من مكتبة مِداد الخطيب

📜 قَيدُ النِّعَم... وحَذَرُ الإسرافِ في المُباح

مشاركة
📜 قَيدُ النِّعَم... وحَذَرُ الإسرافِ في المُباح #موعظة #الإسراف #المباح #شكر_النعم #الاعتدال #رقائق الحمدُ للهِ الذي أحلَّ لِعبادِهِ الطَّيِّبات، ورَغَّبَهُم في التَّوسُّطِ والاعتدالِ في سائرِ الحالات. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الشُّكرَ قَيدَ النِّعَم، وحَذَّرَ من البَطَرِ ومُجاوزةِ الحَدِّ والقِيَم. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُقتصدينَ، وسيِّدُ الشَّاكرينَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: فيا عبادَ الله، هل سَأَلَ أحَدُنا نَفسَهُ يومًا: هل يُمكِنُ أن يَدخُلَ الإنسانُ مَدخَلَ الهَلاكِ من بابٍ حَلال؟ نَحنُ نَحذَرُ الحَرامَ البيِّنَ — ونِعْمَ ما نَفعل — لكنَّ كثيرًا منَّا يَغفُلُ عن مَزْلَقٍ خَفِيٍّ؛ مَزْلَقٍ بابُهُ مَشروع، وأوَّلُهُ مَأذون، لكنَّ عاقِبَتَهُ قَسوةٌ في القلب، وتَضييعٌ للأمانة، ونُكرانٌ للفضل؛ ذلكم هو: الإسرافُ في المُباح. إنَّ اللهَ تبارك وتعالى لم يَحْرِمْ على عبادِهِ الزِّينةَ ولا الطَّيِّبات، بل قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]. لكنَّ الميزانَ القاطعَ جاءَ في الآيةِ التي قَبْلَها مباشرةً: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. تأمَّلوا هذا الجمعَ البديع: أَمَرَ بالأكلِ والشُّرب، ثم نَهى عن الإسرافِ في عَينِ ما أَمَرَ به! لأنَّ النَّفْسَ إذا أُرخِيَ لها العِنانُ في كُلِّ مُشتَهى، استعبَدَتها رَغَباتُها، وتَثاقَلَت عن طاعةِ ربِّها، ونَسِيَت حَقَّ الفُقراءِ والمساكين. وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ هذا الضَّابطَ الجَامعَ حين قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» [رواه النسائي وأحمد]. فالأصلُ الإباحة، لكنَّ الحَدَّ هو صِيانةُ النَّفسِ عن التَّبذيرِ والكِبر. أيها الإخوة الفضلاء، ليس الإسرافُ فقط في تبديدِ المالِ وإتلافِ العَين، بل الإسرافُ الأعظمُ هو إتلافُ القَلبِ بكثرةِ الفُضُول. وقد قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمه الله في كتابه "مدارج السالكين" أنَّ مَفاسِدَ القلبِ تَنشَأُ من أربعةِ أُمور: فُضُولِ الكَلام، وفُضُولِ المَنام، وفُضُولِ الطَّعام، وفُضُولِ الخُلطة. كلُّها مُباحاتٌ في أصلِها؛ فالنَّومُ والأكلُ والكلامُ والاجتماعُ بالنَّاسِ حَلال، لكنَّ التَّوسُّعَ فيها بلا حِساب يُورِثُ القَلبَ ظُلمةً، ويَجلِبُ للجَوارحِ ثِقَلًا عن قِيامِ الليل، وعن مَجالسِ الذِّكر، وعن لَذَّةِ المناجاة. واسمَعوا لهذا الموقفِ النَّيِّرِ من أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه؛ إذ رَأى في يَدِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما لَحمًا، فقال له مُستنكِرًا: «ما هذا يا جابر؟» قال: «اشتَهيتُ لَحمًا فاشتَريتُه»، فماذا قال له الفاروق؟ قال له موعظةً تَبقى في الآذانِ ما حَيِينا: «أَوَكُلَّما اشتَهيتَ اشتَريتَ؟! أما تَخافُ أن تَكونَ مِن أهلِ هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: 20]». لم يُحَرِّمْ عمرُ رضي الله عنه شِراءَ اللحم، لكنَّهُ أَرادَ أن يُعَلِّمَنا أدبَ لِجامِ النَّفس؛ فالمؤمنُ لا يَكونُ عبدًا لِكُلِّ رَغبَةٍ تَهتِفُ بها شَهوَتُه. فيا معاشر الكرام، كيف نَضبِطُ حياتَنا اليومَ في عَصرٍ تَبَارَت فيه الأسواق، وتَزاحَمَت فيه الإعلانات، وصارَ التَّكاثُرُ والاستهلاكُ شُغلَ كثيرٍ من النَّاس؟ أُوصيكُم بخمسِ وصايا تَحفَظُونَ بها قُلوبَكم ونِعَمَ رَبِّكُم: الأولى: جاهدوا أنفسَكم على تركِ بعضِ ما تَشتَهونَ لله، لِتَبقى النَّفْسُ مَقودةً لكم بالرُّشد، لا قائدةً لَكم بالهَوى. الثانية: فرِّقوا بين الحاجةِ الحقيقيَّةِ وبين كماليَّاتِ المُباهاة؛ فإنَّ تَتَبُّعَ المَظاهرِ يَستَنزِفُ الأرزاق، ويَملأُ البيوتَ دُيونًا وهُمومًا لا داعيَ لها. الثالثة: تَذَكَّروا دائمًا أنَّ النِّعمةَ تُشْكَرُ ببَذلِ فضلِها ورعايَةِ المَحتاجين، لا بالتَّفَاخُرِ بها ونَشْرِ تَفاصيلِها على الشَّاشاتِ أمامَ أعيُنِ المَحْرُومين وأفئِدةِ المُنكَسِرين. الرابعة: راقِبوا أوقاتَكم وشاشاتِكم؛ فإنَّ هَدْرَ السَّاعاتِ الطِّوالِ في مُباحاتِ التَّرفيهِ والمُتابَعاتِ هو أَعظَمُ إسرافٍ في رأسِ مالِ الإنسان، وهو عُمُرُهُ الذي لا يَتَكَرَّر. الخامسة: اجعَلوا بينكم وبين الانغماسِ في المَلَذَّاتِ مَسافَةً؛ فإنَّ تَرْكَ الفُضُولِ يُورِثُ رِقَّةَ القلب، وصَفاءَ الفِكْر، ونَشاطَ العبادة. اللهمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ من زَوالِ نِعمتِك، وتَحَوُّلِ عافِيَتِك، وفُجاءةِ نِقْمَتِك، وجَميعِ سَخَطِك. اللهمَّ ارزُقنا القَصْدَ في الفَقرِ والغِنى، واجعلنا من الشَّاكرينَ لنِعَمِك، المُقْتَصِدينَ في نَفَقَاتِهم، الذَّاكرينَ لآلائك. اللهمَّ زَهِّدْ قلوبَنا في فُضُولِ الدُّنيا، وعَمِّرْ جَوارِحَنا بطاعتِك، وتَوَفَّنا وأنتَ راضٍ عَنَّا يا أرحَمَ الرَّاحمين. وصَلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.