من مكتبة مِداد الخطيب

📖 مَكانَةُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وحُجِّيَّتُها في التَّشريع

مشاركة
📖 مَكانَةُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وحُجِّيَّتُها في التَّشريع #درس_علمي #السنة_النبوية #حجية_السنة #مصادر_التشريع #أصول_الفقه #عقيدة #لطلبة_العلم بسم الله الرحمن الرحيم. الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا ونبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصَحبه أجمعين. أمَّا بعد: إخوتي طلبةَ العلم، إنَّ من أعظم الأصول التي يقومُ عليها بناءُ هذا الدِّين معرفةَ مصادر التَّلقي التي نأخذُ منها عقائدَنا وعباداتِنا وأحكامَنا. ولا يَخفى على بصيرةِ طالبِ العلم أنَّ السُّنَّةَ النبويَّةَ هي المصدرُ الثاني للتشريع بعد كتابِ الله عزَّ وجلَّ، وهي الشقيقةُ الملازمةُ للقرآن الكريم. فلا يُفهمُ كتابُ الله تعالى على وجهه الصحيح، ولا تُقامُ فرائضُ الدِّين كما أرادَ ربُّ العالمين، إلا بنورِ السُّنَّةِ وهَديِ خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ. وفي هذا الدرس المختصر، نقفُ وقفةً تأصيليَّةً مُركَّزةً على خمسِ نقاطٍ محوريَّة: أولًا: تعريفُ السُّنَّةِ في اللغة والاصطلاح. ثانيًا: منزلةُ السُّنَّةِ وأدلَّةُ حُجِّيتها الشَّرعيَّة. ثالثًا: أقسامُ السُّنَّةِ من حيثُ علاقتُها بالقرآن الكريم. رابعًا: أمثلةٌ تطبيقيَّةٌ تُبيِّنُ افتقارَ المسلمِ للسُّنَّة. خامسًا: دَفعُ الإشكالِ الواردِ حولَ دعوى الاكتفاءِ بالقرآن. أولًا: تعريفُ السُّنَّةِ لغةً واصطلاحًا. السُّنَّةُ في لغةِ العرب هي الطَّريقةُ والسِّيرةُ المُعتادة، سواءٌ أكانت محمودةً أم مذمومة، ومنه قولُ المصطفى ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا» (رواه مسلم)، أي مَن ابتدأَ طريقةً صالحةً فاتَّبعه النَّاسُ عليها. وأمَّا في اصطلاحِ علماءِ الأصول، فالسُّنَّةُ هي: ما صَدَرَ عن النَّبيِّ ﷺ غيرَ القرآنِ الكريم، من قَولٍ، أو فِعلٍ، أو تَقرير. فالقَولُ كالأحاديثِ التي نَطَقَ بها عليه الصلاة والسلام، والفِعلُ كأدائِه لمناسكِ الحجِّ وهيئاتِ الصَّلاةِ أمامَ أصحابِه، والتَّقريرُ هو سكوتُه ﷺ وعدمُ إنكارِه لفعلٍ أو قولٍ وقعَ في حضرتِه أو عَلِمَ به، إذ لا يَسكتُ المعصومُ ﷺ على باطل. ثانيًا: منزلةُ السُّنَّةِ وأدلَّةُ حُجِّيتها. السُّنَّةُ النبويَّةُ الثَّابتةُ وحيٌ من عندِ الله تبارك وتعالى بالمعنى، وإن كانَ اللَّفظُ من رسولِ الله ﷺ. وقد تَضافرت الأدلَّةُ القاطعةُ من الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ على وجوبِ العملِ بها وحرمةِ مخالفتِها. فمن القرآنِ الكريم، يقرِّرُ ربُّنا جلَّ وعلا أنَّ نُطقَ نبيِّه ﷺ في أمرِ الدِّين مَعصومٌ عن الهوى، فيقول سبحانه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [سورة النجم: 3-4]. ويأمرُنا مولانا عزَّ وجلَّ بالأخذِ بكلِّ ما جاءَ به الرَّسولُ ﷺ والانتهاءِ عمَّا نهى عنه، فيقول تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [سورة الحشر: 7]. بل جَعَلَ اللهُ جلَّ في عُلاه طاعةَ رسولِه ﷺ من عينِ طاعتِه سبحانه، فقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: 80]. ومن السُّنَّةِ النبويَّة، ما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح). وقد أجمعَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم ومَن تبعهم من أئمَّةِ الهدى عبرَ القرونِ على أنَّ السُّنَّةَ الصَّحيحةَ حجَّةٌ شرعيَّةٌ مُلزمة، لا يسعُ مسلمًا الخروجُ عنها متى ثبتت. ثالثًا: أقسامُ السُّنَّةِ من حيثُ علاقتُها بالقرآن الكريم. حرَّرَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمه الله ومن جاءَ بعده من المحقِّقين علاقةَ السُّنَّةِ بالقرآن، فحصروها في ثلاثِ مراتبَ أساسيَّة: المرتبةُ الأولى: سُنَّةٌ مؤكِّدةٌ وموافقةٌ لما جاءَ في القرآنِ الكريم من كلِّ وجه. ومثالُها الأحاديثُ الآمرةُ بإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وبرِّ الوالدينِ، وتحريمِ عقوقِهما وقتلِ النَّفسِ بغيرِ حقٍّ؛ فهذه تتطابقُ مع الآياتِ القرآنيَّةِ وتزيدُها توكيدًا في القلوب. المرتبةُ الثانية: سُنَّةٌ مبيِّنةٌ ومفسِّرةٌ لما أُجمِلَ في القرآنِ الكريم. وذلك لأنَّ القرآنَ يضعُ القواعدَ الكلِّيَّةَ والأوامرَ المُجملة، وتأتي السُّنَّةُ فتُفصِّلُ المُجملَ، وتُقيِّدُ المُطلقَ، وتُخصِّصُ العامَّ. ومصداقُ ذلك قولُ اللهِ سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل: 44]. المرتبةُ الثالثة: سُنَّةٌ مُنشِئةٌ لحكمٍ شرعيٍّ جديدٍ سكتَ عنه القرآنُ الكريم. فالسُّنَّةُ تستقلُّ بتشريعِ بعضِ الأحكامِ؛ لأنَّها وحيٌ من اللهِ تعالى، ومثالُها تحريمُ الحُمُرِ الأهليَّةِ، وتحريمُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ، وميراثُ الجَدَّة. رابعًا: أمثلةٌ تطبيقيَّةٌ على افتقارِ المسلمِ للسُّنَّة. لو نظرنا في واقعِ العبادةِ اليوميَّةِ للمسلم، لوجدنا أنَّ تطبيقَ القرآنِ الكريمِ متوقِّفٌ تمامًا على السُّنَّةِ النبويَّة: المثالُ الأوَّل: أمرَ اللهُ تعالى بإقامِ الصَّلاةِ في عشراتِ المواضعِ من كتابِه، لكنَّه لم يذكر في القرآنِ أنَّ الفجرَ ركعتان، وأنَّ الظُّهرَ أربعٌ، وأنَّ المغربَ ثلاثٌ، ولم يذكر شروطَ الصَّلاةِ وأركانَها وهيئاتِ الرُّكوعِ والسُّجودِ؛ وإنَّما عَرَفنا ذلك كلَّه من فعله ﷺ وقولِه: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (رواه البخاري). المثالُ الثاني: أوجبَ اللهُ عزَّ وجلَّ إيتاءَ الزَّكاة، لكنَّ مقاديرَ الأنصبةِ، وشروطَ حولانِ الحولِ، ومقدارَ الواجبِ إخراجُه كربعِ العُشرِ في الذَّهبِ والفضَّة، كلُّ ذلك إنَّما عُلِمَ بتفصيلِ السُّنَّةِ النبويَّة. المثالُ الثالث: حرَّمَ اللهُ تبارك وتعالى في آيةِ النِّساءِ الجمعَ بين الأختينِ في النِّكاح، وجاءت السُّنَّةُ فزادت حكمًا مستقلًّا، وهو تحريمُ الجمعِ بين المرأةِ وعمَّتِها، وبين المرأةِ وخالتِها، كما ثبتَ في الصَّحيحين. خامسًا: الاستدراكُ ودفعُ شُبهةِ الاكتفاءِ بالقرآن. قد يَعرِضُ لبعضِ النَّاسِ إشكالٌ يَطرحُه مَن يدَّعون الاكتفاءَ بالقرآنِ وحدَه، فيقولون: كتابُ اللهِ تبيانٌ لكلِّ شيء، فلا حاجةَ لنا بالسُّنَّة. والجوابُ عن هذه الشُّبهةِ من وجهين: الأوَّل: أنَّ القرآنَ نفسَه هو الذي أمرَنا باتِّباعِ السُّنَّةِ والرُّجوعِ إلى بيانِ الرَّسولِ ﷺ؛ فمَن ردَّ السُّنَّةَ فقد ردَّ الآياتِ القرآنيَّةَ الآمرةَ بطاعةِ النَّبيِّ ﷺ وأخذِ ما جاءَ به. الثَّاني: ما أجابَ به الصَّحابةُ الكرامُ؛ فقد رُويَ أنَّ رجلًا قال لعمرانَ بنِ حُصينٍ رضي الله عنه: لا تحدِّثونا إلا بالقرآن! فسأله عمرانُ رضي الله عنه سؤالًا يُبطلُ دعواه: أرأيتَ لو وُكِلتَ أنت وأصحابُك إلى القرآن، أكنتَ تجدُ فيه أنَّ صلاةَ الظُّهرِ أربعٌ، وأنَّ صلاةَ المغربِ ثلاثٌ، وأنَّ القراءةَ في الرَّكعتينِ الأُوليينِ؟ فبُهِتَ الرَّجلُ وأقرَّ بالحاجةِ إلى السُّنَّة. ولذلك قرَّرَ أئمَّةُ السَّلفِ كالأوزاعيِّ ومكحولٍ رحمهما الله أنَّ القرآنَ أحوجُ إلى السُّنَّةِ من السُّنَّةِ إلى القرآن؛ بمعنى أنَّ النَّاسَ يفتقرون إلى السُّنَّةِ لفهمِ مُرادِ اللهِ في كتابِه. مراجعُ مقترحةٌ للتَّوسُّع: لمن أرادَ الاستزادةَ في هذا البابِ التَّأصيليِّ، يُنصحُ بمراجعةِ الكتبِ الآتية: كتاب «الرِّسالة» للإمامِ محمَّد بن إدريس الشَّافعيِّ رحمه الله. كتاب «جامع بيان العلم وفضله» للإمامِ ابنِ عبدِ البرِّ رحمه الله. كتاب «الموافقات» للإمامِ الشَّاطبيِّ رحمه الله، في مبحثِ بيانِ السُّنَّةِ للكتاب. الخاتمةُ والخطوةُ العمليَّة: خلاصةُ درسِنا اليومَ أنَّ السُّنَّةَ والقرآنَ وحيانِ متلازمانِ لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخر، وأنَّ تعظيمَ السُّنَّةِ والعملَ بها هو الميزانُ الصَّادقُ لمحبَّةِ النَّبيِّ ﷺ وطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ. والخطوةُ العمليَّةُ التي أوصي بها نفسي وإيَّاكم هذا الأسبوع: أن نَحفظَ الآياتِ الثلاثَ الواردةَ في هذا الدَّرسِ حولَ حُجِّيةِ السُّنَّة، وأن نُحييَ في يومِنا سُنَّةً عمليَّةً واحدةً من سُننِ النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ أو الأذكارِ بنيَّةِ الاتِّباع. نسألُ اللهَ تبارك وتعالى أن يجعلَنا من المتَّبعينَ لهَديِ نبيِّه ﷺ ظاهرًا وباطنًا، وأن يرزقَنا الفقهَ في الدِّينِ والعملَ بالعلم. وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصَحبه أجمعين. والآنَ نفتحُ المجالَ لأسئلتِكم ومداخلاتِكم... ✍️ هنا يَنتهي القَلَمُ، وهنا تَبدأ مَسؤوليَّتُك أيُّها الخطيبُ والمعلِّمُ الكريم. هذه مادَّةٌ علميَّةٌ صاغَها نموذجٌ آليٌّ يُعينُك ولا يُغني عنك، والخطأُ واردٌ في كلِّ صياغةٍ آليَّة. فاقرَأها بتأمُّلٍ قبلَ إلقائِها، وتَوثَّق من نصوصِها وعَزوِها في مظانِّها الأصليَّة، وأضِف إليها من رُوحِك وبيانِك وخبرتِك التَّعليميَّة؛ فمَجالسُ العلمِ والمَنابرُ أمانةٌ يُسألُ عنها صاحبُها وحدَه أمامَ اللهِ عزَّ وجلَّ. وإن رغبتَ في تَوسيعِ هذا الدَّرسِ أو تَعديلِه، فصُغ طَلَبَك بتفصيلٍ واضحٍ تَنَل ما يُلائمُ طُلَّابَك.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.