من مكتبة مِداد الخطيب

كَثرَةُ الهَرجِ وَجَرِيمَةُ القَتلِ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حُرمَةِ الدِّمَاءِ المَعصُومَةِ وَخَطَرِ استِحلَالِ الأَنفُسِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

مشاركة
كَثرَةُ الهَرجِ وَجَرِيمَةُ القَتلِ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حُرمَةِ الدِّمَاءِ المَعصُومَةِ وَخَطَرِ استِحلَالِ الأَنفُسِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الحَمدُ للهِ الَّذِي حَرَّمَ الدِّمَاءَ وَالأَنفُسَ المَعصُومَةَ تَحرِيمًا عَظِيمًا، وَجَعَلَ حُرمَةَ دَمِ المُؤمِنِ عِندَهُ أَعظَمَ مِن حُرمَةِ البَيتِ الحَرَامِ وَالبَلَدِ الحَرَامِ وَالشَّهرِ الحَرَامِ، وَتوَعَّدَ مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ حَقٍّ بِالخُلُودِ فِي الجَحِيمِ وَالغَضَبِ وَاللَّعنَةِ وَالعَذَابِ الأَلِيمِ. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدَ مَن عَظَّمَ حُرُمَاتِهِ، وَوَقَفَ عِندَ حُدُودِهِ، وَكَفَّ يَدَهُ وَلِسَانَهُ عَن دِمَاءِ عِبَادِهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَكَمُ العَدلُ، المَلِكُ الحَقُّ، الَّذِي يَقضِي يَومَ القِيَامَةِ بَينَ الخَلَائِقِ فَيَجعَلُ أَوَّلَ مَا يُقضَى فِيهِ بَينَ العِبَادِ الدِّمَاءَ، فَلَا يَضِيعُ عِندَهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ وَلَا قَطرَةُ دَمٍ سُفِكَت فِي الأَرضِ ظُلمًا وَعُدوَانًا. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، الصَّادِقُ المَصدُوقُ الَّذِي لَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، أَنذَرَ أُمَّتَهُ مِن فِتَنِ آخِرِ الزَّمَانِ، وَأَخبَرَ أَنَّ مِن أَظهَرِ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ كَثرَةَ الهَرجِ وَهُوَ القَتلُ، حَتَّى يَقتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ، وَحَتَّى لَا يَدرِيَ القَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا المَقتُولُ فِيمَ قُتِلَ، وَقَامَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ يُوصِي الأُمَّةَ وَصِيَّةَ المُوَدِّعِ المُشفِقِ: «لَا تَرجِعُوا بَعدِي كُفَّارًا يَضرِبُ بَعضُكُم رِقَابَ بَعضٍ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ تَوَرُّعًا عَنِ الدِّمَاءِ وَأَعظَمَهُم خَوفًا مِنَ اللهِ فِي الأَنفُسِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠–٧١]. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكِرَامُ: إِنَّنَا نَقِفُ اليَومَ عَلَى هَذَا المِنبَرِ أَمَامَ زِلزَالٍ أَخلَقِيٍّ وَإِيمَانِيٍّ خَطِيرٍ، وَنَذِيرٍ نَبَوِيٍّ عَظِيمٍ مِن نُذُرِ السَّاعَةِ وَأَشرَاطِهَا الَّتِي أَخبَرَ عَنهَا الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَبلَ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا، فَإِذَا نَحنُ نَرَاهَا اليَومَ رَأيَ العَينِ تَتَحَقَّقُ فِي المُجتَمَعَاتِ وَالبُلدَانِ وَالأَحيَاءِ وَالشَّوَارِعِ بَل وَدَاخِلَ البُيُوتِ! إِنَّهَا عَلَامَةُ «كَثرَةِ الهَرجِ»، وَاستِفحَالِ جَرِيمَةِ القَتلِ، وَهُوَانِ الدَّمِ البَشَرِيِّ المَعصُومِ، حَتَّى أَصبَحَ النَّاسُ يَستَيقِظُونَ كُلَّ صَبَاحٍ وَيُمسُونَ كُلَّ لَيلَةٍ عَلَى أَنبَاءِ قَتيلٍ قُتِلَ مِن أَجلِ مِترٍ مِنَ التُّرَابِ، أَو شِبرٍ مِنَ المِيرَاثِ، أَو مَوقِفِ سَيَّارَةٍ، أَو كَلِمَةِ غَضَبٍ عَابِرَةٍ، أَو نَعرَةٍ عَصَبِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ، أَو جَرعَةٍ مُخَدِّرَةٍ ذَهَبَت بِالعَقلِ فَفَتَكَ الوَلَدُ بِأَبِيهِ، وَالأَخُ بِأَخِيهِ، وَالجَارُ بِجَارِهِ، وَالصَّدِيقُ بِصَدِيقِهِ، وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ! تَعَالَوا بِنَا -يَا عِبَادَ اللهِ- نَستَمِعُ بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ وَاجِفَةٍ إِلَى دَوَاوِينِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَهِيَ تَصِفُ لَنَا هَذِهِ العَلَامَةَ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ وَصفًا دَقِيقًا كَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَنظُرُ مِن وَرَاءِ حُجُبِ الغَيبِ إِلَى مَا يَجرِي فِي زَمَانِنَا هَذَا: أَوَّلًا: رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكثُرَ الهَرجُ»، قَالُوا: وَمَا الهَرجُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «القَتلُ القَتلُ»! كَرَّرَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَينِ تَأكِيدًا لِفَظَاعَتِهَا وَكَثرَةِ وُقُوعِهَا وَتَتَابُعِ جَرَائِمِهَا! ثَانِيًا: وَفِي الصَّحِيحَينِ أَيضًا عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ وَأَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرفَعُ فِيهَا العِلمُ، وَيَنزِلُ فِيهَا الجَهلُ، وَيَكثُرُ فِيهَا الهَرجُ، وَالهَرجُ القَتلُ». انظُرُوا إِلَى التَّرَابُطِ العَجِيبِ فِي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: «يُرفَعُ فِيهَا العِلمُ، وَيَنزِلُ فِيهَا الجَهلُ، وَيَكثُرُ فِيهَا الهَرجُ»! فَحِينَ يَغِيبُ العِلمُ الشَّرعِيُّ الحَاجِزُ عَنِ المَحَارِمِ، وَيَستَفحِلُ الجَهلُ بِاللهِ وَبِحُدُودِهِ وَبِعِظَمِ الوَعِيدِ عَلَى الدِّمَاءِ، تَنفَلِتُ الغَرَائِزُ وَالعَصَبِيَّاتُ فَيَكثُرُ القَتلُ وَسَفكُ الدِّمَاءِ! ثَالِثًا: استَمِعُوا إِلَى الحَدِيثِ الرَّهِيبِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا تَذهَبُ الدُّنيَا حَتَّى يَأتِيَ عَلَى النَّاسِ يَومٌ لَا يَدرِي القَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا المَقتُولُ فِيمَ قُتِلَ»! فَقِيلَ: كَيفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «الهَرجُ، القَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ»! يَا الله! قِفُوا عِندَ قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَدرِي القَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا المَقتُولُ فِيمَ قُتِلَ»! يَعنِي: يَصِيرُ القَتلُ عَشوَائِيًّا أَعمَى، بِلَا سَبَبٍ شَرعِيٍّ وَلَا حَتَّى سَبَبٍ عَقلِيٍّ مَعقُولٍ؛ يُقتَلُ الإِنسَانُ فِي الطَّرِيقِ أَو فِي السُّوقِ أَو فِي الفِتنَةِ وَهُوَ لَا يَدرِي بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَ، وَيَقتُلُ القَاتِلُ عَشَرَاتِ الأَنفُسِ أَو يَقتُلُ جَارَهُ وَأَخَاهُ ثُمَّ إِذَا سُئِلَ أَو سَأَلَ نَفسَهُ بَعدَ أَن تَبرُدَ سَورَةُ الغَضَبِ وَالشَّيطَانِ: لِمَاذَا قَتَلتُهُ؟ وَعَلَى أَيِّ شَيءٍ أَزهَقتُ رُوحَهُ وَأَورَدتُ نَفسِي جَهَنَّمَ؟ لَم يَجِدْ جَوَابًا إِلَّا التَّفَاهَةَ وَالحَمَاقَةَ وَنَزغَ الشَّيطَانِ! رَابِعًا: وَالأَعجَبُ وَالأَدَقُّ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ المُفرَدِ» وَابنُ مَاجَه وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بَينَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَهَرجًا»، قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الهَرجُ؟ قَالَ: «القَتلُ»، فَقَالَ بَعضُ المُسلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَقتُلُ الآنَ فِي العَامِ الوَاحِدِ مِنَ المُشرِكِينَ كَذَا وَكَذَا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَيسَ بِقَتلِ المُشرِكِينَ، وَلَكِن يَقتُلُ بَعضُكُم بَعضًا، حَتَّى يَقتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ»! فَقَالَ بَعضُ القَومِ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ اليَومَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا، تُنزَعُ عُقُولُ أَكثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخلَفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُم»! صَدَقتَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَد تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَأَمسَكُوا عَلَى أَفوَاهِهِم مِنَ الدَّهشَةِ حِينَ سَمِعُوا أَنَّ الرَّجُلَ سَيَقتُلُ جَارَهُ وَابنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ، وَسَأَلُوا: «وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ اليَومَ؟» فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالتَّفسِيرِ الدَّقِيقِ: «لَا، تُنزَعُ عُقُولُ أَكثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ»! تُنزَعُ العُقُولُ بِالغَضَبِ الأَعمَى، وَتُنزَعُ بِالمُخَدِّرَاتِ وَالمُسكِرَاتِ، وَتُنزَعُ بِالطَّمَعِ فِي حُطَامِ الدُّنيَا، وَتُنزَعُ بِتَأجِيجِ النَّعَرَاتِ وَالفِتَنِ وَالعَصَبِيَّاتِ، فَيَنقَلِبُ الإِنسَانُ وَحشًا كَاسِرًا يَسفِكُ دَمَ أَقرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: لِكَي يَرتَعِدَ القَلبُ وَيَستَيقِظَ الضَّمِيرُ، دَعُونَا نَستَعرِضُ غَزَارَةَ الأَدِلَّةِ القُرآنِيَّةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي بَيَّنَت عِظَمَ حُرمَةِ النَّفسِ المَعصُومَةِ، وَفَظَاعَةَ جَرِيمَةِ القَتلِ، وَهَولَ مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلقَاتِلِ مِنَ النَّكَالِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ: أَوَّلًا: فِي القُرآنِ العَظِيمِ قَرَنَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَرِيمَةَ قَتلِ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ بِأَعظَمِ الذُّنُوبِ عَلَى الإِطلَاقِ وَهُوَ الشِّركُ بِاللهِ تَعَالَى؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الفُرقَانِ فِي وَصفِ عِبَادِ الرَّحمَنِ النَّاجِينَ مِنَ العَذَابِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨–٦٩]، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي الوَصَايَا العَشرِ المُحكَمَاتِ فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. ثَانِيًا: أَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ فِي قَاتِلِ المُؤمِنِ عَمدًا آيَةً هِيَ مِن أَشَدِّ آيَاتِ الوَعِيدِ فِي كِتَابِ اللهِ كُلِّهِ؛ جَمَعَ اللهُ فِيهَا عَلَى القَاتِلِ خَمسَ عُقُوبَاتٍ قَاصِمَاتٍ تَتَصَدَّعُ لِذِكرِهَا الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]! عُدُّوا هَذِهِ العقُوبَاتِ الخَمسَ يَا أُولِي الأَلبَابِ: العُقُوبَةُ الأُولَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾! العُقُوبَةُ الثَّانِيَةُ: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾! العُقُوبَةُ الثَّالِثَةُ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، وَمَن يَحلِلْ عَلَيهِ غَضَبُ اللهِ فَقَد هَوَى! العُقُوبَةُ الرَّابِعَةُ: ﴿وَلَعَنَهُ﴾، أَي طَرَدَهُ وَأَبعَدَهُ مِن رَحمَتِهِ! العُقُوبَةُ الخَامِسَةُ: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾! حَتَّى إِنَّ حَبرَ الأُمَّةِ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا -كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ- كَانَ يُغَلِّظُ أَمرَ القَاتِلِ أَشدَّ التَّغلِيظِ استِدلَالًا بِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ وَلَم يَنسَخْهَا شَيءٌ، وَقَالَ جُمْهُورُ أَهلِ السُّنَّةِ: هَذَا جَزَاؤُهُ الَّذِي يَستَحِقُّهُ إِن جَازَاهُ اللهُ بِهِ، وَلَو تَابَ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ وَأَدَّى حَقَّ أَولِيَاءِ الدَّمِ فِي الدُّنيَا، يَبقَى حَقُّ المَقتُولِ نَفسِهِ مُعَلَّقًا فِي عُنُقِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ! ثَالِثًا: قَرَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ أَنَّ الاعتِدَاءَ عَلَى نَفسٍ بَشَرِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مَعصُومَةٍ بَرِيئَةٍ هُوَ فِي مِيزَانِ الجَرِيمَةِ وَالاستِباحَةِ بِمَنزِلَةِ قَتلِ البَشَرِيَّةِ جَمعَاءَ! قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. رَابِعًا: وَإِذَا انتَقَلنَا إِلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، وَجَدنَا عَشَرَاتِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَقرَعُ القُلُوبَ بِعِظَمِ جُرمِ القَتلِ: — الحَدِيثُ الأَوَّلُ: قَتلُ النَّفسِ مِنَ السَّبعِ المُوبِقَاتِ المُهلِكَاتِ؛ كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّركُ بِاللهِ، وَالسِّحرُ، وَقَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ...» الحَدِيثَ. — الحَدِيثُ الثَّانِي: الدِّمَاءُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيهِ العِبَادُ فِي حُقُوقِ الخَلقِ يَومَ القِيَامَةِ؛ كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ مَا يُقضَى بَينَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»! — الحَدِيثُ الثَّالِثُ: دَمُ المُؤمِنِ أَعظَمُ عِندَ اللهِ مِن زَوَالِ الدُّنيَا كُلِّهَا وَمِن هَدمِ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ؛ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو وَالبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللهِ مِن قَتلِ رَجُلٍ مُسلِمٍ»! وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن بُرَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «قَتلُ المُؤمِنِ أَعظَمُ عِندَ اللهِ مِن زَوَالِ الدُّنيَا»، وَرَوَى التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ نَظَرَ يَومًا إِلَى البَيتِ أَو إِلَى الكَعبَةِ فَقَالَ: «مَا أَعظَمَكِ وَأَعظَمَ حُرمَتَكِ، وَالمُؤمِنُ أَعظَمُ حُرمَةً عِندَ اللهِ مِنكِ»! — الحَدِيثُ الرَّابِعُ: تَورُّطُ القَاتِلِ فِي مَضِيقٍ لَا مَخرَجَ لَهُ مِنهُ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَن يَزَالَ المُؤمِنُ فِي فُسحَةٍ مِن دِينِهِ مَا لَم يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»! ثُمَّ قَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَلِمَتَهُ المَشهُورَةَ فِي البُخَارِيِّ: «إِنَّ مِن وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لَا مَخرَجَ لِمَن أَوقَعَ نَفسَهُ فِيهَا سَفكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيرِ حِلِّهِ»! — الحَدِيثُ الخَامِسُ: مَشهَدُ المَقتُولِ وَهُوَ يَجُرُّ قَاتِلَهُ إِلَى عَرشِ الرَّحمَنِ يَومَ القِيَامَةِ؛ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَجِيءُ المَقتُولُ بِالقَاتِلِ يَومَ القِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأسُهُ بِيَدِهِ، وَأَودَاجُهُ تَشخَبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ، هَذَا قَتَلَنِي! حَتَّى يُدنِيَهُ مِنَ العَرشِ»! تَخَيَّلُوا هَذَا المَوقِفَ المَهِيبَ يَا مَن تَستَهِينُونَ بِالدِّمَاءِ: المَقتُولُ المَظلُومُ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ وَعُرُوقُ رَقَبَتِهِ تَدفُقُ دَمًا، وَهُوَ مُمْسِكٌ بِنَاصِيَةِ قَاتِلِهِ وَرَأسِهِ، يَصرُخُ بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ: «يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي»! فَبِأَيِّ لِسَانٍ يُجِيبُ القَاتِلُ؟ وَمَن يَشفَعُ لَهُ عِندَ المَلِكِ الدَّيَّانِ؟! — الحَدِيثُ السَّادِسُ: حَتَّى الكَافِرُ المُعَاهَدُ وَالمُستَأمَنُ وَالذِّمِّيُّ الَّذِي لَهُ عَهدٌ وَأَمَانٌ، حَرَّمَ الإِسلَامُ دَمَهُ أَشدَّ التَّحرِيمِ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَتَلَ مُعَاهَدًا لَم يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أَربَعِينَ عَامًا»! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: لِنَنتَقِلِ الآنَ إِلَى «الأَمثِلَةِ القَصَصِيَّةِ العَظِيمَةِ» مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَارِيخِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ؛ لِنَرَى فِي مِرآةِ الوَحيِ وَالتَّارِيخِ شُؤمَ جَرِيمَةِ القَتلِ، وَعَظَمَةَ مَقَامِ الَّذِينَ كَفُّوا أَيدِيَهُم عَنِ الدِّمَاءِ خَوفًا مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ: القِصَّةُ الأُولَى: أَوَّلُ جَرِيمَةِ قَتلٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ (قِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ): لَقَد قَصَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَينَا فِي سُورَةِ المَائِدَةِ قِصَّةَ أَوَّلِ دَمٍ سُفِكَ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ، حِينَ حَسَدَ قَابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ لِأَنَّ اللهَ تَقَبَّلَ قُربَانَ أَخِيهِ التَّقِيِّ وَلَم يَتَقَبَّلْ مِنهُ، فَهَدَّدَهُ بِالقَتلِ؛ فَمَاذَا كَانَ مَوقِفُ الأَخِ المُؤمِنِ التَّقِيِّ؟ استَمِعُوا إِلَى هَذَا الحِوَارِ القُرآنِيِّ الخَالِدِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ۝ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧–٢٨]، ثُمَّ أَنذَرَهُ بِعَاقِبَةِ القَتلِ فِي الآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ۝ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٩–٣٠]. انظُرُوا مَاذَا جَنَى القَاتِلُ الأَوَّلُ مِن قَتلِ أَخِيهِ: خَسِرَ دِينَهُ وَدُنيَاهُ وَآخِرَتَهُ، وَعَجزَ حَتَّى عَن مُوَارَاةِ سَوءَةِ أَخِيهِ حَتَّى بَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبحَثُ فِي الأَرضِ فَقَالَ يَا وَيلَتَا أَعَجَزتُ أَن أَكُونَ مِثلَ هَذَا الغُرَابِ فَأَصبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ! بَل الأَدهَى وَالأَمرُّ أَنَّهُ تَحَمَّلَ كِفلًا وَنَصِيبًا مِن إِثمِ كُلِّ جَرِيمَةِ قَتلٍ تَقَعُ فِي الأَرضِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ! كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَن سَنَّ القَتلَ»! القِصَّةُ الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَالرَّجُلِ الَّذِي نَطَقَ بِالشَّهَادَةِ تَحتَ السَّيفِ: تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- كَيفَ رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَصحَابَهُ عَلَى تَعظِيمِ الدِّمَاءِ حَتَّى فِي سَاحَةِ المَعرَكَةِ المَشرُوعَةِ! رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن حِبِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَى الحُرَقَةِ مِن جُهَينَةَ، فَصَبَّحنَا القَومَ فَهَزَمنَاهُم، وَلَحِقتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ رَجُلًا مِنهُم، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»! فَكَفَّ عَنهُ الأَنصَارِيُّ، وَطَعَنتُهُ بِرُمحِي حَتَّى قَتَلتُهُ! قَالَ أُسَامَةُ: فَلَمَّا قَدِمنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلتَهُ بَعدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟!» قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا -أَي إِنَّمَا قَالَهَا خَوفًا مِنَ السِّلَاحِ-! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلتَهُ؟! أَفَلَا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حَتَّى تَعلَمَ أَقَالَهَا أَم لَا؟! فَكَيَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟!» قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيتُ أَنِّي لَم أَكُنْ أَسلَمتُ قَبلَ ذَلِكَ اليَومِ! اللهُ أَكبَرُ! هَذَا مَعَ رَجُلٍ كَانَ مُحَارِبًا قَبلَ لَحظَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا نَطَقَ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ تَأَوَّلَ أُسَامَةُ أَنَّهُ قَالَهَا تَعَوُّذًا، فَاهتَزَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا لِحُرمَةِ الدَّمِ وَحُرمَةِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» وَقَالَ لَهُ الكَلِمَةَ الَّتِي تَخلَعُ القُلُوبَ: «فَكَيَ تَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟!» فَمَا بَالُكُم بِمَن يَقتُلُ مُسلِمًا وُلِدَ عَلَى الفِطرَةِ، وَيَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُصَلِّي وَيَصُومُ، ثُمَّ يَسفِكُ دَمَهُ عَمدًا بِغَيرِ تَأوِيلٍ وَلَا شُبهَةٍ؟! كَيفَ يَصنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَت تُخَاصِمُهُ يَومَ القِيَامَةِ؟! القِصَّةُ الثَّالِثَةُ: بَرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن خَطَأِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي بَنِي جَذِيمَةَ: كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُم إِلَى الإِسلَامِ، فَلَم يُحسِنُوا أَن يَقُولُوا: «أَسلَمنَا»، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: «صَبَأنَا صَبَأنَا»! فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقتُلُ مِنهُم وَيَأسِرُ متَأَوِّلًا أَنَّهُم لَم يُسلِمُوا، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَومٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَن يَقتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ! فَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «فَقُلتُ: وَاللهِ لَا أَقتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقتُلُ رَجُلٌ مِن أَصحَابِي أَسِيرَهُ»! حَتَّى قَدِمنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَدَيهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبرَأُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» مَرَّتَينِ! ثُمَّ بَعَثَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِمَالٍ كَثِيرٍ فَوَدَى لَهُمُ الدِّمَاءَ وَالأَموَالَ حَتَّى مِيلَغَةَ الكَلبِ؛ تَعظِيمًا لِشَأنِ الدِّمَاءِ وَإِبرَاءً لِلذِّمَّةِ أَمَامَ اللهِ تَعَالَى! القِصَّةُ الرَّابِعَةُ: مَوقِفُ أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي كَسرِ السُّيُوفِ وَالعُزلَةِ عِندَ وُقُوعِ الفِتَنِ: حِينَ وَقَعَتِ الفِتنَةُ بَينَ المُسلِمِينَ بَعدَ مَقتَلِ الخَلِيفَةِ المَظلُومِ الشَّهِيدِ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَيفَ تَصَرَّفَ كِبَارُ الصَّحَابَةِ كَسَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بنِ مَسلَمَةَ، وَأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وَأَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم؟ لَقَد تَذَكَّرُوا وَصَايَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي اعتِزَالِ فِتَنِ الهَرجِ وَالدِّمَاءِ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَلَا تُقَاتِلُ؟ فَقَالَ: «لَا، حَتَّى تَأتُونِي بِسَيفٍ لَهُ عَينَانِ وَلِسَانٌ وَشَفَتَانِ يَعرِفُ المُؤمِنَ مِنَ الكَافِرِ، فَقَد سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي خَيرٌ مِنَ السَّاعِي»! وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ وَأَهبَانَ بنِ صَيفِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي أَيَّامِ الهَرجِ وَالفِتنَةِ: «اكسِرُوا فِيهَا قِسِيَّكُم، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوتَارَكُم، وَاضرِبُوا سُيُوفَكُم بِالحِجَارَةِ، وَالزَمُوا بُيُوتَكُم، فَإِن دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنكُم بَيتُهُ فَلْيَكُنْ كَخَيرِ ابنَيْ آدَمَ»! أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، جَعَلَ فِي القِصَاصِ حَيَاةً لِأُولِي الأَلبَابِ، وَحَرَّمَ البَغيَ وَالعُدوَانَ وَسَفكَ الدِّمَاءِ بِغَيرِ حَقٍّ إِلَى يَومِ الحِسَابِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارِكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ تَفَشِّيَ جَرَائِمِ القَتلِ فِي المُجتَمَعَاتِ المُعَاصِرَةِ لَم يَأتِ مِن فَرَاغٍ، بَل وَرَاءَهُ أَسبَابٌ وَذَرَائِعُ يَجِبُ عَلَى الأُمَّةِ كُلِّهَا -عُلَمَاءَ وَحُكَّامًا وَقُضَاةً وَوُجَهَاءَ وَآبَاءً وَشَبَابًا- أَن يَتَكَاتَفُوا لِقَطعِ دَابِرِهَا وَسَدِّ أَبوَابِهَا: السَّبَبُ الأَوَّلُ: التَّسَاهُلُ فِي حَملِ السِّلَاحِ وَإِشهَارِهِ فِي وُجُوهِ المُسلِمِينَ عِندَ أَدنَى خِلَافٍ أَو حَتَّى عَلَى سَبِيلِ المِزَاحِ وَالتَّخوِيفِ: لَقَد سَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كُلَّ ذَرِيعَةٍ تُؤَدِّي إِلَى سَفكِ الدَّمِ، فَحَرَّمَ مُجَرَّدَ الإِشَارَةِ بِالسِّلَاحِ أَوِ الحَدِيدَةِ فِي وَجهِ المُسلِمِ؛ كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُم عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدرِي لَعَلَّ الشَّيطَانَ يَنزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعَ فِي حُفرَةٍ مِنَ النَّارِ»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا: «مَن أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِن كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ»! فَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ الإِشَارَةِ بِحَدِيدَةٍ أَو سِكِّينٍ أَو سِلَاحٍ يُوجِبُ لَعنَةَ المَلَائِكَةِ، فَكَيفَ بِمَن يُطلِقُ الرَّصَاصَ فِي الأَعرَاسِ وَالمُنَاسَبَاتِ فَيَقتُلُ الأَبرِيَاءَ، أَو يُخرِجُ سِلَاحَهُ عِندَ كُلِّ خُصُومَةٍ مَالِيَّةٍ أَو مَرُورِيَّةٍ فَيَزهَقُ الأَروَاحَ؟! السَّبَبُ الثَّانِي: العَصَبِيَّةُ الجَاهِلِيَّةُ، وَثَارَاتُ الدَّمِ العَميَاءُ، وَأَكلُ المَوَارِيثِ وَالأَرَاضِي بِالبَاطِلِ: كَم مِن دِمَاءٍ مَعصُومَةٍ أُرِيقَت بِسَبَبِ ظُلمِ الإِخوَةِ لِأَخَوَاتِهِم أَو أَعمَامِهِم فِي المِيرَاثِ وَالأَرضِ، أَو بِسَبَبِ حَمِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ الَّتِي يَأخُذُ فِيهَا النَّاسُ البَرِيءَ بِذَنبِ الجَانِي وَهُوَ مَا حَرَّمَهُ اللهُ بِقَولِهِ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]! وَاعلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَن حَرَّضَ عَلَى قَتلِ مَعصُومٍ، أَو أَعَانَ عَلَيهِ بَمَالٍ أَو سِلَاحٍ أَو تَخطِيطٍ أَو كَلِمَةٍ، فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الوِزرِ وَالغَضَبِ الإِلَهِيِّ؛ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَن أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَو أَنَّ أَهلَ السَّمَاءِ وَأَهلَ الأَرضِ اشتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللهُ فِي النَّارِ»! السَّبَبُ الثَّالِثُ: تَعَاطِي المُخَدِّرَاتِ وَالمُسكِرَاتِ، وَتَعطِيلُ حُكمِ اللهِ فِي القِصَاصِ العَادِلِ: إِنَّ المخَدِّرَاتِ هِيَ السُّمُّ القَاتِلُ الَّذِي يَنزِعُ عُقُولَ الشَّبَابِ فَيَجعَلُهُم يَفتِكُونَ بِآبَائِهِم وَأُمَّهَاتِهِم وَأَزوَاجِهِم وَأَطفَالِهِم مِن غَيرِ وَعيٍ! كَمَا أَنَّ التَّهَاوُنَ فِي إِقَامَةِ القِصَاصِ الشَّرعِيِّ العَادِلِ عَلَى القَاتِلِ المُتَعَمِّدِ يُجرِّئُ المُجرِمِينَ عَلَى الدِّمَاءِ؛ وَمَا صَدَقَ أَحَدٌ مِثلَ صِدقِ اللهِ القَائِلِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]! وَإِذَا كَانَ اللهُ قَد حَرَّمَ عَلَى الإِنسَانِ أَن يَقتُلَ غَيرَهُ، فَقَد حَرَّمَ عَلَيهِ كَذَلِكَ أَن يَقتُلَ نَفسَهُ بِالانتِحَارِ مَهمَا اشتَدَّت بِهِ الكُرُوبُ وَالأَزَمَاتُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»! فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- فِي الدِّمَاءِ، وَاحفَظُوا أَيدِيَكُم وَأَلسِنَتَكُم، وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم، وَأَدُّوا الحُقُوقَ إِلَى أَهلِهَا، وَاكظِمُوا الغَيظَ عِندَ الغَضَبِ، وَلَقَوا اللهَ تَعَالَى خِمَاصَ البُطُونِ مِن أَموَالِ النَّاسِ، نَقِيَّةً أَيدِيكُم مِن دِمَائِهِم، تَفُوزُوا بِالأَمنِ التَّامِّ يَومَ الفَزَعِ الأَكبَرِ! أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالهُدَى، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ احقِنْ دِمَاءَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأَلِّفْ بَينَ قُلُوبِهِم، وَأَصلِحْ ذَاتَ بَينِهِم، وَاهدِهِم سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَعِذْنَا وَإِيَّاهُم مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ اعصِمْ أَيدِيَنَا وَأَلسِنَتَنَا عَنِ الدِّمَاءِ وَالأَعراضِ وَالأَموَالِ المَعصُومَةِ، وَطَهِّرْ مُجتَمَعَاتِنَا مِنَ البَغيِ وَالظُّلمِ وَالعُدوَانِ وَالمُخَدِّرَاتِ وَسَائِرِ المُوبِقَاتِ، وَاجعَلْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.