من مكتبة مِداد الخطيب

البخيلُ.. عَدوُّ نِعمةِ الله

مشاركة
🕌 البخيلُ.. عَدوُّ نِعمةِ الله #خطبة_جمعة #شكر_النعم #البخل #إظهار_النعمة #أخلاق #الأسرة #رقائق الحمدُ للهِ الجَوادِ الكَريم، البَرِّ الرَّحيم، الذي بَسَطَ يَدَهُ بالعَطاء، وأفاضَ على عِبادِهِ مِن نِعَمِهِ السَّابغةِ والآلاء. الحمدُ لله الذي يُحِبُّ أن يَرى أثَرَ نِعمَتِهِ على عَبدِه، ويَمقُتُ الجاحِدَ البَخيلَ الذي يَكتُمُ فَضلَ رَبِّه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، خَزائِنُهُ مَلأى لا يَغيضُها نَفَقة، سَحَّاءُ اللَّيلَ والنَّهار. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أجوَدُ النَّاسِ وأكرَمُهُم، الذي ما سُئِلَ شيئًا قَطُّ فقال: لا. صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بَعد: أيُّها الإخوةُ الكِرام، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: ما هو أبشَعُ ذَنبٍ يُمكن أن يُقابِلَ به العَبدُ كَرَمَ رَبِّه؟ إنَّهُ ذَنبٌ خَفيٌّ، قد لا يَعتَبِرُهُ بَعضُ النَّاسِ كَبيرةً مِنَ الكَبائِر، لكنَّهُ في ميزانِ السَّماءِ يُعَدُّ عداوَةً صَريحَةً لنِعمَةِ الله. اليومَ، سَنَكشِفُ اللِّثامَ عن صِفَةٍ ذَميمَةٍ تُحَوِّلُ الإنسانَ إلى حارِسٍ لخَزائِنِ غَيرِه، وتَجعَلُهُ يَعيشُ عَيشَ الفُقَراءِ ليُحاسَبَ حِسابَ الأغنياء. صِفَةٌ تُدَمِّرُ البُيوت، وتُقَسِّي القُلوب، وتُطفِئُ نورَ البَرَكَة. فما هي هذه الصِّفَة؟ وكيفَ تَسَلَّلَت إلى قُلوبِ بَعضِنا؟ بَيانٌ نَقِفُ مَعَهُ في هذه الدَّقائق. عبادَ الله، يَقولُ المَولى جَلَّ جَلالُه في مُحكَمِ التَّنزيل، في آيةٍ تَجمَعُ بَينَ صِفَتَينِ مَمقوتَتَين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ۝ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 36-37]. تَأمَّلوا هُنا! اللهُ عزَّ وجَلَّ لم يَقُل فَقَط «يَبخَلون»، بَل أتبَعَها بصِفَةٍ أضخَم وأخطَر: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. البَخيلُ الحَقيقيُّ ليسَ فَقَط مَن يَمنَعُ الصَّدَقة، بَل هو مَن يَكتُمُ نِعمَةَ اللهِ عَلَيه. أعطاهُ اللهُ المالَ، فَيَظهَرُ بِمَظهَرِ الفَقيرِ المُعدَم! وسَّعَ اللهُ عَلَيهِ في الرِّزق، فَيُقَتِّرُ على نَفسِهِ وعِيالِهِ حتَّى يَحسَبَهُمُ النَّاسُ مِن أهلِ الصَّدَقة! هذا الرَّجُل، بِفِعلِهِ هذا، قَد نَصَبَ العَداوَةَ لنِعمَةِ الله. اللهُ يُعطيهِ ليَظهَرَ الفَضل، وهو يُخفي ليُظهِرَ الفَقر! وكَأنَّهُ يَقُولُ بِلِسانِ حالِه: "يا رَبِّ، إنَّ نِعمَتَكَ لا تَكفيني، أو إنِّي أستَحيي مِن إظهارِها، أو إنِّي أخافُ أن يُشارِكَني فيها أحَد". واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، لِتَعرِفوا كَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُحارِبُ هذا الفِكرَ في نُفوسِ أصحابِه. جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ واسمُهُ مالِكُ بنُ نَضلَةَ رضي الله عنه، دَخَلَ مَجلِسَ النَّبيِّ ﷺ وعَلَيهِ ثِيابٌ رَثَّة، دونَ المَطلوب، ثِيابٌ تُوحي بِشِدَّةِ الفَقرِ والحاجَة. فنَظَرَ إلَيهِ النَّبيُّ ﷺ الذي يَقرَأُ النُّفوسَ قَبلَ الوُجوه، وسَألَه: «أَلَكَ مالٌ؟». قالَ الرَّجُل: نَعَم. قالَ ﷺ: «مِن أيِّ المالِ؟». قال: مِن كُلِّ المالِ قد أعطاني اللهُ؛ مِن الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ، والخَيلِ، والرَّقيق. (أي إنَّهُ مِن أثرياءِ القَوم!). هُنا، أطلَقَ النَّبيُّ ﷺ قاعِدَةً ذَهَبيَّةً تُهَدِّمُ صَنَمَ البُخلِ كِتمانِ النِّعمَة، قالَ له: «فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ أثرُ نِعمَةِ اللهِ عَلَيكَ وكَرامَتِهِ» [رواه أبو داود وصححه الألباني]. وفي رِوايَةٍ أُخرى تُفَسِّرُ هذا التَّوجيه، قالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» [رواه الترمذي وحسنه]. أخِي الكَريم، هَل أدرَكتَ المَعنى؟ اللهُ "يُحِبُّ" أن يَرى أثَرَ نِعمَتِهِ عَلَيك. يُحِبُّ أن يَراكَ تَلبَسُ ثَوبًا حَسَنًا ما دُمتَ قادِرًا، ويُحِبُّ أن يَرى المائِدَةَ في بَيتِكَ طَيِّبةً ما دُمتَ غَنيًّا، ويُحِبُّ أن يَرى التَّوسعَةَ على زَوجَتِكَ وأولادِكَ. فَإذا كَتَمتَ ذلكَ كُلَّه؛ بُخلًا وتَشُحُّحًا، فَقَد أغضَبتَ رَبَّكَ مِن حَيثُ تَظُنُّ أنَّكَ تَحفَظُ مالَك! يا عِبادَ الله، لِماذا يَكتمُ البَخيلُ نِعمَةَ رَبِّه؟ لِماذا يُعادي إظهارَ الفَضل؟ إذا دَخَلنا إلى سيكولوجيَّةِ البَخيلِ ونَفسيَّتِه، سَنَجِدُ أنَّهُ مَريضٌ بِداءَينِ خَطيرَين:
الدَّاءُ الأوَّل: سوءُ الظَّنِّ بِالله، والخَوفُ مِنَ المُستَقبَل. هو يَظُنُّ أنَّ ما بيَدِهِ هُوَ كُلُّ شَيء، وأنَّهُ إن أنفَقَهُ وتَمَتَّعَ به سيَضيعُ ويَجوع! قَد نَسِيَ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: 268]. الشيطانُ يَجلِسُ في قَلبِ البَخيلِ يُوَسوسُ له: "اخبَأ قِرشَكَ الأبيض ليَومِكَ الأسوَد.. لا تَأكُلِ اللَّحمَ اليوم، رُبَّما تَفتَقِرُ غَدًا.. لا تَكسُ زَوجَتَك، قَد تَحتاجُ المالَ بَعدَ سَنَة". فيَعيشُ عُمرَهُ كُلَّهُ في أيَّامٍ سَوداء خَوفًا مِن يَومٍ أسوَدَ قَد لا يَأتي أبدًا! الدَّاءُ الثَّاني: الخَوفُ الوَهميُّ مِن أعيُنِ النَّاس (الحَسَد). تَجِدُ الرَّجُلَ قَد مَنَّ اللهُ عَلَيهِ بالمال، لَكِنَّهُ يَركَبُ أردَأ المَراكِب، ويُسكِنُ عِيالَهُ في أضيَقِ المَنازِل، ويُقَتِّرُ في طَعامِهِم. فَإذا نَصَحتَه، قال: "أخافُ العَين! أخافُ حَسَدَ النَّاس!". سُبحانَ الله! أيُعقَلُ أن نَكفُرَ نِعمَةَ اللهِ خَوفًا مِن خَلقِ الله؟! نَعَم، العَينُ حَقٌّ، ولكنَّ وِقايَتَها لا تَكونُ بِكُفرانِ النِّعمَةِ وتَضييعِ العِيال! وِقايَتُها بِالأذكار، والمُعَوِّذات، وبِإخراجِ زَكاةِ المالِ وصَدَقتِه. قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله، وهو يُفَرِّقُ بَينَ الزُّهدِ المَحمودِ والبُخلِ المَذموم: "الزُّهدُ أن يَكونَ المالُ في يَدِكَ لا في قَلبِك، أمَّا كِتمانُ النِّعمَةِ فهو بُخلٌ ومَهانَة، واللهُ يُحِبُّ إظهارَ نِعمَتِه، فَإنَّ إظهارَها شُكرٌ لِسانِيٌّ وحالِيّ". ولْنَتأمَّل مَعًا — يا أمَّةَ الإيمان — في قِصَّةٍ تَهزُّ القُلوب، قِصَّةٍ رَواها النَّبيُّ ﷺ عَن ثَلاثَةٍ مِن بَني إسرائيل، اختَبَرَهُمُ اللهُ في النِّعمَة: أبرَص، وأقرَع، وأعمى. بَعَثَ اللهُ إلَيهِم مَلَكًا، فَشَفى الأبرَصَ وأعطاهُ إبِلًا، وشَفى الأقرَعَ وأعطاهُ بَقَرًا، ورَدَّ عَلى الأعمى بَصَرَهُ وأعطاهُ غَنَمًا. ثُمَّ جاءَهُمُ المَلَكُ مَرَّةً أُخرى بِمَظهَرِ الفَقيرِ المُحتاج، ليَختَبِرَ هَل يُظهِرونَ نِعمَةَ اللهِ أم يَكتُمونَها بُخلًا؟ ذَهَبَ إلى الأبرَص، وطَلَبَ مِنهُ بَعيرًا ليَتَبَلَّغَ بِهِ في سَفَرِه. فماذا قال البَخيل الجاحِد؟ قال: "الحُقوقُ كَثيرَة" (يَتَعَذَّرُ بالالتِزامات وكَثرَة المَصاريف!). فَقالَ لَهُ المَلَك: كَأنِّي أعرِفُك! ألَم تَكُن أبرَصَ فَقيرًا فأعطاكَ الله؟ هُنا تَجَلَّى كِتمانُ النِّعمَةِ في أبشَعِ صُوَرِه، قال الأبرَص: "إنَّما وَرِثتُ هذا المالَ كابِرًا عَن كابِر!" (أي هذا مالي وجُهدي وَوِراثَتي، ولَيسَ فَضلًا مِن أحَد). فَقالَ المَلَك: إن كُنتَ كاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إلى ما كُنت. وعادَ أبرَصَ فَقيرًا! وذاتُ المَشهَدِ تَكَرَّرَ مَع الأقرَع.. جُحودٌ، وبُخلٌ، وكِتمانٌ لِنِعمَةِ الله. فَعادَ أقرَعَ فَقيرًا. لَكِن، تَعالَوا نَنظُر إلى "مُظهِرِ النِّعمَة".. الأعمى. جاءَهُ المَلَك، فماذا قال الأعمى؟ قال بِصِدقٍ وانكِسار: "قَد كُنتُ أعمى فَرَدَّ اللهُ إلَيَّ بَصَري، وفَقيرًا فأغناني، فَخُذ ما شِئتَ ودَع ما شِئت، فَواللهِ لا أجهَدُكَ اليَومَ بِشيءٍ أخَذتَهُ للهِ عزَّ وجَلّ". فَقالَ لَهُ المَلَك: "أمسِك مالَك، فإنَّما ابتُليتُم، فَقَد رَضِيَ اللهُ عَنكَ، وسَخِطَ عَلى صاحِبَيك" [متفق عليه]. يا لها مِن مُفارَقَة! الذي بَخِلَ وكَتَم، خَسِرَ الدُّنيا والآخِرَة. والذي جادَ واعتَرَفَ، بَقِيَت نِعمَتُهُ ونالَ رِضا الرَّبّ. يا مَعاشِرَ المُصَلِّين، إنَّ البُخلَ مَرَضٌ يُدَمِّرُ الأسَر، ويُحَطِّمُ الرَّوابِطَ الزَّوجيَّةَ والأبَويَّة. كم مِن بَيتٍ يَعيشُ فيهِ أطفالٌ في حِرمانٍ شَديد، وزَوجَةٌ تَتَقَطَّعُ حَسرَةً على حالِها، والرَّجُلُ يَملِكُ الملايينَ مُكَدَّسَةً في البُنوك! يَشتَري أردَأ الطَّعام، ويَستَخسِرُ في عِيالِهِ اللِّباسَ الجَديد، ويُحاسِبُهُم عَلى القِرش، حتَّى يَضيقوا ذَرعًا بِحَياتِهِم! ألا يَعلَمُ هذا المِسكينُ أنَّ أعظَمَ الصَّدَقةِ ما أنفَقَهُ عَلى أهلِه؟ يَقولُ نَبيُّ الرَّحمَةِ ﷺ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» [رواه مسلم].
والأدهى والأمَرّ، أنَّ هذا البَخيلَ يَعيشُ مَنبوذًا مِن أقرَبِ النَّاسِ إلَيه. فَقَد رَحَلَتِ المَوَدَّةُ مِن بَيتِه، وحَلَّت مَحَلَّها الكَراهِيَة. حتَّى إنَّ العِيالَ في سِرِّهِم — والعِياذُ بالله — قَد يَتَمَنَّونَ مَوتَهُ لِيَرتَاحوا مِن بُخلِهِ ويَرِثوا مالَه! أجادَ الشَّاعِرُ حينَ وَصَفَ حالَ البَخيلِ قائلًا: ومَن يُنفِقِ السَّاعاتِ في جَمعِ مالِهِ مَخافَةَ فَقرٍ فالذي فَعَلَ الفَقرُ! هو في فَقرٍ دائِم، وإن كانَ حِسابُهُ مُمتَلِئًا. فـ "كفى بالمَرءِ إثمًا أن يُضَيِّعَ مَن يَقوت" كَما حَذَّرنا المُصطَفى ﷺ. يا عِبادَ الله، كَيفَ نَرضى أن نُخفيَ فَضلَ الخالِقِ العَظيم؟ اللهُ عزَّ وجَلَّ يَقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. التَّحَدُّثُ بالنِّعمَةِ ليسَ تَكَبُّرًا ولا خُيَلاء، بَل هُوَ شُكرٌ واعتِراف. إذا لَبِستَ جَديدًا فَقُل: الحَمدُ لله الذي كَساني هذا. إذا طَعِمتَ طَيِّبًا، فَلْيُعلَم مِنكَ الشُّكر. أمَّا أن تَتَظاهَرَ بالمَسكَنَةِ كَي لا تُسأَل، أو كَي لا تُحسَد، فَهذا سُلوكٌ يَمقُتُهُ اللهُ ومَلائِكَتُه. كانَ بَعضُ السَّلَفِ يَقول: "إنِّي لألبَسُ ثَوبي هذا، وقيمَتُهُ كذا وكذا، فَيَراني السَّائلُ فيَعرِفُ أنِّي في نِعمَةٍ فيَسألُني، ويَراني الغَنيُّ فيَعرِفُ أنِّي مُستَغنٍ عَن مالِه". هذا هو الفِقهُ العَظيم. ولْنَتَذَكَّر جَميعًا هذا النِّداءَ النَّبَويَّ المَهُول: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» [متفق عليه]. دَعوَةٌ مِن مَلَكٍ مُقَرَّب، كُلَّ صَباح، بالتَّلَفِ لِمالِ البَخيلِ ونَفسِه! فأيُّ عَقلٍ يَقبَلُ أن يَضَعَ نَفسَهُ تَحتَ طائِلَةِ هذا الدُّعاءِ المُرعِب كُلَّ إشراقَةِ شَمس؟! فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعرِفوا لِلمالِ حَقَّه، ولِلنِّعمَةِ شُكرَها. لا تَجعَلوا أموالَكُم سِجنًا لَكُم في الدُّنيا، ونارًا تُكوَى بِها جِباهُكُم في الآخِرَة. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروه إنَّه هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، جَعَلَ الشُّكرَ مِفتاحًا للمَزيد، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أعظَمُ النَّاسِ جُودًا وكَرَمًا ﷺ. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن خَطَرِ البُخلِ كَعداوَةٍ لِنِعمَةِ الله، ووَقَفنا مَع مَعنى كِتمانِ الفَضلِ وكَيفَ أنَّهُ يُدَمِّرُ البُيوتَ ويُذهِبُ البَرَكَة، وتَدَبَّرنا قِصَّةَ الأبرَصِ والأعمى كَدَليلٍ قاطِعٍ عَلى عاقِبَةِ الجُحود. والآن، إخوَتي، السُّؤالُ العَمَليُّ الذي يَفرِضُ نَفسَه: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَحياهُ ونُحَرِّرُ قُلوبَنا مِن شُحِّها؟ أُوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): اليَقينُ التَّامُّ بِأنَّ الرَّازِقَ هُوَ الله. طَهِّر قَلبَكَ اللَّيلَةَ مِن خَوفِ المُستَقبَل الوَهمي. مَن رَزَقَكَ وأنتَ جَنينٌ في بَطنِ أُمِّكَ، لَن يُضَيِّعَكَ وأنتَ تَسعى في مَناآكِبِ الأرض. ثِق بالله، ولَن تَفتَقِرَ أبدًا جَزَعًا. الثانية (لِسانيَّة): عَوِّد لِسانَكَ على التَّحَدُّثِ بالنِّعمَةِ شُكرًا لا فَخرًا. إذا سُئِلتَ عَن حالِك، فلا تَتَشَكَّ مُدَّعِيًا الفَقر، بَل قُل مِن قَلبِك: "أنا في نِعمَةٍ وخَيرٍ مِنَ الله، اللهُ أكرَمَني وأغناني". فاللهُ يَزطادُ إغداقًا عَلى العَبدِ الشَّاكور. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): كُل، واشرَب، والْبَس، وتَصَدَّق — مِن غَيرِ إسرافٍ ولا مَخيلَة. لا تَظلِم نَفسَكَ، بَل أَرِ النَّاسَ أثَرَ نِعمَةِ اللهِ في سَمتِكَ ونَظافَتِكَ وحُسنِ هَيئَتِك، فإنَّ ذلكَ يُرضي الرَّحمن. الرابعة (اجتماعيَّة): أوسِع عَلى أهلِ بَيتِك! أكرِم زَوجَتَك، وأسخِ لأولادِك، ولا تَجعَلهُم يَتَمَنَّونَ ما عِندَ الآخَرينَ وأنتَ قادِر. واعلَم أنَّ اللُّقمَةَ تَضَعُها في فِي زَوجَتِكَ صَدَقة، فَلا تَبخَل عَلى مَن هم أمانَةٌ في عُنُقِك. الخامسة (موضوعيَّة): إيَّاكَ أن تَجعَلَ خَوفَ "العَينِ والحَسَدِ" حُجَّةً لِلبُخل! وِقايَةُ العَينِ تَكونُ بالأذكارِ وصَنائِعِ المَعروفِ والصَّدَقات السِّرِّيَّة. الصَّدَقةُ هي الَّتي تَدفَعُ العَينَ وتَحرُسُ المال، ولَيسَ ارتِداءُ المُمَزَّقِ وإدِّعاءُ الفَقر!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ تَحمِلُكُم عَلى البَذلِ والجود، وتَمنَعُكُم مِن كُفرانِ النِّعَم وتَضييعِها. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، القائِل: «البَخيلُ مَن ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ». اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَن، ونَعوذُ بِكَ مِنَ العَجزِ والكَسَل، ونَعوذُ بِكَ مِن الجُبنِ **والبُخل**، ونَعوذُ بِكَ مِن غَلَبَةِ الدَّينِ وقَهرِ الرِّجال. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطيَ شَكَر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أنعَمتَ عَلَيهِ بِمالٍ أظهَرَ أثَرَ نِعمَتِكَ في غَيرِ إسرافٍ ولا مَخيلَة. اللَّهُمَّ وَسِّع عَلَينا رِزقَنا، واجعَلهُ عَونًا لنا عَلى طاعَتِك، ولا تَجعَلهُ مَشغَلَةً لنا عَن مَرضاتِك. اللَّهُمَّ حَبِّب إلَينا الإِنفاقَ في سَبيلِك، ونَقِّ قُلوبَنا مِن شُحِّ النُّفوس. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ المُفلِحين. اللَّهُمَّ استُر عوراتِنا، وآمِن روعاتِنا، واحفَظ بلادَ المُسلمينَ مِن كُلِّ سوء، وفَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في كُلِّ مَكان. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.