من مكتبة مِداد الخطيب

مَنزِلَةُ الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مَوسَّعَةٌ عَن بَابِ اللهِ الأَعظَمِ وَجَنَّةِ الدُّنيَا وَمُستَرَاحِ العَارِفِينَ

مشاركة
مَنزِلَةُ الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مَوسَّعَةٌ عَن بَابِ اللهِ الأَعظَمِ وَجَنَّةِ الدُّنيَا وَمُستَرَاحِ العَارِفِينَ الحَمدُ للهِ المُنْفَرِدِ بِالخَلقِ وَالتَّدبِيرِ، المُتَوَحِّدِ بِالحُكمِ وَالقَضَاءِ وَالتَّقدِيرِ، العَلِيمِ الخَبِيرِ الَّذِي قَدَّرَ المَقَادِيرَ قَبلَ خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ بِخَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ فَلَا يَقَعُ فِي مُلكِهِ إِلَّا مَا شَاءَ، الحَكِيمِ اللَّطِيفِ الَّذِي طَوَى فِي خَبَايَا المِحَنِ خَفَايَا المِنَحِ وَالعَطَاءِ، وَجَعَلَ الرِّضَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بَابَهُ الأَعظَمَ، وَجَنَّتَهُ المُعَجَّلَةَ فِي الدُّنيَا لِأَهلِ اليَقِينِ وَالوَفَاءِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَفِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعطَى وَلَا مُعطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الرَّاضِينَ عَنِ اللهِ فِي كُلِّ قَدَرٍ، وَسَيِّدُ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ فِي العُسرِ وَاليُسرِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ فِي المَنشَطِ وَالمَكرَهِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَتَقوَى اللهِ هِيَ مِفتَاحُ السَّكِينَةِ، وَمَهبِطُ الطَّمَأنِينَةِ، وَبِهَا يَسمُو العَبدُ إِلَى مَقَامَاتِ التَّسلِيمِ وَالرِّضَا، كَمَا نَادَانَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ بَقولِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وَقَرَّرَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ أَنَّ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَفَوَّضَ أَمرَهُ إِلَيهِ جَعَلَ لَهُ مِن كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا وَكَفَاهُ مَا أَهَمَّهُ فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو طُفتَ اليَومَ فِي أَرجَاءِ الدُّنيَا شَرقًا وَغَربًا، وَسَأَلتَ الأَغنِيَاءَ فِي قُصُورِهِم، وَالفُقَرَاءَ فِي أَكواخِهِم، وَالأَصحَّاءَ فِي عَافِيَتِهِم، وَالمَرضَى عَلَى أَسِرَّتِهِم: مَا هِيَ الغَايَةُ الَّتِي يَبحَثُ عَنهَا كُلُّ إِنسَانٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ؟ لَأَجمَعُوا كُلُّهُم بِلسَانٍ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُم يَبحَثُونَ عَن رَاحَةِ البَالِ، وَسَكِينَةِ القَلبِ، وَطُمَأنِينَةِ الرُّوحِ! وَلَكِنَّ العَجَبَ العُجَابَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَركُضُونَ وَرَاءَ السَّعَادَةِ فِي الأَمْوَالِ وَالمَنَاصِبِ وَالمَلَذَّاتِ، فَإِذَا نَزَلَت بِأَحَدِهِم نَازِلَةٌ، أَو فَاتَتهُ صَفقَةٌ، أَو تَأَخَّرَ عَنهُ رِزقٌ، أَو أَصَابَهُ مَرَضٌ أَو فِقدُ حَبِيبٍ، اظلَمَّتِ الدُّنيَا فِي عَينَيهِ، وَضَاقَت عَلَيهِ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت، وَامتلَأَ صَدرُهُ بِالسَّخَطِ وَالاعتِرَاضِ وَسُوءِ الظَّنِّ، وَظَلَّ يَصرُخُ بِلِسَانِ حَالِهِ أَو مَقَالِهِ: لِمَاذَا أَنَا يَا رَبِّ؟! وَكَيفَ يَحصُلُ لِي هَذَا؟! أَتَدرُونَ يَا عِبَادَ اللهِ مَا الَّذِي يَنقُصُ هَذَا القَلبَ المُعَذَّبَ حَتَّى يَسترِيحَ مِن عَنَائِهِ وَيَدخُلَ جَنَّةَ الدُّنيَا قَبلَ جَنَّةِ الآخِرَةِ؟ إِنَّهَا مَنزِلَةٌ وَاحِدَةٌ مِن مَنَازِلِ العُبُودِيَّةِ وَالإِيمَانِ، لَو ذَاقَ العَبدُ بَردَهَا وَحَلَاوَتَهَا لَصَارَتِ البَلَايَا عِندَهُ عَطَايَا، وَالمِحَنُ مِنَحًا، وَالأَحزَانُ أُنسًا وَثَوَابًا؛ إِنَّهَا «مَنزِلَةُ الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ»! تِلكَ المَنزِلَةُ الرَّفِيعَةُ الَّتِي نَقِفُ مَعَهَا اليَومَ وُقُوفًا مَوسَّعًا عَمِيقًا، نَستَجلِي أَسرَارَهَا، وَنَتَفَيَّأُ ظِلَالَهَا، وَنَقتَبِسُ مِن أَنوَارِهَا! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ القَاعِدَةَ العُظمَى الَّتِي لَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبدٍ إِلَّا بِهَا هِيَ الإِيمَانُ الجَازِمُ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، حُلوِهِ وَمُرِّهِ؛ فَمَا أَصَابَكَ لَم يَكُن لِيُخطِئَكَ، وَمَا أَخطَأَكَ لَم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وَقَد جَفَّتِ الأَقلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ كَمَا أَخبَرَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَفِي مُقَدِّمَةِ هَذَا البَابِ يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ القَمَرِ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَدِيدِ قَاطِعًا دَابِرَ الحَسرَةِ عَلَى مَا فَاتَ وَالبَطَرِ بِمَا آتَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾! وَلَكِنَّ النَّاسَ عِندَ نُزُولِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ يَنقَسِمُونَ إِلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: المَرتَبَةُ الأُولَى: مَرتَبَةُ السَّخَطِ وَالجَزَعِ وَالتَّسَخُّطِ بِالقَلبِ أَوِ اللِّسَانِ أَوِ الجَوَارِحِ؛ وَهَذِهِ مَرتَبَةٌ مُحَرَّمَةٌ تَذهَبُ بِالأَجرِ، وَتُحِلُّ السَّخَطَ، وَلَا تَرُدُّ مِنَ القَدَرِ شَيئًا! وَالمَرتَبَةُ الثَّانِيَةُ: مَرتَبَةُ الصَّبرِ عَلَى القَضَاءِ؛ وَهِيَ مَرتَبَةٌ وَاجِبَةٌ يَحبِسُ فِيهَا العَبدُ نَفسَهُ عَنِ التَّسَخُّطِ، وَيَحبِسُ لِسَانَهُ عَنِ الشَّكوَى لِغَيرِ اللهِ، وَيَحبِسُ جَوَارِحَهُ عَن لَطمِ الخُدُودِ وَشَقِّ الجُيُوبِ، مَعَ وُجُودِ مَرَارَةِ الأَلَمِ وَكَرَاهَةِ الطَّبعِ لِلمُصِيبَةِ. وَالمَرتَبَةُ الثَّالِثَةُ العُليَا: وَهِيَ ذِروَةُ سَنَامِ الإِيمَانِ وَتَاجُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ إِلَى الرَّحمَنِ، أَلَا وَهِيَ «مَنزِلَةُ الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ»! فَمَا هُوَ الرِّضَا يَا عِبَادَ اللهِ؟ وَمَا الفَرقُ الدَّقِيقُ بَينَ الصَّابِرِ وَالرَّاضِي؟ قَالَ أَئِمَّةُ السُّلُوكِ وَالعِرفَانِ كَالإِمَامِ ابنِ تَيمِيَّةَ وَابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ: إِنَّ الصَّبرَ وَالرِّضَا يَجتَمِعَانِ فِي كَفِّ النَّفسِ عَنِ الجَزَعِ وَالاعتِرَاضِ، وَلَكِنَّ الرِّضَا يَزِيدُ عَلَى الصَّبرِ بِأَمرٍ عَظِيمٍ عَجِيبٍ؛ وَهُوَ سُكُونُ القَلبِ، وَانشِرَاحُ الصَّدرِ، وَبَردُ اليَقِينِ، وَطِيبُ النَّفسِ بِاختِيَارِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، حَتَّى لَا يَتَمَنَّى العَبدُ خِلَافَ مَا قَضَاهُ مَولَاهُ! وَلَيسَ مَعنَى الرِّضَا أَلَّا يَتَأَلَّمَ الجَسَدُ بِالمَرَضِ أَو لَا تَدمَعَ العَينُ لِفِرَاقِ الحَبِيبِ؛ فَإِنَّ تَأَلُّمَ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ لَا يُنَافِي رِضَا القَلبِ، كَمَا أَنَّ المَرِيضَ يَشرَبُ الدَّوَاءَ المُرَّ أَو يَرضَى بِمِشرَطِ الطَّبِيبِ الحَاذِقِ الرَّحِيمِ، فَجَسَدُهُ يَتَأَلَّمُ مِن مَرَارَةِ الدَّوَاءِ، وَلَكِنَّ عَقلَهُ وَقَلبَهُ فِي غَايَةِ الرِّضَا وَالانشِرَاحِ لِعِلمِهِ بِحِكمَةِ الطَّبِيبِ وَحُسنِ العَاقِبَةِ! اسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى وَصفِ العَارِفِ بِاللهِ عَبدِ الوَاحِدِ بنِ زَيدٍ وَشَيخِ الإِسلَامِ ابنِ تَيمِيَّةَ وَالإِمَامِ ابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُمُ اللهُ فِي مَدَارِجِ السَّالِكِينَ لِهَذِهِ المَنزِلَةِ السَّامِقَةِ، حَيثُ يَقُولُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ بِعِبَارَةٍ تَقطُرُ نُورًا وَجَمَالًا: «وَلِذَلِكَ كَانَ الرِّضَا بَابَ اللهِ الأَعظَمَ، وَجَنَّةَ الدُّنيَا، وَمُستَرَاحَ العَارِفِينَ، وَحَيَاةَ المُحِبِّينَ، وَنَعِيمَ العَابِدِينَ، وَقُرَّةَ أَعيُنِ المُشتَاقِينَ»! وَكَتَبَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كِتَابًا جَامِعًا كَمَا رَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا فِي كِتَابِ الرِّضَا عَنِ اللهِ بِقَضَائِهِ وَالبَيهَقِيُّ، يَقُولُ فِيهِ الفَارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ الخَيرَ كُلَّهُ فِي الرِّضَا؛ فَإِنِ استَطَعتَ أَن تَرضَى وَإِلَّا فَاصبِر»! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ الرِّضَا عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنتَظِمُ فِي حَيَاةِ المُسلِمِ ثَلَاثَ دَوَائِرَ عُظمَى، مَن حَقَّقَهَا فَقَد حَازَ السَّعَادَةَ بِحَذَافِيرِهَا: الدَّائِرَةُ الأُولَى: الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا؛ وَهَذَا هُوَ أَصلُ الرِّضَا وَمَنبَعُهُ، وَبِهِ يَذُوقُ العَبدُ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ فِي صَدرِهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ذَاقَ طَعمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَالَ: رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ»! وَالدَّائِرَةُ الثَّانِيَةُ: الرِّضَا بِقِسمَةِ اللهِ فِي الأَرزَاقِ وَالمَوَاهِبِ وَالأَحوَالِ! فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ وَعِلمِهِ المُحِيطِ قَسَمَ بَينَ عِبَادِهِ مَعَايِشَهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا؛ فَوَسَّعَ عَلَى هَذَا ابتِلَاءً لَهُ بِالشُّكرِ، وَقَدَرَ عَلَى ذَاكَ ابتِلَاءً لَهُ بِالصَّبرِ وَالرِّضَا، وَأَعطَى هَذَا صِحَّةً وَأَعطَى ذَاكَ ذَكَاءً وَأَعطَى ثَالِثًا ذُرِّيَّةً، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّخرُفِ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾! فَمَن رَضِيَ بِمَا آتَاهُ اللهُ وَقَسَمَهُ لَهُ، وَلَم تَمتَدَّ عَينُهُ بِالحَسَدِ وَالسَّخَطِ إِلَى مَا مَتَّعَ اللهُ بِهِ غَيرَهُ، كَانَ أَغنَى النَّاسِ قَلبًا وَأَسعَدَهُم عَيشًا! اسْمَعُوا إِلَى وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الذَّهَبِيَّةِ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «وَارضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُن أَغنَى النَّاسِ»! وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ مَادِحًا أَهلَ القَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِعَطَاءِ اللهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾! وَالدَّائِرَةُ الثَّالِثَةُ: الرِّضَا بِأَقدَارِ اللهِ المُؤلِمَةِ وَمَصَائِبِ الدُّنيَا النَّازِلَةِ! حِينَ يَعلَمُ العَبدُ أَنَّ الَّذِي قَدَّرَ عَلَيهِ البَلَاءَ هُوَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ، الَّذِي هُوَ أَرحَمُ بِعَبدِهِ مِنَ الوَالِدَةِ الشَّفِيقَةِ بِوَلَدِهَا، وَأَنَّهُ سُبحَانَهُ لَا يَقضِي لِلمُؤمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيرًا لَهُ؛ فَيَستَقبِلُ القَضَاءَ بِقَلبٍ مُطمَئِنٍّ رَاضٍ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾! قَالَ عَلقَمَةُ بنُ قَيسٍ النَّخَعِيُّ تِلمِيذُ ابنِ مَسعُودٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ كَمَا عِندَ الطَّبَرِيِّ وَابنِ كَثِيرٍ: «هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ فَيَعلَمُ أَنَّهَا مِن عِندِ اللهِ، فَيَرضَى وَيُسَلِّمُ»! عِبَادَ اللهِ: إِذَا سَأَلتُم عَنِ الجَائِزَةِ الكُبرَى وَالثَّمَرَةِ العُظمَى الَّتِي يَجنِيهَا الرَّاضِي بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، فاستَمِعُوا إِلَى هَذَا الوَعدِ النَّبَوِيِّ الصَّادِقِ الَّذِي تَهتَزُّ لَهُ القُلُوبُ شَوقًا، كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَومًا ابتَلَاهُم؛ فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَن سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»! اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! ﴿فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا﴾! الجَزَاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ: إِذَا رَضِيتَ أَنتَ أَيُّهَا العَبدُ الضَّعِيفُ الفَقِيرُ عَن رَبِّكَ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، جَازَاكَ المَلِكُ الجَلِيلُ بِأَن رَضِيَ عَنكَ رِضًا لَا يَسخَطُ بَعدَهُ أَبَدًا! وَرِضوَانُ اللهِ أَكبَرُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الحُورِ وَالقُصُورِ وَالأَنهَارِ، كَمَا قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي خِتَامِ سُورَةِ البَيِّنَةِ جَامِعًا بَينَ رِضَاهُ عَنهُم وَرِضَاهُم عَنهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾! وَمَا أَصدَقَ مَا قَالَهُ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَى ابنُ أَبِي الدُّنيَا فِي كِتَابِ الرِّضَا وَأَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ، حِينَ وَضَعَ قَانُونَ الفَرَحِ وَالحَزَنِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِقِسطِهِ وَحِلمِهِ جَعَلَ الرَّوحَ وَالفَرَحَ فِي اليَقِينِ وَالرِّضَا، وَجَعَلَ الهَمَّ وَالحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ»! وَتَعَالَوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ لِنَعِيشَ دَقَائِقَ إِيمَانِيَّةً مَعَ مَشَاهِدَ وَقِصَصٍ خَالِدَةٍ لِأَئِمَّةِ الرِّضَا عَنِ اللهِ، لِنَرَى كَيفَ يُحَوِّلُ الرِّضَا نَارَ المَصَائِبِ إِلَى بَردٍ وَسَلَامٍ فِي القُلُوبِ: المَشهَدُ الأَوَّلُ: إِمَامُ الرَّاضِينَ وَسَيِّدُ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ فِي بَطنِ أُمِّهِ، وَمَاتَت أُمُّهُ وَهُوَ طِفلٌ صَغِيرٌ، وَمَاتَ جَدُّهُ وَعَمُّهُ وَزَوجَتُهُ الحَنُونُ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَأُوذِيَ فِي مَكَّةَ وَالطَّائِفِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ مِن عَقِبَيهِ الشَّرِيفَينِ، وَمَاتَ أَولَادُهُ جَمِيعًا فِي حَيَاتِهِ إِلَّا فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا! وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ قَلبُهُ الشَّرِيفُ يَفيضُ رِضًا عَن رَبِّهِ؛ فَلَمَّا دَخَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابنِهِ إِبرَاهِيمَ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفسِهِ فِي حِجرِ أُمِّهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، جَعَلَت عَينَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَذرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: وَأَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الكَلِمَةَ الخَالِدَةَ الَّتِي جمَعَت بَينَ رَحمَةِ الفِطرَةِ وَكَمَالِ الرِّضَا بِالقَدَرِ: «يَا ابنَ عَوفٍ، إِنَّهَا رَحمَةٌ»، ثُمَّ أَتبَعَهَا بِأُخرَى فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ العَينَ تَدمَعُ، وَالقَلبَ يَحزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبرَاهِيمُ لَمَحزُونُونَ»! وَالمَشهَدُ الثَّانِي: الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عِمرَانُ بنُ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ ابتُلِيَ بِمَرَضِ الاستِسقَاءِ فِي بَطنِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَقُومُ وَلَا يَقعُدُ، قَد نُقِبَ لَهُ فِي سَرِيرٍ مِن جَرِيدِ النَّخلِ، وَكَانَتِ المَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيهِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ! فَدَخَلَ عَلَيهِ مُطَرِّفُ بنُ عَبدِ اللهِ وَأَخُوهُ العَلَاءُ كَمَا رَوَى ابنُ سَعدٍ فِي الطَّبَقَاتِ وَالذَّهَبِيُّ فِي السِّيَرِ، فَجَعَلَ مُطَرِّفٌ يَبكِي لِمَا يَرَاهُ مِن شِدَّةِ بَلَائِهِ، فَقَالَ لَهُ عِمرَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لِمَ تَبكِي؟ قَالَ: لِأَنِّي أَرَاكَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ الشَّدِيدَةِ! فَقَالَ لَهُ عِمرَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِمَاءِ العُيُونِ: «لَا تَبكِ؛ فَإِنَّ أَحَبَّهُ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَى اللهِ»! يَقُولُ: مَا دَامَ اللهُ قَد أَحَبَّ لِي هَذَا القَدَرَ وَاختَارَهُ لِي، فَأَنَا أُحِبُّ مَا أَحَبَّهُ اللهُ لِي وَأَرضَى بِهِ! وَالمَشهَدُ الثَّالِثُ: التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ وَالفَقِيهُ العَظِيمُ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ رَحِمَهُ اللهُ، ابنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ وَأَسمَاءَ ذَاتِ النِّطَاقَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا! خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَى دِمَشقَ وَمَعَهُ أَحَبُّ أَولَادِهِ إِلَيهِ مُحَمَّدٌ، فَأَصَابَت رِجلَ عُروَةَ الأَكَلَةُ وَهُوَ مَرَضُ الغَرغَرِينَا، فَأَجمَعَ الأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن قَطعِ سَاقِهِ بِالمِنشَارِ وَإِلَّا سَرَى المَرَضُ إِلَى جَسَدِهِ كُلِّهِ فَقَتَلَهُ! وَفِي اللَّيلَةِ نَفسِهَا دَخَلَ ابنُهُ مُحَمَّدٌ إِصطَبلَ الدَّوَابِّ فَرَفَسَتهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ مِن فورهِ! فَفِي يَومٍ وَاحِدٍ قُطِعَت رِجلُ عُروَةَ وَهُوَ يَذكُرُ اللهَ وَيُسَبِّحُهُ بَعْدَ أَن أَبَى أَن يَشرَبَ مُسكِرًا أَو مُرَقِّدًا يُذهِبُ عَقلَهُ عَن ذِكرِ اللهِ، وَدُفِنَ وَلَدُهُ الحَبِيبُ! فَمَاذَا قَالَ هَذَا الجَبَلُ الرَّاضِي بِقَضَاءِ اللهِ كَمَا رَوَى ابنُ عَسَاكِرَ وَالذَّهَبِيُّ وَابنُ كَثِيرٍ؟ أَخَذَ رِجلَهُ المَقطُوعَةَ بَينَ يَدَيهِ وَقَالَ: «أَمَا وَالَّذِي حَمَلَنِي عَلَيكِ فِي ظُلُمَاتِ اللَّيلِ إِلَى المَسَاجِدِ، إِنَّهُ لَيَعلَمُ أَنِّي مَا مَشَيتُ بِكِ إِلَى حَرَامٍ قَطُّ! اللهمَّ لَكَ الحَمدُ وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ؛ كَانَ لِي سَبعَةُ بَنِينَ فَأَخَذتَ وَاحِدًا وَأَبقَيتَ لِي سِتَّةً، وَكَانَ لِي أَربَعَةُ أَطرَافٍ فَأَخَذتَ طَرَفًا وَأَبقَيتَ لِي ثَلَاثَةً؛ فَلَئِنِ ابتَلَيتَ لَقَد عَافَيتَ، وَلَئِن أَخَذتَ لَقَد أَبقَيتَ»! وَالمَشهَدُ الرَّابِعُ: الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ؛ كَانَ يَقُولُ كَمَا فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ لِأَبِي نُعَيمٍ: «أَصبَحتُ وَمَا لِي سُرُورٌ إِلَّا فِي مَوَاضِعِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ»! وَلَمَّا مَاتَ ابنُهُ الصَّالِحُ الشَّابُّ عَبدُ المَلِكِ وَكَانَ قُرَّةَ عَينِهِ وَمُعِينَهُ عَلَى العَدلِ وَالحَقِّ، وَقَفَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ عَلَى قَبرِهِ فَقَالَ: «رَحِمَكَ اللهُ يَا بُنَيَّ؛ لَقَد كُنتَ سَارًّا مَولُودًا، وَبَارًّا نَاشِئًا، وَمَا أُحِبُّ أَنِّي دَعَوتُكَ فَأَجَبتَنِي»! يَعنِي: مَا أُحِبُّ أَن تَرجِعَ إِلَى الحَيَاةِ بَعدَ أَن اختَارَ اللهُ لَكَ لِقَاءَهُ، رِضًا مِنِّي بِمَا قَضَاهُ اللهُ وَاختَارَهُ! وَصَدَقَ الشَّاعِرُ المُؤمِنُ حِينَ سَكَبَ مَعنَى الرِّضَا وَالتَّفوِيضِ فِي هَذَينِ البَيتَينِ الخَالِدَينِ فَقَالَ: سَلِّمِ الأَمرَ إِلَى رَبِّ البَشَر ... وَاطَّرِح عَنكَ الهُمُومَ وَالكَدَر كُلُّ مَا قَدَّرَهُ المَولَى جَرَى ... فَلِمَ الحُزنُ عَلَى مَا قَد قَدَر بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَأَعطَى كُلَّ شَيءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أُولِي البَصَائِرِ وَالنُّهَى، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ اللِّقَا. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ مَنزِلَةَ الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ لَا تُنَالُ بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي وَالدَّعَاوَى، بَل لَهَا أَسبَابٌ عِلمِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ إِذَا غَرَسَهَا المُؤمِنُ فِي قَلبِهِ أَثمَرَت لَهُ الرِّضَا وَالسَّكِينَةَ وَلَا بُدَّ! فَمَا هِيَ أَعظَمُ المَفَاتِيحِ المَوصِلَةِ إِلَى مَقَامِ الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ؟ المِفتَاحُ الأَوَّلُ: مَعرِفَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَسمَائِهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى، وَحُسنُ الظَّنِّ بِهِ سُبحَانَهُ! فَمَتَى تَيَقَّنَ قَلبُكَ أَنَّ الَّذِي يُقَلِّبُ الأَقدَارَ هُوَ العَلِيمُ الَّذِي لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ، وَالحَكِيمُ الَّذِي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ فِي مَوضِعِهِ الأَليَقِ بِهِ، وَاللَّطِيفُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَسُوقُ إِلَيكَ الخَيرَ فِي ثِيَابِ المَكَارِهِ، هَدَأَت نَفسُكَ وَاطمَأَنَّ فُؤَادُكَ! أَلَم يَقُل رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ قَاعِدَةً تَغسِلُ الهُمُومَ مِنَ الصُّدُورِ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؟! فَكَم مِن مِحنَةٍ ظَنَنتَهَا هَلَاكًا فكَانَت هِيَ سَبَبَ نَجَاتِكَ وَرِفعَتِكَ! وَكَم مِن مَنعٍ ظَنَنتَهُ حِرمَانًا فكَانَ هُوَ عَينَ العَطَاءِ وَالصِّيَانَةِ لِدِينِكَ وَدُنيَاكَ! وَالمِفتَاحُ الثَّانِي: استِحضَارُ عَظِيمِ الثَّوَابِ وَتَكفِيرِ السَّيِّئَاتِ المُترَتِّبِ عَلَى أَقدَارِ اللهِ المُؤلِمَةِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ صُهَيبٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَجَبًا لِأَمرِ المُؤمِنِ، إِنَّ أَمرَهُ كُلَّهُ خَيرٌ، وَلَيسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلمُؤمِنِ؛ إِن أَصَابَتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِن أَصَابَتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِن خَطَايَاهُ»! فَحِينَ يَنظُرُ المُؤمِنُ إِلَى المِيزَانِ يَومَ القِيَامَةِ وَمَا يُدَّخَرُ لَهُ فِيهِ مِنَ الأُجُورِ، يَرضَى بِقَضَاءِ اللهِ وَيَفرَحُ بِثَوَابِهِ! وَالمِفتَاحُ الثَّالِثُ: النَّظَرُ فِي أُمُورِ الدُّنيَا وَالعَافِيَةِ وَالرِّزقِ إِلَى مَن هُوَ دُونَكَ وَأَشَدُّ ابتِلَاءً مِنكَ، وَالنَّظَرُ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالطَّاعَةِ إِلَى مَن هُوَ فَوقَكَ؛ كَمَا أَوصَى بِذَلِكَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «انظُرُوا إِلَى مَن هُوَ أَسفَلَ مِنكُم، وَلَا تَنظُرُوا إِلَى مَن هُوَ فَوقَكُم؛ فَهُوَ أَجدَرُ أَن لَا تَزدَرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم»! فَإِذَا ضَاقَ رِزقُكَ فَانظُر إِلَى مَن لَا يَجِدُ قُوتَ يَومِهِ وَلَا سَقفًا يَأوِيهِ! وَإِذَا أَصَابَكَ مَرَضٌ فِي عُضوٍ فَانظُر إِلَى مَنِ ابتُلِيَ فِي جَسَدِهِ كُلِّهِ وَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَبقَى لَهُ مِن نِعَمٍ! وَالمِفتَاحُ الرَّابِعُ: تَصحِيحُ المَفهُومِ الشَّرعِيِّ لِلرِّضَا بِالقَدَرِ؛ فَإِنَّ الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ لَا يَعنِي أَبَدًا القُعُودَ عَنِ العَمَلِ، أَو تَركَ الأَخذِ بِالأَسبَابِ الشَّرعِيَّةِ وَالكَونِيَّةِ، أَو تَركَ التَّدَاوِي مِنَ الأَمرَاضِ، أَوِ الرِّضَا بِالمَعَاصِي وَالفَقرِ وَالتَّخَلُّفِ! كَلَّا وَاللهِ؛ بَلِ الشَّرعُ يَأمُرُنَا بِبَذلِ الأَسبَابِ النَّافِعَةِ، وَمُدَافَعَةِ القَدَرِ بِالقَدَرِ؛ فَنَدفَعُ قَدَرَ الجُوعِ بِقَدَرِ السَّعيِ وَالطَّعَامِ، وَنَدفَعُ قَدَرَ المَرَضِ بِقَدَرِ الدَّوَاءِ وَالشِّفَاءِ، وَنَدفَعُ قَدَرَ الذَّنبِ بِقَدَرِ التَّوبَةِ وَالاستِغفَارِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «احرِص عَلَى مَا يَنفَعُكَ، وَاستَعِن بِاللهِ وَلَا تَعجَز، وَإِن أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُل: لَو أَنِّي فَعَلتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِن قُل: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَل؛ فَإِنَّ لَو تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ»! فَالرِّضَا إِنَّمَا يَكُونُ بَعدَ بَذلِ السَّبَبِ المَشرُوعِ وَنُزُولِ القَضَاءِ المَحتُومِ! وَالمِفتَاحُ الخَامِسُ: التَّضَرُّعُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ الجَلِيلِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدعُو فِي صَلَاتِهِ قَائِلًا: «وَأَسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاءِ، وَأَسأَلُكَ بَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ»! وَقُولُوا فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِيَقِينٍ وَحُضُورِ قَلبٍ: «رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا»، فَإِنَّ مَن قَالَهَا كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَن يُرضِيَهُ يَومَ القِيَامَةِ! ثُمَّ اعلَمُوا يَا عِبَادَ اللهِ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَد أَمَرَكُم بِأَمرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ المُسَبِّحَةِ بِقُدسِهِ، وَثَلَّثَ بِكُم أَيُّهَا المُؤمِنُونَ مِن جِنِّهِ وَإِنسِهِ، فَقَالَ جَلَّ مِن قَائِلٍ عَلِيمًا فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، إِمَامِ الرَّاضِينَ وَقُدوَةِ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ، وَارضَ اللهمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللهمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَدَمِّر أَعدَاءَ الدِّينِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. اللهمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي أَعلَى جَنَّةِ الخُلدِ. اللهمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاءِ، وَبَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجهِكَ الكَرِيمِ، وَالشَّوقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللهمَّ اجعَلنَا فِي السَّرَّاءِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَفِي الضَّرَّاءِ مِنَ الصَّابِرِينَ الرَّاضِينَ، وَأَفرِغ عَلَى قُلُوبِنَا السَّكِينَةَ وَاليَقِينَ، وَارضَ عَنَّا رِضًا لَا سَخَطَ بَعدَهُ أَبَدًا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللهمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ مِنَ المُسلِمِينَ، وَنَفِّس كَربَ المَكرُوبِينَ، وَاقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِينَ، وَاشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ، وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ، وَانصُر إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي فِلَسطِينَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.