من مكتبة مِداد الخطيب

وهمُ الكثرة.. قراءة تربوية في صفات (أكثر الناس) في ميزان الوحي

مشاركة
📖 وهمُ الكثرة.. قراءة تربوية في صفات (أكثر الناس) في ميزان الوحي #درس_علمي #وهم_الكثرة #أكثر_الناس #تربية #تزكية #مفاهيم_قرآنية بسم الله الرحمن الرحيم. الحمدُ لله ربِّ العالمين، القائل في مُحكَم التنزيل: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا وسيدنا محمَّد، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحبه ومن استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أمَّا بعد: إخوتي وأخواتي، زملائي في ميدان التربية والتعليم، أرباب القلوب الحية والعقول الواعية.. أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نلتقي اليوم في هذه المحاضرة التي صُممت لتستغرق وقتاً طويلاً من التأمل، لأن موضوعها يمس صميم عملنا التربوي، وصميم حياتنا الشخصية قبل ذلك. نحن كمربين، ومعلمين، وآباء، وأمهات، نواجه اليوم طوفاناً كاسحاً يعصف بعقول أبنائنا وبناتنا. لو تأملتم في أي سلوك خاطئ، أو فكرة منحرفة، أو ظاهرة سلبية تجتاح مدارسنا وبيوتنا، وسألتم الشاب أو الفتاة: "لماذا تفعل هذا؟"، لكانت الإجابة الجاهزة، والدرع الذي يحتمون خلفه هو: "كل الناس تفعل ذلك!" أو "الأغلبية هكذا!". لقد أصبح معيار "الكثرة" هو الصنم الخفي الذي يُعبد في هذا الزمان. الكثرة في المشاهدات (المشاهدات المليونية)، الكثرة في المتابعين، الكثرة في الإعجابات (اللايكات)، الكثرة في الموافقة المجتمعية. لقد اختلط الأمر على الأجيال، فظنوا أن (الحق) هو ما اجتمع عليه (أكثر الناس)، وأن (الباطل) هو ما تُرك وتفرد به القلة. لذلك، وقفتنا اليوم في هذه المحاضرة هي لنسف هذا الصنم العقلي والتربوي، من خلال استقراء استقرائي دقيق لصفات "أكثر الناس" كما وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية، لندرك الفجوة الهائلة بين الميزان البشري الديمقراطي الذي يقدس الكثرة، والميزان الإلهي الذي يزن الأمور بالحق ولو كان المتمسك به رجلاً واحداً. سنمضي معاً في هذه المحاضرة عبر خمس محطات رئيسية: أولاً: تأصيل مفهوم "الكثرة" في الميزان القرآني. ثانياً: استعراض تفصيلي لصفات "أكثر الناس" في القرآن الكريم. ثالثاً: صفات الكثرة في السنة النبوية الشريفة. رابعاً: الفوائد التربوية والعقدية لمعرفة هذه الصفات. خامساً: التطبيقات العملية؛ كيف نربي جيلاً ينجو من وهم الكثرة؟ المحور الأول: تأصيل مفهوم "الكثرة" في الميزان القرآني إخوتي الكرام، لو تتبعنا لفظة (أكثر الناس) و(أكثرهم) و(كثيراً من الناس) في القرآن الكريم، لوجدنا حقيقة مفزعة تصدم كل من يقرأ القرآن بقلب يقظ. لم ترد كلمة (أكثر الناس) في القرآن الكريم في سياق المدح قط! بل جاءت كلها في سياق الذم، والتنبيه، والتحذير. القرآن الكريم يؤسس لقاعدة إبستمولوجية (معرفية) وتربوية صارمة: الكثرة ليست معياراً للحق، والقلة ليست دليلاً على الباطل. يقول الحق تبارك وتعالى، واضعاً الدستور الأعظم في هذا الباب: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام: 116]. تأملوا هذه الآية العظيمة. الله جل جلاله يخاطب نبيه المعصوم ﷺ، ويحذره من طاعة (أكثر من في الأرض). لماذا؟ لأن النتيجة الحتمية لطاعة الكثرة هي: ﴿يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في تقرير هذا المعنى: "فإن الحق لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق". ويقول الفضيل بن عياض رحمه الله في مقولته الذهبية التي يجب أن تُكتب بماء الذهب في كل مدرسة: "عليك بطرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين". نحن نعيش في عصر يسمى "عصر الجماهير" أو "ثقافة القطيع". الخوارزميات في وسائل التواصل الاجتماعي مصممة لتعزيز هذا الوهم؛ فهي تظهر للطالب ما يشاهده "أكثر الناس"، وتقترح عليه ما يفعله "أكثر الناس"، فينشأ الشاب وفي لا وعيه قناعة راسخة: ما دام هذا المقطع حصد عشرين مليون مشاهدة، فلا بد أنه يحمل حقيقة، أو على الأقل مبرراً للقبول! هنا يأتي دورنا القرآني لكسر هذه البرمجة. المحور الثاني: صفات "أكثر الناس" في القرآن الكريم دعونا نغوص في آيات الذكر الحكيم، لنستخرج الصفات التي وسم الله بها "أكثر الناس"، لنعرف من هم هؤلاء الذين يغتر بهم أبناؤنا. الصفة الأولى: الجهل بحقائق الأمور وسطحية التفكير أكثر صفة تكررت لـ(أكثر الناس) في القرآن هي انعدام العلم. قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [وردت في أكثر من موضع، منها يوسف 21، والأعراف 187، والجاثية 26]. لكن، عن أي علم يتحدث القرآن؟ هل هو الجهل بالفيزياء والطب والهندسة وبرمجيات الحاسوب؟ لا، فكثير من هؤلاء الأغلبية يحملون أعلى الشهادات الدنيوية. يُفسر لنا القرآن نوع هذا الجهل في آية أخرى كاشفة، يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم: 7]. هذه هي الصفة المركزية للكثرة: السطحية. إنهم يعلمون ظاهر الدنيا (كيف يجمعون المال، كيف يستمتعون، كيف يحللون الاقتصاد والسياسة)، لكنهم غافلون عن المآل، عن الآخرة، عن المقصد من الوجود. وهذا ما نراه في الأجيال اليوم؛ تجد الشاب يتقن التعامل مع أعقد التقنيات، ويحفظ أسماء اللاعبين وتفاصيل الألعاب، لكنه يجهل أبسط أحكام صلاته، ويجهل لماذا خُلق! هذا هو الجهل الذي حذر منه القرآن. الصفة الثانية: الجحود وقلة الشكر يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة: 243]. الأغلبية الساحقة من البشر مصابة بعمى النعم. يعيش أحدهم غارقاً في نعم الله (الصحة، الأمن، الحواس، الهواء، الأسرة)، ولكنه يسخط ويحزن على مفقود واحد! وفي الميدان التربوي، نرى هذه الثقافة الاستهلاكية التي تزرع عدم الرضا. الطالب اليوم لا يشكر ما لديه من نعم، بل يقارن نفسه دائماً بما لدى مشاهير وسائل التواصل، فيعيش في سخط دائم وحالة تذمر مستمرة. قلة الشكر هي سمة الكثرة. الصفة الثالث: الإعراض عن الحق وعدم الإيمان يقول تعالى: ﴿المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الرعد: 1]. ويقول: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [سورة الزخرف: 78]. الحق بطبيعته ثقيل على النفوس التي لم تُهذب، لأنه يتطلب تكليفاً، وانضباطاً، ومخالفة للهوى. بينما الباطل خفيف، يوافق الشهوات ويُطلق العنان للغرائز. لذلك، الأغلبية تكره الحق لأنه يقيد شهواتها، وتميل إلى الباطل لأنه يوافق هواها. الصفة الرابعة: الغفلة عن الآيات والعبر يقول تعالى بعد أن أغرق فرعون ونجى بدنه ليكون لمن خلفه آية: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [سورة يونس: 92]. الكثرة تمر على الآيات الكونية (الزلازل، الموت، المرض، الآيات في الآفاق) والآيات الشرعية، مرور الكرام، وكأنها لا تعنيهم. يرى الشاب الموت يتخطف أقرانه، فلا يتعظ، بل يكمل تمرير مقاطع الفيديو في هاتفه وكأن الموت كُتب على غيره. هذه الغفلة العميقة هي صفة أكثر الناس. الصفة الخامسة: اتباع الظن والتخمين يقول تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سورة يونس: 36]. الكثرة لا تبني قناعاتها على بحث وتقصٍّ ويقين، بل على الشائعات، والأهواء، وما يتناقله الناس (الترند). التفكير الناقد منعدم لدى الأغلبية، فهم "إمّعة"، إن أحسن الناس أحسنوا، وإن أساءوا أساءوا. المحور الثالث: صفات "أكثر الناس" في السنة النبوية لم يقتصر التحذير من الكثرة على القرآن، بل جاءت السنة النبوية الشريفة لتفصل لنا ظواهر هذه الكثرة في حياة الناس العملية. أولاً: المغبونية وتضييع الأوقات والقدرات عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال النبي ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رواه البخاري). الغبن هو الخسارة الفادحة في البيع والشراء. النبي ﷺ يقرر أن (كثيراً من الناس) يخسرون رأس مالهم الحقيقي (الصحة والوقت). تأملوا أحوال الأغلبية في الإجازات المدرسية، أو في أوقات الفراغ اليومية.. أين تُصرف؟ في المشتتات، والسهر على ما لا ينفع، والألعاب الإلكترونية بالساعات الطوال. المربي الذي يرى طالبه يضيع وقته لأن "كل أصدقائه يفعلون ذلك"، يجب أن يذكره بهذا الحديث. الكثرة مغبونة، والفائزون هم الأقلية المستثمرة لوقتها. ثانياً: التبعية الثقافية والانصهار في هوية الآخر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ». قيل: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ؟» (متفق عليه). هذا الحديث يصور لنا الانقياد الأعمى الذي تصاب به الكثرة في عصور الضعف. التبعية في الملبس، في المصطلحات، في طريقة التفكير، في الاحتفال بأعياد لا تمت لديننا بصلة. الكثرة تنجرف مع تيار العولمة الغالب، والقلة هي التي تعتز بهويتها الإسلامية المتفردة. ثالثاً: الافتراق والنجاة للقلة في حديث الافتراق المشهور، قال النبي ﷺ: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً». قالوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (رواه الترمذي وحسنه). اثنين وسبعون فرقة هالكة، وواحدة فقط هي الناجية. هذا يقرر مبدأً عقديّاً: النجاة ليست بالانتماء للأغلبية، بل بالانتماء للدليل وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. المحور الرابع: ما فوائد
معرفة هذه الصفات؟ (الأبعاد التربوية والنفسية) إخوتي المعلمين والمربين، قد يسأل سائل: لماذا ندرس هذه الظاهرة؟ وما الفائدة التي تعود علينا وعلى طلابنا من إدراك أن "أكثر الناس" على هذه الصفات السلبية؟ الفوائد عظيمة، وهي بمثابة "حصانة نفسية وعقلية"، نذكر منها: 1. صناعة المناعة النفسية ضد ضغط الأقران (Peer Pressure): أكبر مشكلة تواجه المراهق والشاب اليوم هي ضغط الأقران. الشاب يشعر بالنبذ إذا لم يشارك أصدقاءه في معصية، أو في سماع أغنية، أو في تتبع تفاهة معينة. عندما نغرس في قلب الشاب أن القرآن أخبرنا مسبقاً أن "الكثرة" ليست على صواب، فإنه سيشعر بالاعتزاز لتفرده بالحق. سنعلمه كيف يقول "لا" بقوة، لأنه يدرك أنه بانفراده بالحق ينضم إلى "الأقلية الممدوحة" في القرآن. 2. حماية المربي من اليأس والإحباط: نحن كتربويين نصاب أحياناً بالاحتراق الوظيفي واليأس عندما نرى قلة المستجيبين لبرامجنا التزكوية، وكثرة المنجرفين خلف المشتتات. معرفتنا بأن هذه هي سُنة الله في خلقه (أن الأكثرية غافلة)، يمنحنا العزاء والسكينة. مهمتنا هي البلاغ والتربية، وليس محاسبتنا على الأرقام. كما قيل: "لا تستوحش طريق الحق لقلة السالكين". 3. إعادة ضبط معايير النجاح: معرفة هذه الحقيقة تدمر مقياس "الترند" و"الانتشار" كمقياس للنجاح. النجاح الحقيقي ليس في أن يصفق لك مليون غافل، بل أن يرضى عنك رب العالمين، ولو لم يعرفك في الأرض أحد. هذا المعيار يحرر أبناءنا من عبودية البحث عن إرضاء الجماهير وتغيير مبادئهم لأجل الحصول على "قبول اجتماعي" وهمي. 4. الحذر من الانزلاق اللاواعي: عندما تعرف أن الأغلبية غافلة، ستكون دائماً في حالة حذر ويقظة (رادار داخلي). كلما رأيت نفسك تميل إلى دعة، أو تنساق مع الجماهير في رأي أو سلوك دون دليل، تضيء في عقلك اللمبة الحمراء: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾. فتراجع نفسك وتقيس عملك بالكتاب والسنة لا بأفعال الناس. المحور الخامس: كيف نتجنب صفات الكثرة؟ (التطبيقات التربوية العملية) والآن، نصل إلى زبدة المحاضرة والتساؤل العملي الأهم: كيف نصنع من أبنائنا وبناتنا، ومن أنفسنا قبلهم، تلك "الأقلية الناجية"؟ كيف نعزلهم عن الانجراف مع تيار "أكثر الناس"؟ أولاً: غرس الانتماء لـ "الأقلية الممدوحة" (أنموذج الغرباء): في مقابل ذم الكثرة، مدح القرآن الكريم القلة المؤمنة في مواضع عدة. يجب أن نعلم أبناءنا هذه الآيات ليفتخروا بالانتماء إليها: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: 24]. ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل سمعه يدعو: "اللهم اجعلني من الأقلين"، فقال عمر: وما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، فأنا أدعوه أن يجعلني من هذا القليل. فبكى عمر وقال: "كل الناس أفقه منك يا عمر!". علينا أن نقول للشاب: "كن غريباً في استقامتك، كن غريباً في حفظك لغض بصرك، كن غريباً في برك لوالديك، فالنبي ﷺ بشّرنا قائلاً: «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»". ثانياً: تنمية مهارة "التفكير الناقد" بالمرجعية الشرعية: لا ينبغي أن نربي طلاباً إمّعة. جاء في الحديث: «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا» (رواه الترمذي). المربي الناجح هو الذي يعلّم طالبه طرح السؤال الصحيح. بدلاً من أن يسأل الطالب: "هل هذا الفعل شائع؟"، علمه أن يسأل: "هل هذا الفعل يُرضي الله؟ هل عليه دليل؟". اربط مرجعيتهم دائماً بالنص الشرعي وليس بالعرف المجتمعي المنفلت. ثالثاً: العزلة الشعورية والإيمانية (المخالطة مع التحصين): نحن لا ندعو لانعزال الأبناء عن المجتمع أو الرهبنة في الكهوف، فالنبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». لكننا ندعو لـ "العزلة الشعورية". يخالط الطالب أقرانه في الفصل، يلعب معهم، يدرس معهم، لكن قلبه معلق بالله. إذا خاضوا في غيبة، أو تنمروا على زميل، أو تبادلوا مقاطع محرمة، ينسحب بلطف، ويبني لنفسه حاجزاً زجاجياً يحميه. رابعاً: صناعة "المحاضن التربوية البديلة": الشاب كائن اجتماعي يميل بطبعه لتكوين شلة أو مجموعة. إذا أردت أن تسحبه من "الكثرة الهالكة"، يجب أن توفر له "قلة صالحة" ينتمي إليها. حلقات تحفيظ القرآن، المراكز التربوية، الأندية الثقافية الملتزمة. المرء على دين خليله، ووجود الرفقة الصالحة هو أعظم مثبت يقي الشاب من الاستيحاش في طريق الاستقامة. خامساً: القدوة الحية المستقلة (المربي
المستقل): فاقد الشيء لا يعطيه. إذا كان المعلم أو الأب يلهث خلف الترندات، ويُقَيِّم نجاحه بحجم الإعجابات، فكيف سيربي طالباً مستقلاً؟ يجب أن يرى الطالب في معلمه شخصية حرة، لا تتأثر بضغط القطيع، تقف مع الحق بثبات ولو خالفه كل من في المدرسة. 🤲 الخاتمة والدعاء إخوتي الكرام، لعلكم تسألون الآن بعد هذا الطواف الطويل: ما هي الخطوة العملية التي أخرج بها من هذا المجلس؟ درسنا اليوم تناول المفارقة العظيمة بين الميزان الإلهي الذي يذم الكثرة الغافلة، وبين الميزان البشري الذي يقدسها، ورأينا كيف وصف القرآن أكثر الناس بالجهل والغفلة والجحود. الخطوة العملية التي أوصيكم ونفسي بها تتلخص في ثلاث رسائل تنقلونها لبيوتكم ومدارسكم غداً: الرسالة الأولى: علّموا أبناءكم أن كلمة "كل الناس يفعلون كذا" هي حجة المفلسين، وأن المسلم يُحاسب في قبره فرداً، ويقف بين يدي الله فرداً: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. الرسالة الثانية: اغرسوا في طلابكم الفخر بالاستقامة، وأن كونهم قلة محافظة في زمن الانفتاح هو اصطفاء من الله لهم، يستوجب الشكر لا الخجل. الرسالة الثالثة: لا تحبطوا من قلة الثمار، واعملوا وازرعوا البذور، فإن إبراهيم عليه السلام كان أمة وحده! نسأل الله العلي القدير أن يلهمنا رشدنا، ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. اللهم يا مقلب القلوب ثبّت قلوبنا وقلوب أبنائنا وبناتنا على دينك. اللهم لا تجعلنا من الأغلبية الغافلة، واجعلنا من الأقلية الشاكرة الذاكرة، التي تستمع القول فتتبع أحسنه. اللهم بصّرنا بعيوب أنفسنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم احفظ أجيال المسلمين من فتن الشبهات والشهوات، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم بارك لنا في علمنا وعملنا، واجعلنا ممن يتعلم ويعمل ويُعلّم بإخلاص ويقين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمَعين. والآن، أفتح باب الأسئلة والمداخلات.. فمن لديه سؤال فليتفضل مشكوراً. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.