الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الحَيَاءَ شُعْبَةً مِنَ الإِيمَانِ، وَزَيَّنَ بِهِ قُلُوبَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ. الحَمْدُ للهِ الَّذِي فَرَضَ السِّتْرَ صِيَانَةً لِلأَعْرَاضِ، وَحِفْظاً لِلْقُلُوبِ مِنْ زَيْغِ الأَمْرَاضِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَشَدُّ النَّاسِ حَيَاءً، وَأَطْهَرُهُمْ نَفْساً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
تَخَيَّلُوا مَعِي رَجُلاً جَمَعَ ثَرْوَةً طَائِلَةً طَوَالَ عَامٍ كَامِلٍ، حَتَّى إِذَا جَاءَ مَوْسِمُ الرَّاحَةِ، تَرَكَ خَزَائِنَهُ مَفْتُوحَةً لِلُّصُوصِ، وَذَهَبَ يَلْهُو! هَلْ تَصِفُونَهُ بِالعَقْلِ؟ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا نَفْعَلُهُ حِينَ نَجْمَعُ الحَسَنَاتِ فِي رَمَضَانَ وَطَوَالَ العَامِ، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى مَوَاسِمِ الإِجَازَاتِ وَالمَصَايِفِ، لِنُضَيِّعَ هُوِيَّتَنَا، وَنُسَلِّمَ حَيَاءَنَا لِلُّصُوصِ! لِصٌّ لَا يَسْرِقُ المَالَ، بَلْ يَسْرِقُ الحَيَاءَ مِنْ وُجُوهِ بَنَاتِنَا، وَالغَيْرَةَ مِنْ قُلُوبِ رِجَالِنَا. فَكَيْفَ تُسْرَقُ هَذِهِ الهُوِيَّةُ؟ وَكَيْفَ يَتَحَوَّلُ المَصْيَفُ مِنْ مُبَاحٍ إِلَى مَقْبَرَةٍ لِلْقِيَمِ؟ الجَوَابُ يَسْتَحِقُّ أَنْ نَقِفَ مَعَهُ طَوِيلاً.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، مَعَ اشْتِدَادِ حَرِّ الصَّيْفِ، تَتُوقُ النُّفُوسُ إِلَى الرَّاحَةِ، وَتَبْحَثُ الأُسَرُ عَنْ مَتَنَفَّسٍ يَرُدُّ لِلْأَجْسَادِ طَاقَتَهَا، وَيُجَدِّدُ لِلنُّفُوسِ نَشَاطَهَا. وَالإِسْلَامُ لَمْ يُحَرِّمِ التَّرْوِيحَ عَنِ النَّفْسِ، بَلْ جَعَلَهُ مِنْ مُبَاحَاتِ الحَيَاةِ إِذَا انْضَبَطَ بِضَوَابِطِ الشَّرْعِ. لَكِنَّنَا اليَوْمَ نَقِفُ أَمَامَ ظَاهِرَةٍ تُدْمِي القَلْبَ، وَتُبْكِي العَيْنَ الغَيُورَةَ. نَقِفُ أَمَامَ انْسِلَاخٍ مُتَدَرِّجٍ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَمْلِكُهُ المُسْلِمُ وَالمُسْلِمَةُ.. نَقِفُ أَمَامَ ضَيَاعِ الحَيَاءِ فِي الشَّوَاطِئِ وَالمَصَايِفِ.
اسْمَعُوا لِهَذَا التَّحْذِيرِ النَّبَوِيِّ الشَّدِيدِ، الَّذِي صَدَرَ مِنْ فَمِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْناً، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى شَوَاطِئِنَا اليَوْمَ. يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا».
تَأَمَّلُوا! لَمْ يَرَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَانِهِ، لِأَنَّ مُجْتَمَعَ الصَّحَابَةِ كَانَ أَطْهَرَ مِنْ أَنْ يُنْبِتَ هَذَا الصِّنْفَ. لَكِنَّهُ رَأَى بِنُورِ النُّبُوَّةِ زَمَانَنَا هَذَا. نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ بِالِاسْمِ، عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ! ثِيَابٌ تَشِفُّ، وَأُخْرَى تَصِفُ، وَأَجْسَادٌ تُعْرَضُ عَلَى المَلَأِ بِلَا خَجَلٍ. وَأَيْنَ يَحْدُثُ هَذَا بِأَبْشَعِ صُوَرِهِ؟ فِي المَصَايِفِ! حَيْثُ يُعْلَنُ التَّمَرُّدُ الصَّامِتُ عَلَى أَحْكَامِ السِّتْرِ، تَحْتَ وِصَايَةِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ خَادِعَةٍ: "نَحْنُ فِي إِجَازَةٍ"!
كَيْفَ يَعْقِلُ مُسْلِمٌ أَنَّ الإِجَازَةَ مِنَ العَمَلِ تَعْنِي الإِجَازَةَ مِنْ طَاعَةِ اللهِ؟! هَلْ يَأْخُذُ مَلَكُ المَوْتِ إِجَازَةً فِي الصَّيْفِ؟ هَلْ تَتَوَقَّفُ المَلَائِكَةُ عَنْ كِتَابَةِ السَّيِّئَاتِ عَلَى رِمَالِ الشَّوَاطِئِ؟ يَقُولُ مَوْلَانَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. الإِسْلَامُ لَيْسَ دِيناً مَوْسِمِيّاً يُلْبَسُ فِي رَمَضَانَ وَيُخْلَعُ فِي شَوَّالٍ. رَبُّ المَسْجِدِ هُوَ رَبُّ المَصْيَفِ. وَالَّذِي يَرَاكَ سَاجِداً فِي المِحْرَابِ، هُوَ الَّذِي يَرَاكَ سَارِحاً عَلَى الشَّاطِئِ. يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
يَا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ المَأْسَاةَ لَا تَبْدَأُ فَجْأَةً. الشَّيْطَانُ لَا يَأْتِي لِلْمَرْأَةِ المُسْلِمَةِ المُحَافِظَةِ فَيَقُولُ لَهَا: اخْلَعِي حِجَابَكِ كَامِلاً. الشَّيْطَانُ ذَكِيٌّ، وَأُسْلُوبُهُ التَّدَرُّجُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى مُحَذِّراً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. تَأَمَّلُوا كَلِمَةَ "خُطُوَاتٍ".
تَبْدَأُ الخُطْوَةُ الأُولَى بِتَبْرِيرِ اللِّبَاسِ الضَّيِّقِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ "مُلَائِمٌ لِلْبَحْرِ". ثُمَّ الخُطْوَةُ الثَّانِيَةُ بِارْتِدَاءِ مَا يُسَمَّى زُوراً "الِمَايُوه الشَّرْعِيَّ"، وَهُوَ لِبَاسٌ يَصِفُ حَجْمَ العِظَامِ وَتَفَاصِيلَ الجَسَدِ حِينَ يَبْتَلُّ بِالمَاءِ، فَأَيْنَ الشَّرْعُ فِيهِ إِذَا كَانَ يُخَالِفُ شَرْطَ الحِجَابِ بِأَلَّا يَصِفَ وَلَا يَشِفَّ؟! ثُمَّ الخُطْوَةُ الثَّالِثَةُ، النُّزُولُ فِي مَسَابِحَ وَشَوَاطِئَ مُخْتَلِطَةٍ، تَحْتَ عُيُونِ الرِّجَالِ الأَجَانِبِ. وَتَقُولُ المَرْأَةُ نَفْسُهَا، وَيَقُولُ زَوْجُهَا: "الضَّرُورَةُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ، وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُفَرِّهَ عَنِ الأَوْلَادِ". وَأَيُّ ضَرُورَةٍ فِي النُّزْهَةِ تُبِيحُ التَّخَلِّي عَنْ فَرِيضَةِ السِّتْرِ؟!
هَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ يَوْماً: كَيْفَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ غَداً إِذَا كَانَتْ هَذِهِ أَعْذَارُنَا؟ يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: "مِنْ أَعْجَبِ الأَشْيَاءِ أَنْ تَعْرِفَهُ ثُمَّ تَعْصِيَهُ، وَأَنْ تَعْلَمَ قَدْرَ غَضَبِهِ ثُمَّ تَتَعَرَّضَ لَهُ". كَيْفَ نَرْضَى أَنْ نَعْصِيَ اللهَ بِنِعْمَتِهِ؟ يُنْعِمُ عَلَيْنَا بِالمَالِ وَالصِّحَّةِ لِنُسَافِرَ وَنَرْتَاحَ، فَنَجْعَلُ شُكْرَ النِّعْمَةِ مَعْصِيَةً فِي المَلَأِ!
إِخْوَتِي الأَحِبَّةَ، هُنَا كَلِمَةٌ أُوَجِّهُهَا مِنْ القَلْبِ إِلَى القَلْبِ، لِكُلِّ مُسْلِمَةٍ كَرَّمَهَا اللهُ بِهَذَا الدِّينِ. أَيَّتُهَا الأُخْتُ الفَاضِلَةُ، يَا مَنْ تَرْكَعِينَ للهِ وَتَسْجُدِينَ.. الإِسْلَامُ لَمْ يَظْلِمْكِ حِينَ أَمَرَكِ بِالسِّتْرِ، بَلْ حَمَاكِ مِنَ العُيُونِ الرَّخِيصَةِ، وَتَوَّجَكِ مَلِكَةً لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِمِيثَاقٍ غَلِيظٍ. يَقُولُ رَبُّكِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. السِّتْرُ حِمَايَةٌ وَمَعْرِفَةٌ. بِهِ تُعْرَفُ العَفِيفَةُ، فَلَا يَطْمَعُ فِيهَا صَاحِبُ قَلْبٍ مَرِيضٍ.
لَا تَنْخَدِعِي بِوَهْمِ الكَثْرَةِ عَلَى الشَّوَاطِئِ. لَا تَقُولِي: "كُلُّ النِّسَاءِ يَفْعَلْنَ هَذَا، بَلْ أَنَا أَكْثَرُهُنَّ حِشْمَةً فِي مُحِيطِي". الكَثْرَةُ لَيْسَتْ مِيزَاناً لِلْحَقِّ كَمَا صَوَّرَهَا لَنَا الشَّيْطَانُ! لَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ مِنْ هَذَا الفَخِّ فِي صَرِيحِ كِتَابِهِ، فَاسْمَعِي لِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي إِذَا تَأَمَّلْتِهَا لَنْ تَبْقَى حُجَّةٌ لِمُتَحَجِّجٍ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وَيَقُولُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "لَا يَغُرَّنَّكَ طَرِيقُ البَاطِلِ وَإِنْ كَثُرَ السَّالِكُونَ فِيهِ، وَلَا تَسْتَوْحِشْ مِنْ طَرِيقِ الحَقِّ وَإِنْ قَلَّ السَّائِرُونَ فِيهِ".
دَعُونِي أَقُصَّ عَلَيْكُمْ قِصَّةً عَظِيمَةً، تَهُزُّ الوُجْدَانَ، لِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ لَمْ تَتَجَاوَزْ الثَّامِنَةَ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا. امْرَأَةٌ مَرِضَتْ مَرَضَ المَوْتِ، وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّهَا مُفَارِقَةٌ لِلدُّنْيَا. هَذِهِ المَرْأَةُ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ. دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَبَكَتْ فَاطِمَةُ. هَلْ تَدْرُونَ لِمَاذَا بَكَتْ؟ هَلْ بَكَتْ خَوْفاً مِنَ المَوْتِ؟ لَا. هَلْ بَكَتْ عَلَى زِينَةِ الدُّنْيَا؟ لَا.
قَالَتْ لِأَسْمَاءَ: "يَا أَسْمَاءُ، إِنِّي قَدِ اسْتَقْبَحْتُ مَا يُصْنَعُ بِالنِّسَاءِ -تَعْنِي عِنْدَ المَوْتِ-، يُطْرَحُ عَلَى المَرْأَةِ الثَّوْبُ فَيَصِفُهَا!". تَأَمَّلُوا! فَاطِمَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّعْشِ، مَيِّتَةٌ، مُكَفَّنَةٌ بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ، يُغَطِّيهَا قُمَاشٌ كَثِيفٌ، وَمَعَ ذَلِكَ تَبْكِي وَتَخْجَلُ أَنْ يَصِفَ الثَّوْبُ شَكْلَ جَسَدِهَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ ذَاهِبَةٌ إِلَى قَبْرِهَا، أَمَامَ الرِّجَالِ المشيِّعِينَ! فَقَالَتْ لَهَا أَسْمَاءُ: "يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ، أَلَا أُرِيكِ شَيْئاً رَأَيْتُهُ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ؟" فَصَنَعَتْ لَهَا نَعْشاً عَلَيْهِ أَعْوَادٌ كَالقُبَّةِ، وَغَطَّتْهُ بِثَوْبٍ فَلَا يَصِفُ الجَسَدَ. فَلَمَّا رَأَتْهُ فَاطِمَةُ تَبَسَّمَتْ وَقَالَتْ: "مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ، سَتَرْتُمُونِي سَتَرَكُمُ اللهُ".
يَا سُبْحَانَ اللهِ! امْرَأَةٌ مَيِّتَةٌ مَلْفُوفَةٌ بِأَكْفَانِهَا تَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ حَجْمُ عَظْمِهَا لِلرِّجَالِ.. وَنِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ مُؤْمِنَاتٌ بِاللهِ، يَمْشِينَ عَلَى رِمَالِ الشَّوَاطِئِ بِأَلْبِسَةٍ تَصِفُ وَتَشِفُّ، ضَاحِكَاتٍ غَافِلَاتٍ، وَعُيُونُ الرِّجَالِ تَنْهَشُ أَجْسَادَهُنَّ!! أَيْنَ حَيَاءُ فَاطِمَةَ فِي قُلُوبِ نِسَائِنَا؟ أَيْنَ هُوِيَّةُ المُسْلِمَةِ الَّتِي تُفَضِّلُ أَنْ تَذُوبَ خَجَلاً قَبْلَ أَنْ يَرَى أَجْنَبِيٌّ تَفَاصِيلَ جَسَدِهَا؟ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَيَاءُ وَالإِيمَانُ قُرَنَاءُ جَمِيعاً، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ».
وَلَعَلَّكُم تَسْأَلُونَ: إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ قَدْ ضَعُفَ حَيَاؤُهَا، فَأَيْنَ الرَّجُلُ؟ أَيْنَ الزَّوْجُ؟ أَيْنَ الأَبُ؟ أَيْنَ الأَخُ؟ وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الأَمْرِ الأَخْطَرِ، وَالذَّنْبِ الأَكْبَرِ.
يَا عِبَادَ اللهِ، المَسْؤُولِيَّةُ الأُولَى لَا تَقَعُ عَلَى المَرْأَةِ وَحْدَهَا، بَلْ تَقَعُ عَلَى مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَهَا. يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وَالسُّؤَالُ الَّذِي يُطْرَحُ نَفْسَهُ الآنَ بِمَرَارَةٍ: مَاذَا حَدَثَ لِغَيْرَةِ الرِّجَالِ؟
كَيْفَ يَرْضَى رَجُلٌ يَحْمِلُ اسْمَ الرُّجُولَةِ، أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الشَّاطِئِ يَرْتَشِفُ عَصِيرَهُ بَهُدُوءٍ، وَزَوْجَتُهُ أَوْ بِنْتُهُ تَلْعَبُ فِي المَاءِ بِثِيَابٍ مُلْتَصِقَةٍ، وَمِئَاتُ العُيُونِ الخَائِنَةِ تَتَفَحَّصُهَا جُزْءاً جُزْءاً؟! أَيْنَ الدَّمُ الحَارُّ فِي العُرُوقِ؟ أَيْنَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ غَضِبَ فَقَالَ: "أَمَا تَسْتَحْيُونَ؟ أَمَا تَغَارُونَ؟ يَتْرُكُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ تَخْرُجُ بَيْنَ الرِّجَالِ تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا؟!".
لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإِسْلَامِ يَفْدِي عِرْضَهُ بِرَقَبَتِهِ، فَجَاءَ الإِسْلَامُ وَعَلَّمَنَا أَنَّ الدِّفَاعَ عَنِ العِرْضِ شَهَادَةٌ. لَكِنْ لَمَّا ضَعُفَ الإِيمَانُ، تَبَلَّدَتِ المَشَاعِرُ، وَانْطَفَأَتْ جَمْرَةُ الغَيْرَةِ مِنْ بَعْضِ القُلُوبِ، حَتَّى رَأَيْنَا مَنْ يَتَبَاهَى بِتَبَرُّجِ زَوْجَتِهِ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ لِيَحْصُدَ الإِعْجَابَاتِ، نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ. وَاسْمَعُوا لِهَذَا التَّحْذِيرِ الصَّاعِقِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ».
يَا مُسْلِمُونَ، إِنَّ المَصَايِفَ وَالشَّوَاطِئَ فِي زَمَانِنَا لَمْ تَعُدْ كَمَا كَانَتْ، بَلْ صَارَتْ أَشْبَهَ بِأَسْوَاقٍ لِعَرْضِ اللَّحْمِ البَشَرِيِّ بِلَا خَجَلٍ. وَحَتَّى مَا يُسَمَّى بِالشَّوَاطِئِ العَائِلِيَّةِ أَوِ الخَاصَّةِ، لَمْ تَسْلَمْ مِنْ عُيُونِ المُتَلَصِّصِينَ وَكَامِيرَاتِ الهَوَاتِفِ الَّتِي لَا تَرْحَمُ. فَكَيْفَ يَأْمَنُ رَجُلٌ عَلَى حُرُمَاتِهِ فِي بِيئَةٍ هَذَا حَالُهَا؟ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ». أَيْ جَعَلَهَا هَدَفاً لِيُفْتَتَنَ بِهَا وَتُفْتَتَنَ بَغَيْرِهَا. فَكَيْفَ بِهَا إِذَا خَرَجَتْ مُتَخَفِّفَةً مِنْ ثِيَابِهَا السَّاتِرَةِ؟!
وَمِمَّا يَزِيدُ الأَمْرَ وُضُوحاً، أَنَّ هَذَا التَّبَرُّجَ لَا يَقْتَصِرُ ضَرَرُهُ عَلَى المَرْأَةِ نَفْسِهَا، بَلْ يَتَعَدَّاهَا لِيُهْلِكَ الشَّبَابَ وَيُدَمِّرَ الأَخْلَاقَ، وَيُوقِعَ النَّاسَ فِي غَضَبِ الجَبَّارِ. اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَمَرَنَا بِغَضِّ البَصَرِ فَقَالَ: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. لَكِنْ بِرَبِّكُمْ، كَيْفَ يَغُضُّ الشَّابُّ المُسْلِمُ بَصَرَهُ فِي مَكَانٍ لَا مَهْرَبَ فِيهِ مِنَ المَنَاظِرِ العَارِيَةِ إِلا بِإِغْمَاضِ العَيْنَيْنِ تَمَاماً؟! قَدْ يَذْهَبُ رَجُلٌ صَالِحٌ لِيُرَفِّهَ عَنْ أَبْنَائِهِ، فَيَرْجِعُ بِقَلْبٍ مُظْلِمٍ مَلِيءٍ بِالسِّهَامِ المَسْمُومَةِ النَّاتِجَةِ عَنْ إِطْلَاقِ البَصَرِ.
هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ اللهَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ تَرَكَ مَكَانَاً فِيهِ مُتْعَةٌ لِأَجْلِ أَنْ يَحْفَظَ دِينَهُ وَعِرْضَهُ؟ لَا وَاللهِ! مَنْ تَرَكَ شَيْئاً للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْراً مِنْهُ. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾.
إِخْوَتِي الكِرَامَ، إِنْ كُنْتُمْ تَبْحَثُونَ عَنِ الرَّاحَةِ حَقّاً، فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّاحَةَ كُلَّ الرَّاحَةِ لَا تَسْكُنُ إِلَّا فِي قَلْبٍ عَمَرَهُ الرِّضَا بِمَا شَرَعَ اللهُ. التَّمَرُّدُ عَلَى شَرْعِ اللهِ وَخَلْعُ الحِجَابِ قَدْ يُوَفِّرُ بُرُودَةً لِلْجَسَدِ لِسَاعَاتٍ فِي حَرِّ الدُّنْيَا، لَكِنَّهُ يُورِثُ حَرّاً مُحْرِقاً فِي نَارٍ لَا يُطَاقُ عَذَابُهَا. يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾.
وَمِنْ هُنَا، يَا عِبَادَ اللهِ، أُوَجِّهُ نِدَاءً خَالِصاً، وَأُوصِيكُمْ بِثَلَاثِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ، قَبْلَ أَنْ تُخَطِّطُوا لِإِجَازَاتِكُمْ القَادِمَةِ:
الأُولَى: أَيَّتُهَا الأُخْتُ المُؤْمِنَةُ.. حِجَابُكِ عِبَادَةٌ لَا عَادَةٌ، وَالسِّتْرُ تَاجٌ لَا يُخْلَعُ عَلَى رِمَالِ البَحْرِ. لَا تُفَرِّطِي فِي رِضَا رَبِّكِ مِنْ أَجْلِ لَحْظَةِ اسْتِجْمَامٍ زَائِفَةٍ. الجَنَّةُ غَالِيَةٌ، وَهِيَ تَسْتَحِقُّ أَنْ نَتَحَمَّلَ بَعْضَ المَشَقَّةِ لِنَنَالَهَا. فَإِذَا لَمْ تَجِدِي مَكَاناً مُغْلَقاً آمِناً نَقِيّاً مِنَ الاِخْتِلَاطِ وَالعُرْيِ، فَانْجِي بِدِينِكِ، وَلَا تَشْتَرِكِي فِي مَهْزَلَةِ التَّنَازُلَاتِ.
الثَّانِيَةُ: أَيُّهَا الأَبُ وَأَيُّهَا الزَّوْجُ.. أَنْتَ الحَارِسُ عَلَى أَبْوَابِ هَذِهِ الأُسْرَةِ. فَعِّلْ غَيْرَتَكَ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ فِيكَ. لَا تَأْخُذْ أَهْلَكَ وَبَنَاتِكَ إِلَى مَسَالِخِ الأَخْلَاقِ، حَيْثُ يُعْرَضُ العُرْيُ كَأَنَّهُ تَطَوُّرٌ. اخْتَرْ وِجْهَتَكَ بِعِنَايَةٍ، وَابْحَثْ عَنِ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَحْفَظُ عَلَيْكُمْ دِينَكُمْ وَحَيَاءَكُمْ وَمُرُوءَتَكُمْ. المُتْعَةُ المُبَاحَةُ مَوْجُودَةٌ بِفَضْلِ اللهِ، فَلَا تَذْهَبْ بِأَهْلِكَ إِلَى أَمَاكِنِ الشُّبُهَاتِ.
الثَّالِثَةُ: إِلَى كُلِّ شَابٍّ وَفَتَاةٍ.. تَذَكَّرُوا دَائِماً أَنَّ عُمْرَ الشَّبَابِ سَيُسْأَلُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ: "وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ". اجْعَلُوا فَرَحَكُمْ بِمَا يُرْضِي اللهَ، وَلَا تَتَشَبَّهُوا بِأَهْلِ الغَفْلَةِ، فَإِنَّ طَرِيقَ اللهِ هُوَ طَرِيقُ السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ، فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ.
يَا مَنْ تَسْمَعُونَنِي الآنَ، وَاللهِ إِنَّ الفُرْصَةَ لَا تَزَالُ قَائِمَةً، وَالبَابَ لَا يَزَالُ مَفْتُوحاً لِلرُّجُوعِ إِلَى السِّتْرِ وَالعَفَافِ. فَمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ لِأُسْرَتِهِ فَلْيَعْتَصِمْ بِحَبْلِ اللهِ الْمَتِينِ، وَلَا يَخَفْ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا زَلَّاتِنَا، وَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِنَا. اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَى نِسَائِنَا حَيَاءَهُنَّ وَسِتْرَهُنَّ وَعَفَافَهُنَّ، وَاجْعَلْهُنَّ قُدْوَةً فِي الطُّهْرِ وَالصَّلَاحِ. اللَّهُمَّ ارْزُقْ رِجَالَنَا غَيْرَةً صَادِقَةً عَلَى الحُرُمَاتِ، وَحِكْمَةً فِي رِعَايَةِ الأَهْلِ وَالبَنَاتِ. اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ. اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدّاً جَمِيلاً، وَاجْعَلْ إِجَازَاتِنَا وَأَوْقَاتَنَا طَاعَةً لَكَ، وَبُعْداً عَنْ مَعَاصِيكَ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
🌿 هُنَا يَنْتَهِي القَلَمُ، وَهُنَا تَبْدَأُ مَسْؤُولِيَّتُكَ أَيُّهَا الخَطِيبُ. هَذَا نَصٌّ صَاغَهُ نَمُوذَجٌ آلِيٌّ، وَالآلَةُ تُحْسِنُ وَتُسِيءُ. فَلَا تَأْمَنْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ تَحَقُّقٍ — رَاجِعْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَامْزُجْهَا بِقَلْبِكَ وَتَجْرِبَتِكَ، فَالمِنْبَرُ مِيزَانٌ يَوْمَ الحِسَابِ. وَإِنْ أَرَدْتَ صَقْلَ هَذِهِ الخُطْبَةِ فَحَدِّدْ طَلَبَكَ بِدِقَّةٍ، تَنَلْ مَا يُلَائِمُ مِنْبَرَكَ.