من مكتبة مِداد الخطيب

مَرحَلَةُ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ

مشاركة
مَرحَلَةُ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن صَدعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالحَقِّ وَثَبَاتِهِ وَصَبرِ الصَّحَابَةِ عَلَى الِابتِلَاءِ وَأَهَمِّ أَحدَاثِ العَهدِ المَكِّيِّ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ، وَأَمَرَهُ بِالصَّدعِ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ وَإِنذَارِ العَشِيرَةِ وَالعَالَمِينَ، وَكَفَاهُ شَرَّ المُستَهزِئِينَ وَكَيدَ الكَائِدِينَ وَمَكرَ المَاكِرِينَ. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلءَ الأَرضِ وَمِلءَ مَا شَاءَ مِن شَيءٍ بَعدُ، أَجرَى سُنَّتَهُ الكَونِيَّةَ وَالشَّرعِيَّةَ بِأَن يُبتَلَى أَهلُ الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ لِيَتَمَيَّزَ الصَّادِقُ مِنَ الكَاذِبِ، وَالخَبِيثُ مِنَ الطَّيِّبِ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ وَالنَّصرَ وَالتَّمكِينَ لِلصَّابِرِينَ المُتَّقِينَ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، القَوِيُّ العَزِيزُ، النَّاصِرُ المُعِينُ، القَائِلُ فِي كِتَابِهِ المُبِينِ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ۝ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤–٩٥]. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا وَقُدوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، قَامَ بِأَمرِ رَبِّهِ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا وَفِي نَوَادِي مَكَّةَ وَمَوَاسِمِ العَرَبِ يُعلِنُ التَّوحِيدَ وَيُحَطِّمُ أَصنَامَ الشِّركِ وَالجَاهِلِيَّةِ، فَأُوذِيَ فِي اللهِ مَا لَم يُؤذَ بَشَرٌ، وَحُوصِرَ فِي الشِّعبِ، وَأُدمِيَت قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ فِي الطَّائِفِ، فَمَا وَهَنَ وَلَا لَانَ وَلَا دَاهَنَ حَتَّى أَتَمَّ اللهُ نُورَهُ وَأَعلَى كَلِمَتَهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى جَمرِ العَقِيدَةِ تَحتَ سِيَاطِ الجَلَّادِينَ وَصُخُورِ الرَّمضَاءِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكِرَامُ: إِنَّ سِيرَةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَيسَت قِصَصًا تَارِيخِيَّةً تُروَى لِلتَّسلِيَةِ وَالسَّمَرِ، بَل هِيَ مَنهَجُ حَيَاةٍ، وَمَدرَسَةُ إِيمَانٍ وَثَبَاتٍ، وَوَحْيٌ مُتَجَسِّدٌ يَمشِي عَلَى الأَرضِ، يَستَمِدُّ مِنهُ المُؤمِنُونَ فِي كُلِّ عَصرٍ وَمِصرٍ زَادَ اليَقِينِ وَالصَّبرِ عِندَ اشتِدَادِ المِحَنِ وَتَكَالُبِ الأَعدَاءِ! وَإِنَّ مِنَ الفُصُولِ العَظِيمَةِ الفَاصِلَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ العَطِرَةِ، ذَلِكَ الفَصلَ المَهِيبَ الَّذِي انتَقَلَت فِيهِ دَعوَةُ الإِسلَامِ مِنَ السِّرِّيَّةِ وَالكِتمَانِ إِلَى العَلَانِيَةِ وَالظُّهُورِ؛ إِنَّهَا «مَرحَلَةُ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ» فِي مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، وَمَا تَلَاهَا مِن مَلَاحِمِ الصَّبرِ وَالفِدَاءِ، وَمَا أَصَابَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابَهُ الكِرَامَ مِن ضُرُوبِ الأَذَى وَالِابتِلَاءِ، وَمَا وَقَعَ فِي تِلكَ المَرحَلَةِ مِن أَحدَاثٍ كُبرَى غَيَّرَت مَجرَى تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: لَقَد مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَعدَ مَبعَثِهِ الشَّرِيفِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ يَدعُو إِلَى الإِسلَامِ سِرًّا، يَنتَقِي فِيهَا صَفوَةَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالشَّبَابِ مِمَّن عُرِفُوا بِرَجَاحَةِ العَقلِ وَنَقَاءِ الفِطرَةِ، وَيُرَبِّيهِم عَلَى مَوَائِدِ القُرآنِ وَالإِيمَانِ فِي دَارِ الأَرقَمِ بنِ أَبِي الأَرقَمِ المَخزُومِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا، حَتَّى تَكَوَّنَتِ النَّوَاةُ الصُّلبَةُ الأُولَى الَّتِي تَحمِلُ هَذَا الدِّينَ وَتَصمُدُ أَمَامَ العَوَاصِفِ. فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ البِعثَةِ، نَزَلَ الأَمرُ الإِلَهِيُّ الحَاسِمُ الَّذِي أَعلَنَ بِدَايَةَ مَرحَلَةِ الجَهرِ وَالمُوَاجَهَةِ الشَّامِلَةِ مَعَ الشِّركِ وَأَهلِهِ؛ نَزَلَ قَولُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ۝ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٤–٢١٦]، وَنَزَلَ قَولُهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِعِبَارَةٍ تَكَادُ تَتَفَجَّرُ قُوَّةً وَحَسمًا: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ۝ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤–٩٥]! تَأَمَّلُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- دِقَّةَ التَّعبِيرِ القُرآنِيِّ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَأَئِمَّةُ التَّفسِيرِ وَاللُّغَةِ: «فَاصدَعْ بِهِ: أَيِ اجهَرْ بِهِ، وَأَظهِرْهُ، وَافصِلْ بِهِ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ فَصلًا بَيِّنًا لَا يَلتَئِمُ بَعدَهُ البَاطِلُ أَبَدًا، كَصَدعِ الزُّجَاجَةِ أَوِ الصَّخرَةِ إِذَا انشَقَّت»! فَكَيَ استَجَابَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِهَذَا الأَمرِ الرَّبَّانِيِّ العظِيمِ؟ استَمِعُوا إِلَى المَشهَدِ الأَوَّلِ مِن مَشَاهِدِ الجَهرِ العَظِيمِ كَمَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَا: لَمَّا نَزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي بِأَعلَى صَوتِهِ: «يَا صَبَاحَاهُ! يَا بَنِي فِهرٍ! يَا بَنِي عَدِيٍّ! يَا بَنِي عَبدِ مَنَافٍ!» لِبُطُونِ قُرَيشٍ حَتَّى اجتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَم يَستَطِع أَن يَخرُجَ أَرسَلَ رَسُولًا لِيَنظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيشٌ! وَاقِفٌ وَحدَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذِروَةِ جَبَلِ الصَّفَا، وَمَكَّةُ كُلُّهَا بِزُعَمَائِهَا وَسَادَتِهَا تَحتَ الجَبَلِ تَنظُرُ إِلَيهِ! فَأَقَامَ عَلَيهِمُ الحُجَّةَ الأُولَى مِن شَهَادَتِهِم هُم بِصِدقِهِ وَأَمَانَتِهِ قَبلَ أَن يُلقيَ عَلَيهِم البَلَاغَ، فَقَالَ: «أَرَأَيتَكُم لَو أَخبَرتُكُم أَنَّ خَيلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَن تُغِيرَ عَلَيكُم، أَكُنتُم مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ: «نَعَم، مَا جَرَّبنَا عَلَيكَ إِلَّا صِدقًا»! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الكَلِمَةَ الَّتِي زَلزَلَت كِيَانَ الشِّركِ وَالجَاهِلِيَّةِ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُم بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ! يَا مَعشَرَ قُرَيشٍ، اشتَرُوا أَنفُسَكُم مِنَ اللهِ، لَا أُغنِي عَنكُم مِنَ اللهِ شَيئًا! يَا بَنِي عَبدِ مَنَافٍ، لَا أُغنِي عَنكُم مِنَ اللهِ شَيئًا! يَا عَبَّاسُ بنَ عَبدِ المُطَّلِبِ، لَا أُغنِي عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئًا! يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغنِي عَنكِ مِنَ اللهِ شَيئًا! وَيَا فَاطِمَةُ بِنتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئتِ مِن مَالِي، لَا أُغنِي عَنكِ مِنَ اللهِ شَيئًا»! فَانتَفَضَ عَمُّهُ الشَّقِيُّ أَبُو لَهَبٍ وَنَفَضَ يَدَيهِ وَقَالَ: «تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَومِ، أَلِهَذَا جَمَعتَنَا؟!» فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ سُورَةً تُتلَى إِلَى يَومِ القِيَامَةِ تَدمَغُ أَبَا لَهَبٍ بِالخُسرَانِ الأَبَدِيِّ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١–٢]! ثُمَّ جَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوحِيدِ عِندَ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ، وَسَفَّهَ عِبَادَةَ الأَصنَامِ وَالأَوثَانِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ، وَأَعلَنَ أَنَّ العِزَّةَ وَالعُبُودِيَّةَ للهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ فَجُنَّ جُنُونُ طَوَاغِيتِ قُرَيشٍ وَمَلَئِهَا، وَانقَلَبَت مَكَّةُ إِلَى أَتُونٍ مُشتَعِلٍ مِنَ الحَربِ النَّفسِيَّةِ وَالإِعلَامِيَّةِ وَالجَسَدِيَّةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى كُلِّ مَن آمَنَ مَعَهُ! وَهُنَا نَنتَقِلُ -يَا عِبَادَ اللهِ- إِلَى المِحوَرِ الثَّانِي مِن خطبَتِنَا: مَاذَا أَصَابَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابَهُ الكِرَامَ بَعدَ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ؟ لَقَد ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الأَذَى فِي مَكَّةَ اقْتَصَرَ عَلَى الضَّعفَاءِ وَالمَوَالِي فَقَط؛ كَلَّا وَاللهِ، بَل نَالَ سَيِّدَ الخَلقِ وَحَبِيبَ الحَقِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنَ الأَذَى النَّفسِيِّ وَالجَسَدِيِّ مَا تَفَطَّرُ لَهُ الأَكبَادُ وَتَبكِي لَهُ العُيُونُ: أَوَّلًا: شَنُّوا عَلَيهِ حَربَ تَشوِيهٍ وَافتِرَاءٍ وَاستِهزَاءٍ مُنظَّمَةً؛ فَمَن كَانَ يَلقَبُ عِندَهُم بِالأَمِينِ الصَّادِقِ طَوَالَ أَربَعِينَ سَنَةً، رَمَوهُ بَعدَ جَهرِهِ بِالدَّعوَةِ بِأَنَّهُ «سَاحِرٌ، كَذَّابٌ، شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، مَجنُونٌ، مُفَرِّقٌ بَينَ المَرءِ وَأَهلِهِ»، وَقَعَدُوا عَلَى مَدَاخِلِ مَكَّةَ يُحَذِّرُونَ الوُفُودَ وَالحُجَّاجَ مِنَ السَّمَاعِ مِنهُ، حَتَّى ضَاقَ صَدرُهُ الشَّرِيفُ بِمَكرِهِم وَاستِهزَائِهِم فَأَنزَلَ اللهُ تَسلِيَتَهُ وَتَثبِيتَهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ۝ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧–٩٩]. ثَانِيًا: تَعَدَّى الأَمرُ مِنَ السُّخرِيَةِ وَالِاتِّهَامِ إِلَى الِاعتِدَاءِ الجَسَدِيِّ المُبَاشِرِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِندَ البَيتِ الحَرَامِ: — فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: سَأَلتُ عَبدَ اللهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَخبِرنِي بِأَشَدِّ شَيءٍ صَنَعَهُ المُشرِكُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! قَالَ: «بَينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حِجرِ الكَعبَةِ، إِذ أَقبَلَ عُقبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ فَوَضَعَ ثَوبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنقًا شَدِيدًا! فَأَقبَلَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَتَّى أَخَذَ بِمَنكِبَيهِ وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبكِي وَيَقُولُ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]»! — وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «بَينَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي عِندَ الكَعبَةِ وَجَمعُ قُرَيشٍ فِي مَجَالِسِهِم، إِذ قَالَ أَبُو جَهلٍ: أَيُّكُم يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَعمِدُ إِلَيهِ فَيَضَعَهُ بَينَ كَتِفَي مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانبَعَثَ أَشقَاهُم عُقبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا لَا يَرفَعُ رَأسَهُ، وَهُم يَضحَكُونَ وَيَمِيلُ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ! حَتَّى انطَلَقَ مُنطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَهِيَ جُوَيرِيَةٌ صَغِيرَةٌ، فَأَقبَلَت تَسعَى حَتَّى طَرَحَتْهُ عَن ظَهرِهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيهِم ثَلَاثًا: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ! وَسَمَّى سَبعَةً مِنهُم، قَالَ ابنُ مَسعُودٍ: فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ لَقَد رَأَيتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرعَى يَومَ بَدرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيبِ قَلِيبِ بَدرٍ»! — وَرَوَى التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَقَد أُوذِيتُ فِي اللهِ وَمَا يُؤذَى أَحَدٌ، وَلَقَد أُخِفتُ فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَد أَتَت عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلَالٍ»! وَأَمَّا مَا أَصَابَ الصَّحَابَةَ الكِرَامَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم بَعدَ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ، فَمَلحَمَةٌ مِنَ الصَّبرِ وَالفِدَاءِ لَم يَشهَدِ التَّارِيخُ لَهَا مَثِيلًا: — فَهَذَا الصِّدِّيقُ الأَكبَرُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ -كَمَا رَوَى الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي «البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ» بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا- حِينَ بَلَغَ المُسلِمُونَ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، أَلَحَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الظُّهُورِ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ، فَقَامَ أَبُو بَكرٍ خَطِيبًا يَدعُو إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَكَانَ أَوَّلَ خَطِيبٍ دَعَا إِلَى اللهِ جَهرًا بَعدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَثَارَ المُشرِكُونَ عَلَى أَبِي بَكرٍ وَعَلَى المُسلِمِينَ فَضُرِبُوا فِي نَوَاحِي المَسجِدِ ضَربًا شَدِيدًا، وَوطِئَ أَبُو بَكرٍ وَضَرَبَهُ الفَاسِقُ عُتبَةُ بنُ رَبِيعَةَ بِنَعلَينِ مَخصُوفَتَينِ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى مَا يُعرَفُ أَنفُهُ مِن وَجهِهِ، وَحَمَلَتهُ بَنُو تَيمٍ فِي ثَوبٍ إِلَى بَيتِهِ وَلَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مَيِّتٌ! فَلَمَّا تَكَلَّمَ آخِرَ النَّهَارِ، مَاذَا كَانَت أَوَّلُ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا؟ قَالَ: «مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟» وَأَقسَمَ أَلَّا يَذُوقَ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَتَّى يَأتِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ الأَرقَمِ فَيَطمَئِنَّ عَلَيهِ! — وَهَذَا عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الرَّجُلُ النَّحِيلُ الضَّعِيفُ الجَسَدِ العَظِيمُ الإِيمَانِ، كَانَ أَوَّلَ مَن جَهَرَ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ بِمَكَّةَ بَعدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ ذَهَبَ إِلَى المَقَامِ ضُحًى وَقُرَيشٌ فِي أَندِيَتِهَا، فَرَفَعَ صَوتَهُ يَقرَأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ الرَّحْمَنُ ۝ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١–٢]، فَقَامُوا إِلَيهِ يَضرِبُونَ فِي وَجهِهِ وَهُوَ يَقرَأُ حَتَّى بَلَغَ مِنهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصحَابِهِ وَقَد أَثَّرُوا فِي وَجهِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «مَا كَانَ أَعدَاءُ اللهِ أَهوَنَ عَلَيَّ مِنهُم الآنَ، وَلَئِن شِئتُم لَأُغَادِيَنَّهُم بِمِثلِهَا غَدًا»! — وَهَذَا بِلَالُ بنُ رَبَاحٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَانَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ يُخرِجُهُ إِذَا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ فَيَطرَحُهُ عَلَى ظَهرِهِ فِي بَطحَاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأمُرُ بِالصَّخرَةِ العَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدرِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ أَو تَكفُرَ بِمُحَمَّدٍ! فَيَأبَى بِلَالٌ إِلَّا أَن يَصدَعَ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ الَّتِي تَغيظُ الكُفرَ: «أَحَدٌ أَحَدٌ»! حَتَّى اشتَرَاهُ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَعتَقَهُ للهِ! — وَهَؤُلَاءِ آلُ يَاسِرٍ: يَاسِرٌ، وَسُمَيَّةُ، وَعَمَّارٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، كَانَ بَنُو مَخزُومٍ يُلبِسُونَهُم أَدرَاعَ الحَدِيدِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ لِتَنصَهِرَ أَجسَادُهُم تَحتَ الشَّمسِ، فَيَمُرُّ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَيُثَبِّتُهُم بِالوَعدِ الصَّادِقِ: «صَبرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوعِدَكُمُ الجَنَّةُ»! حَتَّى طَعَنَ الفِرعَونُ أَبُو جَهلٍ سُمَيَّةَ بِالحَربَةِ فَاستُشهِدَت فكَانَت أَوَّلَ شَهِيدَةٍ فِي الإِسلَامِ! — وَهَذَا خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَانُوا يُوقِدُونَ لَهُ الفَحمَ وَالحِجَارَةَ حَتَّى تَحمَرَّ ثُمَّ يَطرحُونَهُ عَلَيهَا بِظَهرِهِ العَارِي، فَمَا يُطفِئُ النَّارَ إِلَّا وَدَكُ ظَهرِهِ وَشَحمُهُ الذَّائِبُ! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن خَبَّابٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «شَكَونَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُردَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعبَةِ، قُلنَا لَهُ: أَلَا تَستَنصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدعُو اللهَ لَنَا؟ فَقَعَدَ وَهُوَ مُحمَرٌّ وَجهُهُ فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبلَكُم يُحفَرُ لَهُ فِي الأَرضِ فَيُجعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالمِنشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُشَقُّ بِاثنَتَينِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَن دِينِهِ، وَيُمشَطُ بِأَمشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحمِهِ مِن عَظمٍ أَو عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَن دِينِهِ! وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنعَاءَ إِلَى حَضرَمَوتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ أَوِ الذِّئبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُم تَستَعجِلُونَ»! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: أَمَّا المِحوَرُ الثَّالِثُ فِي خطبَتِنَا فَهُوَ استِعرَاضُ «أَهَمِّ الأَحدَاثِ الكُبرَى وَالمَحَطَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ الفَاصِلَةِ» الَّتِي وَقَعَت فِي مَرحَلَةِ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةِ؛ وَهِيَ خَمسُ مَحَطَّاتٍ عِظَامٍ: المَحَطَّةُ الأُولَى: مَعرَكَةُ المُفَاوَضَاتِ وَالإِغرَاءَاتِ وَالمُسَاوَمَاتِ وَسُقُوطُهَا أَمَامَ ثَبَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا عَجَزَت قُرَيشٌ عَن إِيقَافِ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ بِالتَّعذِيبِ وَالسُّخرِيَةِ، لَجَأَت إِلَى سِلَاحِ الإِغرَاءِ وَالمُسَاوَمَةِ؛ فَبَعَثُوا عُتبَةَ بنَ رَبِيعَةَ يَعرِضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَالَ حَتَّى يَكُونَ أَغنَاهُم، وَالشَّرَفَ حَتَّى لَا يَقطَعُوا أَمرًا دُونَهُ، وَالمُلكَ حَتَّى يُمَلِّكُوهُ عَلَيهِم، عَلَى أَن يَكُفَّ عَنِ الجَهرِ بِالتَّوحِيدِ وَتَسفِيهِ الأَصنَامِ! فَتَلَا عَلَيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَوَاتِحَ سُورَةِ فُصِّلَت: ﴿حم ۝ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١–٢] حَتَّى وَضَعَ عُتبَةُ يَدَيهِ خَلفَ ظَهرِهِ مَبهُوتًا وَرَجَعَ إِلَى قَومِهِ بِغَيرِ الوَجهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ! ثُمَّ عَرَضُوا عَلَيهِ التَّنَازُلَ المُشتَرَكَ (أَن يَعبُدَ آلِهَتَهُم سَنَةً وَيَعبُدُوا إِلَهَهُ سَنَةً)، فَنَزَلَت سُورَةُ المَفَاصَلَةِ العَقَدِيَّةِ الحَاسِمَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ۝ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١–٢]، وَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ۝ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٨–٩]! المَحَطَّةُ الثَّانِيَةُ: الهِجرَةُ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ إِلَى أَرضِ الحَبَشَةِ (السَّنَةُ الخَامِسَةُ مِنَ البِعثَةِ): حِينَ اشتَدَّ البَلَاءُ عَلَى الصَّحَابَةِ بَعدَ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ، أَذِنَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالهِجرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ وَقَالَ لَهُم: «إِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظلَمُ عِندَهُ أَحَدٌ»، فَهَاجَرُوا فِرَارًا بِدِينِهِم، وَأَرسَلَت قُرَيشٌ عَمرَو بنَ العَاصِ وَعَبدَ اللهِ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِالهَدَايَا لِإِرجَاعِهِم، فَوَقَفَ جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَمَامَ النَّجَاشِيِّ يَصدَعُ بِحَقِيقَةِ الإِسلَامِ وَيَتلُو آيَاتِ سُورَةِ مَريَمَ حَتَّى بَكَى النَّجَاشِيُّ وَاخضَلَّت لِحيَتُهُ وَأَسلَمَ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَتَحَوَّلَتِ المِحنَةُ إِلَى فَتحٍ جَدِيدٍ لِلدَّعوَةِ خَارِجَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ! المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ: إِسلَامُ أَسَدِ اللهِ حَمزَةَ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ وَالفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا (السَّنَةُ السَّادِسَةُ مِنَ البِعثَةِ): وَكَانَ إِسلَامُهُمَا استِجَابَةً لِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ بِأَحَبِّ هَذَينِ الرَّجُلَينِ إِلَيكَ: بِأَبِي جَهلٍ أَو بِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ» (رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ)، فَلَمَّا أَسلَمَ حَمزَةُ ثُمَّ أَسلَمَ عُمَرُ، خَرَجَ المُسلِمُونَ فِي صَفَّينِ عَلَى رَأسِ أَحَدِهِمَا حَمزَةُ وَعَلَى رَأسِ الآخَرِ عُمَرُ حَتَّى دَخَلُوا المَسجِدَ الحَرَامَ وَصَلَّوا جَهرًا عِندَ الكَعبَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «مَا زِلنَا أَعِزَّةً مُنذُ أَسلَمَ عُمَرُ»! المَحَطَّةُ الرَّابِعَةُ: الحِصَارُ الشَّامِلُ فِي شِعبِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعجِزَةُ الأَرَضَةِ (مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ إِلَى العَاشِرَةِ مِنَ البِعثَةِ): حِينَ رَأَت قُرَيشٌ أَنَّ الإِسلَامَ يَنتَشِرُ فِي القَبَائِلِ، اجتَمَعُوا فِي خَيفِ بَنِي كِنَانَةَ وَكَتَبُوا صَحِيفَةً ظَالِمَةً غَاشِمَةً وَعَلَّقُوهَا فِي جَوفِ الكَعبَةِ: أَلَّا يُنَاكِحُوا بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ، وَلَا يُبَايِعُوهُم، وَلَا يُجَالِسُوهُم، وَلَا يُدخِلُوا إِلَيهِم طَعَامًا، حَتَّى يُسلِمُوا إِلَيهِم رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِلقَتلِ! فَحُوصِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَمَن مَعَهُ فِي شِعبِ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثَ سِنِينَ كَامِلَةً؛ قُطِعَت عَنهُمُ الأَرزَاقُ وَالأَقوَاتُ، حَتَّى أَكَلُوا وَرَقَ الشَّجَرِ وَالجُلُودَ اليَابِسَةَ، وَكَانَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَجِدُ قِطعَةَ جِلدِ البَعِيرِ اليَابِسَةَ فَيَغسِلُهَا وَيَحرِقُهَا بِالنَّارِ وَيَرُضُّهَا بِالحَجَرِ وَيَستَفُّهَا بِالمَاءِ، وَكَانَت أَصوَاتُ الصِّبيَةِ وَالأَطفَالِ تَتَعَالَى مِن وَرَاءِ الشِّعبِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ! وَمَعَ ذَلِكَ صَمَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتُهُ صُمُودَ الجِبَالِ، حَتَّى أَرسَلَ اللهُ حَشَرَةَ «الأَرَضَةِ» فَأَكَلَت كُلَّ ظُلمٍ وَقَطِيعَةٍ فِي تِلكَ الصَّحِيفَةِ وَلَم تَترُكْ فِيهَا إِلَّا اسْمَ اللهِ تَعَالَى، وَأَطلَعَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِالوَحيِ، فَانكَسَرَ الحِصَارُ وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعَزَّ مَا كَانَ! المَحَطَّةُ الخَامِسَةُ: عَامُ الحُزنِ، وَرحلَةُ الطَّائِفِ، وَتَكرِيمُ الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ، وَبَيعَتَا العَقَبَةِ: فِي السَّنَةِ العَاشِرَةِ مِنَ البِعثَةِ تُوُفِّيَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ الَّذِي كَانَ يَحمِيهِ فِي الظَّاهِرِ، وَتُوُفِّيَت زَوجُهُ الوَفِيَّةُ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا الَّتِي كَانَت تُؤَازِرُهُ فِي البَاطِنِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيهِ إِلَى الطَّائِفِ يَعرِضُ الإِسلَامَ عَلَى ثَقِيفٍ، فَرَدُّوهُ أَقبَحَ رَدٍّ، وَأَغرَوا بِهِ سُفَهَاءَهُم يَرمُونَهُ بِالحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَت عَقِبَاهُ الشَّرِيفَتَانِ! فَلَمَّا ضَاقَت عَلَيهِ الأَرضُ، فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ السَّمَاءِ فِي مُعجِزَةِ «الإِسرَاءِ وَالمِعرَاجِ»، ثُمَّ جَهَرَ بِدَعوَتِهِ لِلقَبَائِلِ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ حَتَّى هَيَّأَ اللهُ لَهُ الأَنصَارَ مِنَ الأَوسِ وَالخَزرَجِ فِي بَيعَةِ العَقَبَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ، لِيَبدَأَ عَصرُ الهِجرَةِ وَإِقَامَةِ دَولَةِ الإِسلَامِ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ! أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، نَاصِرِ المُؤمِنِينَ وَمُذِلِّ المُستَكبِرِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ إِمَامُ الصَّابِرِينَ وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَتَأَمَّلُوا مَا نَستَخلِصُهُ اليَومَ لِوَاقِعِنَا وَحَيَاتِنَا مِن دُرُوسٍ عَظِيمَةٍ وَعِبَرٍ بَالِغَةٍ مِن مَرحَلَةِ الجَهرِ بِالدَّعوَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ: الدَّرسُ الأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الدِّينَ العَظِيمَ لَم يَصِلْ إِلَينَا عَلَى أَطبَاقٍ مِن ذَهَبٍ وَلَا فُرُشٍ مِن حَرِيرٍ، بَل وَصَلَ إِلَينَا عَلَى جِسرٍ مِنَ التَّضحِيَاتِ العِظَامِ؛ بِدِمَاءِ قَدَمَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّائِفِ، وَجُوعِهِ وَحِصَارِهِ فِي الشِّعبِ، وَثَبَاتِ بِلَالٍ تَحتَ الصَّخرَةِ، وَدِمَاءِ سُمَيَّةَ وَيَاسِرٍ، وَتَضحِيَاتِ الصِّدِّيقِ وَالفَارُوقِ وَابنِ مَسعُودٍ وَخَبَّابٍ وَمُصعَبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ! فَيَا عَجَبًا لِمَن يَعيشُ اليَومَ آمِنًا فِي بَيتِهِ ثُمَّ يَتَثَاقَلُ عَن صَلَاةِ الفَجرِ، أَو يَستَحيِي مِن إِظهَارِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أَو يُفَرِّطُ فِي ثَوَابِتِ دِينِهِ وَعَقِيدَتِهِ أَمَامَ أَدنَى مَوجَةٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ أَوِ الشَّهَوَاتِ! الدَّرسُ الثَّانِي: أَنَّ سُنَّةَ الِابتِلَاءِ وَالتَّمحِيصِ سُنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لَا تَتَبَدَّلُ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَطلَعِ سُورَةِ العَنكَبُوتِ الَّتِي نَزَلَت فِي خِضَمِّ عَذَابِ المُستَضعَفِينَ بِمَكَّةَ: ﴿الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١–٣]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]! الدَّرسُ الثَّالِثُ: أَنَّ الحِصَارَ وَالمَكرَ وَالكَيدَ -مَهمَا اشتَدَّ وَطَالَ عَلَى أَهلِ الإِيمَانِ وَالحَقِّ- فَإِنَّ مَصِيرَهُ إِلَى الزَّوَالِ وَالانكِسَارِ! فَكَمَا أَرسَلَ اللهُ الأَرَضَةَ الضَّعِيفَةَ فَمَزَّقَت صَحِيفَةَ قُرَيشٍ الظَّالِمَةَ فِي جَوفِ الكَعبَةِ، وَكَمَا أَهلَكَ المُستَهزِئِينَ الخَمسَةَ فِي لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ تَصدِيقًا لِقَولِهِ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، وَكَمَا صَرَعَ طَوَاغِيتَ مَكَّةَ فِي قَلِيبِ بَدرٍ، فَإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَكسِرَ كُلَّ حِصَارٍ وَيَردَّ كَيدَ كُلِّ مُعتَدٍ أَثِيمٍ إِلَى نَحرِهِ، وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ! الدَّرسُ الرَّابِعُ: أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى اللهِ يَبدَأُ بِأَهلِهِ وَعَشِيرَتِهِ الأَقرَبِينَ كَمَا بَدَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وَيَجمَعُ فِي دَعوَتِهِ بَينَ الجَهرِ بِالحَقِّ وَالصَّبرِ الجَمِيلِ، وَالإِعرَاضِ عَنِ الجَاهِلِينَ، وَخَفضِ الجَنَاحِ لِلمُؤمِنِينَ، وَالِاعتِصَامِ بِالتَّسبِيحِ وَالسُّجُودِ وَالقُرآنِ الكَرِيمِ. فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَاستَمسِكُوا بِعُروَةِ دِينِكُمُ الوُثقَى، وَاقتَدُوا بِنَبِيِّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتِهِ الأَبرَارِ فِي ثَبَاتِهِم وَصَبرِهِم وَيَقِينِهِم، وَرَبُّوا أَبنَاءَكُم عَلَى مَحَبَّتِهِم وَدِرَاسَةِ سِيرَتِهِم، تَفُوزُوا بِالعِزَّةِ فِي الدُّنيَا وَمُرَافَقَتِهِم فِي الفِردَوسِ الأَعلَى يَومَ القِيَامَةِ! أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ المُبِينِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، مِنهُمُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعدَاءَ الدِّينِ، وَانصُرْ عِبَادَكَ المُوَحِّدِينَ المُستَضعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى الإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ كَمَا ثَبَّتَّ نَبِيَّكَ وَأَصحَابَهُ فِي مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَاحشُرنَا فِي زُمرَتِهِم، وَأَورِدنَا حَوضَهُ الشَّرِيفَ، وَاسقِنَا مِن يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَربَةً هَنِيئَةً لَا نَظمَأُ بَعدَهَا أَبَدًا. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.