كَلِمَةُ حَفلِ تَخرِيجِ حَفَظَةِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَتَكرِيمِ المُتَفَوِّقِينَ: مُقَدِّمَةٌ احتِفَالِيَّةٌ وَكَلِمَاتٌ تَحفِيزِيَّةٌ لِمَنِ اجتَازُوا التَّحَدِّيَ بِنَجَاحٍ وَوَصَايَا لِرَفعِ الهِمَمِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الطَّرِيقِ
القِسمُ الأَوَّلُ: كَلِمَةٌ مُقَدِّمَةٌ لِحَفلِ تَخرِيجِ حَفَظَةِ شَيءٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجًا، وَجَعَلَهُ نُورًا مُبِينًا، وَحَبلًا مَتِينًا، وَصِرَاطًا مُستَقِيمًا، وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحمَةً لِلمُؤمِنِينَ، اصطَفَى لِحِفظِهِ وَتِلَاوَتِهِ خِيرَةَ عِبَادِهِ، فَعَمَرَ بِآيَاتِهِ البَيِّنَاتِ صُدُورَهُم، وَأَشرَقَت بِأَنوَارِهِ وُجُوهُهُم، وَارتَفَعَت فِي الدَّارَينِ أَقدَارُهُم، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدًا يَلِيقُ بِجَلَالِ وَجهِهِ وَعَظِيمِ سُلطَانِهِ، وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعمَةِ القُرآنِ الَّتِي تَفُوقُ كُلَّ مَا يَجمَعُهُ النَّاسُ مِن حُطَامِ الدُّنيَا وَزَخَارِفِهَا الزَّائِلَةِ.
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَكَفَّلَ بِحِفظِ كِتَابِهِ العَزِيزِ فَقَالَ جَلَّ مِن قَائِلٍ فِي سُورَةِ الحِجرِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وَهيَّأَ لِحِفظِهِ فِي كُلِّ جِيلٍ قُلُوبًا طَاهِرَةً وَأَلسِنَةً ذَاكِرَةً، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَ خُلُقُهُ القُرآنَ، وَرَبَّى عَلَى مَوائِدِ الوَحيِ أَطْهَرَ جِيلٍ عَرَفَهُ الزَّمَانُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ القُرَّاءِ الأَبرَارِ، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم وَاهتَدَى بِهَديِهِم إِلَى يَومِ القَرَارِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَهلَ القُرآنِ وَأَحِبَّتَهُ، أَيُّهَا الآبَاءُ الكِرَامُ وَالأُمَّهَاتُ الفَاضِلَاتُ، أَيُّهَا المَشَايِخُ وَالمُعَلِّمُونَ وَالمُرَبُّونَ، يَا فرسَانَ هَذَا الحَفلِ البَهِيجِ مِنَ الطُّلَّابِ الحَفَظَةِ النُّجَبَاءِ، أَيُّهَا الحَفلُ الكَرِيمُ:
السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَمَرحَبًا بِكُم فِي هَذَا المَحفَلِ النُّورَانِيِّ المُبَارَكِ الَّذِي تَحُفُّهُ المَلَائِكَةُ، وَتَغشَاهُ الرَّحمَةُ، وَتَتَنَزَّلُ عَلَيهِ السَّكِينَةُ، وَيَذكُرُ اللهُ أَهلَهُ فِيمَن عِندَهُ!
إِنَّ لِأَهلِ الدُّنيَا مَوَاسِمَ يَفرَحُونَ فِيهَا بِمَنَاصِبِهِم وَأَرصِدَتِهِم وَتِجَارَاتِهِم؛ أَمَّا أَهلُ الإِيمَانِ فَإِنَّ عِيدَهُمُ الأَكبَرَ وَفَرحَتَهُمُ العُظمَى إِنَّمَا تَكُونُ يَومَ يَرَونَ أَبنَاءَهُم وَفلَذَاتِ أَكبَادِهِم قَد أَقبَلُوا عَلَى مَأدُبَةِ اللهِ، وَحَفِظُوا فِي صُدُورِهِم الغَضَّةِ أَجزَاءً وَسُوَرًا وَآيَاتٍ مِن كَلَامِ رَبِّ العَالَمِينَ! وَصَدَقَ اللهُ العَظِيمُ إِذ يَقُولُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
نَحتَفِي اليَومَ بِكَوْكَبَةٍ مُشرِقَةٍ مِن أَبنَائِنَا وَطُلَّابِنَا الَّذِينَ أَكرَمَهُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَإِتمَامِ حِفظِ نَصِيبٍ مُبَارَكٍ مِن كِتَابِ اللهِ العَزِيزِ؛ وَمَا أَعظَمَهُ مِن شَرَفٍ، وَمَا أَرفَعَهُ مِن مَقَامٍ! فَإِنَّ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ مِن كِتَابِ اللهِ، بَلِ الحَرفَ الوَاحِدَ مِنهُ بِعَشرِ حَسَنَاتٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ، وَإِنَّ كُلَّ آيَةٍ يَحفَظُهَا الطَّالِبُ فِي صَدرِهِ هِيَ دَرَجَةٌ يَرتَقِي بِهَا فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَنُورٌ يَمشِي بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الدُّنيَا وَيَومَ الدِّينِ!
لَقَدِ اختَارَ اللهُ هَؤُلَاءِ الفِتيَةَ وَالطُّلَّابَ مِمنِ اصطَفَاهُم لِحَملِ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ؛ كَمَا قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، وَجَعَلَ صُدُورَهُم أَوعِيَةً لِآيَاتِهِ البَيِّنَاتِ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
فَهَنِيئًا لِهَذِهِ الحَلَقَاتِ القُرآنِيَّةِ، وَهَنِيئًا لِلمُعَلِّمِينَ المُخلِصِينَ الَّذِينَ نَالُوا وِسَامَ الخَيرِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِي أَعلَنَهُ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ». وَهَنِيئًا لِكُلِّ أَبٍ كَرِيمٍ وَأُمٍّ رَحِيمَةٍ دَفَعَا بِوَلَدِهِمَا إِلَى حَلَقَاتِ القُرآنِ؛ فَأَبشِرُوا بَتَاجِ الوَقَارِ الَّذِي ضَوؤُهُ أَحسَنُ مِن ضَوءِ الشَّمسِ فِي بُيُوتِ الدُّنيَا، وَحُلَّتَيِ الكَرَامَةِ اللَّتَينِ لَا تَقُومُ لَهُمَا الدُّنيَا وَمَا فِيهَا يَومَ القِيَامَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ عَن بُرَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وَاعلَمُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ أَنَّ تَخرِيجَ الطَّالِبِ فِي حِفظِ جُزءٍ أَو عِدَّةِ أَجزَاءٍ مِن كِتَابِ اللهِ لَيسَ نِهَايَةَ المَطَافِ، بَل هُوَ الفَجرُ الأَوَّلُ وَاللَّبِنَةُ الرَّاسِخَةُ فِي صَرحِ الخَتمَةِ الكَامِلَةِ بِإِذنِ اللهِ؛ فَكَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَتَعَلَّمُونَ القُرآنَ عَشرَ آيَاتٍ عَشرَ آيَاتٍ، وَلَا يَتَجَاوَزُونَهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ العِلمِ وَالعَمَلِ، فَتَعَلَّمُوا القُرآنَ وَالعِلمَ وَالعَمَلَ جَمِيعًا! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ فِي شَرَفِ أَهلِ القُرآنِ:
أَهلُ القُرَانِ هُمُ أَهلُ الفَخَارِ وَمَن ... سَادُوا البَرِيَّةَ فِي عِلمٍ وَفِي عَمَلِ
فِي ظِلِّ آيَاتِهِ طَابَت مَجَالِسُهُم ... فَأَدرَكُوا المَجدَ مِن أَبهَى ذُرَى السُّبُلِ
فَحَيَّا اللهُ هَذِهِ الوُجُوهَ النَّيِّرَةَ، وَبَارَكَ اللهُ فِي هَذَا الغَرسِ الطَّيِّبِ، وَجَعَلَ يَومَنَا هَذَا يَومَ بُشرَى وَفَلَاحٍ وَقَبُولٍ عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ!
القِسمُ الثَّانِي: كَلِمَاتٌ مُحَفِّزَةٌ لِطُلَّابٍ اجتَازُوا تَحَدِّيًا قُرآنِيًّا وَعِلمِيًّا بِنَجَاحٍ
أَبنَائِي وَإِخوَتِي الطُّلَّابَ الأَبطَالَ، يَا فرسَانَ التَّحَدِّي وَصُنَّاعَ الإِنجَازِ، يَا مَن خُضتُم غِمَارَ المُنَافَسَةِ الشَّرِيفَةِ وَاجتَزتُم هَذَا التَّحَدِّيَ بِنَجَاحٍ بَاهِرٍ وَتَفَوُّقٍ مُشرِقٍ:
أُحَيِّيكُم تَحِيَّةَ إِجلَالٍ وَفَخرٍ وَاعتِزَازٍ! انظُرُوا إِلَى أَنفُسِكُمُ اليَومَ وَأَنتُم تَقِفُونَ عَلَى مَنَصَّةِ الشَّرَفِ وَالتَّكرِيمِ؛ لَقَد مَرَّت عَلَيكُم أَيَّامٌ وَلَيَالٍ كَانَ فِيهَا التَّحَدِّي صَعبًا، وَالمَهَامُّ كَثِيرَةً، وَالنَّفسُ تَمِيلُ إِلَى الرَّاحَةِ وَاللَّعِبِ وَالكَسَلِ؛ فَمَاذَا فَعَلتُم؟ لَقَدِ انتَصَرتُم عَلَى أَنفُسِكُم أَوَّلًا، وَهَجَرتُم دَعَةَ الفِرَاشِ وَمُلهِيَاتِ الشَّاشَاتِ، وَصَبَرتُم عَلَى التَّكرَارِ وَالمُرَاجَعَةِ وَالاختِبَارِ سَاعَةً بَعدَ سَاعَةٍ وَيَومًا بَعدَ يَومٍ، حَتَّى حَصَدتُمُ اليَومَ ثَمَرَةَ ذَلِكَ الصَّبرِ نَجَاحًا يَرفَعُ الرَّأسَ وَيَسرُّ الخَاطِرَ!
سَلُوا أَنفُسَكُمُ الآنَ يَا أَبطَالَ التَّحَدِّي: أَينَ تَعَبُ الأَمسِ؟ أَينَ مَشَقَّةُ الحِفظِ وَالسَّهَرِ وَالمُجَاهَدَةِ؟ لَقَد ذَهَبَ التَّعَبُ كُلُّهُ كَأَن لَم يَكُنْ، وَبَقِيَت لَذَّةُ الفَوزِ وَحَلَاوَةُ الإِنجَازِ وَالأَجرُ المَذخُورُ عِندَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى! وَهَكَذَا قَرَّرَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ فِي قَاعِدَتِهِمِ الذَّهَبِيَّةِ: «يَذهَبُ التَّعَبُ، وَيَبقَى الأَجرُ وَالشَّرَفُ»!
إِنَّ اجتِيَازَكُم لِهَذَا التَّحَدِّي بنَجَاحٍ قَد أَثبَتَ لَكُم حَقِيقَةً عَظِيمَةً يَنبَغِي أَلَّا تَنسَوهَا طَوَالَ حَيَاتِكُم؛ وَهِيَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَد أَودَعَ فِي عُقُولِكُم وَقُلُوبِكُم طَاقَاتٍ هَائِلَةً وَهِمَمًا عَالِيَةً، مَتَى استَعَنتُم بِاللهِ وَصَدَقتُم فِي العَزمِ فَتَحَ اللهُ لَكُمُ المَغَالِيقَ وَذَلَّلَ لَكُمُ الصِّعَابَ! أَلَم يَقُلِ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ القَمَرِ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]؟ وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]؟
لَقَد كُنتُم فِي هَذَا التَّحَدِّي مِصدَاقًا عَمَلِيًّا لِأَمرِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ المُطَفِّفِينَ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]! فَالتَّنَافُسُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَستَحِقُّ أَن تُبذَلَ فِيهِ الأَوقَاتُ وَتُستَفرَغَ فِيهِ الطَّاقَاتُ هُوَ التَّنَافُسُ فِي حِفظِ الوَحْيِ، وَتَحصِيلِ العِلمِ، وَالارتِقَاءِ فِي مَدَارِجِ الإِيمَانِ وَالإِتقَانِ.
وَإِذَا كَانَ مِنكم مَن تَعَثَّرَ فِي أَوَّلِ التَّحَدِّي أَو وَجدَ صُعُوبَةً فِي بَعضِ الآيَاتِ ثُمَّ صَبَرَ وَثَابَرَ حَتَّى أَتقَنَ وَنجَحَ، فَلْيُبشِرْ بِبِشَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «المَاهِرُ بِالقُرآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ وَيَتَتَعتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيهِ شَاقٌّ لَهُ أَجرَانِ»! فَفِي مَيدَانِ القُرآنِ وَالعِلمِ الكُلُّ رَابِحٌ وَفَائِزٌ؛ المَاهِرُ المُتقِنُ فِي مَنزِلَةِ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالمُجَاهِدُ الصَّابِرُ عَلَى المَشَقَّةِ مَأجُورٌ مَرَّتَينِ!
فَاحمَدُوا اللهَ أَوَّلًا وَآخِرًا يَا أَبطَالَ النَّجَاحِ، وَانسبُوا الفَضلَ كُلَّهُ إِلَيهِ سُبحَانَهُ، ثُمَّ قَبِّلُوا أَيدِيَ وَرُؤُوسَ آبَائِكُم وَأُمَّهَاتِكُم الَّذِينَ سَهِرُوا لِتَنجَحُوا وَدَعَوا لَكُم فِي جَوفِ اللَّيلِ لِتُفلِحُوا، وَاشكُرُوا مَشَايِخَكُم وَمُعَلِّمِيكُم الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى تَعلِيمِكُم وَتَقوِيمِ أَلسِنَتِكُم؛ وَاجعَلُوا مِن هَذَا النَّجَاحِ وَقُودًا لِتَحَدِّيَاتٍ أَكبَرَ وَقِمَمٍ أَعلَى؛ فَمَن تَعَوَّدَ صُعُودَ القِمَمِ لَم يَرضَ أَبَدًا بِالسُّكُونِ فِي السُّفُوحِ! وَمَا أَصدَقَ قَولَ الشَّاعِرِ وَهُوَ يُخَاطِبُ أَمثَالَكُم مِن أَصحَابِ العَزَائِمِ:
إِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا ... تَعِبَت فِي مُرَادِهَا الأَجسَامُ
وَمَن يَخطُبِ الحَسنَاءَ لَم يُغلِهَا المَهرُ ... وَمَن لَم يُكرِمِ النَّفسَ لَم يُكرَمِ
القِسمُ الثَّالِثُ: كَلِمَةٌ لِرَفعِ الهِمَمِ وَالثَّبَاتِ عَلَى طَرِيقِ القُرآنِ وَالمَعَالِي
أَيُّهَا الحَفَظَةُ الأَبرَارُ، وَيَا طُلَّابَ المَعَالِي وَحَمَلَةَ النُّورِ:
بَعدَ أَن عِشنَا فَرَحَةَ التَّخرِيجِ، وَنشوَةَ الانتِصَارِ فِي التَّحَدِّي، لَا بُدَّ أَن نَقِفَ وَقفَةَ صِدقٍ نَستَشرِفُ بِهَا مَا بَعدَ هَذَا الحَفلِ؛ فَإِنَّ البُطُولَةَ لَيسَت فِي أَن تَبْدَأَ الطَّرِيقَ بحَمَاسَةٍ ثُمَّ تَنقَطِعَ، وَلَا فِي أَن تَحفَظَ جُزءًا أَو أَجزَاءً ثُمَّ تَنسَاهَا بَعدَ شُهُورٍ؛ وَإِنَّمَا البُطُولَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ «عُلُوُّ الهِمَّةِ فِي الإِتمَامِ، وَالثَّبَاتُ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى الخِتَامِ»!
أَوَّلًا: ارفَعُوا هِمَمَكُم إِلَى القِمَّةِ الكُبرَى؛ فَمَن حَفِظَ جُزءًا فَلْيَعقِدِ العَزمَ الَّيلَةَ عَلَى حِفظِ خمسَةِ أَجزَاءٍ، وَمَن حَفِظَ خَمسَةً أَو عَشَرَةً أَو نِصفَ القُرآنِ فَلَا يَرضَ دُونَ أَن يَختِمَ كِتَابَ اللهِ كَامِلًا مِنَ الفَاتِحَةِ إِلَى النَّاسِ! لِمَاذَا تَقنَعُ بِبَعضِ الدَّرَجَاتِ فِي الجَنَّةِ وَأَنتَ قَادِرٌ بِإِذنِ اللهِ عَلَى بُلُوغِ أَعلَاهَا؟ تَذَكَّرُوا دَائِمًا حَدِيثَ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرآنِ: اقرَأْ وَارتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنيَا، فَإِنَّ مَنزِلَتَكَ عِندَ آخِرِ آيَةٍ تَقرَؤُهَا»! فَكُلَّمَا زِدتَ حِفظًا وَعَمَلًا زِدتَ ارتِقَاءً فِي جَنَّاتِ الخُلُودِ!
وَانظُرُوا إِلَى هِمَّةِ أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَشَبَابِ الإِسلَامِ الأَوَّلِ: كَانَ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ، وَمعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَعَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، وَعَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو، وَعَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم فِتيَانًا فِي مِثلِ أَعمَارِكُم، فَأَخَذُوا الكِتَابَ بِقُوَّةٍ كَمَا قَالَ اللهُ لِيَحيَى عَلَيهِ السَّلَامُ فِي سُورَةِ مَريَمَ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]؛ فَحَفِظُوا القُرآنَ وَالسُّنَّةَ، وَقَدَّمَهُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي مَجَالِسِ الشُّورَى وَالقَضَاءِ وَالإِمَامَةِ؛ وَحِينَ سُئِلَ نَافِعُ بنُ عَبدِ الحَارِثِ عَامِلُ عُمَرَ عَلَى مَكَّةَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: مَنِ استَخلَفتَ عَلَى أَهلِ الوَادِي؟ قَالَ: «ابنَ أَبزَى!»، قَالَ عُمَرُ: «وَمَنِ ابنُ أَبزَى؟» قَالَ: «مَولًى مِن مَوَالِينَا، إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَالِمٌ بِالفَرَائِضِ!»؛ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد قَالَ: إِنَّ اللهَ يَرفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»!
ثَانِيًا: تَعَاهَدُوا مَا حَفِظتُمُوهُ بِالمُرَاجَعَةِ الدَّائِمَةِ وَالوِردِ اليَومِيِّ الثَّابِتِ الَّذِي لَا يَنقَطِعُ أَبَدًا؛ فَإِنَّ القُرآنَ عَزِيزٌ كَرِيمٌ، إِن أَقبَلتَ عَلَيهِ وَلازَمتَهُ استَقَرَّ فِي صَدرِكَ، وَإِن هَجَرتَهُ وَغَفَلتَ عَنهُ تَفَلَّتَ مِنكَ! استَمِعُوا إِلَى هَذَا التَّحذِيرِ النَّبَوِيِّ الصَّريحِ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ، فَوَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «فَإِن عَاهَدَ عَلَيهِ أَمسَكَهُ، وَإِن أَطلَقَهُ ذَهَبَ»!
فَاحذَرُوا يَا أَحِبَّتِي مِن آفةِ الانقِطَاعِ بَعدَ الحَفلِ؛ وَتَذَكَّرُوا قَاعِدَةَ الثَّبَاتِ النَّبَوِيَّةَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَحَبُّ الأَعمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدوَمُهَا وَإِن قَلَّ»! فَوِردٌ يَومِيٌّ ثَابِتٌ تَقرَؤُهُ فِي صَلَاتِكَ وَفِي لَيلِكَ وَنَهَارِكَ خَيرٌ وَأَبقَى مِن هَبَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ يَعقُبُهَا انقِطَاعٌ وَفُتُورٌ!
ثَالِثًا: تَخَلَّقُوا بِأَخلَاقِ القُرآنِ، وَاعملُوا بِأَحكَامِهِ، حَتَّى يَكُونَ القُرآنُ شَاهِدًا لَكُم وَشَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «اقرَؤُوا القُرآنَ فَإِنَّهُ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصحَابِهِ». قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي كَلِمَتِهِ المَأثُورَةِ: «حَامِلُ القُرآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسلَامِ، لَا يَنبَغِي أَن يَلهُوَ مَعَ مَن يَلهُو، وَلَا يَسهُوَ مَعَ مَن يَسهُو، وَلَا يَلغُوَ مَعَ مَن يَلغُو؛ تَعظِيمًا لِحَقِّ القُرآنِ»! وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَنبَغِي لِحَامِلِ القُرآنِ أَن يُعرَفَ بِلَيلِهِ إِذِ النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذِ النَّاسُ مُفطِرُونَ، وَبِحُزنِهِ إِذِ النَّاسُ يَفرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذِ النَّاسُ يَضحَكُونَ، وَبِصَمتِهِ إِذِ النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذِ النَّاسُ يَختَالُونَ»!
فَامضُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ يَا حَمَلَةَ القُرآنِ، واثبُتُوا عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ المُنِيرِ حَتَّى تَلقَوا اللهَ وَأَنتُم مِن أَهلِ اللهِ وَخَاصَّتِهِ، عَامِلِينَ بِوَصِيَّةِ رَبِّكُم فِي خِتَامِ سُورَةِ الحِجرِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وَتَمَثَّلُوا قَولَ الإِمَامِ الشَّاطِبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي حِرزِ الأَمَانِي وَهُوَ يَصِفُ صَاحِبَ القُرآنِ الثَّابِتَ عَلَى الطَّرِيقِ:
وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوثَقُ شَافِعٍ ... وَأَغنَى غَنَاءً وَاهِبًا مُتَفَضِّلَا
وَخَيرُ جَلِيسٍ لَا يُمَلُّ حَدِيثُهُ ... وَتَردَادُهُ يَزدَادُ فِيهِ تَجَمُّلَا
فَيَا أَيُّهَا القَارِي بِهِ مُتَمَسِّكًا ... مُجِلًّا لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلَا
هَنِيئًا مَرِيئًا وَالِدَاكَ عَلَيهِمَا ... مَلَابِسُ أَنوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلَا
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، بَارِكْ فِي هَؤُلَاءِ الفِتيَةِ وَالطُّلَّابِ الحَفَظَةِ، وَاجعَلْ مَا حَفِظُوهُ مِن كِتَابِكَ نُورًا فِي قُلُوبِهِم، وَضِيَاءً فِي وُجُوهِهِم، وَبَرَكَةً فِي أَعمَارِهِم وَأَوقَاتِهِم، وَبَلِّغْهُم تَمَامَ خَتمِ القُرآنِ الكَرِيمِ حِفظًا وَفَهمًا وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا.
اللَّهُمَّ ثَبِّتِ القُرآنَ فِي صُدُورِهِم، وَثَبِّتْ أَقدَامَهُم عَلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، وَارفَعْ هِمَمَهُم إِلَى مَعَالِي الأُمُورِ، وَأَعِذْهُم مِنَ الفُتُورِ وَالكَسَلِ وَالغُرُورِ. اللَّهُمَّ اجزِ آبَاءَهُم وَأُمَّهَاتِهِم وَمَشَايِخَهُم وَمُعَلِّمِيهِم وَكُلَّ مَن قَامَ عَلَى هَذِهِ الحَلَقَاتِ وَهَذَا الحَفلِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ، وَأَلبِسْهُم حُلَلَ الكَرَامَةِ وَتَاجَ الوَقَارِ يَومَ لِقَائِكَ، وَاجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا جَمِيعًا، وَشَفِيعًا لَنَا يَومَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَن أَتَى اللهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
من مكتبة مِداد الخطيب
كَلِمَةُ حَفلِ تَخرِيجِ حَفَظَةِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَتَكرِيمِ المُتَفَوِّقِينَ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.