من مكتبة مِداد الخطيب

الزواج ليس حفلة.. إنه ميثاق غليظ

مشاركة
🕌 الزواجُ ليسَ حَفلَةً.. إنَّه مِيثاقٌ غَليظ #خطبة_جمعة #الزواج #الأسرة #تيسير_الزواج #الميثاق_الغليظ #تربية الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا، وكان رَبُّكَ قَدِيرًا. الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الزَّواجَ آيَةً مِن آياتِه، ومِنَّةً مِن أَعظَمِ هِباتِه، سَكَنًا لِلنُّفوسِ، وطَهارَةً لِلقُلوبِ، وَعِفَّةً لِلجَوارِح. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَرَعَ الحَلالَ فَيَسَّرَهُ وأغنى بِهِ، وحَرَّمَ السِّياحَ والفَسادَ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ المُتَّقين، وقُدوَةُ الأزواجِ والصَّالحين، القائِلُ في حَجَّةِ الوَداعِ تَأسيسًا لِهذا البُنيان: «استَوصوا بِالنِّساءِ خَيرًا»، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعدُ: عبادَ الله، تَخَيَّلوا معي مَشهَدًا نَراهُ كُلَّ يَومٍ.. قُصورٌ تُستَأجَر بِمَبالِغَ طائِلَة، وأنوارٌ تُضاء، ومَوائِدُ تُفْرَش، وأموالٌ تُنثَرُ في ساعاتٍ مَعدودات.. ثُمَّ ماذا؟ بَعدَ شَهرٍ أَو شَهرَين، نَسمَعُ أنَّ هذا البَيتَ الذي بُنِيَ في لَيلَةٍ صاخِبَة، قَد تَهَدَّمَ في لَحظَةِ غَضَب، وانْتَهَى بِطَلاقٍ مُؤلِم! لماذا تَسقُطُ بُيوتُنا بِهذِهِ السُّرعَة؟ لِأنَّنا رَكَّزنا جُهدَنا كُلَّهُ عَلى "حَفلَةِ" لَيلَةٍ واحِدَة، ونَسينا أنَّ الزَّواجَ رِحلَةُ عُمُر.. بَل نَسينا الكَلِمَةَ المُرعِبَةَ التي وَصَفَ اللهُ بِها هذا العَقد. ما هِيَ هَذِهِ الكَلِمَة؟ وكَيفَ تُغَيِّرُ نَظرَتَنا لِلزَّواج؟ هَذا ما سَنَقِفُ عِندَهُ اليَوم. أيُّها المُسلِمون، اقفُوا مَعي بِقُلوبِكُم عِندَ هَذِهِ الآيَةِ التي تُتلَى عِندَ كُلِّ عَقْدٍ، وَلَكِنْ قَلَّ مَن يَتَدَبَّرُ ثِقَلَها. يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ مُخاطِبًا الأزواج: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة النساء: 21]. المِيثاقُ الغَليظ! هَل سَأَلتُم أَنفُسَكُم يَومًا: لِماذا وَصَفَ اللهُ عَقْدَ النِّكاحِ بِأنَّهُ "مِيثاقٌ غَليظ"؟ في القُرآنِ الكَريمِ كُلِّه، لَم يُستَخدَم وَصفُ "المِيثاقِ الغَليظ" إلَّا في ثَلاثَةِ مَواضِعَ فَقَط. المَوضِعُ الأوَّل: عَهْدُ اللهِ مَعَ أُولي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ عَلى حَمْلِ الرِّسالَة، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾. المَوضِعُ الثَّاني: عَهْدُ اللهِ مَعَ بَني إسرائيلَ عِندَما رَفَعَ فَوقَهُمُ الطُّور، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾. والمَوضِعُ الثَّالِث.. هُوَ يَدُكَ التي وَضَعتَها في يَدِ وَلِيِّ المَرأَةِ يَومَ تَزَوَّجت! هَذا العَقدُ يا عِبادَ اللهِ لَيسَ عَقْدَ بَيعٍ وشِراء، وَلَيسَ عَقْدَ شَراكَةٍ تِجاريَّة، وَلَيسَ وَرَقَةً تُمزَّقُ حينَ نَغضَب. إنَّهُ عَهْدٌ في مَقامِ عُهودِ الأَنبياء! أنتَ أَمضَيتَهُ بِاسمِ الله، واسْتَحْلَلتَ بَرْعَها بِكَلِمَةِ الله. قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِهِ لِهَذِهِ الآيَة: "المِيثاقُ الغَليظُ هُوَ قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «اتَّقوا اللهَ في النِّساءِ، فَإنَّكُم أَخَذتُموهُنَّ بِأَمانِ الله، واسْتَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله»". وواللهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَرتَجِفُ قَلبُهُ حينَ يَعلَمُ أنَّهُ أَخَذَ هَذِهِ المَرأَةَ مِن بَيتِ أبيها بِأمانَةٍ عِندَ الله، وأنَّ اللهَ سَائِلُهُ عَن هَذِهِ الأَمانَةِ يَومَ القِيامَة. فَهَل يُعقَلُ بَعدَ هذا أن يُهانَ هذا المِيثاقُ، أو يُجعَلَ مَيدانًا لِلاستِعراضِ والمُفاخَرَة؟ يا مَعاشِرَ المُؤمِنين، لَقَد تَحَوَّلَ الزَّواجُ في زَمانِنا المُعاصِر، بِسَبَبِ غَفلَتِنا وبِسَبَبِ ضَغطِ وَسائِلِ التَّواصُل، مِن "سَكَنٍ" إلى "سِباق"، ومِن "مِيثاقٍ غَليظ" إلى "حَفلَةِ اسْتِعراض". كَم مِن شابٍّ في مُقتَبَلِ عُمُرِهِ، يُريدُ العَفاف، ويَهرَبُ مِن فِتَنِ هَذا العَصرِ المُميتَة، فَيَطرُقُ بابَ أُسرَةٍ يَطلُبُ ابنَتَهُم. فَماذا يَجِد؟ يَجِدُ لائحَةً مِنَ الشُّروطِ التَّعجيزيَّة! مَهرٌ قاصِمٌ لِلظَّهر، وقاعَةُ أفراحٍ تُكَلِّفُ عَمَلَ سَنَوات، وهَدايا، واشتِراطاتٌ لا يَقومُ بِها إلَّا الأَثرياء. ثُمَّ ماذا؟ يَضطَرُّ الشَّابُّ لِلاستِدانَةِ والاقتِراضِ مِنَ البُنوك، فَيَدخُلُ بَيتَ الزَّوجيَّةِ وهُوَ مُكَبَّلٌ بِالدُّيون، مَهمومُ الخاطِر، مَكسورُ النَّفس. وعِوَضًا عَن أن يَكونَ شَهرُهُ الأوَّلُ شَهرَ مَوَدَّةٍ ورَحمَة، يُصبِحُ شَهرَ هَمٍّ وغَمٍّ وحِساباتٍ لِتَسديدِ أقساطِ الحَفلَةِ التي لم يَستَمتِع بِها إلَّا المُتَفَرِّجون! أينَ نَحنُ مِن كَلامِ النَّبيِّ ﷺ الذي بَنى أُسُسَ هَذا الدِّين؟ يَقولُ نَبِيُّكُم ﷺ: «إنَّ أَعظَمَ النِّكاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» (رواهُ أحمد). كَلِمَةٌ واحِدَة: البَرَكَة. وهَل نَبحَثُ في بُيوتِنا إلَّا عَنِ البَرَكَة؟ البَرَكَةُ أَن تَبقى المَوَدَّة، البَرَكَةُ في الذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَة، البَرَكَةُ في السَّكِينَة. ولَكِنَّنا طَرَدنا البَرَكَةَ حينَ عَسَّرنا الحَلال. ومَن عَسَّرَ الحَلال، فَقَد سَهَّلَ الحَرامَ مِن حَيثُ لا يَشعُر! يَقولُ سُفيانُ الثَّوريُّ رَحِمَهُ الله: "إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ لِيُباهِيَ بِمالِهِ أو حَسَبِهِ، عاقَبَهُ اللهُ بِشَقائِهِ في ذَلِك". واسْمَعوا إلى هَذِهِ القِصَّةِ العَجيبَةِ التي صَنَعَت جيلَ الصَّحابَة.. قِصَّةٌ لَو قِسناها بِمَقاييسِ اليَومِ لَقُلنا إنَّها ضَربٌ مِنَ الخَيال. تَقَدَّمَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِخِطبَةِ مَن؟ لِخِطبَةِ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمين، فاطِمَةَ بِنتِ مُحمَّدٍ ﷺ. بِنتِ رَسولِ الله، وبِنتِ سَيِّدِ الخَلق. فَماذا طَلَبَ النَّبيُّ ﷺ مِن عَلِيّ؟ هَل شَرَطَ عَلَيهِ قَصرًا في المَدينَة؟ أو ناقَةً حَمراء؟ قالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: «هَل عِندَكَ شَيءٌ تُصْدِقُها إيَّاه؟». قالَ عَلِيّ: لا واللهِ يا رَسولَ الله. قالَ ﷺ: «فَأينَ دِرعُكَ الحُطَميَّة؟». قال: هِيَ عِندي. قال: «فَأَعطِها إيَّاه». تَخَيَّلوا! مَهرُ بِنْتِ رَسولِ اللهِ دِرْعٌ حَديديَّةٌ قَديمَة، بَلَغَت قيمَتُها أربَعَمِائَةِ دِرهَم. ثُمَّ ماذا كانَ جَهازُ بَيتِها؟ تَقولُ الرِّواياتُ إنَّ جَهازَ فاطِمَةَ كانَ: قَطيفَة (غِطاء)، وقِربَةَ ماء، ووِسادَةً حَشوُها لِيف! بِهَذا المَهرِ المُنخَفِض، وبِهذا الجَهازِ البَسيط، بُنِيَ أَعظَمُ بَيتٍ، وخَرَجَ مِنهُ سَيِّدا شَبابِ أهلِ الجَنَّة: الحَسَنُ والحُسَين. القِيمَةُ لَيسَت في المَهرِ يا إخوَتي، القِيمَةُ في الرَّجُلِ الذي سيَدخُلُ هذا البَيت. ولَكِن، ما هُوَ المِعيارُ اليَوم؟ ما هُوَ المِيزانُ الذي نَزِنُ بِهِ الخُطَّاب؟ قالَ النَّبيُّ ﷺ واضِعًا الدُّستورَ الخالِد: «إذَا خَطَبَ إلَيكُم مَن تَرضَونَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَزَوِّجوهُ، إلَّا تَفعَلوا تَكُنْ فِتنَةٌ في الأَرضِ، وفَسادٌ عَريض» (رواهُ التِّرمذي). تَأمَّلوا الرَّبط! الدِّينُ والخُلُق. الدِّينُ يَحجِزُهُ عَن ظُلمِها، والخُلُقُ يَحجِزُهُ عَن قَسوَتِها. قالَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ: لِمَنْ أُزَوِّجُ ابنَتي؟ قال: "زَوِّجها مِمَّن يَخافُ الله، فَإنَّهُ إن أَحَبَّها أَكرَمَها، وإن أَبغَضَها لَم يَظلِمْها". هَذا هُوَ الضَّمانُ الحَقيقي. أمَّا الشَّابُّ الذي يَملِكُ المالَ وَلا يَعرِفُ المَسجِد، ويَملِكُ الوَظيفَةَ وَلا يَملِكُ الخُلُق، فَإنَّكَ تَضَعُ ابنَتَكَ في سِجنٍ مُذَهَّب. ومَن زَوَّجَ كَريمَتَهُ لِفاسِقٍ فَقَد قَطَعَ رَحِمَها. أيُّها المُسلِمون، وإذا تَجاوَزنا أزمَةَ المَهور، فَإنَّ هُناكَ خَطَأً فادِحًا نَقَعُ فيهِ في تَربِيَةِ شَبابِنا وبَناتِنا المُقبِلينَ عَلى الزَّواج. نَحنُ نُهَيِّئُهُم مادِّيًّا؛ نَشتَري الأَثاث، نَحجِزُ القاعات، نَدفَعُ الأَموال.. لَكِن، هَل هَيَّأناهُم نَفسيًّا وشَرعيًّا لِهَذا المِيثاقِ الغَليظ؟ هَل عَلَّمْنا الشَّابَّ أنَّ الزَّواجَ مَسؤوليَّةٌ وقِوامَة؟ ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: 34]. والقِوامَةُ لَيسَت سَيطَرَةً ولا دِكتاتوريَّة، بَل هِيَ رِعايَةٌ وحِمايَةٌ وإنفاقٌ واحتِواء. هَل عَلَّمنا البِنتَ أنَّ الزَّواجَ طاعَةٌ وصَبرٌ ومُشارَكَة؟ وأنَّ الزَّوجَةَ الصَّالِحَةَ هِيَ التي إذا نَظَرَ إلَيها زَوجُها سَرَّته، وإذا أمَرَها أطاعَته؟ كثيرٌ مِنَ الشَّبابِ واليَوم، يَدخُلونَ الزَّواجَ وهُم يَظُنُّونَهُ كَما تَعِرضُهُ شاشاتُ الهَواتِفِ المُزَيَّفَة: حُبٌّ مِثاليٌّ لا خِلافَ فيه، ورومانسيَّةٌ دائِمَة، وسَفَرٌ ومَطاعِم. فَإذا صُدِموا بِأوَّلِ خِلافٍ طَبيعيّ، أو أوَّلِ مَسؤوليَّةٍ ماليَّة، رَفَعوا رايَةَ الِانسِحاب، وقالوا: طَلاق! يَقولُ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في تَأمُّلٍ عَجيبٍ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]: "المَوَدَّةُ في الشَّبابِ والصِّحَّة، والرَّحمَةُ في الكِبَرِ والمَرَضِ والضَّعف". يا لَها مِن حِكمَة! البَيتُ لا يَقومُ عَلى الحُبِّ المُلْتَهِبِ فَحَسْب، بَل يَقومُ عَلى "الرَّحمَة". أن تَرحَمَ ضَعفَها، وأن تَرحَمَ هِيَ تَعَبَك. إذا غابَتِ المَوَدَّةُ لِخِلافٍ ما، حَضَرَتِ الرَّحمَةُ لِتَحفَظَ البَيتَ مِنَ الِانهِيار. عِبادَ الله، أينَ نَحنُ مِن فِقهِ الزَّواج؟ لَقَد كانَ السَّلَفُ يَفخَرونَ بِتَزويجِ الصَّالِحين، ولَو دُونَ مال. اسْمَعوا لِهَذا المَوقِفِ الذي تَهتَزُّ لَهُ المَقاييس: عالِمُ المَدينَةِ، وسَيِّدُ التَّابِعينَ، سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ الله. خَطَبَ أميرُ المُؤمِنينَ عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروانَ ابنَةَ سَعيدٍ لِابنِهِ الوَليد (وَلِيِّ العَهدِ). ابنَةُ سَعيدٍ سَتَكونُ زَوجَةَ الخَليفَةِ القادِم، وأَميرَةَ الدَّولَةِ الأُمَويَّة! فَهَل وافَق؟ رَفَضَ سَعيدٌ رَفضًا قاطِعًا! لِأنَّهُ يَرى في قُصورِ الخِلافَةِ فِتنَةً عَلى دِينِ ابنَتِه. ثُمَّ ماذا فَعَل؟ كانَ لَهُ تِلميذٌ فَقيرٌ جِدًّا اسْمُهُ أبُو وَداعَة، ماتَت زَوجَتُه، فَلَم يَحضُر دَرسَ سَعيدٍ أيَّامًا. فَلَمَّا عاد، سَأَلَهُ سَعيد: أينَ كُنت؟ قال: تُوُفِّيَت زَوجَتي. قال: هَلِ استَحدَثتَ امْرَأَة؟ (أي هَل تَزَوَّجت؟). قال: ومَن يُزَوِّجُني وَأنا لا أَملِكُ إلَّا دِرهَمَين؟! قالَ سَعيد: أنا أُزَوِّجُك. فَزَوَّجَهُ ابنَتَهُ عَلى دِرهَمَين، وفي ذاتِ اللَّيلَةِ طَرَقَ بابَهُ وقَدِمَ بِها إلَيه! تَخَيَّلوا! يَرفُضُ ابنَ أَميرِ المُؤمِنين، ويُزَوِّجُ ابنَتَهُ لِطالِبِ عِلمٍ لا يَملِكُ إلَّا دِرهَمَين. لِماذا؟ لِأنَّهُ كانَ يَنظُرُ بِعَينِ الآخِرَة، كانَ يَعرِفُ أنَّ المِيثاقَ الغَليظَ لا يَحفَظُهُ الذَّهَب، بَل يَحفَظُهُ التَّقوى والقرآن. فَيا مَن تَقِفُ عَقَبَةً في زَواجِ ابنَتِكَ بِطَلَباتِكَ التي لا تَنتَهي.. ويا مَن تُرهِقُ الخاطِبَ لِيُقالَ إنَّ حَفلَةَ ابنَتِكَ هِيَ الأَفخَم.. اتَّقِ اللهَ في ابنَتِك، واتَّقِ اللهَ في شَبابِ المُسلِمين. كَم مِن فَتَاةٍ عَنَسَت في بَيتِ أبيها بِسَبَبِ شُروطٍ لا أنزَلَ اللهُ بِها مِن سُلطان! وكَم مِن شابٍّ انْحَرَفَ لِأنَّهُ وَجَدَ بابَ الحَلالِ مُغْلَقًا وأبوابَ الحَرامِ في كُلِّ شارِعٍ وبِأبخَسِ الأَثمان! إذا أغْلَقنا بابَ الزَّواجِ بِالتَّكاليف، فَتَحْنا بابَ الفَسادِ بِلا تَكاليف. الخِيارُ لَكُم يا عِبادَ الله. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين، وسِراجًا لِلسَّالِكين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسان. أمَّا بَعدُ: عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ حَقيقَةِ الزَّواجِ وأنَّهُ "مِيثاقٌ غَليظٌ" لَيسَ لِلَعِبِ أَوِ الِاستِعراض. وعَرَفنا كَيفَ أنَّ بَرَكَةَ النِّكاحِ في تَيْسيرِهِ، وأنَّ السَّلَفَ كانوا يَشتَرونَ لِبَناتِهِمُ الدِّينَ والخُلُقَ لا المالَ والمَظاهِر. وكَيفَ أنَّ البُيوتَ تُبنى عَلى الرَّحمَةِ والمَوَدَّةِ قَبلَ الدِّيكوراتِ والأثاث. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في بُيوتِنا ومُجتَمَعاتِنا؟ كَيفَ نُحَصِّنُ هَذا المِيثاقَ مِنَ الِانهِيار؟ أوصيكم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): نَقُّوا نِيَّاتِكُم عِندَ الزَّواج. الشَّابُّ الذي يَتَزَوَّجُ لِيُعِفَّ نَفسَهُ ويَغُضَّ بَصَرَهُ ويَبنِيَ أُسرَةً مُسلِمَة، حَقٌّ عَلى اللهِ عَوْنُه، كَما أخْبَرَ النَّبيُّ ﷺ. والزَّوجَةُ التي تَنوي في زَواجِها صِناعَةَ جِيلٍ يَحفَظُ القُرآنَ ويَنصُرُ الدِّين، مَأجورَةٌ في كُلِّ نَفَسٍ تَتَنَفَّسُهُ في بَيتِها. الثانية (لِسانيَّة): احفَظوا ألسِنَتَكُم مِن حُمَّى المُقارَنات! يا أَيُّهَا الزَّوج، ويا أيَّتُها الزَّوجَة، إيَّاكُم وما تَرَونَهُ في وسائِلِ التَّواصُلِ الِاجتِماعيّ. تِلكَ الصُّوَرُ المِثاليَّةُ المُفَلتَرَةُ خِدْعَة. لا تُقارِنْ زَوجَتَكَ بِالمُمَثِّلاتِ والمَشاهير، ولا تُقارِني زَوجَكِ بِمَن يَتَباهى بِأَموالِهِ عَلى الشَّاشات. القَناعَةُ سِرُّ السَّعادَة، والمُقارَنَةُ سِرُّ الدَّمار. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): يا آباءَ البَنات، ابدَؤوا أنتُم بِكَسرِ هَذِهِ العاداتِ الجاهِليَّة. إذا جاءَكُم الشَّابُّ الصَّالِحُ التَّقِيّ، يَسِّروا لَهُ المَهر، واجعَلوا حَفلَةَ الزَّواجِ بَسيطَةً لا إسرافَ فيها ولا دُيون. كُن أنتَ المُبادِرَ الأوَّلَ في عائِلَتِكَ، وسَيُبارِكُ اللهُ لِابنَتِكَ أضعافًا. الرابعة (اجتماعيَّة): ارفَعوا أيدِيَكُم وألسِنَتَكُم عَن حَياةِ المُتَزَوِّجينَ الجُدُد! التَّدَخُّلاتُ العائِلِيَّة، وأسئِلَةُ "لِماذا لَم تَحمَلي بَعد؟" و"بِكَمِ اشتَرى لَكِ؟" و"ماذا قَدَّموا لَكُم؟"، هِيَ سُوسٌ يَنخَرُ في المِيثاقِ الغَليظ. مَن كانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيرًا لِلأزواجِ أو لِيَصمُت. الخامسة (موضوعيَّة): لِلشَّبابِ والمُقبِلينَ عَلى الزَّواج.. تَعَلَّموا فِقهَ الأُسرَةِ قَبلَ أن تُوَقِّعوا العَقد. كَما تَتَعَلَّمونَ لِلحُصولِ عَلى الشَّهادَةِ الجامِعيَّة، تَعَلَّموا ما هِيَ حُقوقُ الزَّوجَة، وما هِيَ قِوامَةُ الرَّجُل، وكَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعامِلُ نِساءَه. الزَّواجُ بِلا فِقهٍ كالقِيادَةِ بِلا تَعَلُّم؛ النَّتيجَةُ حادِثٌ مُؤلِم. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واجعَلوا بُيوتَكُم قِلاعًا لِلإيمان، وسَكَنا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِ رَحَماتُ الرَّحمَن. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ حَصِّن شَبابَنا وبَناتِنا، اللَّهُمَّ يَسِّر لَهُمُ الحَلالَ وأغنِهِم بِهِ عَنِ الحَرام، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللَّهُمَّ مَن أرادَ العَفافَ مِن شَبابِ المُسلِمينَ فَيَسِّر لَهُ زَواجًا مُبارَكًا، وافتَح لَهُ أبوابَ رِزقِك، واكفِهِ بِحَلالِكَ عَن حَرامِك. اللَّهُمَّ أصلِح بُيوتَ المُسلِمين، اللَّهُمَّ أنزِلِ السَّكينَةَ والمَوَدَّةَ والرَّحمَةَ عَلى كُلِّ زَوجَين، واجعَل بُيوتَنا مَنازِلَ لِلطَّاعَةِ والقرآن، ولا تَجعَلها مَراتِعَ لِلشَّياطينِ والأحزان. اللَّهُمَّ اهدِ الآباءَ والأُمَّهاتِ لِتَيْسيرِ أُمورِ الزَّواج، وجَنِّبنا والمُسلِمينَ المَظاهِرَ الخادِعَةَ والإسرافَ الذي لا يُرضيك. اللَّهُمَّ اهدِنا لِأَحسَنِ الأَخلاقِ لا يَهدِي لِأَحسَنِها إلَّا أنت، واصرِف عَنَّا سَيِّئَها لا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَها إلَّا أنت. اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ المَظلومينَ مِن أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ، وكُن لَهُم عَونًا ونَصيرًا في كُلِّ مَكان. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.