خُلُقُ الإِيثَارِ فِي الإِسلَامِ وَرَوَائِعُ البَذلِ عِندَ السَّلَفِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَنزِلَةِ الإِيثَارِ وَصُوَرٍ مُشرِقَةٍ مِن إِيثَارِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ
الحَمدُ للهِ الجَوَادِ الكَرِيم، البَرِّ الرَّحِيم، الَّذِي طَهَّرَ قُلُوبَ أَولِيَائِهِ مِن دَاءِ الشُّحِّ وَالأَثَرَة، وَأَلقَى فِيهَا نُورَ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ وَالسَّمَاحَةِ وَالمَرحَمَة، فَجَعَلَهُم كَالجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى مَا هَدَانَا إِلَيهِ مِن مَكَارِمِ الأَخلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَم، وَأَشكُرُهُ عَلَى سَوَابِغِ الآلَاءِ وَجَزِيلِ النِّعَم، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الَّذِي وَعَدَ المُنفِقِينَ المُؤثِرِينَ بِالخَلَفِ العَاجِلِ وَالفَلَاحِ الآجِل، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَجوَدُ النَّاسِ كَفًّا، وَأَندَاهُم يَدًا، وَأَزكَاهُم نَفسًا، الَّذِي رَبَّى أَصحَابَهُ عَلَى البَذلِ وَالعَطَاءِ حَتَّى ضَرَبُوا فِي الإِيثَارِ أَمثِلَةً حَارَت فِي عَظَمَتِهَا العُقُول، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ المَهَاجِرِينَ وَالأَنصَار، الَّذِينَ خَلَّدَ اللهُ ثَنَاءَهُم فِي مُحكَمِ القُرآنِ إِلَى يَومِ القَرَار، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ أَصلُ كُلِّ خَيرٍ وَفَضِيلَة، وَمَنبَعُ كُلِّ خُلُقٍ كَرِيمٍ وَسَجِيَّةٍ نَبِيلَة، وَبِهَا تَتَآلَفُ القُلُوبُ وَتَزكُو النُّفُوس، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].
أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ الإِسلَامَ العَظِيمَ لَم يَأتِ لِيُصلِحَ ظَوَاهِرَ النَّاسِ فَحَسب، بَل جَاءَ لِيَقتَلِعَ مِن جُذُورِ النَّفسِ البَشَرِيَّةِ أَخطَرَ دَاءٍ يُفَرِّقُ الجَمَاعَات، وَيُفسِدُ الأُسَر، وَيُشعِلُ العَدَاوَات؛ أَلَا وَهُوَ دَاءُ «الأَنَانِيَّةِ وَالشُّحِّ وَالأَثَرَةِ»، وَأَن يَعيشَ المَرءُ لِنَفسِهِ وَحدَهَا لَا يُبَالِي بِجُوعِ جَارِه، وَلَا بِحَاجَةِ أَخِيه، وَلَا بِأَنِينِ المَكرُوبِينَ مِن حَولِه!
وَفِي مُقَابِلِ هَذَا الدَّاءِ العُضَال، رَفَعَ الإِسلَامُ رايَةَ خُلُقٍ رَبَّانِيٍّ عَظِيم، هُوَ ذُروَةُ سَنَامِ الكَرَم، وَقِمَّةُ هَرَمِ الجُود، وَأَصفَى بُرهَانٍ عَلَى صِدقِ الإِيمَانِ وَالأُخُوَّة؛ إِنَّهُ خُلُقُ «الإِيثَارِ»!
وَمَا الإِيثَارُ يَا عِبَادَ الله؟
قَالَ عُلَمَاءُ السُّلُوكِ وَالتَّزكِيَة: إِنَّ البَذلَ وَالعَطَاءَ ثَلَاثُ دَرَجَات: الدَّرَجَةُ الأُولَى هِيَ «السَّخَاءُ»، وَهُوَ أَن تُعطِيَ أَخَاكَ مِن فَضلِ مَالِكَ مَا لَا يَضُرُّكَ وَلَا يَنقُصُ مِن حَاجَتِك؛ وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ «الجُودُ»، وَهُوَ أَن تَبذُلَ الكَثِيرَ مِن مَالِكَ مَعَ إِبقَاءِ القَلِيلِ لِنَفسِك؛ وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ العُليَا الَّتِي لَا يَرقَى إِلَيهَا إِلَّا أَهلُ الهِمَمِ الكِبَارِ وَالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ فَهِيَ «الإِيثَارُ»، وَحَقِيقَتُهُ: أَن تُقَدِّمَ أَخَاكَ المُسلِمَ عَلَى نَفسِكَ فِي حُظُوظِ الدُّنيَا وَمَنَافِعِهَا مَعَ شِدَّةِ حَاجَتِكَ إِلَيهَا، طَمعًا فِي ثَوَابِ اللهِ وَرِضوَانِه!
فَالمُؤثِرُ يَجُوعُ لِيَشبَعَ أَخُوه، وَيَظمَأُ لِيَرتَوِيَ أَخُوه، وَيَتعَبُ لِيَستَرِيحَ أَخُوه، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَجِدُ فِي قَلبِهِ مِن حَلَاوَةِ الإِيمَانِ وَانشِرَاحِ الصَّدرِ أَضعَافَ مَا فَوَّتَهُ عَلَى بَدَنِهِ مِن مُتعَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب!
وَلِذَلِكَ خَلَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الخُلُقَ العَظِيمَ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ وِسَامَ شَرَفٍ أَبَدِيًّا عَلَى صُدُورِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ مِنَ الأَنصَارِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩]، ثُمَّ جَاءَ التَّتوِيجُ الإِلَهِيُّ البَاهِرُ فِي خِتَامِ الآيَةِ نَفسِهَا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]!
تَأَمَّلُوا قَولَهُ تَعَالَى: «وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ»؛ وَالخَصَاصَةُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هِيَ شِدَّةُ الفَقرِ وَالحَاجَةِ وَالجُوع! فَإِذَا تَصَدَّقَ الغَنِيُّ المُوسِرُ مِن فَائِضِ أَموَالِهِ فَهَذَا خَيرٌ وَبرّ، وَلَكِنْ أَن يَقتَطِعَ الفَقِيرُ المُحتَاجُ اللُّقمَةَ مِن فَمِهِ وَمِن قُوتِ يَومِهِ لِيُطعِمَهَا أَخَاهُ الجَائِعَ أَو ضَيفَهُ الطَّارِق، فَتِلكَ هِيَ الذُّروَةُ الَّتِي شَهِدَ اللهُ لِأَهلِهَا بِالفَلَاحِ المُطلَق!
وَهُوَ نَفسُ المَقامِ الَّذِي مَدَحَ اللهُ بِهِ الأَبرَارَ فِي سُورَةِ الإِنسَانِ حَيثُ قَالَ سُبحَانَه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]؛ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُم: «عَلَى حُبِّهِ: أَي عَلَى شَهوَتِهِم لِلطَّعَامِ وَقِلَّتِهِ فِي أَيدِيهِم وَحَاجَتِهِم إِلَيه!».
عِبَادَ الله: لَقَد كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هُوَ القُدوَةَ الأَعظَمَ وَالمَثَلَ الأَعلَى فِي هَذَا الخُلُقِ النَّبِيل؛ فَمَا سُئِلَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن شَيءٍ مِن أَمرِ الدُّنيَا فَقَالَ «لَا» قَطّ، بَل كَانَ يُؤثِرُ أَصحَابَهُ وَفُقَرَاءَ المُسلِمِينَ عَلَى نَفسِهِ وَعَلَى أَهلِ بَيتِهِ حَتَّى يَمُرَّ الهِلَالُ ثُمَّ الهِلَالُ ثُمَّ الهِلَالُ ثَلَاثَةُ أَهِلَّةٍ فِي شَهرَينِ وَمَا أُوقِدَت فِي أَبيَاتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَار!
أَخرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ امرَأَةً جَاءَت إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِبُردَةٍ مَنسُوجَةٍ فَقَالَت: يَا رَسُولَ الله، نَسَجتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكسُوكَهَا! قَالَ سَهلٌ: «فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُحتَاجًا إِلَيهَا»! دَقِّقُوا فِي هَذِهِ الكَلِمَة: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ إِلَى ثَوبٍ جَدِيدٍ يَلبَسُه، فَخَرَجَ إِلَى أَصحَابِهِ وَإِنَّهَا لَإِزَارُه، فَرَآهَا رَجُلٌ مِنَ القَومِ فَجَسَّهَا بِيَدِهِ وَقَال: يَا رَسُولَ الله، مَا أَحسَنَ هَذِهِ البُردَة! اكسُنِيهَا! فَمَاذَا قَالَ سَيِّدُ المُؤثِرِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم؟ قَالَ فَوْرًا بِطِيبِ نَفسٍ: «نَعَم»! فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي المَجلِسِ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيتِهِ فَطَوَاهَا وَأَرسَلَ بِهَا إِلَى ذَلِكَ الرَّجُل! فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ مُعَاتِبِين: مَا أَحسَنتَ! لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُحتَاجًا إِلَيهَا، ثُمَّ سَأَلتَهُ إِيَّاهَا وَقَد عَلِمتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا! فَقَالَ الرَّجُل: إِنِّي وَاللهِ مَا سَأَلتُهُ لِأَلبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي يَومَ أَمُوت! قَالَ سَهلٌ: «فَكَانَت كَفَنَهُ»!
وَمِن هَذَا المَعِينِ النَّبَوِيِّ الصَّافِي ارتَوَى أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا وَنِسَاءً، فَسَطَّرُوا فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ لَوحَاتٍ مِنَ الإِيثَارِ يَقِفُ أَمَامَهَا العَقلُ مَشدُوهًا مَبهُورًا؛ فَتَعَالَوا نَتَفَيَّأْ ظِلَالَ أَربَعِ صُوَرٍ مُشرِقَةٍ مِن إِيثَارِ أُولَئِكَ الأَبرَار:
الصُّورَةُ الأُولَى: قِصَّةُ السِّرَاجِ المُنطَفِئِ فِي بَيتِ أَبِي طَلحَةَ الأَنصَارِيِّ وَأُمِّ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا!
وَهِيَ القِصَّةُ العَظِيمَةُ الَّتِي أَخرَجَهَا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، أَصَابَنِي الجَهدُ -أَيِ الجُوعُ الشَّدِيدُ-! فَأَرسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَم يَجِد عِندَهُنَّ شَيئًا إِلَّا المَاء! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِأَصحَابِه: «مَن يُضَيِّفُ هَذَا اللَّيلَةَ رَحِمَهُ اللهُ؟». فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ -وَهُوَ أَبُو طَلحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنه- فَقَال: أَنَا يَا رَسُولَ الله!
فَانطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحلِه، وَقَالَ لِامرَأَتِهِ أُمِّ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: أَكرِمِي ضَيفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، هَل عِندَكِ شَيء؟ فَقَالَت: لَا وَاللهِ إِلَّا قُوتُ صِبيَانِي!
تَأَمَّلُوا المَوقِفَ يَا عِبَادَ الله: طَعَامٌ قَلِيلٌ لَا يَكفِي إِلَّا الصِّغَار؛ فَإِن أَكَلَهُ الضَّيفُ بَاتَ صَاحِبُ البَيتِ وَزَوجَتُهُ وَأَطفَالُهُ جِيَاعًا، وَإِن أَكَلَ مَعَهُ أَبُو طَلحَةَ وَأَهلُهُ لَم يَشبَعِ الضَّيف! فَمَاذَا صَنَعَ هَذَا البَيتُ النَّبَوِيُّ الكَرِيم؟
قَالَ أَبُو طَلحَةَ لِزَوجَتِه: «عَلِّلِيهِم بِشَيءٍ -أَي أَشغِلِي الصِّبيَةَ حَتَّى يَنَامُوا-، فَإِذَا دَخَلَ ضَيفُنَا فَأَطفِئِي السِّرَاجَ كَأَنَّكِ تُصلِحِينَهُ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأكُلُ مَعَهُ»!
فَنَوَّمَتِ الأُمُّ الصَّابِرَةُ أَطفَالَهَا، وَقَدَّمَتِ الطَّعَامَ لِلضَّيف، ثُمَّ قَامَت إِلَى السِّرَاجِ كَأَنَّهَا تُصلِحُ فَتِيلَتَهُ فَأَطفَأَتهُ؛ حَتَّى لَا يَرَى الضَّيفُ قِلَّةَ الطَّعَامِ وَأَنَّ أَهلَ البَيتِ لَا يَأكُلُونَ فَيَستَحيِيَ وَيَرفَعَ يَدَه! وَقَعَدَ أَبُو طَلحَةَ وَأُمُّ سُلَيمٍ فِي الظَّلَامِ يُحَرِّكَانِ أَفوَاهَهُمَا وَأَيدِيَهُمَا فِي القَصعَةِ الفَارِغَةِ لِيَظُنَّ الضَّيفُ أَنَّهُمَا يَأكُلَانِ مَعَه، حَتَّى شَبِعَ الضَّيفُ وَبَاتَ أَبُو طَلحَةَ وَزَوجَتُهُ طَاوِيَينِ جَائِعَين!
فَلَمَّا أَصبَحَ أَبُو طَلحَةَ وَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، نَظَرَ إِلَيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُبتَسِمًا قَبلَ أَن يَتَكَلَّمَ أَبُو طَلحَةَ بِحَرفٍ وَاحِد، وَقَالَ لَه: «قَد عَجِبَ اللهُ اللَّيلَةَ -أَو ضَحِكَ اللهُ- مِن صَنِيعِكُمَا بِضَيفِكُمَا»! وَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى قُرآنًا يُتلَى إِلَى قِيَامِ السَّاعَة: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]!
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مُبَارَاةُ الكَرَمِ وَالعِفَّةِ بَينَ سَعدِ بنِ الرَّبِيعِ الأَنصَارِيِّ وَعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ القُرَشِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا!
حِينَ قَدِمَ المَهَاجِرُونَ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وَقَد تَرَكُوا دِيَارَهُم وَأَموَالَهُم وَتِجَارَتَهُم فِي مَكَّةَ نُصرَةً للهِ وَرَسُولِه، آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ المَهَاجِرِينَ وَالأَنصَار؛ فَجَاءَ الأَنصَارُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنه- فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، اقسِم بَينَنَا وَبَينَ إِخوَانِنَا النَّخل! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «لَا»، فَقَالَ الأَنصَارُ لِلمَهَاجِرِين: تَكفُونَنَا المَؤُونَةَ وَنُشرِكُكُم فِي الثَّمَرَة! قَالُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ آخَى بَينَ سَعدِ بنِ الرَّبِيعِ الأَنصَارِيِّ وَعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ المَهَاجِرِيّ؛ فَقَالَ سَعدٌ لِأَخِيهِ عَبدِ الرَّحمَن: «يَا أَخِي، إِنِّي أَكثَرُ الأَنصَارِ مَالًا، فَأَقسِمُ مَالِي نِصفَينِ، فَخُذ شَطرَ مَالِي!»
فَمَاذَا كَانَ جَوَابُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوف؟ هَل طَمِعَ فِي مَالِ أَخِيهِ وَاستَغلَّ كَرَمَه؟ كَلَّا وَالله! بَل قَابَلَ الإِيثَارَ بِالإِيثَارِ وَالعِفَّة، فَقَالَ كَلِمَتَهُ المَشهُورَة: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ»! فَذَهَبَ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى حَتَّى أَصبَحَ مِن أَغْنَى الصَّحَابَةِ وَأَكثَرِهِم إِنفَاقًا فِي سَبِيلِ الله! هَكَذَا يَكُونُ المُجتَمَعُ الإِيمَانِيُّ يَا عِبَادَ الله: غَنِيٌّ يَعْرِضُ شَطرَ مَالِهِ إِيثَارًا وَحُبًّا، وَفَقِيرٌ يَدعُو لِأَخِيهِ بِالبَرَكَةِ وَيَطلُبُ طَرِيقَ الكَسبِ الحَلَالِ عِفَّةً وَاستِغنَاءً!
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: إِيثَارٌ عِندَ غَرغَرَةِ الرُّوحِ وَخُرُوجِ النَّفَسِ الأَخِيرِ فِي مَعرَكَةِ اليَرمُوك!
إِذَا كَانَ الإِيثَارُ بِالمَالِ وَالطَّعَامِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ عَظِيمًا، فَكَيَفَ بِالإِيثَارِ بِشَربَةِ المَاءِ وَالإِنسَانُ يَنزِفُ دَمَهُ وَيَعَالِجُ سَكَرَاتِ المَوتِ وَالعَطَشُ يُقَطِّعُ أَحشَاءَه؟!
رَوَى الإِمَامُ ابنُ المُبَارَكِ فِي «الزُّهدِ» وَالحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» وَالبَيهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ» عَن حُذَيفَةَ العَدَوِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: انطَلَقتُ يَومَ اليَرمُوكِ أَطلُبُ ابنَ عَمٍّ لِي فِي الجَرحَى، وَمَعِي شَنَّةٌ فِيهَا شَيءٌ مِن مَاء، وَقُلتُ: إِن كَانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيتُهُ مِنَ المَاء! فَإِذَا أَنَا بِهِ بَينَ القَتلَى وَالجَرحَى يَجُودُ بِنَفسِه، فَقُلتُ لَه: أَسقِيكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأسِهِ أَن نَعَم؛ فَبَينَمَا أَنَا أُدنِي المَاءَ مِن فَمِهِ إِذ سَمِعَ رَجُلًا جَرِيحًا بِجِوَارِهِ يَقُول: «آه، آه» مِن شِدَّةِ العَطَش! فَأَشَارَ إِلَيَّ ابنُ عَمِّي أَنِ انطَلِق بِالمَاءِ إِلَيه!
قَالَ حُذَيفَةُ: فَجِئتُهُ فَإِذَا هُوَ هِشَامُ بنُ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنه، فَقُلتُ لَه: أَسقِيكَ؟ فَأَشَارَ أَن نَعَم، فَسَمِعَ هِشَامٌ جَرِيحًا ثَالِثًا يَتَأَوَّهُ مِنَ العَطَش، فَأَشَارَ هِشَامٌ أَنِ انطَلِق بِالمَاءِ إِلَيه!
قَالَ حُذَيفَةُ: فَجِئتُ إِلَى الثَّالِثِ فَوَجَدتُهُ قَد مَات! فَرَجَعتُ مُسرِعًا إِلَى هِشَامِ بنِ العَاصِ فَوَجَدتُهُ قَد مَات! فَرَجَعتُ إِلَى ابنِ عَمِّي فَوَجَدتُهُ قَد مَات!
يَا للهِ العَظِيم! ثَلَاثَةُ شُهَدَاءَ أَبرَار، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم يَدفَعُ شَربَةَ المَاءِ الَّتِي فِيهَا حَيَاتُهُ إِلَى أَخِيهِ حَتَّى لَقُوا اللهَ جَمِيعًا ظِمَاءً مُؤثِرِينَ، فَسَقَاهُمُ اللهُ مِن رَحِيقِ الجَنَّةِ شَربَةً لَا يَظمَؤُونَ بَعدَهَا أَبَدًا!
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: إِيثَارُ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا لِلفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنه!
وَمِن أَبدَعِ صُوَرِ الإِيثَارِ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ فِي قِصَّةِ مَقتَلِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنه؛ فَحِينَ طُعِنَ الفَارُوقُ وَأَيقَنَ بِالمَوت، كَانَت أَعظَمُ أُمنِيَّةٍ فِي قَلبِهِ أَن يُدفَنَ بِجِوَارِ حَبِيبِهِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ فِي حُجرَةِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَلَم يَكُن قَد بَقِيَ فِي الحُجرَةِ الشَّرِيفَةِ إِلَّا مَوضِعُ قَبرٍ وَاحِدٍ فَقَط!
فَقَالَ عُمَرُ لِابنِهِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «اذهَب إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ فَقُل: يَقرَأُ عُمَرُ عَلَيكِ السَّلَامَ -وَلَا تَقُل أَمِيرُ المُؤمِنِينَ فَإِنِّي لَستُ اليَومَ لِلمُؤمِنِينَ أَمِيرًا-، وَقُل: يَستَأذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَن يُدفَنَ مَعَ صَاحِبَيهِ»!
فَمَضَى ابنُ عُمَرَ فَاستَأذَنَ فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبكِي عَلَى مُصَابِ المُسلِمِينَ فِي عُمَر، فَقَالَ لَهَا مَقَالَةَ أَبِيه؛ فَمَاذَا قَالَتِ الصِّدِّيقَةُ بِنتُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؟ قَالَت كَلِمَةً تُكتَبُ بِمَاءِ العُيُون: «كُنتُ أُرِيدُهُ لِنَفسِي، وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ اليَومَ عَلَى نَفسِي»!
اللهُ أَكبَر! كَانَت تَدَّخِرُ ذَلِكَ المَوضِعَ الشَّرِيفَ بَينَ زَوجِهَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَبِيهَا الصِّدِّيقِ لِتُدفَنَ فِيهِ هِي، فَلَمَّا استَأذَنَهَا عُمَرُ آثَرَتهُ بِأَغلَى بُقعَةٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ عَلَى نَفسِهَا! وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ حِينَ قَال:
يَجُودُ بِالنَّفسِ إِن ضَنَّ الجَوَادُ بِهَا ... وَالجُودُ بِالنَّفسِ أَقصَى غَايَةِ الجُودِ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدَ الشَّاكِرِين، وَأَثنِي عَلَيهِ ثَنَاءَ الذَّاكِرِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ إِمَامُ المُتَّقِينَ وَقُدوَةُ المُؤثِرِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: إِنَّ ثَمَّةَ قَاعِدَةً فِقهِيَّةً ذَهَبِيَّةً قَرَّرَهَا عُلَمَاءُ الإِسلَامِ يَنبَغِي لِكُلِّ مُسلِمٍ أَن يَفَقَهَهَا فِي بَابِ الإِيثَار؛ وَهِيَ قولُهُم: «الإِيثَارُ فِي حُظُوظِ الدُّنيَا مَمدُوح، وَالإِيثَارُ فِي القُرَبِ وَالطَّاعَاتِ مَكرُوهٌ أَو مَمنُوع»!
مَا مَعنَى هَذِهِ القَاعِدَةِ النَّفِيسَة؟ مَعنَاهَا أَنَّ المَطلُوبَ مِنكَ أَن تُؤثِرَ أَخَاكَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالمَالِ وَالمَسكَنِ وَالمَركَبِ وَالرَّاحَةِ وَسَائِرِ حُظُوظِ النَّفسِ الدُّنيَوِيَّة؛ أَمَّا فِي أَعمَالِ الآخِرَةِ وَالفَرَائِضِ وَالطَّاعَاتِ -كَمَكَانِكَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ فِي الصَّلَاة، أَوِ الأَذَان، أَوِ المُسَابَقَةِ إِلَى المَغفِرَةِ وَالجَنَّة- فَلَا يُشرَعُ لَكَ أَن تَتَأَخَّرَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ وَتَقُولَ لِغَيرِك: «تَفَضَّل مَكَانِي إِيثَارًا لَك»! لِأَنَّ مَيدَانَ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ مَيدَانُ تَنَافُسٍ وَمُسَابَقَة، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وَقَالَ سُبحَانَه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]!
فَكَانَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم يَتَسَابَقُونَ إِلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ وَإِلَى أَبوَابِ الجَنَّةِ لَا يُؤثِرُونَ بِهَا أَحَدًا، فَإِذَا جَاءَ وَقتُ الدُّنيَا وَالمَالِ وَالطَّعَامِ وَالرَّاحَةِ آثَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم أَخَاهُ عَلَى نَفسِه؛ أَمَّا حِينَ تَنعَكِسُ المَوَازِينُ عِندَ الغَافِلِينَ فَيَتَزَاحَمُونَ وَيَتَقَاتَلُونَ عَلَى الدُّنيَا، وَيَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ وَالطَّاعَاتِ يَدفَعُ بَعضُهُم بَعضًا إِلَيهَا زُهدًا فِي الأَجر، فَتِلكَ هِيَ الخَسَارَةُ وَالغَفلَة!
عِبَادَ الله: مَا أَحوَجَنَا اليَومَ -فِي عَصرٍ طَغَت فِيهِ المَادِّيَّةُ وَالأَنَانِيَّةُ وَحُبُّ الذَّاتِ- إِلَى إِحيَاءِ خُلُقِ الإِيثَارِ فِي وَاقِعِ حَيَاتِنَا اليَومِيَّة!
إِنَّ الإِيثَارَ لَا يَعنِي فَقَط أَن تَتَنَازَلَ عَن ثَروَةٍ طَائِلَة؛ بَلِ الإِيثَارُ يَبدَأُ مِن دَاخِلِ بَيتِك: حِينَ يُؤثِرُ الوَلَدُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ بِأَطيَبِ المَجَالِسِ وَأَحسَنِ الطَّعَامِ وَأَوفَرِ الرَّاحَة، وَحِينَ يُؤثِرُ الزَّوجُ زَوجَتَهُ وَتُؤثِرُ الزَّوجَةُ زَوجَهَا بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالتَّغَاضِي وَالتَّسَامُح، وَحِينَ يَتَسَامَحُ الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ فِيمَا بَينَهُم فِي المِيرَاثِ وَالحُقُوقِ بَدَلًا مِنَ التَّقَاطُعِ وَالمَحَاكِمِ مِن أَجلِ أَمتَارٍ مِنَ التُّرَاب!
وَيتَجَلَّى الإِيثَارُ فِي أَزمِنَةِ الغَلَاءِ وَالشَّدَائِد: حِينَ يُؤثِرُ التَّاجِرُ وَصَاحِبُ العَقَارِ وَالمُوسِرُ مَصلَحَةَ إِخوَانِهِ الفُقَرَاءِ وَالمُعسِرِينَ فَيَخفِضُ لَهُمُ السِّعر، وَيُنظِرُ المُعسِر، وَيَتَفَقَّدُ بُيُوتَ الأَيتَامِ وَالأَرَامِلِ وَالمُتَعَفِّفِين، كَمَا وَجَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي أَخرَجَهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنه: «مَن كَانَ مَعَهُ فَضلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ، وَمَن كَانَ لَهُ فَضلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لَا زَادَ لَهُ».
وَيتَجَلَّى الإِيثَارُ حَتَّى فِي الطَّرِيقِ العَامِّ وَأَمَاكِنِ الِانتِظَارِ وَالمَسَاجِد: حِينَ تُفسِحُ لِأَخِيكَ فِي المَجلِس، أَو تُؤثِرُ كَبِيرَ السِّنِّ وَالمَرِيضَ بِدَورِكَ أَو مَقعَدِك، أَو تَسمَحُ لِسَيَّارَةِ أَخِيكَ بِالمُرُورِ قَبلَكَ بِابتِسَامَةٍ وَسَمَاحَةِ نَفس!
فَطَهِّرُوا قُلُوبَكُم يَا عِبَادَ اللهِ مِنَ الشُّحِّ وَالأَنَانِيَّة، وَتَراحَمُوا وَتَآثَرُوا فِيمَا بَينَكُم؛ فَإِنَّ مَن وُقِيَ شُحَّ نَفسِهِ فَقَد فَازَ بِفَلَاحِ الدُّنيَا وَالآخِرَة!
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ الكُرَمَاءِ وَسَيِّدِ الأَصفِيَاء، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّين؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ مِنَ المَهَاجِرِينَ وَالأَنصَار، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفوِكَ وَجُودِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ قِنَا شُحَّ أَنفُسِنَا، وَاجعَلنَا مِنَ المُفلِحِين! اللَّهُمَّ طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الأَثَرَةِ وَالأَنَانِيَّةِ وَالبُخلِ وَالحَسَد، وَاملَأ صُدُورَنَا بِالإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالجُودِ وَالإِيثَار! اللَّهُمَّ أَلِّف بَينَ قُلُوبِ المُسلِمِين، وَأَصلِح ذَاتَ بَينِهِم، وَاهدِهِم سُبُلَ السَّلَام، وَأَغْنِ فُقَرَاءَهُم، وَاقضِ دُيُونَ مَدِينِيهِم، وَفَرِّج كُرُوبَ مَكرُوبِيهِم يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَام! اللَّهُمَّ اهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنت، وَاصرِف عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنت، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ وَغَلَاءٍ وَوَبَاءٍ يَا رَبَّ العَالَمِين.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
خُلُقُ الإِيثَارِ فِي الإِسلَامِ وَرَوَائِعُ البَذلِ عِندَ السَّلَفِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَنزِلَةِ الإِيثَارِ وَصُوَرٍ مُشرِقَةٍ مِن إِيثَارِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.