَخوا لِحُكمِه، وانصاعوا لأمرِه، وبِيعوا بالمَزادِ العَلنيِّ لِيَرُدَّ ثَمَنَهم إلى بَيتِ مالِ المُسلمين! هَل كُنتُم تُصَدِّقون؟
هَذا ليسَ خَيالاً، ولا أُسطورةً تُروى في الحِكايات. هَذا رَجلٌ مَشى على الأرضِ، وتَنَفَّسَ هَواءَها، ووَقَفَ مَواقِفَ تَهتَزُّ لَها الجِبال. إنَّهُ "سُلطانُ العُلماء"، الإمامُ العَزُّ بنُ عَبدِ السَّلامِ، رَحِمَهُ اللهُ ورَضِيَ عنه.
اليَومَ، نَحنُ لا نَسرُدُ تاريخاً لِلتَّسليَة، بَل نَستَحضِرُ رُوحاً غابَت عن كَثيرٍ مِن مَواقِعنا. نَستَحضِرُ مَعنى أن يَكونَ العِلمُ حَياةً، وأن تَكونَ الكَلِمَةُ مَوقِفاً، وأن يَكونَ الإيمانُ بِاللهِ دِرعاً لا تَختَرِقُهُ سِهامُ الخَوفِ ولا تُرعِبُهُ سُيوفُ السَّلاطين.
عبادَ الله، يَقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
تَأمَّلوا هَذِه الآيَةَ العَظيمَة. اللهُ جَلَّ جَلالُهُ لَم يَقُل "يَرفَعِ اللهُ الأغنياءَ"، ولا "يَرفَعِ اللهُ الملوك". بل الرِّفعَةُ الحَقيقيَّةُ، الرِّفعَةُ الَّتي تَخلُدُ في الدُّنيا وتَبقى في الآخِرَة، قَرَنَها اللهُ بالإيمانِ والعِلم. ولكِن، أيُّ عِلمٍ هَذا الَّذي يَرفَعُ صاحِبَه؟ هَل هُوَ حِفظُ المَعطوفاتِ والمَرفوعات؟ هَل هُوَ سَردُ المَسائلِ وحِفظُ المُتونِ فَقَط؟
لا والله! يُجيبُنا الصَّادقُ المُصَدَّقُ ﷺ في الحَديثِ الَّذي رَواهُ التِّرمِذيُّ، يَقول: «أفضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِندَ سُلطانٍ جائر».
هَذا هُوَ العِلمُ الَّذي يَرفَعُ الدَّرجات. العِلمُ الَّذي يَنطِقُ بِالحَقِّ حينَ يَسكُتُ النَّاسُ خَوفاً وطَمَعاً. العِلمُ الَّذي يَجعَلُ صاحِبَهُ يَخافُ مِنَ الخالِقِ فَلا يَرى للمَخلوقينَ وَزناً إن حادوا عن شَرعِ الله.
ولِكَي نَفهَمَ هَذا المَعنى، تَعالَوا مَعي إلى مَدينَةِ دِمَشقَ، قَبلَ نَحوِ ثَمانِمائةِ عام.
كانَ العالَمُ الإسلاميُّ يَغلي، الصَّليبيُّونَ يَحتَلُّونَ سَواحِلَ الشَّام، والأُمَراءُ المُسلِمونَ يَتَناحَرونَ فيما بَينَهم على الكَراسي. وفي لَحظَةٍ مِن لَحَظاتِ الخِيانَةِ التَّاريخيَّة، قامَ حاكِمُ دِمَشقَ، "الصَّالِحُ إسماعيل"، بالتَّحالُفِ مَعَ الصَّليبيِّينَ ضِدَّ ابنِ أخيهِ حاكِمِ مِصر. ولَم يَكتَفِ بِذلِك، بَل سَمَحَ للصَّليبيِّينَ بِدُخولِ دِمَشقَ لِشِراءِ السِّلاحِ مِن أسواقِ المُسلمينَ لِيُقاتِلوا بِهِ المُسلمين!
مَوقِفٌ تَرتَجِفُ لَهُ القُلوب. الخِيانَةُ تُباعُ وتُشتَرى في السُّوق. السُّيوفُ الَّتي سَتَقطَعُ رِقابَ المُسلمينَ تُصنَعُ بأيدي المُسلمينَ وتُباعُ للعَدوّ بِمُبارَكَةِ السُّلطان.
هَل سَكَتَ العُلَماء؟ هَل بَرَّروا للحاكِمِ فِعلَتَه؟
هُنا يَظهَرُ مَعدِنُ الرِّجال. هُنا تَظهَرُ حَقيقَةُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39].
قامَ الإمامُ العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلامِ فَأصدَرَ فَتوَىً تُحَرِّمُ بَيعَ السِّلاحِ للفرنجة، وتُحَرِّمُ دُخولَهم لِدِمَشق، ولَم يَكتَفِ بِالفَتوَى الدَّاخِليَّة، بل صَعِدَ مِنبَرَ الجامِعِ الأُمَويِّ يَومَ الجُمُعَة، وعَلَى صَوتُهُ بالإنكار، وأسقَطَ الدُّعاءَ للسُّلطانِ "الصَّالِح إسماعيل" مِنَ الخُطبَة، وذَمَّهُ وعَرَّى خِيانَتَه.
ماذا حَدَث؟ غَضِبَ السُّلطان، وعَزَلَ الإمامَ عَنِ الخَطابَةِ والفَتوى، وسَجَنَه.
لَكِنَّ السُّلطانَ احتاجَ إلى الإمامِ لاحِقاً لِيُضفي شَرعيَّةً على حُكمِه. فَأرسَلَ إلَيهِ أحَدَ وُزَرائِه في مَحبَسِه.
اسمعوا لِهَذا الحِوارِ الَّذي كُتِبَ بِماءِ الذَّهَبِ في تاريخِنا!
دَخَلَ الوَزيرُ عَلى الإمامِ العِزّ، مُتَوَدِّداً، مُتَلَطِّفاً، يَقولُ لَه: "يا مَولانا، بَينَكَ وبَينَ أن تَعودَ إلى مَناصِبِكَ وإلى أرفَعَ مِمَّا كُنتَ عليه، وتَعودَ لَكَ دِمَشقُ كُلُّها، شَيءٌ واحِدٌ فَقَط. أن تَدخُلَ عَلى السُّلطان، فَتُقَبِّلَ يَدَهُ، وتَعتَذِرَ لَه".
تَخَيَّلوا المَوقِف. رَجُلٌ في السِّجن، كَبيرٌ في السِّن، مَسلوبُ المَناصِب. تُعرَضُ عليه الدُّنيا كُلُّها مُقابِلَ اعتِذارٍ وانحِناءَة.
فَماذا كانَ رَدُّ "سُلطان العُلَماء"؟
نَظَرَ إلى الوَزيرِ نَظرَةَ الواثِقِ بِربِّه، المُستَغني بِخالِقِهِ عَن خَلقِه، وقالَ كَلِمَتَهُ المُدَوِّيَة:
«يا مِسكين! واللَّهِ إنِّي لا أرضى أن يُقَبِّلَ السُّلطانُ يَدي بَرّاً بي، فَكَيفَ أرضى أن أُقَبِّلَ أنا يَدَه؟! يا قَوم، أنتُم في وادٍ، وأنا في وادٍ آخَر!».
اللهُ أكبَر! أيُّ عِزَّةٍ هَذِه؟ أيُّ جَبَلٍ هَذا الَّذي لا تُحَرِّكُهُ العَواصِف؟
ولَمَّا سُئِلَ العِزُّ بَعدَ ذلِك: يا إمام، ألَم تَخَف مِنَ السُّلطانِ وسَيفِه؟
أجابَ بِجَوابٍ يَجِبُ أن يُنقَشَ في قَلبِ كُلِّ مُؤمِن. قال: «استَحضَرتُ هَيبَةَ اللهِ وعَظَمَتَه، فَصارَ السُّلطانُ أمامي كَالقِطّ!».
أيها الإخوة الأحبَّة، يَقولُ الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنبَل رَحِمَهُ الله: "إذا سَكَتَ العالِمُ تَقِيَّةً، والجاهِلُ يَجهَل، فَمَتى يَتَبَيَّنُ الحَقّ؟". العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلام رَفَضَ أن يَسكُت.
ولَكِن، القِصَّةُ لَم تَنتَهِ هُنا. المِحَنُ تَصنَعُ الرِّجال، وتَكشِفُ المَعادِن.
خَرَجَ العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلامِ مِن دِمَشق مُهاجِراً في سَبيلِ اللَّه، مُتَّجِهاً إلى مِصر. وكانَ يَحكُمُ مِصرَ حِينَها سُلطانٌ قَويٌّ هُوَ "نَجمُ الدِّين أيُّوب". رَحَّبَ السُّلطانُ بالعِزّ، وَوَلَّاهُ الخَطابَةَ والقَضاء.
في مِصر، وَجَدَ العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلامِ أمرًا مُنكَرًا جَديدًا. كانَ السُّلطانُ قَدِ اشتَرى مَماليكَ (عَبيداً) رَبَّاهم، ثُمَّ أعطاهُم المَناصِبَ العُليا، فَصاروا هُم الأُمَراءَ وقادَةَ الجَيشِ والوُزَراء، يَتَحَكَّمونَ في البِلادِ والعِباد، يَبيعونَ ويَشتَرون، ويَتَزَوَّجونَ مِنَ الحَرائِر.
نَظَرَ العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلامِ في كُتُبِ الفِقهِ وشَرعِ الله، فَوَجَدَ حَقيقَةً صادِمَة: هَؤلاءِ الأُمَراءُ ما زالوا في حُكمِ الشَّرعِ "مَماليكَ" و"عَبيداً"، لأنَّهم لَم يُعتَقوا ويُحَرَّروا شَرعاً! وبِالتَّالي، كُلُّ تَصَرُّفاتِهم الماليَّةِ باطِلَة، وزَواجُهم باطِل، وبيعُهم وشِراؤُهم باطِل.
مَوقِفٌ يُطَيِّرُ الرُّؤوس. هَؤلاءِ هُم قادَةُ الجَيش! هَذا هُوَ الحُكمُ العَسكَريُّ المَوجود!
ماذا فَعَلَ سُلطانُ العُلماء؟ قالَ كَلِمَتَهُ الَّتي زَلزَلَت أركانَ الدَّولَة: "لا تَصِحُّ عُقودُ هَؤلاء، ولا بيعُهم ولا شِراؤهم، حَتَّى يُباعوا لِصالِحِ بَيتِ مالِ المُسلمين، ثُمَّ يُعتَقوا".
غَضِبَ الأُمَراءُ المَماليكُ غَضَباً شَديداً. جاءَ نائِبُ السُّلطان، واسمُهُ فَخرُ الدِّينِ، يَحتَجُّ ويَقولُ كَيفَ تَبيعُنا ونَحنُ قادَةُ الدَّولَة؟ ورَفَضَ السُّلطانُ نَجمُ الدِّين أيُّوب هَذِه الفَتوَى واعتَبَرَها تَدَخُّلاً في الحُكم.
تَأمَّلوا مَعي، ماذا فَعل الإمام؟ هل غيّر فتواه؟ هل بحث عن مخرج فقهي ميسر ليرضي السلطان؟
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187]. العز لم ينبذ الميثاق.
دَخَلَ العِزُّ بَيتَه، نَزَعَ مَلابِسَ القَضاء، وعَزَلَ نَفسَهُ عَن المَنصِب. ثُمَّ رَكِبَ حِمارَهُ الصَّغير، وحَمَلَ مَتاعَه، وقَرَّرَ الخُروجَ مِن مِصر كُلِّها.
وما إن سَمِعَ النَّاسُ بِخُروجِ الإمامِ العادِل، حَتَّى خَرَجَت مِصرُ عن بَكرَةِ أبيها! خَرَجَ العُلَماءُ والطُّلَّابُ والتُّجَّارُ والعامَّة، يَمشون خَلفَ العِزِّ بنِ عَبدِ السَّلام.
وَصَلَ الخَبَرُ إلى السُّلطانِ أيُّوب: يا مَولانا السُّلطان، أدرِك مُلكَك، فَإنَّ العِزَّ إن خَرَجَ مِن مِصرَ خَرَجَ المُلكُ مَعَه!
فَرَكِبَ السُّلطانُ بِنَفسِه، ولَحِقَ بالإمام، وتَرَضَّاه، وقالَ لَه: ارجِع يا إمام، وافعَل ما شِئت.
...
فانتبه.
قَبلَ أن يُسدَلَ السِّتارُ عَلى هَذا المَشهَد، تَأمَّل النَّتيجَة.
عُرِضَ أُمَراءُ الجَيش، وأصحابُ السُّيوفِ والمَناصِب، في مَزادٍ عَلَنيّ! وَقَفَ الإمامُ العِزُّ يُنادي عَلَيهم وَاحِداً وَاحِداً، ويُزايِدُ عَلى ثَمَنِهم، حَتَّى باعَهُم بِأغلى الأثمان. وقَبَضَ الثَّمَنَ لِصالح بَيت مال المُسلمين الفُقَراء، ثُمَّ أعتَقَهُم! فَسُمِّيَ مُنذُ ذَلِكَ اليَوم: "بائِع الملوك".
أيُّها الإخوَةُ، لِماذا نَحكي هَذِه القِصَّةَ اليَوم؟
لأنَّنا نَعيشُ في زَمَنٍ التَبَسَت فيه المَفاهيم. زَمَنٍ يَظُنُّ فيهِ البَعضُ أنَّ الدِّينَ مَحصورٌ في زَوايا المَساجِد، وأنَّ العالِمَ وَظيفتُهُ ألا يَتَدَخَّلَ في قضايا الأُمَّة. نَحكيها لِنَعلَمَ أنَّ الأمَّةَ لا تَحيا ولا تَنهَضُ إلَّا بِرِجالٍ لا يَخافونَ في اللهِ لَومَةَ لائِم.
يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ في الحَديثِ الَّذي رَواهُ التِّرمِذيُّ: «مَنِ التَمَسَ رِضا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ وأرضى عَنهُ النَّاسَ، ومَنِ التَمَسَ رِضا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَنهُ وأسخَطَ عَنهُ النَّاسَ».
واللهِ لَقَدِ التَمَسَ العِزُّ رِضا الله، فأرضى اللهُ عَنهُ الدُّنيا كُلَّها، وبَقِيَ اسمُهُ عالِياً يُذكَرُ بِالدُّعاءِ بَعدَ ثَمانيَةِ قُرون، بَينَما نُسِيَت أسماءُ السَّلاطين الَّتي كانت تَرتَجِفُ مِنهم القُلوب!
يا عِبادَ الله، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].
أينَ نَحنُ مِن هَذا الصِّدق؟ أينَ نَحنُ مِن هَذا اليَقين؟
رُبَّما لا يُطلَبُ مِنكَ أن تَقِفَ أمامَ سُلطان، ولَكِن يُطلَبُ مِنكَ أن تَقِفَ أمامَ مُديرِكَ في العَمَل فَتَرفُضَ الحَرامَ والظُّلم!
يُطلَبُ مِنكَ أن تَقِفَ في بَيتِكَ فَتَأمُرَ بِالمَعروفِ وتَنهى عَن المُنكَر بَينَ أهلك وعِيالِك ولا تُداهِن في شَرعِ الله!
يُطلَبُ مِنكَ أن تَنصُرَ قضايا أُمَّتِك، وأن تَقِفَ مَعَ المُستَضعَفينَ والمَظلومين في غَزَّةَ وفي كُلِّ مَكان، بِكَلِمَتِك، بِمُقاطَعَتِك، بِدُعائك، بِمالِك، فلا تَخافُ في نُصرَتِهم أحداً مِن الخَلق!
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].
تَأمَّلوا هَذِه اللَّفظَةَ القُرآنيَّةَ المُعجِزَة: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾. اللهُ لَم يَقُل "ولا تُشارِكوا الَّذي ظَلَموا في ظُلمِهم"، بَل قالَ "ولا تَركَنوا" والرُّكونُ هُوَ المُيولُ اليَسير! هُوَ المُداهَنَة! هُوَ السُّكوتُ عَن باطِلِهم تَبَروكاً ومَصلَحَة. فإذا كانَت النَّارُ تَمَسُّ مَن رَكَنَ ومالَ إلى الظَّالِم.. فَكَيفَ بِمَن أيَّدَه؟ وكَيفَ بِمَن أعانَه؟ وكَيفَ بِالظَّالِمِ نَفسِه؟
يا عبادَ الله، إنَّ حَياةَ الإمامِ العِزِّ بنِ عَبدِ السَّلام هيَ تَرجَمَةٌ عَمَليَّةٌ لِقولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
لِماذا جائَت أداةُ الحَصرِ "إنَّما"؟ لأنَّ مَن عَرَفَ اللهَ حَقَّ المَعرِفَة، ومَن عَلِمَ عَظَمَتَهُ وقُدرَتَه وقَهره، استَحالَ أن يَخافَ مِن مَخلوقٍ ضَعيفٍ يُمرِضُهُ شَيءٌ لا يُرى بالعَين، ويُميتُهُ شَرقَةُ ماء!
هَؤُلاءِ هُمُ العُلَماءُ الحَقيقيّون، وورثةُ الأنبياء.
نَسأَلُ اللهَ أن يُحييَ في أُمَّتِنا نَماذِجَ العِزِّ بن عَبدِ السَّلام، وأن يَرزُقَنا الثَّباتَ عَلى الحَقِّ، والجُرأةَ في نُصرَةِ الدِّين.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، يُعطي المُلْكَ مَن يَشاء، ويَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن يَشاء، ويُعِزُّ مَن يَشاء، ويُذِلُّ مَن يَشاء، بِيَدِهِ الخَيرُ وهو عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدير. والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، توقفنا في خطبتنا الأولى مع السيرة العطرة لسلطان العلماء العز بن عبد السلام، ورأينا كيف جعل السلطان أمامه كالقط حينما استشعر هيبة الله جل جلاله، وكيف أصر على الحق فباع قادة الجيش بالمزاد العلني رداً لحقوق المسلمين، وكيف أن من التمس رضا الله أرضى الله عنه الناس. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيف نترجم هذه المواقف إلى واقع نعيشه اليوم؟
وأوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): ازرع في قلبك الخشية الحقيقية من الله وحده. قال الحسن البصري رحمه الله: "إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة... ولو صدقوا في الرجاء لأحسنوا العمل". فمتى خفت من الله، أمّنك الله من كل شيء خلقه.
الثانية (لِسانيَّة): عوّد لسانك على قول الحق، واصدع به في مكان عملك وبين أسرتك بلطف وحكمة. قال النبي ﷺ: «لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه». فلا تسكت عن باطل تراه خوفاً من مدير أو مجاملة لقريب.
الثالثة (عَمَليَّة): إن كنت في منصب أو مسؤولية—سواء كنت مديراً في شركة، أو مسؤولاً عن عمال—فاحذر الظلم! اقم العدل كما أمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]. لا تداهن في إحقاق الحق ولو على حساب مصالحك الشخصية.
الرابعة (اجتماعيَّة): ربوا أبناءكم على هذه القصص العظيمة. اجلس الليلة مع طفلك وقص عليه قصة العز بن عبد السلام بدلاً من قصص الأبطال الوهميين. ازرعوا فيهم العزة والكرامة والشجاعة في قول الحق، فإن الأمة لا تنهض بأجيال مهزومة من الداخل.
الخامسة (موضوعيَّة): قف مع المستضعفين في كل مكان، وانصر إخوانك في غزة وفي سائر بلاد المسلمين بما تملك. لا تستهن بمقاطعة اقتصادية، ولا بدعاء في جوف الليل، ولا بكلمة حق تنشرها دفاعاً عنهم. فإن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على قول الحق والثبات عليه في زمن الفتن، وتجعل منكم سداً منيعاً أمام الظلم والفساد.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، استجابة لأمر ربكم حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك إيماناً يباشر قلوبنا، ويقيناً صادقاً حتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت لنا.
اللهم ارزقنا كلمة الحق في الغضب والرضا، وكلمة الحق في المنشط والمكره.
اللهم اجعلنا ممن لا يخافون فيك لومة لائم، وممن يستحضرون هيبتك وعظمتك فتصغر في أعينهم فتن الدنيا.
اللهم انصر إخواننا المستضعفين المظلومين في غزة وفي كل مكان، اللهم انصرهم على من عاداهم، واجبر كسرهم، وارحم ضعفهم، وأنزل السكينة على قلوبهم.
اللهم اجعل لنا من أمرنا يسراً، واختم بالصالحات أعمالنا، واجعلنا ممن يقولون ربنا الله ثم يستقيمون.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.