من مكتبة مِداد الخطيب

جَعفَرُ الطَّيَّار... وصَفقَةُ الشَّبابِ الرَّابِحَة

مشاركة
🕌 جَعفَرُ الطَّيَّار... وصَفقَةُ الشَّبابِ الرَّابِحَة #خطبة_جمعة #التضحية #جعفر_بن_أبي_طالب #غزوة_مؤتة #للشباب #الهمة #السيرة_النبوية الحمدُ للهِ الذي اشتَرى من المؤمنينَ أنفُسَهم وأموالَهم بأنَّ لهمُ الجنَّة، وأعزَّ هذا الدِّينَ على أكتافِ فِتيةٍ باعوا الدُّنيا الفانيةَ بالدارِ الباقيةِ المُطمئنَّة. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَبلو عبادَهُ بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ ليَعلَمَ الصَّادقين، ويُعَوِّضُ مَن تَرَكَ شيئًا لأجلِهِ خَيرًا ممَّا فَقَدَ في العالَمين. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، مَن صَنَعَ من الشَّبابِ قادةً فَتَحوا القلوبَ قَبلَ البُلدان، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا شابًّا في الثالثةِ والثلاثينَ من عُمرِه، يَقِفُ في صَحراءَ مُلتَهِبَةٍ أمامَ مئتي ألفِ مُقاتلٍ مدجَّجينَ بالحَديد. تُقطَعُ يَمينُهُ فلا يَتَراجَع، وتُقطَعُ شِمالُهُ فلا يَنهَزِم، بل يَحتَضِنُ رايةَ الإسلامِ بعَضُدَيهِ الدَّاميتَينِ حتَّى يَلقى اللهَ شَهيدًا. ما الذي جَعَلَ هذا الشَّابَّ يَستَعذِبُ هذا الألَمَ كُلَّه؟ وكيفَ تَتَحَوَّلُ تِلكَ اللَّحظةُ التَّاريخيَّةُ في أرضِ مُؤتَةَ إلى مِيزانٍ نَزِنُ بهِ اليومَ تَضحياتِنا أمامَ شَهَواتِنا وشاشاتِنا؟ معاشرَ المصلِّين، ويا شَبابَ الإسلامِ على وَجهِ الخُصوص: إنَّ هذا الدِّينَ العَظيمَ لم يَصِل إلينا على أطبَاقٍ من ذَهَب، ولم يَنتَشِر في الآفاقِ بالتَّمَنِّي والأحلامِ البارِدة. لقد قامَ هذا الدِّينُ على قانونٍ إلهيٍّ راسخٍ لا يَتَبَدَّل: قانونِ البَذلِ والتَّضحية. اسمعوا إلى هذا العَقدِ الرَّبَّانيِّ الذي أبرَمَهُ المَولى تباركَ وتعالى مع كلِّ مُؤمنٍ في كتابِهِ العَزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [سورة التوبة: 111]. تأمَّلوا هذهِ الآيةَ بقلوبِكم يا شَبابَ الأمَّة! مَنِ المُشتَري؟ إنَّهُ اللهُ جلَّ جَلالُه. وما السِّلعَة؟ نَفسُكَ التي بينَ جَنبَيك، ومالُكَ ووَقتُكَ وشَبابُك. وما الثَّمَن؟ جَنَّةٌ عَرضُها السَّمواتُ والأرض. لذلكَ لمَّا تَدَبَّرَ الحَسَنُ البَصريُّ رحمهُ اللهُ هذهِ الآيةَ قالَ كَلِمَتَهُ المأثورة: "أنفُسٌ هو خَلَقَها، وأموالٌ هو رَزَقَها، ثمَّ اشتَراها مِنهُم!". فهل رأيتُم كَرَمًا أعظمَ من هذا الكَرَم؟ يُعطيكَ الشَّبابَ والقُوَّةَ والعافية، ثمَّ يَطلُبُ مِنكَ أن تَبذُلَها في طاعَتِه، ليُعطِيَكَ عليها الفِردَوسَ الأعلى! أيُّها الأحبَّة: إذا أرَدنا أن نَرى هذهِ الصَّفقَةَ تمشي على قَدَمَينِ في واقعِ النَّاس، فَدَعونا نَرجِعْ بالزَّمانِ إلى السَّنَةِ الثَّامنةِ للهجرة، إلى أرضِ "مُؤتَة" في أطرافِ الشَّام. هُناكَ حَيثُ وَقَفَ ثلاثةُ آلافِ مُسلمٍ فقط، في مُواجَهَةِ جَيشٍ عَرَمرَمٍ من الرُّومِ وحُلَفائِهم بَلَغَ مِئَتَي ألفِ مُقاتِل. مُعادَلَةٌ عَسكَريَّةٌ مُستَحيلةٌ في حِساباتِ الأرض؛ الجُنديُّ الواحدُ في مُقابِلِ سَبعين! سَقَطَ القائدُ الأوَّلُ زَيدُ بنُ حارثةَ رضيَ اللهُ عنه شَهيدًا. فَمَنِ الذي تَقَدَّمَ ليَحمِلَ الرَّايةَ في تِلكَ اللَّحظَةِ التي تَطيرُ فيها القُلوبُ من الحَناجِر؟ إنَّهُ الشَّابُّ الهَاشِميُّ النَّبيل، ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ ﷺ: جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه. كانَ جَعفَرُ يومَها في رَيعانِ شَبابِه، لم يَتَجاوَزِ الثالثةَ والثلاثينَ من عُمرِه. أمامَهُ الدُّنيا ببهجَتِها، ووراءَهُ زَوجَتُهُ وأطفالُهُ الصِّغارُ في المَدينة، وقد عادَ لِتَوِّهِ من هِجرَةِ الحَبَشَةِ بَعدَ سَنَواتٍ من الغُربَة. كانَ بإمكانِهِ أن يَلتَمِسَ لنَفسِهِ عُذرًا، أو يَتَوارى في الصُّفوفِ الخَلفيَّة. لكنَّ الشَّابَّ الذي عَرَفَ اللهَ لا يَعرِفُ التَّراجُع! أخَذَ جَعفَرُ الرَّايةَ بيمينِهِ، وتَوَغَّلَ في صُفوفِ الرُّوم. فَلَمَّا أحاطَت بهِ الأسِنَّةُ والرِّماح، وضاقَ عليهِ المَيدان، اقتَحَمَ عن فَرَسِهِ الشَّقراءِ فعَقَرَها؛ ليُعلِنَ لِلعالَمِ أجمَعَ أنَّهُ لا نِيَّةَ للرُّجوع، وأنَّ المَوعِدَ هو الجَنَّة. تَكاثَرَت عليهِ السُّيوفُ حتَّى قُطِعَت يَدُهُ اليُمنى! فهل ألقى الرَّاية؟ هل صَرَخَ من الألَمِ وانسَحَب؟ كَلَّا والله! بل تَلَقَّفَ الرَّايةَ بيَدِهِ اليُسرى لِتَبقى كلمةُ التَّوحيدِ عاليةً خَفَّاقة. فضَرَبوهُ حتَّى قَطَعوا يَدَهُ اليُسرى! تَخَيَّلوا المَشهَدَ يا شَبابَ الإسلام: شابٌّ يَنزِفُ من ذِراعَيهِ معًا، بلا يَمينٍ ولا شِمال! بماذا يَرفَعُ الرَّايةَ الآن؟ ضَمَّها إلى صَدرِهِ بعَضُدَيه، احتَضَنَها ببقَايا ذِراعَيهِ ولَصَقَها بقَلبِهِ الذي يَنبِضُ بحُبِّ اللهِ ورسولِه، وظَلَّ واقفًا كالطَّودِ الشَّامخِ حتَّى أُثخِنَ بالجِراحِ وسَقَطَ شَهيدًا. وفي المَدينةِ النَّبويَّة، كانَ المَشهَدُ يُنقَلُ بالوَحيِ المُباشِر. صَعِدَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ المِنبَرَ، وعَيناهُ تَذرِفانِ الدُّموع، وقالَ للصحابةِ كما ثَبَتَ في صَحيحِ البُخاريِّ عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَواحَةَ فَأُصِيبَ - وعَيناهُ تَذرِفانِ - حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ» (رواه البخاري). ولمَّا انتَهَتِ المَعرَكة، جاءَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما يَتَفَقَّدُ جَسَدَ جَعفَر، فماذا رأى؟ اسمعوا لما رواهُ البخاريُّ عن ابنِ عُمَرَ قال: «وَقَفْتُ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ قَتِيلٌ، فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي دُبُرِهِ» (رواه البخاري). خَمسونَ طَعنَةً وضَربَة، كُلُّها في صَدرِهِ ووَجهِه! لم يُولِّ الدُّبُرَ لَحظةً واحدة، ولم يَلتَفِت إلى الوَراء. فماذا كانَ جَزاءُ هذا الشَّابِّ الذي ضَحَّى بيَدَيهِ وشَبابِهِ للهِ عزَّ وجل؟ جاءَ التَّعويضُ الإلهيُّ الفَوريُّ من فَوْقِ سَبعِ سَموات؛ فقد أخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ أبدَلَهُ بيَدَيهِ جَناحَينِ يَطيرُ بهما في الجَنَّةِ مع الملائكةِ حَيثُ شاء، حتَّى كانَ ابنُ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما إذا لَقيَ عبدَ اللهِ بنَ جَعفَرٍ قالَ لهُ كما في صَحيحِ البخاري: «السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ». وصَدَقَ اللهُ العَظيمُ إذ يَقولُ في أمثالِ هؤلاءِ الأبطال: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [سورة الأحزاب: 23]. يا شَبابَ الإسلام: قَد يَقولُ قائلٌ مِنكُم في نَفسِهِ الآن: "ذلكَ جَعفَر، وتِلكَ ساحةُ مُؤتَة، فكيفَ أُضَحِّي أنا اليومَ للإسلامِ وأنا طالبٌ في جامِعَتي، أو عاملٌ في مِهنَتي، أو شابٌّ أعيشُ في بَيتي؟". وهُنا نَنتَقِلُ النَّقلَةَ الحاسِمَةَ في خُطبَتِنا! أعلَمُ يَقينًا أنَّ جَعفَرَ بنَ أبي طالبٍ لم يَصنَع تِلكَ البُطولَةَ في مُؤتَةَ من فَراغ، بل سَبَقَتها سَنَواتٌ من التَّضحيةِ بمَحبوباتِ النَّفس. ضَحَّى بأرضِهِ ومَوطِنِهِ في مَكَّةَ لمَّا هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ فِرارًا بدينِه، ووَقَفَ هُناكَ شابًّا ثابِتًا أمامَ النَّجاشيِّ يَتلو سورةَ مَريَم، رافضًا أن يَتنازَلَ عن كَلِمَةٍ واحدةٍ من عَقيدَتِهِ ولو كَلَّفَهُ ذلكَ رَدَّهُ إلى تَعذيبِ قُرَيش. هكذا تَبدأُ التَّضحيةُ يا شَباب: تَبدأُ في مَيدانِ النَّفسِ قَبلَ مَيدانِ السَّيف! يَقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت: 69]. ويُعَلِّقُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمهُ اللهُ على هذهِ الآيةِ بكلماتٍ تُكتَبُ بماءِ العُيونِ في كتابِهِ (الفَوائد) فيقول: "عَلَّقَ سُبحانَهُ الهِدايَةَ بالجِهاد، فأكمَلُ النَّاسِ هِدايَةً أعظَمُهُم جِهادًا، وأفرَضُ الجِهادِ جِهادُ النَّفس، وجِهادُ الهَوى، وجِهادُ الشَّيطان، وجِهادُ الدُّنيا". نَعَم يا أخي الشَّاب: إنَّ لكَ في كُلِّ يومٍ "مُؤتَةً" خاصَّةً بك، ولكَ رايةٌ يَجِبُ ألَّا تَسقُطَ من يَدِك! رايتُكَ اليومَ هي دِينُك، وصَلاتُك، وعِفَّتُك، وأخلاقُك. حينَ تَختَلي بهاتِفِكَ في جَوفِ اللَّيل، وتُغَلَّقُ الأبواب، وتَعرِضُ لكَ الشَّاشةُ مَقطَعًا مُحَرَّمًا تَميلُ إليهِ غَريزَتُك، فتَتَذَكَّرُ نَظَرَ اللهِ إليك، وتَضغَطُ زِرَّ الإغلاقِ مُضَحِّيًا بلَذَّةٍ عابرةٍ من أجلِ رضا الله؛ فأنتَ في تِلكَ اللَّحظةِ تَحمِلُ رايةَ جَعفَر! وحينَ يُنادي المُنادي: "الصَّلاةُ خَيرٌ من النَّوم" في بَردِ الشِّتاءِ أو بَعدَ سَهَرٍ طويل، فتَنتَزِعُ جَسَدَكَ من دِفءِ الفِراشِ لتَشهَدَ الفَجرَ في جَماعة؛ فأنتَ تُضَحِّي براحَتِكَ من أجلِ الإسلام! وحينَ يُعرَضُ عليكَ مالٌ حَرامٌ سَهلٌ، أو وَظيفةٌ فيها شُبهة، فتَركُلُها بقَدَمِكَ وتَرضى بالقَليلِ الحَلال؛ فأنتَ تَدفَعُ ضَريبةَ الثَّباتِ على المَبدأ! لَقَد خَلَّدَ اللهُ ذِكرَ الشَّبابِ الذينَ ضَحَّوا بشَهَواتِهم ودُنياهم لأجلِ إيمانِهم فقالَ جَلَّ في عُلاه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [سورة الكهف: 13]. فِتيةٌ شَبابٌ في مِثلِ أعمارِكُم، تَرَكوا القُصورَ واللَّذَّاتِ الفانيَة، فَحَفِظَ اللهُ ذِكرَهُم في قُرآنٍ يُتلى إلى قيامِ السَّاعة. وفي السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، جَعَلَ المُصطَفى ﷺ الشَّابَّ المُضَحِّيَ بشَهوَتِهِ في صَدارةِ الفائزينَ بظِلِّ عَرشِ الرَّحمن، فقالَ في الحديثِ المتَّفَقِ على صحَّتِه: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» (متفق عليه). أتَدرونَ لماذا خُصَّ الشَّابُّ بهذا الفَضلِ العَظيم؟ لأنَّ الشَّبابَ مَرحَلَةُ فَورانِ الدَّمِ وقُوَّةِ الاندِفاع، فَمَن كَبَحَ جِماحَ هَواهُ في هذا السِّنِّ، وضَحَّى بطَيشِ الغَفلَةِ لأجلِ طاعةِ الله، كانَ عِندَ اللهِ بمَكانٍ عَليّ. يَقولُ ربُّنا عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [سورة النازعات: 40-41]. واعلَموا يا شَبابَ الإسلامِ أنَّ سُنَّةَ التَّعويضِ الإلهيِّ التي جَرَت لِجَعفَرٍ رضيَ اللهُ عنه هي سُنَّةٌ جاريةٌ لكلِّ واحدٍ مِنكُم إلى يومِ القيامة. ما مِن شَيءٍ تُضَحِّي بهِ لأجلِ اللهِ إلَّا عَوَّضَكَ اللهُ خَيرًا مِنهُ وأغلَى! اسمعوا إلى هذا الوَعدِ النَّبويِّ الصَّادقِ المَصدوق: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» (رواه أحمد بإسناد صحيح). ضَحَّى جَعفَرُ بيَدَينِ من طِين، فأبدَلَهُ اللهُ جَناحَينِ من نُورٍ في الفِردَوس! وأنتَ حينَ تُضَحِّي بسَهرَةٍ مُحَرَّمة، أو صُحبَةٍ فاسِدة، أو نَظرَةٍ آثِمة، يُبدِلُكَ اللهُ انشِراحًا في صَدرِك، ونُورًا في وَجهِك، وبَرَكَةً في رِزقِكَ وعِلمِك، وحَياةً طَيِّبَةً لا يَذوقُها أهلُ الغَفلة، تصديقًا لِقَولِ المَولى تباركَ وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل: 97]. إنَّ الرَّايَةَ التي احتَضَنَها جَعفَرُ بعَضُدَيهِ لم تَسقُط في مُؤتَة، فلا تَدَعوها تَسقُطُ اليومَ في بُيوتِكُم وحَياتِكُم! يا مَن تَسمَعُني الآنَ وفِي صَدرِكَ قَلبٌ يَنبِضُ بالفُتُوَّة: إنَّ الأمَّةَ لا تَنهَضُ بأكتافِ الكُسالى، وإنَّ الفُرصَةَ ما زالَت بينَ يَدَيكَ لتَكونَ رَجلًا يَعتَزُّ بهِ الإسلام. عَاهِدِ اللهَ في هذهِ السَّاعةِ المُبارَكة، وقَبلَ أن تَخرُجَ من بابِ هذا المَسجِد، أن تَدفِنَ كُلَّ عادةٍ تُوهِنُ عَزيمَتَك، وأن تَكونَ خادِمًا لدِينِكَ بعِلمِكَ وعَمَلِكَ وخُلُقِك. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائرِ المُسلمينَ من كلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ شَبابَ الإيمانِ عِمادَ النَّهضَةِ وحُماةَ الشَّريعة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ شَهادةً تَرفَعُنا إلى المَنازِلِ الرَّفيعة، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحابَتِهِ ذَوي الهِمَمِ البَديعة. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله: وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى أمامَ لَوحةٍ خالِدةٍ من تَضحياتِ الشَّابِّ الصَّحابيِّ جَعفَرِ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه في مَعرَكَةِ مُؤتَة، وكَيفَ احتَضَنَ رايةَ الدِّينِ بعَضُدَيهِ حتَّى أبدَلَهُ اللهُ جَناحَينِ في الجَنَّة، وعَرَفنا أنَّ مَيدانَ التَّضحيةِ الحَقيقيَّ يَبدأُ من مُجاهَدَةِ النَّفسِ والهَوى في تَفاصيلِ حَياتِنا اليَوميَّة. والآنَ يَبقَى السُّؤالُ العَمَليُّ الذي نَخرُجُ بهِ من جُمعَتِنا: كَيفَ نُتَرجِمُ سِيرةَ جَعفَرٍ إلى خُطواتٍ حيَّةٍ في واقِعِنا؟ يَقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة: 119]. ويُحَذِّرُنا نبيُّنا ﷺ من تَضييعِ سَنَواتِ الفُتُوَّةِ فيَقولُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» (رواه الحاكم وصححه). ولِذلكَ كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَبكونَ على السَّاعاتِ التي تَمضي دُونَ بَذلٍ للدِّين؛ حتَّى قالَ الصَّحابيُّ الجَليلُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: "ما نَدِمتُ على شَيءٍ نَدَمي على يَومٍ غَرَبَت شَمسُهُ، نَقَصَ فيهِ أجَلي، ولم يَزدَدْ فيهِ عَمَلي". وقَبلَ أن تُغادِروا مَسجِدَكُم، أوصيكُم يا شَبابَ الإسلامِ بخَمسِ وَصايا عَمَليَّةٍ تَرفَعونَ بها رايةَ دِينِكُم: الأولى: جَدِّدْ نِيَّتَكَ في صَدرِكَ منذُ هذهِ اللَّحظةِ أنَّكَ لا تَعيشُ لِنَفسِكَ وَحدَها، بل تَحيا لِنُصرَةِ دينِ الله؛ فالطَّالِبُ في دِراسَتِه، والمهندِسُ في مَوقِعِه، والعامِلُ في مَصنَعِه، إذا استَحضَرَ نِيَّةَ إغناءِ المُسلمينَ وتَقويةِ أُمَّتِهِ، كُتِبَت سَاعاتُ عَمَلِهِ كُلُّها جِهادًا وتَضحيةً في سَبيلِ الله. الثانية: اجعَلْ لِسانَكَ وحِساباتِكَ في مَواقعِ التَّواصُلِ مَنابِرَ تَذودُ عنِ السُّنَّةِ وتَنشُرُ الفَضيلة؛ فالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ سَهمٌ من سِهامِ الحَقِّ، فامتَنِعِ اليَومَ عن نَشرِ أيِّ مَقطعٍ فيهِ مَعصية، وابدأْ بمُشارَكَةِ آيةٍ أو حَديثٍ يَهدي اللهُ بهِ قَلبًا غافلًا. الثالثة: ضَحِّ بنَومِكَ وراحَتِكَ من أجلِ صَلاةِ الفَجرِ في جَماعة؛ فإنَّ أثقَلَ الصَّلاةِ على المُنافقينَ الفَجرُ والعِشاء، فاضبِطْ مُنَبِّهَكَ اللَّيلةَ قَبلَ أن تَنام، وضَعْ هاتِفَكَ بَعيدًا عن فِراشِكَ لتُجبِرَ نَفسَكَ على القِيام، فإنَّ مَن هَزَمَ فِراشَهُ عِندَ الفَجرِ هَزَمَ هَواهُ سائرَ النَّهار. الرابعة: كُنْ خادِمًا لِوالِدَيكَ راحِمًا لِلفُقَراءِ والمَساكين؛ فقد كانَ جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه يُلَقَّبُ بـ "أبي المَساكين"، حتَّى قالَ أبو هُرَيرةَ رضيَ اللهُ عنهُ كما في صَحيحِ البخاري: «كَانَ خَيْرَ النَّاسِ لِلْمَسَاكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» (رواه البخاري)، فابحَثِ اليَومَ عن مُحتاجٍ تَقضي حاجَتَهُ، أو والِدٍ تُقبِّلُ يَدَهُ وتَكفيهِ مَؤونَتَه. الخامسة: اقطَعْ من يَومِكَ هذا شَهوَةً واحِدَةً تَعلَمُ أنَّها تَسرِقُ مِنكَ قَلبَكَ وتُضعِفُ هِمَّتَك؛ سَواءٌ كانَت صُحبَةَ سُوءٍ تُثَبِّطُك، أو تَطبيقًا إلكترونيًّا يَستَنزِفُ عُمرَك، واحتَسِبْ تَركَها للهِ لِيُبدِلَكَ اللهُ بها جَناحَينِ منَ الهِمَّةِ والنُّورِ تَطيرُ بهما إلى مَراضيه. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوى اللهِ هيَ الحِصنُ المَنيعُ، ومِفتاحُ الفَرَجِ والتَّمكين، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق: 2-3]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليهِ في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد، وبارِك على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد. اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قُلوبَنا على دِينِك، ويا مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعَتِك. اللَّهُمَّ أصلِحْ شَبابَ المُسلمين، واجعَلهُم هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ املأْ قُلوبَ شَبابِنا بالإيمانِ واليَقين، وحَبِّبْ إلَيهِمُ الطَّاعةَ والعِفَّةَ والاستِقامة، وكَرِّهْ إلَيهِمُ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، واجعَلهُم يا ربَّنا منَ الرَّاشِدين. اللَّهُمَّ كما أبدَلتَ جَعفَرَ بنَ أبي طالبٍ جَناحَينِ يَطيرُ بهما في الجَنَّة، فأبدِلْ شَبابَنا بكُلِّ شَهوَةٍ يَترُكونَها لأجلِكَ نُورًا في بَصائرِهِم، وقُوَّةً في عَزائِمِهِم، ورِفعَةً في الدُّنيا والآخِرَة. اللَّهُمَّ استَعمِلنا ولا تَستَبدِلنا، واجعَلنا ممَّن يَحمِلُ رايةَ دِينِكَ بحَقٍّ وصِدقٍ وإخلاصٍ حتَّى نَلقاكَ وأنتَ راضٍ عنَّا. اللَّهُمَّ ارحَمْ ضَعفَنا، واجبُرْ كَسرَنا، واغفِرْ لِآبائِنا وأُمَّهاتِنا، وأحيائِنا وأمواتِنا، واجمَعنا بالنَّبيِّ ﷺ وأصحابِهِ في الفِردَوسِ الأعلى بلا سابِقَةِ عَذابٍ ولا مُناقَشَةِ حِساب. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: 201]. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.