من مكتبة مِداد الخطيب

خُطُورَةُ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَعِظَمُ جُرمِهِمَا فِي الإِسلَامِ

مشاركة
خُطُورَةُ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَعِظَمُ جُرمِهِمَا فِي الإِسلَامِ: مَوعِظَةٌ بَلِيغَةٌ طَوِيلَةٌ فِي تَحرِيمِ أَكلِ لُحُومِ النَّاسِ وَإِفسَادِ ذَاتِ البَينِ مَعَ جَوَامِعِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ وَآثَارِ السَّلَفِ وَالأَشعَارِ الحَمدُ للهِ الَّذِي صَانَ بِشَرِيعَتِهِ الغَرَّاءِ دِمَاءَ المُؤمِنِينَ وَأَموَالَهُم وَأَعرَاضَهُم، وَجَعَلَ حُرمَةَ عِرضِ المُسلِمِ عِندَهُ أَعظَمَ مِن حُرمَةِ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ وَالبَلَدِ الحَرَامِ، خَلَقَ الإِنسَانَ وَعَلَّمَهُ البَيَانَ، وَجَعَلَ اللِّسَانَ تَرجُمَانَ الجَنَانِ وَمِيزَانَ الإِيمَانِ، وَأَحَاطَهُ بِرَقِيبٍ وَعَتِيدٍ يَكتُبَانِ مَا يَلفِظُ بِهِ مِنَ القَولِ فِي اليَقَظَةِ وَالأَحيَانِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَبِيرُ المُتَعَالِ، السَّمِيعُ البَصِيرُ الَّذِي يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَيَمقُتُ كُلَّ هَمَّازٍ لَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَفَرِّقٍ بَينَ الإِخوَانِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَطهَرُ الخَلقِ لِسَانًا، وَأَنقَاهُم جَنَانًا، وَأَشَدُّهُم غَيرَةً عَلَى أَعرَاضِ المُسلِمِينَ وَذَبًّا عَن حُرُمَاتِهِم، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ حَفِظُوا أَلسِنَتَهُم عَنِ الخَنَا وَالبُهتَانِ، وَشَغَلُوهَا بِذِكرِ الرَّحمَنِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ المَلَوَانِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ، وَيَا مَن تَرجُونَ النَّجَاةَ يَومَ العَرضِ عَلَى اللهِ: تَعَالَوا بِنَا فِي مُستَهَلِّ هَذِهِ المَوعِظَةِ الإِيمَانِيَّةِ نَدخُلْ بِقُلُوبِنَا وَأَرْوَاحِنَا إِلَى بَيتِ النُّبُوَّةِ الطَّاهِرِ، إِلَى حُجرَةِ الصِّدِّيقَةِ بِنتِ الصِّدِّيقِ، أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَعَن أَبِيهَا، أَحَبِّ النَّاسِ إِلَى قَلبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَأَفقَهِ نِسَاءِ الأُمَّةِ عَلَى الإِطلَاقِ؛ لِنَرَى مَشهَدًا تَرتَعِدُ مِنهُ الفَرَائِصُ، وَتَخشَعُ لَهُ القُلُوبُ، وَتَنقَلِبُ بِهِ مَوَازِينُ استِهَانَتِنَا بِالكَلِمَاتِ! فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَسُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: قُلتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «حَسبُكَ مِن صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا» — قَالَ بَعضُ الرُّوَاةِ: تَعنِي أَنَّهَا قَصِيرَةٌ — فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَقَد قُلتِ كَلِمَةً لَو مُزِجَت بِمَاءِ البَحرِ لَمَزَجَتهُ»! وَقَالَت رَضِيَ اللهُ عَنهَا: وَحَكَيتُ لَهُ إِنسَانًا، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيتُ إِنسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا»! اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! قِفُوا طَوِيلًا أَمَامَ هَذَا الزِّلزَالِ النَّبَوِيِّ الَّذِي هَزَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ضَمِيرَ الأُمَّةِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ! مَنِ القَائِلَةُ؟ إِنَّهَا عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ المُبَرَّأَةُ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ! وَمَنِ المَقولُ فِيهَا؟ إِنَّهَا ضَرَّتُهَا أُمُّ المُؤمِنِينَ صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَقَد جُبِلَتِ النِّسَاءُ عَلَى الغَيرَةِ بَينَ الضَّرَائِرِ! وَأَينَ قِيلَتِ الكَلِمَةُ؟ لَم تُقَلْ عَلَى مِنبَرٍ، وَلَم تُنشَرْ فِي مَجلِسٍ عَامٍّ، وَلَم تُكتَبْ عَلَى مَلَإٍ مِنَ النَّاسِ، بَل قِيلَت فِي حُجرَةٍ مُغلَقَةٍ بَينَ زَوجَةٍ وَزَوجِهَا! وَمَا هِيَ الكَلِمَةُ؟ إِنَّهَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ أَو إِشَارَةٌ بِاليَدِ تَصِفُ صِفَةً خِلقِيَّةً مَوجُودَةً فِعلًا فِي صَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَهِيَ القِصَرُ؛ لَم تَتَّهِمْهَا فِي دِينِهَا، وَلَم تَطعَنْ فِي عِفَّتِهَا، وَلَم تَفْتَرِ عَلَيهَا كَذِبًا وَلَا بُهتَانًا! وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ، يَغضَبُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِحُرمَةِ العِرضِ، وَتَأخُذُهُ الغَيرَةُ لِحُدُودِ اللهِ، فَيَقُولُ لِأَحَبِّ الخَلقِ إِلَيهِ: «لَقَد قُلتِ كَلِمَةً لَو مُزِجَت بِمَاءِ البَحرِ لَمَزَجَتهُ»! وَقَالَ أَئِمَّةُ الشَّرحِ وَاللُّغَةِ وَالوَعظِ: مَعنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ مِنَ الغِيبَةِ قَد بَلَغَت مِنَ القُبحِ وَالنَّتَنِ وَالظُّلمَةِ وَالمَرَارَةِ عِندَ اللهِ مَبلَغًا لَو أَنَّهَا خُلِطَت بِمَاءِ البَحرِ المُحيطِ الزَّاخِرِ — عَلَى سَعَتِهِ وَعِظَمِهِ وَكَثرَةِ مِيَاهِهِ — لَغَلَبَت عَلَيهِ وَغَيَّرَت طَعمَهُ وَلَونَهُ وَرِيحَهُ وَأَنتَنَتهُ! فَيَا للهِ وَلِلمُسلِمِينَ! إِذَا كَانَت كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فِي وَصفِ قِصَرِ امْرَأَةٍ، قَالَتْهَا الصِّدِّيقَةُ فِي بَيتِهَا، لَو مُزِجَت بِمَاءِ البَحرِ لَأَنتَنَتهُ وَغَيَّرَتهُ؛ فَبِاللهِ عَلَيكُم: كَم مِنَ البِحَارِ وَالمُحِيطَاتِ تَنتِنُ اليَومَ وَتَسوَدُّ مِن مَجَالِسِنَا وَسَهَرَاتِنَا وَمُنتَدَيَاتِنَا وَمَوَاقِعِ تَوَاصُلِنَا الَّتِي تُقضَى فِيهَا السَّاعَاتُ الطِّوَالُ فِي تَمزِيقِ لُحُومِ العُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ، وَالحُكَّامِ وَالمَحكُومِينَ، وَالأَقَارِبِ وَالجِيرَانِ، وَالزُّمَلَاءِ وَالأَقرَانِ، بِالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالسُّخرِيَةِ وَالبُهتَانِ؟! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ الغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ قَرِينَتَانِ خَبِيثَتَانِ، وَكَبِيرَتَانِ مُهلِكَتَانِ مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَعَظَائِمِ الآثَامِ؛ أَمَّا الغِيبَةُ فَهِيَ مِعوَلُ هَدمِ الأَعرَاضِ وَأَكلُ لُحُومِ الأَمْوَاتِ، وَأَمَّا النَّمِيمَةُ فَهِيَ نَارُ إِفسَادِ ذَاتِ البَينِ وَقَطعُ أَوَاصِرِ الأُخُوَّةِ وَالمَوَدَّاتِ! وَلِفَظَاعَةِ هَذَينِ الجُرمَينِ، فَقَد تَكَاتَفَت آيَاتُ القُرآنِ العَظِيمِ عَلَى التَّنفِيرِ مِنهُمَا بِأَبلَغِ صُوَرِ التَّشْبِيهِ وَأَشَدِّ صِيَغِ الوَعِيدِ؛ فَتَأَمَّلُوا قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ — سُورَةِ الأَخلَاقِ وَالآدَابِ الإِيمَانِيَّةِ —: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. انظُرُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ إِلَى هَذَا التَّصوِيرِ القُرآنِيِّ المُرعِبِ الَّذِي يَقرَعُ الحِسَّ وَالوِجدَانَ: لَم يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: «لَا يَغتَبْ بَعضُكُم بَعضًا» فَحَسبُ، بَل صَوَّرَ المُغتَابَ فِي مَشهَدٍ تَشمَئِزُّ مِنهُ الفِطَرُ السَّلِيمَةُ، وَتَتَقَزَّزُ مِنهُ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ؛ صَوَّرَهُ بِرَجُلٍ أَكَبَّ عَلَى جَسَدِ إِنسَانٍ فَجَعَلَ يَنهَشُ لَحمَهُ بِأَنيَابِهِ وَأَضرَاسِهِ! ثُمَّ زَادَ الصُّورَةَ بَشَاعَةً فَقَالَ: إِنَّ هَذَا المَأكُولَ لَيسَ عَدُوًّا وَلَا أَجنَبِيًّا، بَل هُوَ «أَخُوكَ» فِي الدِّينِ وَالإِيمَانِ! ثُمَّ زَادَهَا فَظَاعَةً وَقُبحًا فَقَالَ: «مَيتًا»؛ أَي إِنَّكَ تَأكُلُ لَحمَ أَخِيكَ وَهُوَ جُثَّةٌ هَامِدَةٌ مَيتَةٌ لَا تَملِكُ الحَرَاكَ وَلَا تَستَطِيعُ الدِّفَاعَ عَن نَفسِهَا! فَكَأَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُولُ لِلمُغتَابِ: كَمَا أَنَّكَ تَكرَهُ بِطَبعِكَ وَفِطرَتِكَ أَن تَقطَعَ مِن جِيفَةِ أَخِيكَ المَيتِ قِطعَةً فَتَمضُغَهَا بِفَمِكَ، فَاكرَهْ بِعَقلِكَ وَإِيمَانِكَ وَشَرعِكَ أَن تُمَزِّقَ عِرضَهُ وَسُمعَتَهُ فِي غَيبَتِهِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنِ المَجلِسِ كَالمَيتِ العَاجِزِ عَنِ الدَّفعِ عَن نَفسِهِ! وَاسمَعُوا إِلَى الوَعِيدِ القُرآنِيِّ القَاصِمِ فِي مُفتَتَحِ سُورَةِ الهُمَزَةِ، حَيثُ يَقُولُ الجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. قَالَ حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم: «الهُمَزَةُ: هُوَ المُغتَابُ الَّذِي يَأكُلُ لُحُومَ النَّاسِ وَيَطعَنُ فِي أَعرَاضِهِم، وَاللُّمَزَةُ: هُوَ الطَّعَّانُ العَيَّابُ المَشَّاءُ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُ بَينَ الأَحبَّةِ»! وَتَوَعَّدَهُمُ اللهُ بِـ«الوَيلِ»، وَهُوَ الكَلِمَةُ الجَامِعَةُ لِكُلِّ هَلَاكٍ وَعَذَابٍ وَخِزيٍ، وَهُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَستَعِيذُ مِنهُ النَّارُ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ! وَفِي سُورَةِ القَلَمِ يَجمَعُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تِسعَ صِفَاتٍ مِن أَرذَلِ الصِّفَاتِ وَأَخبَثِهَا فِي صِنفٍ مِنَ النَّاسِ نَهَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن طَاعَتِهِم أَوِ الاغتِرَارِ بِهِم، وَجَعَلَ فِي قَلبِ تِلكَ الصِّفَاتِ الغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ۝ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ۝ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ۝ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٠-١٣]. فَسَمَّى المُغتَابَ «هَمَّازًا»، وَسَمَّى النَّمَّامَ «مَشَّاءً بِنَمِيمٍ»؛ لِأَنَّ دَأبَهُ وَصَنِيعَهُ أَن يَمشِيَ بِالكَلَامِ بَينَ النَّاسِ عَلَى وَجهِ الإِفسَادِ وَالتَّحرِيشِ! وَفِي سُورَةِ المَسَدِ لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَبَا لَهَبٍ وَعُقُوبَتَهُ، ذَكَرَ امرَأَتَهُ أُمَّ جَمِيلٍ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ۝ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٤-٥]؛ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكرِمَةُ وَقتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ: «كَانَت تَمشِي بِالنَّمِيمَةِ بَينَ النَّاسِ، فَتَنقُلُ الحَدِيثَ مِن بَعضِهِم إِلَى بَعضٍ؛ فَسَمَّاهَا اللهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ؛ لِأَنَّ النَّمِيمَةَ تُوقِدُ نَارَ العَدَاوَةِ وَالبَغضَاءِ بَينَ القُلُوبِ كَمَا يُوقِدُ الحَطَبُ النَّارَ»! وَأَمَّا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُطَهَّرَةُ يَا عِبَادَ اللهِ، فَقَد حَاصَرَت جَرِيمَتَيِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ مِن جَمِيعِ أَقطَارِهِمَا، وَقَطَعَت كُلَّ المَعَاذِيرِ الوَاهِيَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُ بِهَا الخَائِضُونَ فِي الأَعرَاضِ! فَكَم مِن قَائِلٍ إِذَا نُصِحَ وَقِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَغتَبْ أَخَاكَ! أَجَابَ بِكُلِّ جُرأَةٍ وَغَفلَةٍ: «أَنَا لَا أَغتَابُهُ! أَنَا أَقُولُ الحَقِيقَةَ، وَمَا أَقُولُهُ فِيهِ مَوجُودٌ فِعلًا، وَأَنَا مُستَعِدٌّ أَن أَقُولَهُ فِي وَجهِهِ»! وَهَذَا المِسكِينُ لَا يَدرِي أَنَّ قَولَهُ هَذَا هُوَ عَينُ الغِيبَةِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصحَابِهِ: «أَتَدرُونَ مَا الغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: «ذِكرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيتَ إِن كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِن كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغتَبتَهُ، وَإِن لَم يَكُن فِيهِ فَقَد بَهَتَّهُ»! فَحَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ القَضِيَّةَ بِكَلِمَاتٍ كَفَلَقِ الصُّبحِ: إِن كَانَ العَيبُ الَّذِي تَذكُرُهُ مَوجُودًا فِي أَخِيكَ فَهَذِهِ هِيَ الغِيبَةُ المُحَرَّمَةُ الَّتِي هِيَ أَكلُ لَحمِ المَيتِ، وَإِن لَم يَكُن مَوجُودًا فِيهِ فَقَد جَمَعتَ إِلَى الغِيبَةِ جَرِيمَةً أَفظَعَ وَهِيَ البُهتَانُ وَالِافتِرَاءُ الكَاذِبُ! وَتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ كَيفَ رَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حُرمَةَ الأَعرَاضِ بِحُرمَةِ الدِّمَاءِ وَالأَموَالِ فِي أَعظَمِ مَشهَدٍ شَهِدَتهُ البَشَرِيَّةُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَومَ النَّحرِ فَقَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم عَلَيكُم حَرَامٌ، كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا، فِي شَهرِكُم هَذَا، أَلَا هَل بَلَّغتُ؟ اللهمَّ فاشهَد»! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَسُنَنِ ابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا نَظَرَ يَومًا إِلَى البَيتِ الحَرَامِ وَالكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ فَقَالَ: «مَا أَعظَمَكِ وَأَعظَمَ حُرمَتَكِ! وَالمُؤمِنُ أَعظَمُ حُرمَةً عِندَ اللهِ مِنكِ؛ إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنَ المُؤمِنِ دَمَهُ وَمَالَهُ وَأَن يُظَنَّ بِهِ إِلَّا خَيرًا»! بَل جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الوُقُوعَ فِي عِرضِ المُسلِمِ أَعظَمَ أَنوَاعِ الرِّبَا عِندَ اللهِ؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن سَعِيدِ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِن أَربَى الرِّبَا الِاستِطَالَةَ فِي عِرضِ المُسلِمِ بِغَيرِ حَقٍّ»! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَنِ المُستَورِدِ بنِ شَدَّادٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسلِمٍ أَكلَةً فَإِنَّ اللهَ يُطعِمُهُ مِثلَهَا مِن جَهَنَّمَ، وَمَن كُسِيَ ثَوبًا بِرَجُلٍ مُسلِمٍ فَإِنَّ اللهَ يَكسُوهُ مِثلَهُ مِن جَهَنَّمَ، وَمَن قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سُمعَةٍ وَرِيَاءٍ فَإِنَّ اللهَ يَقُومُ بِهِ مَقَامَ سُمعَةٍ وَرِيَاءٍ يَومَ القِيَامَةِ»! وَمَن أَرَادَ أَن يَرَى بِعَينِ بَصِيرَتِهِ عُقُوبَةَ المُغتَابِينَ فِي البَرزَخِ وَالآخِرَةِ كَمَا رَآهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَيلَةَ المِعرَاجِ، فَلْيَستَمِعْ إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرتُ بِقَومٍ لَهُم أَظفَارٌ مِن نُحَاسٍ يَخمِشُونَ وُجُوهَهُم وَصُدُورَهُم! فَقُلتُ: مَن هَؤُلَاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعرَاضِهِم»! تَصَوَّرُوا يَا عِبَادَ اللهِ هَذَا العَذَابَ الفَظِيعَ الَّذِي هُوَ مِن جِنسِ العَمَلِ: لَمَّا كَانُوا فِي الدُّنيَا يُمَزِّقُونَ وُجُوهَ النَّاسِ وَصُدُورَهُم وَأَعرَاضَهُم بِأَلسِنَتِهِم، جُعِلَت لَهُم فِي الآخِرَةِ أَظفَارٌ حَادَّةٌ مِن نُحَاسٍ يَنهَشُونَ بِهَا لُحُومَ وُجُوهِهِم وَصُدُورِهِم بِأَيدِيهِم جَزَاءً وِفَاقًا! وَأَمَّا فِي الدُّنيَا قَبلَ الآخِرَةِ، فَإِنَّ للمُغتَابِ المُتَتَبِّعِ لِعَورَاتِ المُسلِمِينَ عُقُوبَةً مُعَجَّلَةً لَا تُخطِئُهُ؛ وَهِيَ أَن يَتَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ فَيَفضَحَهُ وَلَو كَانَ فِي قَعرِ بَيتِهِ! فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي بَرزَةَ الأَسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعشَرَ مَن آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَم يَدخُلِ الإِيمَانُ قَلبَهُ! لَا تَغتَابُوا المُسلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَورَاتِهِم؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَورَاتِهِم يَتَّبِعِ اللهُ عَورَتَهُ، وَمَن يَتَّبِعِ اللهُ عَورَتَهُ يَفضَحْهُ فِي بَيتِهِ»! وَانظُرُوا كَيفَ رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَصحَابَهُ تَربِيَةً عَمَلِيَّةً حِسِّيَّةً عَلَى بَشَاعَةِ الغِيبَةِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ وَأَبِي بَرزَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي قِصَّةِ مَاعِزِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا طَهَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِإِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيهِ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَجُلَينِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: «أَلَم تَرَ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللهُ عَلَيهِ فَلَم تَدَعْهُ نَفسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجمَ الكَلبِ»! فَسَكتَ عَنهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ مَيتٍ شَائِلٍ بِرِجلِهِ مِنَ الانتِفَاخِ وَالنَّتَنِ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «أَينَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟»، قَالَا: نَحنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «انزِلَا فَكُلَا مِن جِيفَةِ هَذَا الحِمَارِ»! فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللهِ، غَفَرَ اللهُ لَكَ، مَن يَأكُلُ مِن هَذَا؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَمَا نِلتُمَا مِن عِرضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِن أَكلٍ مِنهُ! وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ الآنَ لَفِي أَنهَارِ الجَنَّةِ يَنغَمِسُ فِيهَا»! أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَإِذَا انتَقَلنَا مِنَ الغِيبَةِ إِلَى شَقِيقَتِهَا المَشؤُومَةِ «النَّمِيمَةِ»، وَجَدنَا نُصُوصَ الوَحيِ تَصبُّ عَلَى النَّمَّامِ صَوَاعِقَ مِنَ التَّهدِيدِ تَكادُ الجِبَالُ تَتَصَدَّعُ لِهَولِهَا! فَمَا هِيَ النَّمِيمَةُ؟ النَّمِيمَةُ هِيَ نَقلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعضِهِم إِلَى بَعضٍ عَلَى جِهَةِ الإِفسَادِ وَالتَّفرِيقِ وَإِيغَارِ الصُّدُورِ؛ كَأَن يَأتِيَ الرَّجُلُ إِلَى أَخِيهِ فَيَقُولَ لَهُ: «إِنَّ فُلَانًا تَكَلَّمَ فِيكَ بِكَذَا وَكَذَا، أَو يَكرَهُكَ، أَو يَسعَى فِي ضَرَرِكَ»! فَاسمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى حُكمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي النَّمَّامِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»! وَالقَتَّاتُ وَالنَّمَّامُ بِمَعنًى وَاحِدٍ، أَوِ القَتَّاتُ هُوَ الَّذِي يَتَسَمَّعُ كَلَامَ القَومِ مِن حَيثُ لَا يَعلمُونَ ثُمَّ يَنقُلُهُ لِلإِفسَادِ! وَفِي الصَّحِيحَينِ أَيضًا عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِقَبرَينِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَستَتِرُ مِنَ البَولِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمشِي بِالنَّمِيمَةِ»! فَأَخبَرَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ المَشيَ بِالنَّمِيمَةِ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ عَذَابِ القَبرِ وَإِطبَاقِ نِيرَانِهِ عَلَى صَاحِبِهِ فورَ دَفنِهِ! وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَالأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَسمَاءَ بِنتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُخبِرُكُم بِخِيَارِكُم؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخبِرُكُم بِشِرَارِكُم؟ المشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفسِدُونَ بَينَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ للبُرَآءِ العَنَتَ»! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخبِرُكُم بِأَفضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِصلَاحُ ذَاتِ البَينِ؛ وَفَسَادُ ذَاتِ البَينِ هِيَ الحَالِقَةُ»، وَفِي رِوَايَةِ التِّرمِذِيِّ: «لَا أَقُولُ تَحلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِن تَحلِقُ الدِّينَ»! وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُغلِقُ بَابَ النَّمِيمَةِ وَنَقلِ الكَلَامِ إِغلَاقًا تَامًّا فِي مَجلِسِهِ الشَّرِيفِ؛ كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِن أَصحَابِي عَن أَحَدٍ شَيئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَن أَخرُجَ إِلَيكُم وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدرِ»! عِبَادَ اللهِ: وَلَوِ استَقرَأنَا كَلَامَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم فِي ذَمِّ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، لَوَجَدنَا كُنُوزًا مِنَ الحِكمَةِ، وَدُرَرًا مِنَ الوَرَعِ وَالخَوفِ مِنَ اللهِ تَستَحِي مِنهَا نُفُوسُنَا المُقَصِّرَةُ! فَهَذَا أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ فِي مَوعِظَةٍ جَامِعَةٍ: «عَلَيكُم بِذِكرِ اللهِ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ، وَإِيَّاكُم وَذِكرَ النَّاسِ فَإِنَّهُ دَاءٌ»! وَهَذَا الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَمرُو بنُ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَمُرُّ يَومًا مَعَ أَصحَابِهِ عَلَى بَغلَةٍ مَيتَةٍ قَدِ انتَفَخَت وَتَغَيَّرَت رِيحُهَا، فَيَقِفُ وَيَقُولُ: «وَاللهِ لَأَن يَأكُلَ أَحَدُكُم مِن هَذِهِ حَتَّى يَملَأَ بَطنَهُ خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَأكُلَ لَحمَ رَجُلٍ مُسلِمٍ»! وَقَالَ حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «إِذَا أَرَدتَ أَن تَذكُرَ عُيُوبَ صَاحِبِكَ، فَاذكُر عُيُوبَ نَفسِكَ»! وَقَالَ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ أَو جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «هَاجَت رِيحٌ مُنتِنَةٌ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ نَاسًا مِنَ المُنَافِقِينَ اغتَابُوا أُنَاسًا مِنَ المُسلِمِينَ، فَبُعِثَت هَذِهِ الرِّيحُ المُنتِنَةُ لِذَلِكَ»! وَلِهَذَا قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: «كَانَت رِيحُ الغِيبَةِ تُشَمُّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِقِلَّتِهَا وَنَقَاءِ الأَجوَاءِ مِنهَا، فَلَمَّا كَثُرَت فِي زَمَانِنَا وَامْتَلَأَت بِهَا الأُنُوفُ لَم يَعُدِ النَّاسُ يُمَيِّزُونَ نَتَنَهَا؛ كَمَن يَدخُلُ مَدبَغَةَ الجُلُودِ فَيَتَأَذَّى بِرِيحِهَا أَوَّلَ دُخُولِهِ، فَإِذَا أَقَامَ فِيهَا وَأَلِفَهَا لَم يَعُدْ يَشُمُّ نَتَنَهَا»! وَاسمَعُوا إِلَى مَقُولَاتِ إِمَامِ التَّابِعِينَ وَوَاعِظِ البَصرَةِ الحَسَنِ البَصرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، حَيثُ كَانَ يَقُولُ: «وَاللهِ لَلغِيبَةُ أَسرَعُ فِي دِينِ الرَّجُلِ المُسلِمِ مِنَ الأَكَلَةِ فِي الجَسَدِ»! وَالأَكَلَةُ هِيَ الدَّاءُ الخَبِيثُ الَّذِي يَأكُلُ الأَعضَاءَ وَيُتَسَاقَطُ بِهِ اللُّحُومُ! وَقَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَحلِيلٍ دَقِيقٍ لِأَقسَامِ ذِكرِ الغَيرِ: «ذِكرُكَ أَخَاكَ ثَلَاثَةُ أَوجُهٍ: الغِيبَةُ، وَالبُهتَانُ، وَالإِفكُ، وَكُلُّهَا فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَأَمَّا الغِيبَةُ فَأَن تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا هُوَ فِيهِ، وَأَمَّا البُهتَانُ فَأَن تَقُولَ فِيهِ مَا لَيسَ فِيهِ، وَأَمَّا الإِفكُ فَأَن تَقُولَ فِيهِ مَا بَلَغَكَ عَنهُ مِن غَيرِ تَثَبُّتٍ»! وَقَالَ رَجُلٌ لِلحَسَنِ البَصرِيِّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ فُلَانًا قَدِ اغتَابَكَ! فَبَعَثَ إِلَيهِ الحَسَنُ طَبَقًا مِن رُطَبٍ، وَقَالَ لَهُ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ أَهدَيتَ إِلَيَّ حَسَنَاتِكَ، فَأَرَدتُ أَن أُكَافِئَكَ عَلَيهَا، فَاعذُرنِي فَإِنِّي لَا أَقدِرُ أَن أُكَافِئَكَ بِهَا عَلَى التَّمَامِ»! وَتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ هَذَا المَوقِفَ التَّربَوِيَّ البَاهِرَ بَينَ سُفيَانَ بنِ الحُسَينِ وَالقَاضِي الفقيهِ إِيَاسِ بنِ مُعَاوِيَةَ المُزَنِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ؛ يَقُولُ سُفيَانُ بنُ الحُسَينِ: «كُنتُ جَالِسًا عِندَ إِيَاسِ بنِ مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرتُ رَجُلًا بِسُوءٍ وَنِلتُ مِنهُ، فَنَظَرَ إِيَاسٌ فِي وَجهِي وَقَالَ لِي: أَغَزَوتَ الرُّومَ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: أَفَغَزَوتَ السِّندَ وَالهِندَ وَالتُّركَ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: أَفَسَلِمَ مِنكَ الرُّومُ وَالسِّندُ وَالهِندُ وَالتُّركُ، وَلَم يَسلَمْ مِنكَ أَخُوكَ المُسلِمُ؟! قَالَ سُفيَانُ: فَلَم أَعُدْ إِلَى غِيبَةِ أَحَدٍ بَعدَهَا أَبَدًا»! وَقَالَ الإِمَامُ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: «لَو كُنتُ مُغتَابًا أَحَدًا لَاغتَبتُ وَالِدَيَّ؛ لِأَنَّهُمَا أَحَقُّ النَّاسِ بِحَسَنَاتِي»! وَدُعِيَ الزَّاهِدُ العَابِدُ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى وَلِيمَةِ طَعَامٍ، فَلَمَّا جَلَسَ القَومُ عَلَى المَائِدَةِ ذَكَرُوا رَجُلًا تَأَخَّرَ عَنِ الحُضُورِ فَقَالُوا: إِنَّهُ ثَقِيلٌ! فَقَامَ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ عَنِ المَائِدَةِ فَوْرًا وَقَالَ لِنَفسِهِ: «بِئسَ القَومُ قَومٌ يُطْعِمُونَكَ لَحمَ أَخِيكَ قَبلَ الخُبزِ وَاللَّحمِ»، وَخَرَجَ وَلَم يَذُقْ طَعَامًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُعَاقِبُ نَفسَهُ عَلَى حُضُورِ مَجلِسٍ ذُكِرَ فِيهِ مُسلِمٌ بِسُوءٍ! وَقَالَ عَونُ بنُ عَبدِ اللهِ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا أَحسَبُ أَحَدًا تَفَرَّغَ لِعُيُوبِ النَّاسِ إِلَّا مِن غَفلَةٍ غَفَلَهَا عَن نَفسِهِ»! وَقَالَ بَكرُ بنُ مُحَمَّدٍ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «لَو أَنَّ رَجُلًا وَقَفَ عَلَى بَابِ المَسجِدِ فَقَالَ: أَيُّكُم شَرُّ النَّاسِ؟ لَم يَكُن أَشرَّ مِنهُ إِلَّا مَن يُحَدِّثُ نَفسَهُ أَنَّهُ خَيرٌ مِن أَحدٍ»! وَقَالَ بَعضُ العَارِفِينَ: «أَدرَكنَا السَّلَفَ وَهُم لَا يَرَونَ العِبَادَةَ فِي الصَّومِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَكِن فِي الكَفِّ عَن أَعرَاضِ النَّاسِ؛ فَقَائِمُ اللَّيلِ وَصَائِمُ النَّهَارِ إِن لَم يَحفَظْ لِسَانَهُ أَفْلَسَ يَومَ القِيَامَةِ»! وَأَمَّا فِي شَأنِ النَّمِيمَةِ وَالنَّمَّامِ، فَقَد سَطَّرَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ كَلِمَاتٍ مِن ذَهَبٍ تَكشِفُ خُبثَ النَّمَّامِ وَطَرِيقَةَ التَّعَامُلِ مَعَهُ: قَالَ الإِمَامُ يَحيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «يُفسِدُ النَّمَّامُ وَالكَذَّابُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفسِدُ السَّاحِرُ فِي سَنَةٍ»! وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللهُ؛ فَإِنَّ السَّاحِرَ يَحتَاجُ إِلَى عُقَدٍ وَطَلَاسِمَ وَأَوقَاتٍ، وَأَمَّا النَّمَّامُ فَبِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَهمِسُ بِهَا فِي أُذُنِ الزَّوجِ يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ وَيُشَرِّدُ أَطفَالَهُ، وَبِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَزرَعُهَا بَينَ الأَخَوَينِ أَوِ الشَّرِيكَينِ أَوِ الجَارَينِ يُشعِلُ حَربًا تَسِيلُ فِيهَا الدِّمَاءُ وَتُقطَعُ فِيهَا الأَرحَامُ عَشَرَاتِ السِّنِينَ! وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى الخَلِيفَةِ العَادِلِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ، فَنَقَلَ إِلَيهِ كَلَامًا فِي رَجُلٍ آخَرَ عَلَى سَبِيلِ النَّمِيمَةِ وَالوِشَايَةِ، فَنَظَرَ إِلَيهِ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ نَظرَةَ الحَازِمِ البَصِيرِ وَقَالَ لَهُ: «يَا هَذَا، إِن شِئتَ نَظَرنَا فِي أَمرِكَ؛ فَإِن كُنتَ كَاذِبًا فَأَنتَ مِن أَهلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وَإِن كُنتَ صَادِقًا فَأَنتَ مِن أَهلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وَإِن شِئتَ عَفَونَا عَنكَ!» فَبُهِتَ الرَّجُلُ وَقَالَ: «العَفوَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، لَا أَعُودُ إِلَيهِ أَبَدًا»! وَقَالَ رَجُلٌ لِوَهبِ بنِ مُنَبِّهٍ أو لِلحَسَنِ البَصرِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ: إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا! فَقَالَ لَهُ: «مَا وَجَدَ الشَّيطَانُ رَسُولًا غَيرَكَ؟!»، وَقَالَ آخَرُ لِبَعضِ الحُكَمَاءِ: إِنَّ فُلَانًا شَتَمَكَ فِي الغَيبِ! فَقَالَ لَهُ الحَكِيمُ: «هُوَ رَمَانِي بِسَهمٍ فَلَم يُصِبنِي، فَلِمَاذَا حَمَلتَ أَنتَ السَّهمَ فَغَرَزتَهُ فِي قَلبِي؟!» وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَليِّ بنِ الحُسَينِ زَينِ العَابِدِينَ رَحِمَهُ اللهُ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا شَتَمَكَ وَقَالَ فِيكَ كَذَا! فَقَالَ لَهُ زَينُ العَابِدِينَ: «انطَلِقْ بِنَا إِلَيهِ»، فَانطَلَقَ مَعَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ سَيَنتَصِرُ لِنَفسِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيهِ قَالَ لَهُ: «يَا أَخِي، إِن كَانَ مَا قُلتَهُ فِيَّ حَقًّا فَغَفَرَ اللهُ لِي، وَإِن كَانَ مَا قُلتَهُ فِيَّ بَاطِلًا فَغَفَرَ اللهُ لَكَ»! وَمِن أَجمَعِ الكَلِمَاتِ المَأثُورَةِ عَنِ الحَسَنِ البَصرِيِّ وَالإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي الحَذَرِ مِنَ النَّمَّامِ قَولُهُمَا: «مَن نَمَّ إِلَيكَ نَمَّ عَلَيكَ، وَمَن نَقَلَ إِلَيكَ نَقَلَ عَنكَ؛ فَكَمَا أَفشَى لَكَ سِرَّ غَيرِكَ، فَسَيُفشِي لِغَيرِكَ سِرَّكَ»! إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَقَد تَبَارَى شُعَرَاءُ الإِسلَامِ وَأَئِمَّةُ الهُدَى وَالحِكمَةِ فِي نَظمِ القَصَائِدِ وَالمَقطُوعَاتِ الخَالِدَةِ الَّتِي تَزجُرُ النُّفُوسَ عَنِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَتَحُثُّ عَلَى صِيَانَةِ اللِّسَانِ وَسَلَامَةِ الصَّدرِ؛ فَمِن ذَلِكَ قَولُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَحذِيرِ الإِنسَانِ مِن آفَةِ لِسَانِهِ: احفَظ لِسَانَكَ أَيُّهَا الإِنسَانُ ... لَا يَلدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعبَانُ كَم فِي المَقَابِرِ مِن قَتِيلِ لِسَانِهِ ... كَانَت تَهَابُ لِقَاءَهُ الأَقرَانُ وَلِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَيضًا هَذِهِ الأَبيَاتُ الذَّهَبِيَّةُ الَّتِي لَو كَتَبَهَا المُسلِمُ عَلَى جَبِينِ قَلبِهِ لَسَلِمَ لَهُ دِينُهُ وَعِرضُهُ: إِذَا شِئتَ أَن تَحيَا سَلِيمًا مِنَ الأَذَى ... وَدِينُكَ مَوفُورٌ وَعِرضُكَ صَيِّنُ لِسَانُكَ لَا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرِئٍ ... فَكُلُّكَ عَورَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلسُنُ وَعَينُكَ إِن أَبدَت إِلَيكَ مَعَايِبًا ... فَدَعهَا وَقُل يَا عَينُ لِلنَّاسِ أَعيُنُ وَعَاشِرْ بِمَعرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعتَدَى ... وَدَافِعْ وَلَكِن بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ وَقَالَ آخَرُ مِن شُعَرَاءِ الحِكمَةِ وَالأَدَبِ فِي النَّهيِ عَنِ الغِيبَةِ وَتَتَبُّعِ العَورَاتِ: وَلَا تَكشِفَنَّ عَن مَسَاوِي النَّاسِ مَا سَتَرُوا ... فَيَكشِفَ اللهُ سِترًا عَن مَسَاوِيكَا وَاذكُر مَحَاسِنَ مَا فِيهِم إِذَا ذُكِرُوا ... وَلَا تَعِبْ أَحَدًا فِيهِم بِمَا فِيكَا وَقَالَ الشَّاعِرُ الفَقِيهُ محذِّرًا مِنَ الغِيبَةِ الَّتِي تَأكُلُ الحَسَنَاتِ وَتُورِثُ الإِفلَاسَ: الصَّمتُ زَينٌ وَالسُّكُوتُ سَلَامَةٌ ... فَإِذَا نَطَقتَ فَلَا تَكُن مِهذَارَا مَا إِن نَدِمتُ عَلَى سُكُوتِي مَرَّةً ... وَلَقَد نَدِمتُ عَلَى الكَلَامِ مِرَارَا إِذَا المَرءُ لَم يَحفَظْ لِسَانًا عَنِ الخَنَا ... وَغِيبَةِ إِخوَانٍ فَقَد بَاءَ بِالخُسرِ وَقَالَ آخَرُ فِي ذَمِّ النَّمَّامِ وَالتَّحذِيرِ مِن سَمَاعِ قَولِهِ أَوِ الرُّكُونِ إِلَيهِ: مَن نَمَّ فِي النَّاسِ لَم تُؤمَنْ عَقَارِبُهُ ... عَلَى الصَّدِيقِ وَلَم تُؤمَنْ أَفَاعِيهِ كَالسَّيلِ بِاللَّيلِ لَا يَدرِي بِهِ أَحَدٌ ... مِن أَينَ جَاءَ وَلَا مَن ذَا يُوَالِيهِ فَالوَيلُ لِلعَهدِ مِنهُ كَيفَ يَنقُضُهُ ... وَالوَيلُ لِلوُدِّ مِنهُ كَيفَ يُفنِيهِ وَقَالَ صَالِحُ بنُ عَبدِ القُدُّوسِ أَو بَعضُ الحُكَمَاءِ فِي تَعرِيَةِ النَّمَّامِ: تَنَحَّ عَنِ النَّمِيمَةِ وَاجتَنِبْهَا ... فَإِنَّ النَّمَّ يُحبِطُ كُلَّ أَجرِ يُثِيرُ أَخُو النَّمِيمَةِ كُلَّ شَرٍّ ... وَيَكشِفُ لِلخَلَائِقِ كُلَّ سِرِّ وَيَقتُلُ نَفسَهُ وَسِوَاهُ ظُلمًا ... وَلَيسَ النَّمُّ مِن أَفعَالِ حُرِّ عِبَادَ اللهِ: وَلِتَمَامِ الفِقهِ فِي دِينِ اللهِ، فَإِنَّ عُلَمَاءَ الشَّرِيعَةِ قَد بَيَّنُوا أَنَّ الغِيبَةَ وَإِن كَانَت مُحَرَّمَةً فِي الأَصلِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ سِتَّةَ مَوَاضِعَ يُبَاحُ فِيهَا ذِكرُ مَا فِي الإِنسَانِ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَلِمَصلَحَةٍ شَرعِيَّةٍ رَاجِحَةٍ بِلَا تَشَفٍّ وَلَا زِيَادَةٍ عَلَى قَدرِ الحَاجَةِ؛ وَقَد جَمَعَهَا الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي «رِيَاضِ الصَّالِحِينَ» وَ«الأَذكَاِر»، وَنَظَمَهَا بَعضُ الفُقَهَاءِ فِي بَيتَينِ مَشهُورَينِ فَقَالَ: القَدحُ لَيسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ ... مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ وَلِمُظهِرٍ فِسقًا وَمُستَفتٍ وَمَن ... طَلَبَ الإِعَانَةَ فِي إِزَالَةِ مُنكَرِ فَالأَوَّلُ: التَّظَلُّمُ عِندَ القَاضِي أَو مَن لَهُ وِلَايَةُ إِنصَافِ المَظلُومِ، فَيَقُولُ: ظَلَمَنِي فُلَانٌ بِكَذَا. وَالثَّانِي: الِاستِعَانَةُ عَلَى تَغيِيرِ المُنكَرِ وَرَدِّ العَاصِي إِلَى الصَّوَابِ، فَيُخبِرُ مَن يَقدِرُ عَلَى إِزَالَةِ المُنكَرِ. وَالثَّالِثُ: الِاستِفتَاءُ عِندَ المُفتِي، فَيَقُولُ: ظَلَمَنِي أَبِي أَو زَوجِي أَو شَرِيكِي بِكَذَا، وَالأَحوَطُ أَن يَقُولَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ فَعَلَ كَذَا مِن غَيرِ تَعيِينٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ. وَالرَّابِعُ: تَحذِيرُ المُسلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُم، كَجَرحِ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ، وَالنُّصحِ عِندَ الاستِشَارَةِ فِي زَوَاجٍ أَو شَرِكَةٍ أَو مُعَامَلَةٍ أَو تَحذِيرِ النَّاسِ مِن مُبتَدِعٍ أَو غَاشٍّ. وَالخَامِسُ: أَن يَكُونَ الرَّجُلُ مُجَاهِرًا بِفِسقِهِ أَو بِدعَتِهِ، فَيَجُوزُ ذِكرُ مَا يُجَاهِرُ بِهِ دُونَ غَيرِهِ مِن عُيُوبِهِ المَستُورَةِ. وَالسَّادِسُ: التَّعرِيفُ بِلَقَبٍ غَلَبَ عَلَى صَاحِبِهِ كَالأَعمَشِ وَالأَعرَجِ إِذَا كَانَ لَا يُعرَفُ إِلَّا بِهِ، وَقُصِدَ مَحْضُ التَّعرِيفِ لَا التَّنَقُّصُ وَالِاحتِقَارُ، وَإِن أَمكَنَ التَّعرِيفُ بِغَيرِهِ فَهُوَ أَولَى. أَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الضَّرُورَاتِ الشَّرعِيَّةِ المَضبُوطَةِ، فَالوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤمِنٍ وَمُؤمِنَةٍ أَن يَفِرَّ مِن مَجَالِسِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فِرَارَهُ مِنَ الأَسَدِ، وَأَن يَذُبَّ عَن عِرضِ أَخِيهِ المُسلِمِ إِذَا سَمِعَ مَن يَغتَابُهُ؛ فَإِنَّ الجَزَاءَ عَلَى ذَلِكَ عَظِيمٌ عِندَ اللهِ! فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَن رَدَّ عَن عِرضِ أَخِيهِ رَدَّ اللهُ عَن وَجهِهِ النَّارَ يَومَ القِيَامَةِ»! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ وَأَبِي طَلحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنِ امرِئٍ يَخذُلُ امرَأً مُسلِمًا فِي مَوضِعٍ تُنتَهَكُ فِيهِ حُرمَتُهُ وَيُنتَقَصُ فِيهِ مِن عِرضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصرَتَهُ؛ وَمَا مِنِ امرِئٍ يَنصُرُ مُسلِمًا فِي مَوضِعٍ يُنتَقَصُ فِيهِ مِن عِرضِهِ وَيُنتَهَكُ فِيهِ مِن حُرمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصرَتَهُ»! وَقَد لَخَّصَ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ وَالإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ الوَاجِبَ الشَّرعِيَّ عَلَى كُلِّ مَن حُمِلَت إِلَيهِ نَمِيمَةٌ فِي سِتِّ خِصَالٍ لَازِمَةٍ: الأُولَى: أَن لَا يُصَدِّقَ النَّمَّامَ؛ لِأَنَّ النَّمَّامَ فَاسِقٌ مَردُودُ الشَّهَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. الثَّانِيَةُ: أَن يَنهَاهُ عَنِ النَّمِيمَةِ، وَيَنصَحَهُ، وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعلَهُ امتِثَالًا لِأَمرِ اللهِ بِالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ. الثَّالِثَةُ: أَن يُبغِضَهُ فِي اللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ بَغِيضٌ عِندَ اللهِ، وَالبُغضُ فِي اللهِ وَاجِبٌ مَا دَامَ مُصِرًّا عَلَى مَعصِيَتِهِ. الرَّابِعَةُ: أَن لَا يَظُنَّ بِأَخِيهِ الغَائِبِ السُّوءَ بِمُجَرَّدِ كَلَامِ النَّمَّامِ؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. الخَامِسَةُ: أَن لَا يَحمِلَهُ مَا حُكِيَ لَهُ عَلَى التَّجَسُّسِ وَالبَحثِ عَن صِحَّةِ ذَلِكَ؛ لِقَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]. السَّادِسَةُ: أَن لَا يَرضَى لِنَفسِهِ مَا نَهَى النَّمَّامَ عَنهُ، فَلَا يَحكِيَ نَمِيمَتَهُ لِغَيرِهِ فَيَقُولَ: «قَالَ لِي فُلَانٌ كَذَا»، فَيَصِيرَ بِهِ نَمَّامًا وَمُغتَابًا مَعًا! فَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَن شَغَلَهُ عَيبُهُ عَن عُيُوبِ النَّاسِ، وَخَزَنَ لِسَانَهُ إِلَّا عَنِ الخَيرِ، وَبَاتَ طَاهِرَ القَلبِ نَقِيَّ الصَّحِيفَةِ لَا يَحمِلُ غِلًّا وَلَا حِقدًا وَلَا مَظلَمَةً لِأَحَدٍ مِنَ المُسلِمِينَ! وَمَن كَانَ قَد تَلَوَّثَ لِسَانُهُ بِشَيءٍ مِنَ الغِيبَةِ أَوِ النَّمِيمَةِ، فَلْيُبَادِرِ السَّاعَةَ بِالتَّوبَةِ النَّصُوحِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالنَّدَمِ الصَّادِقِ، وَالعَزمِ عَلَى عَدَمِ العَودِ، وَالإِكثَارِ مِنَ الِاستِغفَارِ وَالدُّعَاءِ لِمَنِ اغتَابَهُ، وَذِكرِ مَحَاسِنِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ فِي المَوَاطِنِ الَّتِي اغتَابَهُ فِيهَا، وَالإِصلَاحِ بَينَ مَن أَفسَدَ بَينَهُم؛ فَإِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ، وَإِنَّ اللهَ يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبَادِهِ وَيَعفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعلَمُ مَا تَفعَلُونَ. اللَّهُمَّ يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ، وَيَا قَرِيبًا مِمَّن نَاجَاهُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، نَسأَلُكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى وَصِفَاتِكَ العُلَى أَن تُطَهِّرَ أَلسِنَتَنَا مِنَ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالكَذِبِ وَالبُهتَانِ، وَأَن تُطَهِّرَ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ وَالغِلِّ وَالحَسَدِ وَالشَّحنَاءِ، وَأَن تُطَهِّرَ أَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، وَآذَانَنَا مِن سَمَاعِ الخَنَا وَالبَاطِلِ. اللَّهُمَّ اشغَلْنَا بِذِكرِكَ عَن ذِكرِ النَّاسِ، وَبِعُيُوبِنَا عَن عُيُوبِ الخَلقِ، وَاجعَلنَا مَفَاتِيحَ لِلخَيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، مُصلِحِينَ بَينَ عِبَادِكَ، ذَابِّينَ عَن أَعرَاضِ إِخوَانِنَا المُؤمِنِينَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ. اللَّهُمَّ اغفِر لَنَا وَلِكُلِّ مَنِ اغتَبنَاهُ أَو ظَلَمنَاهُ أَو قَصَّرنَا فِي حَقِّهِ مِن عِبَادِكَ المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، وَاجزِهِم عَنَّا خَيرَ الجَزَاءِ، وَأَرضِهِم عَنَّا يَومَ اللِّقَاءِ بِفَضلِكَ وَسَعَةِ رَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَلِّف بَينَ قُلُوبِ المُسلِمِينَ، وَأَصلِح ذَاتَ بَينِهِم، وَاهدِهِم سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَعِذهُم مِن نَزَغَاتِ الشَّيَاطِينِ وَدَسَائِسِ المُنَافِقِينَ وَالنَّمَّامِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.