🕌 الْكَبَائِرُ... خَطَرُهَا العَظِيمُ وَطَرِيقُ النَّجَاةِ مِنْهَا
#خطبة_جمعة #الكبائر #التوبة #الذنوب #المغفرة #عقيدة #رقائق
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
كُلُّنَا يُخْطِئُ، وَهَذِهِ طَبِيعَةُ الْبَشَرِ، لَكِنَّ هُنَاكَ ذُنُوبًا لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا؛ ذُنُوبًا تُسَمَّى "الْمُهْلِكَاتِ"، تَحْرِمُ الْعَبْدَ رَحْمَةَ رَبِّهِ، وَقَدْ تَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْفِيقَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ. فَمَا هِيَ هَذِهِ الذُّنُوبُ؟ وَكَيْفَ نُمَيِّزُهَا فِي زَمَانٍ اخْتَلَطَتْ فِيهِ الْمَعَايِيرُ وَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي الْحَرَامِ؟ وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: كَيْفَ نَمْحُوهَا وَنَتَطَهَّرُ مِنْهَا إِنْ وَقَعْنَا فِي حَبَائِلِهَا؟ بَيْنَ أَيْدِيكُمُ الْيَوْمَ جَوَابٌ شَافٍ لِهَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ الْعَظِيمَةِ، فَلْنُعِرِ الْقُلُوبَ قَبْلَ الْآذَانِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، عَجَبًا لِنَفْسٍ تَزِنُ ذُنُوبَهَا بِمِكْيَالِ النَّاسِ، وَتَنْسَى أَنَّ مِيزَانَ السَّمَاءِ أَدَقُّ وَأَعْظَمُ! كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَبْنِي قُصُورًا مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَيَجْمَعُ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ، ثُمَّ يَأْتِي بِمِعْوَلٍ هَدَّامٍ فَيُسْقِطُ بُنْيَانَهُ كُلَّهُ فِي لَحْظَةِ غَفْلَةٍ! هَذَا الْمِعْوَلُ هُوَ مَا حَذَّرَنَا اللَّهُ مِنْهُ، وَحَذَّرَنَا مِنْهُ رَسُولُهُ ﷺ... إِنَّهَا الْكَبَائِرُ. وَالسُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ بِإِلْحَاحٍ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ يَرْجُو النَّجَاةَ: هَلْ كُلُّ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ سَوَاءٌ؟ أَيُعْقَلُ أَنْ يَسْتَوِيَ مَنْ كَذَبَ كَذْبَةً عَابِرَةً، بِمَنْ سَفَكَ دَمًا حَرَامًا أَوْ أَكَلَ مَالًا حَرَامًا؟
الْجَوَابُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَاضِحٌ حَاسِمٌ. يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ، مُفَرِّقًا بَيْنَ عَظَائِمِ الْأُمُورِ وَصَغَائِرِهَا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]. تَأَمَّلُوا كَلِمَةَ "كَبَائِرَ"! لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ شَرْطًا لِتَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ. وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ عِبَادِهِ الْمُحْسِنِينَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: 32]. فَالذُّنُوبُ قِسْمَانِ: كَبَائِرُ مُهْلِكَةٌ، وَصَغَائِرُ أَوْ لَمَمٌ يَغْفِرُهَا اللَّهُ بِوُضُوءٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ خُطْوَةٍ إِلَى الْمَسْجِدِ.
وَاسْمَعُوا لِهَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ؛ لِيَتَبَيَّنَ لَكُمْ هَذَا التَّقْسِيمُ جَلِيًّا؛ يَقُولُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ». فَالصَّلَاةُ تَغْسِلُ ذُنُوبَكَ، وَالصِّيَامُ يَمْحُو خَطَايَاكَ، لَكِنَّ هَذَا الْغَسْلَ يَقِفُ عَاجِزًا أَمَامَ "الْكَبِيرَةِ" إِنْ لَمْ تُحْدِثْ لَهَا تَوْبَةً خَاصَّةً!
فَمَا هُوَ ضَابِطُ الْكَبِيرَةِ؟ كَيْفَ أَعْرِفُ أَنَّ الذَّنْبَ الَّذِي أُقَارِفُهُ كَبِيرَةٌ أَمْ صَغِيرَةٌ؟
لَقَدْ بَيَّنَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ هَذَا الضَّابِطَ بِدِقَّةٍ. فالْكَبِيرَةُ: كُلُّ ذَنْبٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا - كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا - أَوْ جَاءَ فِيهِ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ بِعَذَابٍ، أَوْ غَضَبٍ، أَوْ لَعْنَةٍ، أَوْ طَرْدٍ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، أَوْ نَفْيٍ لِلْإِيمَانِ". كُلُّ ذَنْبٍ تَقْرَأُ فِيهِ: "مَلْعُونٌ مَنْ فَعَلَ كَذَا"، أَوْ "لَا يُؤْمِنُ مَنْ فَعَلَ كَذَا"، أَوْ "غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ"، فَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.
وَلَعَلَّكُمْ تَسْأَلُونَ: كَمْ عَدَدُهَا؟ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَلِ الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ قَالَ فَقِيهُ الْأُمَّةِ: "هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ". إِنَّهَا كَثِيرَةٌ، تَتَخَطَّفُ النَّاسَ فِي أَسْوَاقِهِمْ، وَبُيُوتِهِمْ، وَخَلَوَاتِهِمْ!
وَلْنَتَأَمَّلْ مَعًا أَمْثِلَةً لِهَذِهِ الْكَبَائِرِ بِأَدِلَّتِهَا، لِنَعْرِفَ خَطَرَهَا الْمُحْدِقَ بِنَا.
أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأُمُّ الْخَطَايَا: هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى. يَقُولُ مَوْلَانَا سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. أَنْ تَصْرِفَ عِبَادَةً، أَوْ رَجَاءً، أَوْ دُعَاءً لِغَيْرِ مَالِكِ الْمُلْكِ!
ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهُ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ. اسْمَعُوا لِهَذَا الْوَعِيدِ الَّذِي تَرْتَجِفُ مِنْهُ الْقُلُوبُ الْحَيَّةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. خَمْسُ عُقُوبَاتٍ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ! وَمَعَ ذَلِكَ، تَسَاهَلَ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي الدِّمَاءِ، بَلْ وَتَسَاهَلُوا فِي التَّحْرِيضِ عَلَيْهَا كَأَنَّهَا مَاءٌ يُسْكَبُ!
وَخُذُوا هَذَا الْحَدِيثَ الْمُرْعِبَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ - أَيِ الْمُهْلِكَاتِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
تَوَقَّفُوا لَحْظَةً عِنْدَ "أَكْلِ الرِّبَا". فِي عَصْرِنَا هَذَا، زُيِّنَ الرِّبَا بِأَسْمَاءٍ بَرَّاقَةٍ: "قُرُوضٌ مُيَسَّرَةٌ"، "فَوَائِدُ اسْتِثْمَارِيَّةٌ"، وَوَقَعَ فِيهَا الْكَثِيرُونَ لِشِرَاءِ مَرْكَبٍ أَوْ مَسْكَنٍ لَيْسُوا بِحَاجَةٍ قُصْوَى إِلَيْهِ. أَيُعْقَلُ أَنْ تُحَارِبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ أَجْلِ مَتَاعٍ زَائِلٍ؟! يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279]. مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ حَرْبَ اللَّهِ؟
وَمِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي اسْتَهَانَ بِهَا النَّاسُ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ. خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ»؛ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قَالَ الصَّحَابَةُ: لَيْتَهُ سَكَتَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
وَالْيَوْمَ، نَرَى شَهَادَةَ الزُّورِ بِأَعْيُنِنَا عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ! إِنْسَانٌ يُعِيدُ نَشْرَ خَبَرٍ كَاذِبٍ يَطْعَنُ فِي عِرْضِ رَجُلٍ أَوْ يَدْفَعُ إِلَى ظُلْمِ مُسْلِمٍ، فَيَكُونُ شَاهِدَ زُورٍ يَقْرَأُ شَهَادَتَهُ الْمَلَايِينُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، ثُمَّ يَنَامُ لَيْلَهُ، وَقَدْ أَوْبَقَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ!
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِذَا كَانَتِ الْكَبَائِرُ بِهَذِهِ الْبَشَاعَةِ وَهَذَا الْخَطَرِ، فَهَلْ هُنَاكَ مَخْرَجٌ لِمَنْ تَلَطَّخَ بِهَا؟ هَلْ مَنْ سَقَطَ فِي كَبِيرَةٍ فَقَدْ هَلَكَ هَلَاكًا لَا مَرْدُودَ لَهُ؟
هُنَا يَنْبَلِجُ نُورُ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَنْطَفِئُ! تَخَيَّلُوا مَعِي رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَسَفَكَ الدِّمَاءَ، حَتَّى قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا! ذَنْبٌ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ، كَرَّرَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ إِلَّا وَاحِدَةً. ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ - عَابِدٍ لَكِنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ - فَقَالَ لَهُ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ الرَّاهِبُ مُسْتَعْظِمًا الذَّنْبَ: لَا! فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ الْمِائَةَ!
ثُمَّ لَمْ تَهْدَأْ رُوحُهُ، فَسَأَلَ عَنْ عَالِمٍ، فَجَاءَهُ، وَقَالَ: قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ اسْمَعُوا إِلَى جَوَابِ الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ، الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ بَابَ اللَّهِ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِ الْخَلَائِقِ قَاطِبَةً؛ قَالَ لَهُ: "نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟!"، وَأَمَرَهُ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى قَرْيَةٍ فِيهَا قَوْمٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ... فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ. أَتَدْرُونَ مَاذَا فَعَلَ اللَّهُ بِهَذَا السَّفَّاحِ لَمَّا صَدَقَ فِي تَوْبَتِهِ؟ قَرَّبَ إِلَيْهِ قَرْيَةَ الصَّالِحِينَ، وَقَبَضَهُ مَغْفُورًا لَهُ! هَذَا رَبُّنَا، هَذِهِ رَحْمَتُهُ بِمَنْ صَدَقَ!
وَلْنَمْضِ مَعًا إِلَى مَشْهَدٍ آخَرَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ. مَشْهَدِ امْرَأَةٍ مِنْ غَامِدٍ، زَلَّتْ قَدَمُهَا فَوَقَعَتْ فِي كَبِيرَةِ الزِّنَا. لَمْ يَرَها أَحَدٌ، وَلَمْ يَفْضَحْهَا أَحَدٌ، لَكِنَّ نَارَ الْخَطِيئَةِ اشْتَعَلَتْ فِي قَلْبِهَا، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: طَهِّرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَدَّهَا النَّبِيُّ حَتَّى تَلِدَ، ثُمَّ رَدَّهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا... كُلُّ هَذِهِ السِّنِينَ، وَالتَّوْبَةُ تَغْلِي فِي قَلْبِهَا. فَلَمَّا طُهِّرَتْ وَرُجِمَتْ، وَنَالَ الدَّمُ بَعْضَ ثِيَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَسَبَّهَا! هَلْ تَعْلَمُونَ بِمَاذَا رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ حَامِيًا عِرْضَ امْرَأَةٍ صَدَقَتْ مَعَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ – أَيْ: جَامِعُ ضَرَائِبَ ظَالِمٌ - لَغُفِرَ لَهُ» ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا!
عِبَادَ اللَّهِ، الْكَبِيرَةُ لَا تُغْسَلُ بِمَاءِ الْوُضُوءِ بَلْ بِمَاءِ الدُّمُوعِ. الْكَبِيرَةُ تُكَفَّرُ بِـ "التَّوْبَةِ النَّصُوحِ". وَالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ لَيْسَتْ كَلِمَةً بَارِدَةً تُقَالُ بِاللِّسَانِ بَيْنَمَا الْقَلْبُ مُصِرٌّ. بَلْ هِيَ انْكِسَارٌ وَنَدَمٌ، كَمَا قَالَ ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ». هِيَ أَنْ تُقْلِعَ عَنِ الذَّنْبِ حَالًا، وَتَنْدَمَ عَلَى مَا فَاتَ قَطْعًا، وَتَعْزِمَ أَلَّا تَعُودَ مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَتِ الْكَبِيرَةُ فِي حَقِّ إِنْسَانٍ — ظُلْمًا أَوْ أَكْلَ مَالٍ أَوْ طَعْنًا فِي عِرْضٍ — فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ الْحَقِّ إِلَى صَاحِبِهِ أَوِ اسْتِسْمَاحِهِ.
إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ لَكُمْ الْآنَ؛ فَاسْمَعُوا لِهَذَا النِّدَاءِ الرَّبَّانِيِّ الْعَظِيمِ الَّذِي أَذَابَ قُلُوبَ الْعَاصِينَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
يَا مَنْ وَقَعْتَ فِي مُسْتَنْقَعِ الرِّبَا... يَا مَنْ عَقَقْتَ وَالِدَيْكَ... يَا مَنْ تَرَكْتَ الصَّلَاةَ... يَا مَنْ خُضْتَ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ... بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ! وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَفْتُوحٌ. فَلَا تَمُتْ وَفِي صَحِيفَتِكَ كَبِيرَةٌ لَمْ تَتُبْ مِنْهَا!
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🔷 الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، تَقَرَّرَ مَعَنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى حَقِيقَةُ الْكَبَائِرِ وَخَطَرُهَا الْمُهْلِكُ، وَكَيْفَ أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الذُّنُوبَ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ، وَوَقَفْنَا عَلَى أَمْثِلَةٍ مُوجِعَةٍ مِنْهَا، وَرَأَيْنَا كَيْفَ يُكْتَبُ الْخَلَاصُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ. وَالْآنَ، كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا إِلَى وَاقِعٍ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ قَبْلَ أَنْ نُغَادِرَ هَذَا الْمَسْجِدَ؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي:
الْأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): فَتِّشْ فِي قَلْبِكَ الْيَوْمَ، اعْقِدِ النِّيَّةَ الصَّادِقَةَ وَالْعَزْمَ الْجَازِمَ عَلَى هَجْرِ أَيِّ كَبِيرَةٍ تُقِيمُ عَلَيْهَا! تَرْكُكَ لِلْحَرَامِ الْيَوْمَ يُحْيِي قَلْبَكَ، وَاللَّهُ لَا يَخْذُلُ قَلْبًا صَدَقَ مَعَهُ!
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ". اجْعَلْهَا وِرْدَكَ الَّذِي لَا يُفَارِقُ لِسَانَكَ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ يَمْحُو الْخَطَايَا، وَيَجْلُو صَدَأَ الْقُلُوبِ، وَهُوَ سِلَاحُكَ الْأَوَّلُ ضِدَّ الزَّلَّاتِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): قَاطِعِ الْبِيئَةَ الَّتِي تَجُرُّكَ لِلْكَبِيرَةِ. مَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ مِنَ الرِّبَا هَجَرَ مُقَدِّمَاتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ مِنَ الْفَوَاحِشِ أَغْلَقَ الشَّاشَاتِ الَّتِي تَبُثُّهَا. اقْطَعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، يَقْطَعِ اللَّهُ عَنْكَ الْبَلَاءَ!
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ — فِي مَالٍ أَوْ عِرْضٍ أَوْ غِيبَةٍ — فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، بَلْ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ. اتَّصِلْ بِمَنْ ظَلَمْتَهُ وَاسْتَسْمِحْهُ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ!
الْخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): اقْرَأُوا وتَعَلَّمُوا مَا هِيَ الْكَبَائِرُ لِتَجْتَنِبُوهَا؛ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعُ فِيهِ! رَاجِعُوا كِتَابَ "الْكَبَائِرِ" لِلذَّهَبِيِّ لِتَحْمُوا بُيُوتَكُمْ وَأَنْفُسَكُمْ مِنْ مَهَالِكِ الذُّنُوبِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ الدِّرْعُ الْحَصِينَةُ الَّتِي تَقِيكُمْ مِنْ وَحَلِ الْمَعَاصِي وَتُثَبِّتُكُمْ عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى تَلْقَوْهُ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِ رَبِّكُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ تَوْبَةً نَصُوحًا تَمْحُو بِهَا مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِنَا، اللَّهُمَّ اغْسِلْ حَوْبَاتِنَا، وَكَفِّرْ خَطَايَانَا، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى مَعْصِيَتِكَ.
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.
اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ وَالْكَبَائِرَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَارْزُقْنَا بَصِيرَةً نُبْصِرُ بِهَا الْحَقَّ حَقًّا، وَقُوَّةً نَجْتَنِبُ بِهَا الْبَاطِلَ وَأَهْلَهُ.
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنَّا مُصِرًّا عَلَى كَبِيرَةٍ، فَرُدَّهُ إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا اللَّيْلَةَ، وَاكْتُبْ لَهُ تَوْبَةً لَا يُقَارِفُ بَعْدَهَا ذَنْبًا أَبَدًا!
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ إِخْوَانَنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَارْفَعِ الظُّلْمَ عَنِ الْمَظْلُومِينَ، وَارْحَمْ ضَعْفَهُمْ، وَاجْبُرْ كَسْرَهُمْ، يَا نَاصِرَ الْمُسْتَضْعَفِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
---
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجُ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.