🕌 وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين... إشراقة النور الذي غيّر وجه التاريخ
#خطبة_جمعة #السيرة_النبوية #محبة_النبي #الرحمة_المهداة #الرسالة #أخلاق_النبي #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي أضاءَ بنورِ نبيِّهِ ظُلُماتِ الجاهليَّة، وكَشَفَ برِسالتِهِ غَياهِبَ الوَثنيَّة، وأحيا بهِ القُلوبَ بَعدَ مَواتِها، وهَدى بهِ الأرواحَ بَعدَ شَتاتِها. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ بَعثَةَ نبيِّنا أعظَمَ مِنَّةٍ امْتَنَّ بها على عِبادِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، وخِيرَتُهُ مِن خَلقِه، وأمينُهُ على وَحيِه، المَبعوثُ بالرَّحمَةِ المُهداة، والنِّعمَةِ المُسداة، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا مَعي يا عِبادَ اللهِ... عالَمًا يَأكُلُ فيهِ القَويُّ الضَّعيف، وتُوأَدُ فيهِ البَناتُ وهُنَّ أحياء، وتُعبَدُ فيهِ الحِجارَةُ الَّتي لا تَضُرُّ ولا تَنفَع، وتُسفَكُ فيهِ الدِّماءُ لِعُقودٍ طَويلَةٍ مِن أجلِ ناقَةٍ أو سِباقِ خَيل. عالَمًا غابَت عنهُ رِسالاتُ السَّماء، وتَخَبَّطَ في دياجيرِ الشِّركِ والظُّلم.
في ذلِكَ الوَقتِ العَصيب مِن عُمُرِ البَشَريَّة، وفي تِلكَ البُقعَةِ القاحِلَةِ مِن صَحراءِ مَكَّة، أشرَقَ النُّور. وُلِدَ اليَتيمُ الَّذي سَيَكفُلُ أُمَّةً، وبُعِثَ الأُمِّيُّ الَّذي سَيُعَلِّمُ العالَم. جاءَ مُحمَّدٌ ﷺ إلى الدُّنيا، لِيَكونَ مَجيئُهُ أعظَمَ حَدَثٍ في تاريخِ بَني آدَم. فما هي العِبَرُ والعِظاتُ مِن مَجيءِ هذا النَّبيِّ الكَريمِ إلى عالَمِنا؟ ولِماذا نَحنُ — في أزَماتِنا اليَوم — أحوَجُ ما نَكونُ إلى استِحصارِ رِسالتِه؟
أوَّلُ عِظَةٍ نَقِفُ عِندَها يا عِبادَ الله: أنَّ مَجيئَهُ ﷺ كانَ مِنَّةً رَبَّانيَّةً وإنقاذًا لِلأرواح.
يَقولُ رَبُّنا تِبارَكَ وتَعالى، مُذَكِّرًا إيَّانا بِهذِه الحَقيقَة: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].
الضَّلالُ المُبينُ لم يَكُن فَقَط ضَلالًا في العَقيدَة، بَل كانَ ضَلالًا في الأخلاقِ والمُعاملاتِ وقيمَةِ الإنسان. اسْمَعوا إلى الصَّحابيِّ الجَليلِ جَعفَرِ بنِ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عنهُ، وهو يَقِفُ أمامَ النَّجاشيِّ مَلِكِ الحَبَشَة، يُلَخِّصُ لهُ حالَ الدُّنيا قَبلَ النَّبيِّ ﷺ وبَعدَه، يَقول: "أيُّها المَلِك، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهِليَّة، نَعبُدُ الأصنام، ونَأكُلُ المَيتَة، ونَأتي الفَواحِش، ونَقطَعُ الأرحام، ونُسيءُ الجِوار، يَأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيف... فَكُنَّا على ذلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إلَينا رَسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَهُ وصِدقَهُ وأمانَتَهُ وعَفافَه".
رَجُلٌ واحِدٌ، بِمَنهَجٍ رَبَّاني، انْتَشَلَ أُمَّةً مِن قاعِ التَّارِيخِ لِيَجعَلَها سَيِّدَةَ الأُمَم. وهَذِه رِسالَةٌ لَنا اليَوم: مَهمَا أظلَمَتِ الأيَّام، واشتَدَّتِ الفِتَن، وتَكالَبَتِ المِحَن، فَإنَّ النُّورَ الَّذي جاءَ بِهِ مُحمَّدٌ ﷺ قادِرٌ على انتِشالِنا، إذا عُدنا إلَيهِ حَقَّ العَودَة.
ثانيًا: مَجيئُهُ ﷺ كانَ إعلانًا لِعَصرِ الرَّحمَةِ الشَّامِلَة.
لم يُبعَث نَبيُّنا ﷺ لِيَكونَ جَبَّارًا في الأرض، ولا مَلِكًا يَحكُمُ بِالسَّيفِ والقَهر، بَل لَخَّصَ اللهُ غايَةَ رِسالتِهِ كُلِّها في آيَةٍ واحِدَة، قَرَعَت أسماعَ الدُّنيا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
ولَم يَكُن هذا شِعارًا يُرفَع، بَل كانَ واقِعًا يَمشي على الأرض. وهُوَ القائِلُ عَن نَفسِه كَما في الحَديثِ الصَّحيح: «إنَّما أنا رَحمَةٌ مُهداة».
وتَأمَّلوا مَعي هَذا المَشهَدَ الدَّامِيَ في مَسيرَتِه... يَومَ ذَهَبَ إلى الطَّائِف يَدعوهُم إلى الله، فَرَدُّوهُ أقبَحَ رَدّ، وسَلَّطوا عَلَيهِ صِبيانَهُم وسُفَهاءَهُم، يَرمونَهُ بِالحِجارَةِ حَتَّى سالَ الدَّمُ مِن قَدَمَيهِ الشَّريفَتَين، وهامَ على وَجهِهِ في الصَّحراءِ مَهمومًا مَكروبًا. هُنا، يَنزِلُ مَلَكُ الجِبال، ويُسَلِّمُ عَلَيهِ ويَقول: "يا مُحمَّد، إنْ شِئتَ أن أُطبِقَ عَلَيهِمُ الأخْشَبَينِ — أيِ الجَبَلَينِ المُحيطَينِ بِمَكَّة — فَعَلتُ". لَحظَةُ قُدرَة، ولَحظَةُ قِصاص، لَقَد آذَوهُ وأدْمَوا قَدَمَيه! فَماذا كانَ جَوابُ الرَّحمَةِ المُهداة؟ هَل انتَقَم؟ هَل تَشَفَّى؟ بَل مَسَحَ الدَّمَ وقال: «بَل أرجو أن يُخرِجَ اللهُ مِن أصلابِهِم مَن يَعبُدُ اللهَ وَحدَهُ لا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا».
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مُعَلِّقًا على شُموليَّةِ رَحمَتِه: "عَمَّت رَحمَتُهُ المُؤمِنَ والكافِر، والمُعاهَدَ والمُنافِق، بَل عَمَّت رَحمَتُهُ البَهائِمَ والطُّيور". فأينَ نَحنُ اليَومَ مِن رَحمَةِ مُحمَّدٍ ﷺ في بُيوتِنا؟ بَينَ أزواجِنا؟ مَع أبنائِنا؟ في وِزاراتِنا وأسواقِنا؟ لَقَد غَرِقنا في ماديَّةٍ جافَّةٍ طَحَنَتِ القُلوب، ونَحنُ نَدَّعي أنَّنا أُمَّةُ الرَّحمَةِ المُهداة!
ثالثًا: مَجيئُهُ ﷺ كانَ ثَورَةً لِإتمامِ مَكارِمِ الأخلاق.
في زَحامِ الحَياةِ ومَعارِكِها، قَد يَظُنُّ البَعضُ أنَّ الدِّينَ شَعائِرُ تُؤَدَّى في المَسجِدِ فَحَسْب. لَكِنَّ النَّبيَّ ﷺ حَصَرَ الغايَةَ مِن بَعثَتِهِ في كَلِمَةٍ مُوجَزَةٍ حاسِمَةٍ، حَيثُ قال: «إنَّما بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاق». وزَكَّاهُ رَبُّهُ مِن فَوقِ سَبعِ سَماواتٍ لا بِكثرَةِ صَلاتِهِ وصِيامِه، بَل بِخُلُقِه، فَقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
اسْمَعوا إلى هذا المَوقِفِ الَّذي يُذيبُ القُلوبَ القاسيَة... جاءَ شابٌّ فَتِيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ في المَسجِد، وبِكُلِّ جُرأَةٍ قال: يا رَسولَ الله، ائذَنْ لي بِالزِّنا! فَصاحَ الصَّحابَةُ وزَجَروه. شَابٌّ يَطلُبُ الإذنَ في الفاحِشَةِ جِهارًا! ماذا فَعَلَ النَّبيُّ ﷺ؟ هَل عَنَّفَه؟ هَل أمَرَ بِطَردِه؟ بَل قالَ لَه بِهُدوءِ المُعَلِّمِ وخُلُقِ المُربِّي: «ادْنُ»، فَدَنا مِنهُ حَتَّى جَلَسَ أمامَه. فَقالَ لَه: «أتُحِبُّهُ لِأُمِّك؟» قال: لا واللهِ يا رَسولَ الله، جَعَلَني اللهُ فِداءَك. قال: «ولا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهاتِهِم». وظَلَّ يُحاوِرُهُ: «أتُحِبُّهُ لِابنَتِك؟ لِأُختِك؟ لِعَمَّتِك؟» والشَّابُّ يَقول: لا واللهِ يا رَسولَ الله. وفي النِّهايَة، لَم يَكتَفِ بِالحُجَّةِ العَقليَّة، بَل وَضَعَ يَدَهُ الشَّريفَةَ الطَّاهِرَةَ على صَدرِ الشَّاب، ودَعا لَه: «اللَّهُمَّ اغفِر ذَنبَه، وطَهِّر قَلبَه، وحَصِّن فَرجَه». يَقولُ الشَّابُّ بَعدَها: "فَلَم يَكُن شَيءٌ أبغَضَ إلَيَّ مِنَ الزِّنا".
بِهذا الخُلُقِ العَظيم، وبِهذا الاستيعابِ الرَّاقي، بَنَى مُحمَّدٌ ﷺ جيلًا فَتَحَ الدُّنيا. فَمَن يَتَخَلَّقُ بِأخلاقِهِ اليَومَ وهو يُخالِطُ النَّاس؟ مَن يَصبِرُ على الجاهِل؟ مَن يَعفو عَمَّن ظَلَمَه؟ مَن يُصلِحُ بَينَ المُتَخاصِمَين؟
رابعًا مِن عِظاتِ مَجيئِه: أنَّهُ جاءَ لِيُحَرِّرَ الإنسانَ مِن عُبوديَّةِ الخَلقِ إلى عُبوديَّةِ الخالِق.
لَقَد عاشَتِ البَشَريَّةُ تَسجُدُ لِلحَجَر، وتَركَعُ لِلبَشَر، وتَخضَعُ لِطَواغيتِ الأرض. فَجاءَ مَبعَثُهُ ﷺ ثَورَةً لِلتَّوحيد الخالِص. يُلَخِّصُ رِبعيُّ بنُ عامِرٍ رَضيَ اللهُ عنهُ هَذِه الغايَةَ في كَلِماتٍ نُقِشَت بِالذَّهَب، حِينَ وَقَفَ أمامَ رُستُم قائِدِ الفُرسِ يَقول: "اللهُ ابتَعَثَنا لِنُخرِجَ مَن شاءَ مِن عِبادَةِ العِبادِ إلى عِبادَةِ رَبِّ العِباد، ومِن ضيقِ الدُّنيا إلى سِعَةِ الدُّنيا والآخِرَة، ومِن جَورِ الأديانِ إلى عَدلِ الإسلام".
الرِّسالَةُ المُحَمَّديَّةُ جاءَت لِتَكْسِرَ الأغلالَ عَن عُقولِ النَّاسِ وقُلوبِهِم، كَما وَصَفَهُ القُرآن: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]. فَمَن سارَ خَلفَ هذا النَّبيِّ ﷺ عاشَ حُرًّا لا يَركَعُ إلَّا لِله، ومَن حادَ عَن طَريقِهِ استَعبَدَتهُ شَهَواتُهُ وأهواؤُه.
أيُّها المُسلِمون، بَعدَ أن رَأَينا هَذا النُّورَ الَّذي جاءَ بِه، يَبرُزُ أمامَنا سُؤالٌ حاسِم، يَجِبُ أن يَسألَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا لِنَفسِه: ما حَقيقَةُ اتِّباعِنا لَه؟ وما دَليلُ مَحَبَّتِنا إيَّاه؟
كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَومَ يَدَّعونَ مَحَبَّةَ النَّبيِّ ﷺ، ولَكِنَّ مَحَبَّتَهُم لا تَتَجاوَزُ الحَناجِر. يَدَّعونَ مَحَبَّتَهُ وتَجِدُ بُيوتَهُم خاليَةً مِن سُنَّتِه. يَدَّعونَ مَحَبَّتَهُ وتَجِدُ مُعاملاتِهِم الماليَّةَ مَليئَةً بِالغِشِّ والرِّبا الَّذي حارَبَه. يَدَّعونَ مَحَبَّتَهُ وهُم قاطِعونَ لِأرحامِهِم، ظالِمونَ لِأزواجِهِم، مُتَهاوِنونَ في صَلواتِهِم!
لَقَد حَسَمَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ قَضيَّةَ المَحَبَّةِ هَذِه بِقاعِدَةٍ قُرآنيَّةٍ صَلْبَة، سَمَّاها السَّلَفُ "آيَةَ المِحنَة" — أيِ الاختِبار — حَيثُ يَقولُ سُبحانَه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].
قالَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "ادَّعى قَومٌ مَحَبَّةَ الله، فابتَلاهُمُ اللهُ بِهذِه الآيَة". فالمَحَبَّةُ لَيسَت قَصائِدَ تُنشَد، ولا دُموعًا تُسكَبُ فَحَسْب، المَحَبَّةُ الحَقيقيَّةُ لِمُحمَّدٍ ﷺ أن يَرى اللهُ أثَرَ سُنَّتِهِ في سُلوكِك، وأن تَقِفَ عِندَ أمرِهِ ونَهيِه، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن عِظَمِ مِنَّةِ اللهِ عَلَينا بِمَجيءِ النَّبيِّ ﷺ إلى الدُّنيا، وكَيفَ أنَّهُ كانَ النُّورَ الَّذي أزالَ ظَلامَ الجاهِليَّة، والرَّحمَةَ الَّتي استَوعَبَتِ الكَونَ، والأخلاقَ الَّتي بَنَتِ الحَضارَة، والتَّوحيدَ الَّذي حَرَّرَ الإنسان. والآنَ، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمّ الَّذي يُحَدِّدُ مَدى انتِفاعِنا بِمَجيئِه: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا في واقِعِنا ومَع أُسَرِنا؟
أُوصيكُم — يا كِرام — بِخَمسِ وَصايا قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري، نُحيي بِها رِسالَتَهُ في حَياتِنا:
الأُولى (قَلبيَّة): راجِعوا قُلوبَكُم اليَوم، وعَظِّموا مَحَبَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ وتَوقيرَهُ حَتَّى يَكونَ أحَبَّ إلَيكُم مِن أنفُسِكُم وأموالِكُم وأولادِكُم. قالَ ﷺ: «لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حَتَّى أكونَ أحَبَّ إلَيهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجمَعين». اجعَلوا هَذِه المَحَبَّةَ مِعيارًا في قَبولِ أمْرِهِ وتَجنُّبِ نَهيِه.
الثَّانيَة (لِسانيَّة): اجعَلوا ألسِنَتَكُم رَطبَةً بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيهِ كُلَّ يَوم. لا تَبخَلوا على أنفُسِكُم بِهذا الأجرِ العَظيم، فَقَد قالَ ﷺ: «البَخيلُ مَن ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ». اجعَل لِسانَكَ في سَيَّارَتِك وعَمَلِكَ يَلهَجُ بِالصَّلاةِ عَلَيهِ لِيَكفِيَكَ اللهُ هَمَّكَ ويَغفِرَ ذَنبَك.
الثَّالثَة (عَمَليَّة): أحيُوا اليَومَ في بُيوتِكُم سُنَّةً مِن سُنَنِهِ كُنتُم قَد غَفَلتُم عَنها. سُنَّةٌ صَغيرَةٌ تَبدَؤونَها اللَّيلَة؛ كَالوُضوءِ قَبلَ النَّوم، أو التَّبَسُّمِ في وُجوهِ أهلِكُم، أو إفشاءِ السَّلامِ حينَ الدُّخول. إحياءُ السُّنَّةِ بِالفِعلِ أبلَغُ مِن آلافِ الكَلِماتِ في المَحَبَّة.
الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): تَراحَموا بَينَكُم كَما كانَ هُوَ نَبيَّ الرَّحمَة. إنْ كُنتَ قاطِعًا لِرَحِمِكَ فَصِلْهُم اليَوم، وإنْ كُنتَ مُتَخاصِمًا مَعَ أخيِكَ فاعْفُ عَنهُ وصافِحْه. لا يَليقُ بِأُمَّةِ النَّبيِّ المَرحومَةِ أن تَأكُلَها الخُصوماتُ والأحقادُ لأتْفَهِ الأسباب.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): اربِطوا أبناءَكُم وبَناتِكُم بِسيرَتِه. خَصِّصوا في أُسبوعِكُم جَلسَةً، وَلَو لِعَشرِ دَقائِق، تَقرَؤونَ فيها مَوقِفًا مِن حَياةِ النَّبيِّ ﷺ. لا تَترُكوا أبناءَكُم لِلقُدَواتِ المُزَيَّفَةِ في الشَّاشات، بَل اغرِسوا في وِجدانِهِم عِشقَ النَّبيِّ وأصحابِه، فَهُوَ الحِصنُ لَهُم في زَمَنِ الفِتَن.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّكُم مَعروضونَ عَلَيه، ومَسؤولونَ عَنِ اتِّباعِكُم لِنَبيِّه، ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيهِ في مُحكَمِ التَّنزيل، فَقالَ جَلَّ مِن قائِلٍ عَليم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ ارزُقنا مَحَبَّتَهُ واتِّباعَ سُنَّتِه، وأحْيِنا على دِينِه، وتَوَفَّنا على مِلَّتِه.
اللَّهُمَّ اورِدنا حَوضَهُ المَورود، واسقِنا مِن يَدِهِ الشَّريفَةِ شَربَةً هَنيئَةً مَريئَةً لا نَظمَأُ بَعدَها أبَدًا.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن أتباعِهِ الصَّادِقين، ومِن أنصارِهِ المُخلِصين، واجمَعنا بِهِ في أعلَى جَنَّاتِ الخُلدِ يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، وارحَم مُستَضعَفيهِم، واربُط على قُلوبِهِم، وانصُرهُم بِحَقِّكَ وعَدلِكَ يا قَويُّ يا مَتين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا هُداةً مُهتَدين، غَيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّين، وثَبِّت قُلوبَنا على الإيمانِ حَتَّى نَلقاك.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبوما أرسلناك إلا رحمة للعالمين... إشراقة النور الذي غيّر وجه التاريخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.