🕌 أدبُ الحَياءِ مِنَ اللهِ ومُراقبتِهِ في الخَلَوات
#خطبة_جمعة #الحياء_من_الله #المراقبة #الإحسان #التقوى #أعمال_القلوب #رقائق
الحمدُ للهِ الرَّقيبِ على الخَواطِرِ والأنفاس، العَليمِ بما تُوَسوِسُ بهِ صُدورُ النَّاس، الذي لا تَخفى عليهِ خافِيَةٌ في الأرضِ ولا في السَّماء، ولا يَعزُبُ عن عِلمِهِ مِثقالُ ذَرَّةٍ في ظُلُماتِ الدُّجى ولا في وَضَحِ الضِّياء. أحاطَ بكُلِّ شيءٍ عِلماً، وأحصى كُلَّ شيءٍ عَدداً، وسَمِعَ دَبيبَ النَّملَةِ السَّوداءِ على الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ في اللَّيلَةِ الظَّلماء. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلَمُ ما كانَ وما يَكونُ وما لم يَكُن لو كانَ كيفَ يَكون، خَشَعَت لجَلالِهِ الأصوات، وعَنَت لعَظَمَتِهِ الوُجوه، وخَضَعَت لِكِبريائِهِ السَّمواتُ والأرَضون. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الأتقياء، وقُدوَةُ الأصفِياء، كانَ أكمَلَ الخَلقِ حَياءً مِن رَبِّه، وأعظَمَهُم خَشيَةً للهِ في سِرِّهِ وعَلَنِه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأخيار، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً مَديداً إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
أيُّها المؤمنون، تَأمَّلوا في لَحظَةٍ يَمُرُّ بها كُلُّ واحِدٍ مِنَّا؛ حِينَ يَنفَضُّ السَّامِر، وتَسكُنُ الحَرَكَة، وتُغلَقُ الأبواب، وتُرخى السُّتور، ويَغيبُ عن ناظِرَيكَ كُلُّ بَشَر! في تِلكَ الغُرفَةِ المُغلَقَة، وحَيثُ لا رَقيبَ مِن جِنسِك، ولا عَينَ تَرصُدُ زَلَّتَك... مَن أنتَ في تِلكَ اللَّحظَة؟ ما الذي يَسكُنُ فُؤادَك؟ وما الذي يُحَرِّكُ جَوارِحَك؟ هل تَعلَمُ أنَّ حَقيقَتَكَ العارِيَةَ عِندَ اللهِ لَيسَت هيَ تلكَ التي يَمشي بها بينَ النَّاسِ في ثِيابِ الصَّلاحِ والمُروءَة، ولَيسَت هيَ تلكَ الكَلِماتِ التي تُزَوِّقُها على المَسامِعِ والمَجالِس؛ إنَّ حَقيقَتَكَ الصَّادِقَة، التي تُوزَنُ بها في مِيزانِ الحَقِّ يومَ تُبلَى السَّرائر، هيَ أَنتَ حِينَ تَخلو! أنتَ حِينَ تَنقَطِعُ عنكَ أعيُنُ الخَلق، فلا يَبقى ناظِرٌ إليكَ إلَّا جَبَّارُ السَّماواتِ والأرض! كم مِن شَخصٍ يَمشي بينَ الخَلقِ مُطأطِئَ الرَّأسِ وَرِعاً خاشِعاً، فإذا دَخَلَ خِدرَهُ واحتَجَبَ بجِدارِه، نَسِيَ خَوفَ الإلهِ وهَيبَتَه، وتَجَرَّأَ على المَحارِمِ التي كانَ يُحَذِّرُ النَّاسَ مِنها! أفَلا نَعلَمُ أنَّ دِينَنَا لَيسَ مَظاهِرَ تُعرَض، بل هوَ حَياةُ قَلبٍ وخَشيَةُ سِرٍّ تَسكُنُ في الحَنايا؟
واسمَعوا إلى هذا الخِطابِ القُرآنيِّ الجَليل، وهو يَكشِفُ خَبيئَةَ النُّفوسِ التي تَزِنُ نَظَرَ المَخلوقِ وتَنسى نَظَرَ الخالِق؛ يقولُ اللهُ جَلَّ في عُلاه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108]. يا لَهُ مِن تَوبيخٍ يَقشَعِرُّ مِنهُ فُؤادُ الحَيِّ؛ يَستَحي مِن طِفلٍ صَغيرٍ لو رَآه، ويَستَحي مِن جارِهِ لوِ اطَّلَعَ عليه، ويَستَحي مِن صَديقِهِ لو فَطِنَ لِعَيبِه، ولكِنَّهُ يَجعَلُ اللهَ أهوَنَ النَّاظِرينَ إليه! أفَيَكونُ اللهُ العَظيم، الذي خَلَقَكَ ورَزَقَكَ ويَملِكُ نَفَسَكَ وقَبضَ روحِك، أهوَنَ عندَكَ مِن عَبدٍ ضَعيفٍ مِثلِك لا يَملِكُ لنَفسِهِ نَفعاً ولا ضَرّاً؟ تَأمَّلوا قَولَ الحَقِّ سُبحانَه: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾! مَعَهُم بعِلمِهِ وإحاطَتِه، وسَمعِهِ وبَصَرِه، لا يَغيبُ عنهُ شَيء. ويَقولُ سُبحانَهُ مُؤَكِّداً هذهِ المَعِيَّةَ الرَّقيبَة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. تَأمَّلوا كَلِمَةَ: ﴿رَقِيبًا﴾؛ الرَّقيبُ هو الذي لا تَغفُلُ عَينُهُ، ولا يَسهو عِلمُه، ولا يَفوتُهُ خَاطِرٌ في الذِّهنِ ولا لَحظَةٌ في العَين. ويَقولُ جَلَّ وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. خائِنَةُ الأعيُن؛ هيَ تلكَ النَّظرَةُ المَسروقَةُ التي لا يَنتَبِهُ لها الجَليس، تَلتَفِتُ فيها العَينُ إلى الحَرامِ لَحظَةً خاطِفَة، فالنَّاسُ يَحسَبونَ أنَّكَ مُطرِقٌ ساهٍ، واللهُ يَعلَمُ تِلكَ الخِيانَةَ العابِرَة، ويَعلَمُ ما دَفَعَ إليها في دَواخِلِ الصُّدور! ويَصرُخُ القُرآنُ في سُورَةِ العَلَقِ بمُفاجَأَةٍ صَادِعَةٍ تَهتَزُّ لها الأبدان: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق: 14]! أربَعُ كَلِماتٍ تَكفي لو وَعَاها القَلبُ أن تُقِيمَهُ على الصِّراطِ طُولَ عُمُرِه؛ "أَلَمْ يَعلَمْ بأنَّ اللهَ يَرى"؟ يَراكَ حِينَ تَمُدُّ يَدَك، ويَراكَ حِينَ تُطلِقُ بَصَرَك، ويَراكَ حِينَ تَخطو قَدَمُك، ويَراكَ وأنتَ وَحيدٌ في لَيلِكَ البَهيم! ويَقولُ سُبحانَهُ مُبَيِّناً دِقَّةَ إحصائِه: ﴿مَّا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7]. فأينَ يَهرُبُ الهَارِبون، وبأيِّ سِترٍ يَستَتِرُ العاصون، وسَماواتُ اللهِ وأرضُهُ كُلُّها مَملوءَةٌ بنُورِ عِلمِه؟
واسمَعوا إلى حَديثِ الإحسانِ الخالِد، يَومَ نَزَلَ جِبريلُ عليهِ السَّلامُ يَسألُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن مَراتِبِ الدِّين، فبَعْدَ أن بَيَّنَ لهُ الإسلامَ والإيمان، قال: فَما الإحسان؟ فأجابَهُ ﷺ بأعلَى ذُروَةٍ يَبلُغُها القَلبُ البَشَريّ: «أن تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراه، فإن لم تَكُن تَراهُ فإنَّهُ يَراك» [مُتَّفَقٌ عليه]. رُتبَتانِ عظيمَتان: الرُّتبَةُ الأولى رُتبَةُ "المُشاهَدَة"، أن تَعبُدَهُ كأنَّكَ تَراهُ عِياناً بقَلبِك، فتَستَحي مِنهُ وتَمتَلئَ هَيبَةً له. فإن قَصُرَت هِمَّتُكَ عن ذلك، فإلى الرُّتبَةِ الثَّانيَة، رُتبَةِ "المُراقَبَة": تَيَقَّنْ واعلَم أنَّهُ سُبحانَهُ يَراك، لا تَغيبُ عن ناظِرِهِ لَحظَة. فهل استَشعَرنا هذا المَعنى ونَحنُ نَركَعُ ونَسجُد؟ وهل استَحضَرناهُ ونَحنُ نَخلو بأنفُسِنا بَعيداً عنِ الأعيُن؟
وروى التِّرمذيُّ وحَسَّنَهُ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي اللهُ عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ لأصحابِه: «استَحيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَياء». فقالَ الصَّحابَةُ بأدَبِهم المَعهود: "إنَّا نَستَحيي يا رَسولَ الله، والحَمدُ لله". فقالَ ﷺ مُصَحِّحاً ومُوَضِّحاً أنَّ الحَياءَ لَيسَ خَاطِراً عابِراً، بل حِراسَةٌ شَامِلَةٌ للجَوارِح: «ليسَ ذاك، ولكنَّ الاستِحياءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الحَياء: أن تَحفَظَ الرَّأسَ وما وَعى، والبَطنَ وما حَوى، ولتَذكُرِ المَوتَ والبِلى، ومَن أرادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زينَةَ الدُّنيا، فمَن فَعَلَ ذلكَ فقدِ استَحيا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَياء»! تَحفَظَ الرَّأسَ وما وَعى: سَمعَكَ عمَّا حَرَّمَ الله، وبَصَرَكَ عن مَحارِمِ الله، ولِسانَكَ عن فُضولِ القَولِ والغيبَةِ والكَذِب، وعَقلَكَ عنِ الشُّبُهاتِ والخواطِرِ الرَّديَّة. والبَطنَ وما حَوى: فمَطعمُكَ حَلال، وشَرابُكَ حَلال، وفَرجُكَ مَحفوظٌ عنِ الحَرام.
ولكِنَّ المَشهَدَ الذي يَخلَعُ القُلوبَ مِن مَواضِعِها، والذي يَنبَغي أن يَقِفَ عندَهُ كُلُّ مؤمنٍ وَقفَةَ فَزَعٍ ورَجاء، هوَ ما رواهُ ابنُ ماجَه في سُنَنِهِ بسَنَدٍ صَحَّحَهُ العُلَماء، عن ثَوبانَ مَولى رسولِ اللهِ ﷺ، عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «لأَعلَمَنَّ أقواماً مِن أُمَّتي يَأتونَ يومَ القيامَةِ بحَسَناتٍ أمثالِ جِبالِ تِهامَةَ بِيضاً، فيَجعَلُها اللهُ عَزَّ وجَلَّ هَباءً مَنثوراً»! قالَ ثَوبانُ رضي الله عنه بوَجَلِ الصَّحابةِ الأبرار: "يا رَسولَ الله، صِفهُم لنا، جَلِّهِم لنا، ألَّا نَكونَ مِنهُم ونحنُ لا نَعلَم"! فقالَ المصطفى ﷺ مُفَجِّراً الصَّدمَةَ الكُبرى: «أمَا إنَّهُم إخوانُكُم، ومِن جِلدَتِكُم، ويَأخُذونَ مِنَ اللَّيلِ كما تَأخُذون، ولكنَّهُم أقوامٌ إذا خَلَوا بمَحارِمِ اللهِ انتَهَكوها»! يا عِبادَ الله، قِفوا عندَ هذا الحَديثِ المَهُول! حَسَناتٌ كأمثالِ جِبالِ تِهامَة! صَلوات، وصِيام، وصَدَقات، وقِيامُ لَيل... جِبالٌ بِيضٌ شاهِقَة! تَتحَوَّلُ في لَحظَةٍ واحِدَةٍ إلى هَباءٍ مَنثورٍ تَذروهُ الرِّياح! لماذا؟ أكانوا كُفَّاراً؟ لا، قال: «إخوانُكم، ومِن جِلدَتِكم، ويَأخذونَ مِنَ اللَّيلِ كما تَأخذون»! كانوا يُصَلُّونَ قِيامَ اللَّيل! ولكِنَّ آفَتَهُم القاتِلَةَ كانت في الخَلَوات؛ يَظهَرونَ أمامَ النَّاسِ أتقياءَ خاشِعين، فإذا خَلَوا بمَحارِمِ اللهِ انقَضُّوا عليها كما تَنقَضُّ السِّباع، لم يَحجُزْهُم خَوفٌ، ولم يَمنَعْهُم حَياءٌ مِنَ الله! فكانَ مَكرُهُم بالسِّرِّ سَبَباً في إحباطِ جِبالِ العَلَن! وروى البخاريُّ في صحيحِهِ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «كُلُّ أُمَّتي مُعافى إلَّا المُجاهِرين»؛ فالمُجاهِرُ وَقاحَةٌ، ومَن يَستَخفي رَجاءَ السِّترِ مَرجُوُّ المَغفِرَة، ولكنَّ البَلاءَ كُلَّ البَلاءِ فيمَن جَعَلَ اللهَ سُبحانَهُ أهوَنَ مَن يَنظُرُ إليه في خَلواتِه!
وقد سُئِلَ الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رحمه اللهُ تعالى عن حَالِ الخَلوَة، فنَظَرَ وأنشَدَ تِلكَ الأبياتِ التي كانَ يُرَدِّدُها ويَبكي حتَّى تَبتَلَّ لِحيَتُه: إذا ما خَلَوتَ الدَّهرَ يَوماً فلا تَقُل ... خَلَوتُ ولكن قُل عَلَيَّ رَقيبُ
ولا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ ساعَةً ... ولا أنَّ ما يُخفَى عليهِ يَغيبُ
أَلَمْ تَرَ أنَّ اليومَ أسرَعُ ذاهِبٍ ... وأنَّ غَداً للنَّاظِرينَ قَريبُ! وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمه الله في كِتابِهِ «مدارج السالكين» في بيانِ مَنزِلَةِ المُراقَبَة: "المُراقَبَةُ هيَ دَوامُ عِلمِ العَبدِ وتَيَقُّنِهِ باطِّلاعِ الرَّبِّ سُبحانَهُ وتعالى على ظاهِرِهِ وباطِنِه؛ فاسْتِدامَةُ هذا العِلمِ واليَقينِ هيَ المُراقَبَة، وهيَ ثَمَرَةُ مَعرِفَةِ أنَّ اللهَ رَقيبٌ عليه، ناظِرٌ إليه، سَامِعٌ لقَولِه، عَلِيمٌ بعَمَلِهِ في كُلِّ وَقتٍ وحِين. ومَن غَفَلَ عن هذا الأَصلِ انحَلَّت مِنهُ عُرى التَّقوى في الخَلوات". وقالَ الجُنَيدُ بنُ مُحمَّدٍ رحمه الله: "مَن تَحَقَّقَت مُراقَبَتُهُ للهِ خَافَ فَواتَ حَظِّهِ مِن رَبِّه، ومَنِ استَحيا مِنَ اللهِ استَحيا قَلبُهُ أن يَلتَفِتَ إلى غَيرِه". وقالَ الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله: "رَحِمَ اللهُ عَبداً وَقَفَ عندَ هَمِّه؛ فإن كانَ للهِ مَضى، وإن كانَ لغَيرِهِ تَأخَّر". وسُئِلَ الإمامُ سُفيانُ الثَّوريُّ رحمه الله: "بِمَ يُستَعانُ على غَضِّ البَصَر؟" فقالَ بكَلِمَةٍ تُكتَبُ بمَاءِ الذَّهَب: "بعِلمِكَ أنَّ نَظَرَ اللهِ إليكَ أسبَقُ مِن نَظَرِكَ إلى ما تَنظُر!".
عِبادَ الله، أينَ نَحنُ مِن نَماذِجِ الطُّهرِ والعَفافِ التي سَطَّرَها التَّاريخُ بنُورِ النُّبوَّةِ والإيمان؟ تَأمَّلوا مَعي مَشهَدَ الصِّدِّيقِ يُوسُفَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام؛ شَابٌّ في رَيعانِ الشَّبابِ وقُوَّتِه، غَريبٌ في بَلَدٍ لا يَعرفُهُ فيهِ أحد، مَملوكٌ لا سُلطَةَ له، ودَعَتهُ سَيِّدَتُهُ ذاتُ المَنصِبِ والجَمال! لم تَكُنِ الدَّعوَةُ في مَكانٍ مَكشوف، بل في قَصرٍ مَنيف: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾! غَلَّقَتْها إحكاماً وتَوثيقاً، وتَهَيَّأَت بكامِلِ زينَتِها، وقالتْ بكُلِّ جُرأَة: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾! كلُّ دَواعي المَعصيَةِ اجتَمَعَت: الشَّباب، والشَّهوَة، والغُربَة، والأمانُ مِن فَضيحَةِ البَشَر، والإكراهُ مِن صاحِبِ السُّلطان... فماذا قالَ الشَّابُّ الطَّاهِرُ الذي امتَلأَ قَلبُهُ بعَظَمَةِ الله؟ لم يَتَرَدَّد، ولم يُساوِم، بل صَرَخَ صَرخَةَ العُبوديَّةِ الخالِدَة: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: 23]! "مَعاذَ الله"! أعتَصِمُ بالله، وأستَجيرُ بالله! كيفَ أعصيهِ وهوَ يَراني؟ كيفَ أخونُ عَهدي مَعَهُ وهوَ الذي رَبَّاني وأحسَنَ مَثواي؟ فكانَت هذهِ الخَلوَةُ المَحصونَةُ بالحَياءِ سَبَباً في أن يَكونَ يُوسُفُ عَزيزَ مِصر، وقَبلَها صَفِيَّ رَبِّ العالَمين!
وهل غَابَ عن أسماعِكم ذلكَ المَوقِفُ العَجيبُ في ظُلمَةِ لَيلِ المَدينَة، في عِهدِ الفاروقِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه؟ خَرَجَ عُمَرُ يَعُسُّ باللَّيلِ يَتَفَقَّدُ رَعِيَّتَه، ومَعَهُ غُلامُهُ أسلَم. فاستَنَدَ إلى جِدارِ بَيتٍ مِن بُيوتِ المَدينَةِ في جَوفِ اللَّيل، فسَمِعَ امرَأةً تَقولُ لابنَتِها: "يا بُنَيَّة، قُومي فاخلِطي ذلكَ اللَّبَنَ بالماء"! فقالتِ الفَتاةُ الصَّالِحَةُ التي استَقَرَّتِ المُراقَبَةُ في حَنايا فُؤادِها: "يا أُمَّاه، أوَما عَلِمتِ ما كانَ مِن عَزمَةِ أميرِ المُؤمِنينَ عُمَرَ اليوم؟" قالتِ الأمّ: "وما كانَ مِن عَزمَتِه؟" قالت: "إنَّهُ أمَرَ مُنادِياً فنادى: ألَّا يُشابَ اللَّبَنُ بالماء"! فقالتِ الأمُّ بغَفْلَةِ البَشَر: "يا بُنَيَّة، قُومي فاخلِطي اللَّبَنَ بالماء، فإنَّكِ بمَوضِعٍ لا يَراكِ فيهِ عُمَرُ ولا مُنادي عُمَر"! فاستَمِعوا إلى كَلِمَةِ الفَتاةِ التي خَطَّها التَّاريخُ بمِدادِ الفَخرِ والجَلال؛ قالت: "يا أُمَّاه، واللهِ ما كُنتُ لأُطيعَهُ في العَلَن، وأعصِيَهُ في الخَلاء! إن كانَ عُمَرُ لا يَرانا، فإنَّ رَبَّ عُمَرَ يَرانا!" اللهُ أكبر! "إن كانَ عُمَرُ لا يَرانا، فإنَّ رَبَّ عُمَرَ يَرانا"! فماذا صَنَعَ الفاروقُ حِينَ سَمِعَها؟ عَلَّمَ على البابِ عَلامَة، ورَجَعَ إلى بَيتِهِ فأرسَلَ إليها وبَعَثَ يَخطُبُها لابنِهِ عاصِم، وقال: "عَسى اللهُ أن يُخرِجَ مِنها نَسَمَةً مُبارَكَةً تَسودُ العَرَب". فكانَ مِن نَسلِ تِلكَ الفَتاةِ التَّقِيَّةِ التي استَحْيَت مِن رَبِّها في ظُلمَةِ اللَّيل: خامِسُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدين، الإمامُ العادِلُ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ رضي اللهُ عنه وعَنها! هذا هوَ ثَمَرُ المَخافَةِ في السِّرّ، وهذا هوَ نِتاجُ الحَياءِ حِينَ يُغلَقُ الباب.
واليومَ... أيُّها المُسلِمون، في هذا العَصرِ الذي نَعيشُه؛ أصبَحَتِ الخَلوَةُ ابتِلاءً يُحاصِرُ الصَّغيرَ والكَبيرَ في كُلِّ دَقيقَة! لقد كانَ الرَّجُلُ في الزَّمانِ الأوَّلِ إذا أرادَ المَعصِيَةَ تَجَشَّمَ عَنَتَ السَّفَر، وسَعى إليها بقَدَمَيه، وتَخَفَّى عن أعيُنِ جيرانِه. أمَّا اليوم، فقد صارَتِ المَعصِيَةُ تَجري في الجُيوب، وتَسكُنُ تحتَ الوَسائِد، في هذا الهاتِفِ الصَّغيرِ الذي لا يُفارِقُ أيديَنا! تَدخُلُ غُرفَتَك، وتُغلِقُ بابَك، وتُطفِئُ نُورَك، وتَضَعُ السَّمَّاعَةَ في أُذُنِك، ثُمَّ تَلمِسُ شَاشَةً زُجاجِيَّةً صَغيرَة، فتُفتَحُ لكَ أبوابُ الفَواحِشِ والآثامِ مِن شَتَّى بِقاعِ الأرض! لا والِدٌ يَرى، ولا زَوجَةٌ تَعلَم، ولا جارٌ يَشُكّ! صَفحاتٌ خَبيثَة، ومَقاطِعُ مُحَرَّمَة، ومُحادَثاتٌ مُشينَة، تَعرِضُ نَفسَها عليكَ بكَبسَةِ زِرّ. هنا... في تِلكَ اللَّحظَةِ بالذَّات، يَظهَرُ مَعدِنُ إيمانِك! هل أنتَ عَبدٌ لله، أم عَبدٌ لنَظَرِ النَّاس؟ هل تُقَدِّمُ شَهوَةَ دَقيقَةٍ في خَلوَةٍ على نَظَرِ مَن خَلَقَكَ ورَزَقَك؟ تَذَكَّر وأنتَ تَختَلي بتِلكَ الشَّاشَة، وتَنسى أعيُنَ الخَلق: أنَّ أنفاسَكَ مَعدودَة، وأنَّ تِلكَ الأصابِعَ التي تَلمِسُ الحَرامَ ستَشهَدُ عليك: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65]! وتَذَكَّر أنَّ المَلَكَينِ الحافِظَينِ يَكتُبان، وأنَّ الأرضَ التي تَجلِسُ عليها تَحفَظ، وأنَّ اللهَ العَظيمَ من فَوقِ عَرشِهِ يَراك! ألا تَستَحي أن يَكونَ هَاتِفُكَ شاهِداً عليكَ يومَ القِيامَةِ بالخِيانَة؟ ألا تَخشى أن يَأتِيَكَ مَلَكُ المَوتِ وأنتَ تَبحَثُ عن فاحِشَةٍ في تِلكَ الظُّلُمات، فتُقبَضَ على مَعصِيَةٍ تَفتَضِحُ بها بينَ الأوَّلينَ والآخِرين؟
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واجعَلوا خَلَواتِكُم أطهَرَ مِن جَلَواتِكُم، وسَرائِرَكُم أنقى مِن عَلانِيَتِكُم؛ فإنَّما يُكرَمُ العَبدُ على قَدرِ طَهارَةِ قَلبِهِ في السِّرِّ إذا خَلا، وإنَّما يَسقُطُ مَن سَقَطَ حِينَ نَسِيَ رَقابَةَ رَبِّهِ في مَضاجِعِ خَلَواتِه.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ كَفى، وصَلاةً وسَلاماً على عِبادِهِ الذينَ اصطَفى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، خَيرُ مَن خَشى اللهَ واتَّقى، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِ الهُدى إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ لُبِّ أعمالِ القُلوب: «أدَبِ الحَياءِ مِنَ اللهِ ومُراقَبَتِهِ في الخَلَوات»؛ عَرَفنا كَيفَ أنَّ اللهَ رَقيبٌ على السَّرائِر، يَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، وسَمِعنا وَعِيدَ النَّبيِّ ﷺ في أولئكَ الذينَ يَأتونَ بأعمالٍ كجِبالِ تِهامَةَ فتُجعَلُ هَباءً مَنثوراً لانتِهاكِهم مَحارِمَ اللهِ في الخَلوات، وتَأسَّينا بطُهرِ يُوسُفَ عليهِ السَّلام، وعَفافِ فتاةِ اللَّبَنِ في لَيلِ المَدينَة. وبَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الحَاسِمُ الذي يَمَسُّ واقِعَنا كُلَّ لَحظَة: كَيفَ نُحَصِّنُ أنفُسَنا حِينَ نَخلو؟ وكيفَ نَجعَلُ الخَلوَةَ مِحراباً للأُنسِ بالله، لا مَرتَعاً للشَّيطانِ والغَفلات؟
إنِّي أُوصيكُم بخَمسِ وَصايا حاسِمَة، تَحمِلونَها مَعكُم إلى بُيوتِكُم وغُرُفاتِكم:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): اغرِسوا في سُويداءِ قُلوبِكُم شُعورَ "المَعِيَّةِ الإلهيَّة"؛ كُلَّما هَمَمْتَ بذَنبٍ في خَلوَة، رَدِّدْ في باطِنِك: «اللهُ مَعي، اللهُ ناظِرٌ إلَيَّ، اللهُ شاهِدي». حَوِّلْ عِلمَكَ بنَظَرِ اللهِ مِن فِكرَةٍ عَقليَّةٍ بارِدَةٍ إلى يَقينٍ حَيٍّ يَرجُفُ لهُ الفُؤاد، وتَذَكَّر: لو كانَ مَعكَ في الغُرفَةِ طِفلٌ صَغيرٌ لاستَحيَيتَ أن تَفعَلَ القَبيحَ أمامَه، أفَيَكونُ اللهُ العَظيمُ أهوَنَ في عَينِكَ مِن ذلكَ الصَّبيّ؟ دَرِّبْ قَلبَكَ على أن يَمتَلئَ هَيبَةً مِن نَظَرِ الحَقِّ سُبحانَه، فمَن كَبُرَ اللهُ في قَلبِهِ صَغُرَتِ المَعاصي في عَينِه.
الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): اجعَلوا ألسِنَتَكُم رَطبَةً بالاستِعاذَةِ والدُّعاءِ عِندَ هُجومِ الخَواطِرِ السَّيِّئَة؛ فإذا أغلَقتَ بابَكَ ووَسوَسَ لكَ الشَّيطانُ بالشَّاشَةِ أو بالحَرام، فارْفَعْ صَوتَكَ بالاستِعاذَة: «أعوذُ باللهِ السَّميعِ العَليمِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم»، وادعُ بدُعاءِ النَّبيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ خَشيَتَكَ في الغَيبِ والشَّهادَة»، وقُل كَما قالَ يُوسُف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾؛ فإنَّ الكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ التي تَخرُجُ مِن قَلبٍ حَيٍّ تَصرِفُ عَنكَ حَبائِلَ الشَّيطانِ وشُبُهاتِه.
الثالثة (وَصيَّةٌ عَمليَّةٌ فِعليَّة): اتَّخِذوا تَدابيرَ عَمَليَّةً مَلموسَةً لحِمايَةِ أجهزَتِكُم؛ لا تَختَلِ بهاتِفِكَ في الفِراشِ عِندَ النَّومِ وأنتَ وَحيد، بل دَعْهُ في غُرفَةِ الجُلوسِ أو بَعيداً عن مَرقَدِك. فَعِّلْ بَرامِجَ الحِمايَةِ وحَجبِ المَواقِعِ القَبيحَة، ولا تَقُل: "أنا واثِقٌ مِن نَفسي"؛ فالقَلبُ ضَعيف، والشُّبُهاتُ والشَّهَواتُ خَطَّافَة، ومَن حامَ حَولَ الحِمى يُوشِكُ أن يَرْتَعَ فيه، وسَدُّ الذَّرائِعِ مِن أعظَمِ أُصولِ الشَّريعَة.
الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّة): تَواصَوا بالحَقِّ وتَناصَحوا بالحُبِّ داخِلَ البُيوت؛ اجعَلوا في بُيوتِكُم مَساحاتٍ مَفتوحَة، ولا تَجعَلوا كُلَّ ابنٍ أو ابنةٍ يَعيشُ في جَزيرَةٍ مُنعَزِلَةٍ مُغلَقَةِ الأبوابِ مَعَ شاشَتِه. سُولِفوا مَعهُم، اجلِسوا مَعهُم، راقِبوهُم بحُبٍّ ورِفقٍ لا بتَخوينٍ وتَرهيب، واغرِسوا في نُفوسِ النَّاشِئَةِ حُبَّ اللهِ ومُراقَبَتَهُ قَبلَ أن تَفرِضوا عليهم سُلطَةَ المَنعِ والمُصادَرَة؛ فإنَّ الرَّقابَةَ الدَّاخِليَّةَ هيَ الحارِسُ الوَحيدُ حِينَ تَغيبُ الرَّقاباتُ الخارِجيَّة.
الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): زاحِموا سَيِّئاتِ الخَلَواتِ بحَسَناتِ الخَلَوات! كما أنَّ للشَّيطانِ مَرتَعاً في الخَلوَة، فاجعَلوا للرَّحمنِ فيها رِياضاً وبَساتين؛ رَكعَتانِ خاشِعَتانِ في ظُلمَةِ اللَّيلِ لا يَراهُما إلَّا الله، دَمعَةٌ تَسقُطُ مِن خَشيَتِهِ في سُجود، صَدَقَةٌ خَفِيَّةٌ تَخرُجُ مِن يَمينِكَ لا تَعلَمُ بها شِمالُك، صَفحاتٌ تَتلوها مِنَ القُرآنِ بتَدَبُّرٍ وبُكاء... هذهِ الخَبِيئاتُ الصَّالِحَةُ هيَ الحِصنُ الحَصين، وهيَ النُّورُ الذي يُطفِئُ ظُلُماتِ الغَفَلات، ومَن سَرَّتْهُ سَريرَتُهُ أشرَقَتْ عَلانِيَتُه.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هيَ أن تَخافَ الجَليل، وتَعمَلَ بالتَّنزيل، وتَقنَعَ بالقَليل، وتَستَعِدَّ ليَومِ الرَّحيل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُم رَبُّكم بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، فقالَ جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا ونَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحابَتِهِ ومَنِ اقتَدى بهَديِهِ إلى يومِ الميعاد.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ خَشيَتَكَ في الغَيبِ والشَّهادَة، وكَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا، والقَصدَ في الفَقرِ والغِنى. اللَّهُمَّ ارزُقنا حَياءً مِنكَ يَحجُزُنا عن مَعاصيك، ويَحمِلُنا على طاعَتِك، واجعَل سَرائِرَنا خَيراً مِن عَلانِيَتِنا، وأصلِحْ عَلانِيَتَنا. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وأعيُنَنا مِنَ الخِيانَة؛ إنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور. اللَّهُمَّ أعِذنا مِن فِتَنِ الشَّاشات، وزَلَّاتِ الخَلَوات، ونَزَغاتِ الشَّياطين، واجعَل بُيوتَنا عامِرَةً بذِكرِكَ وتَقواك. اللَّهُمَّ اغفِر للمُسلمينَ والمُسلِمات، المُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأحياءِ مِنهُم والأموات، برَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
________________
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
أدبُ الحَياءِ مِنَ اللهِ ومُراقبتِهِ في الخَلَوات
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.