🌸 رجلان غَيَّرا مَسارَ التَّاريخ... مُصعَب وسَعد، وماذا نَتَعَلَّم منهما؟
#درس_علمي #موعظة_نسائية #سيرة_الصحابة #مصعب_بن_عمير #سعد_بن_معاذ #تربية_الأبناء #لطلبة_العلم
الحمدُ للهِ الذي كَرَّمَ المرأةَ المُؤمنةَ بالإيمان، وجَعَلَ لها في دينِهِ مَقاماً كريماً، وجَعَلَ مجالسَ الذِّكرِ رِياضاً من رِياضِ الجنَّةِ تَرتَعُ فيها القلوبُ المُشتَاقَة. وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نبيِّنا مُحمَّدٍ، الذي بعثه اللهُ مُعلِّماً ومُربِّياً، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وأزواجِهِ أمَّهاتِ المُؤمنين، وعلى الصَّحابيَّاتِ الطَّاهرات، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
أخواتي الحبيبات، السَّلامُ عليكُنَّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
مَجلسُنا اليومَ ليسَ مَجلساً عادياً، بل هو رِحلَةٌ نَطوي فيها الزَّمانَ والمكان، لِنَعودَ إلى الوراءِ أربعةَ عَشَرَ قَرناً. سنُسافِرُ معاً بأرواحِنا إلى أزِقَّةِ مَكَّةَ المُكرَّمَة، ثُمَّ إلى بَساتينِ المَدينةِ المُنَوَّرَة، لِنُشاهِدَ مَشهداً من أعظَمِ مَشاهِدِ صِناعَةِ التَّاريخ.
أخواتي الكريمات، لو سَألتُكُنَّ الآن: كَم يَحتاجُ الدَّاعيةُ أو المُصلِحُ من الوَقتِ لِيُغَيِّرَ مُجتَمَعاً بِأكمَلِه؟ بَل كَم نَحتاجُ نحنُ كَأُمَّهاتٍ من السِّنينَ لِنَبنِيَ عَقيدةً راسِخَةً في قُلوبِ أبنائِنا؟
ستقولونَ: نَحتاجُ عُمراً بأكملِه.
ولكِنَّني اليومَ سأحدِّثُكُنَّ عن رَجُلَين؛ أحَدُهما غَيَّرَ مَدينةً كامِلَةً في أقَلَّ مِن سَنَة، والآخَرُ عاشَ في الإسلامِ سِتَّ سَنَواتٍ فَقط... سِتَّ سَنَواتٍ ليسَ غَير، ولكِن لَمَّا مات، اهتَزَّ لِمَوتِهِ عَرشُ الرَّحمن!
رَجُلانِ يُمثِّلانِ نُقطَةَ التَّحَوُّلِ الكُبرى في تاريخِ الإسلام: مُصعَبُ بنُ عُمَير، العَبدُ العابِدُ الدَّاعية، وسَعدُ بنُ مُعاذ، السَّيِّدُ القائِدُ النَّاصِر. رضي اللهُ عنهما.
فأَعِرنَني القُلوبَ والأسماعَ يا رعاكُنَّ الله، فواللهِ إنَّ في قِصَّتِهِما بَلْسَماً لِكُلِّ أُمٍّ تُربِّي، ولِكُلِّ أُختٍ تَدعو، ولِكُلِّ قَلبٍ يَبحَثُ عن مَعنى الصِّدقِ مع الله.
أوَّلاً: فَتَى مَكَّةَ المُدَلَّل... المُهاجِرُ إلى الله
تَخَيَّلنَ معي يا أخواتي هذا المَشهَد... في مَكَّةَ قَبلَ الهِجرَة، كانَ هُناكَ شابٌّ يُسَمَّى مُصعَبَ بنَ عُمَير. لَم يَكُن شاباً عادياً، كانَ "أَنعَمَ غُلامٍ بِمَكَّة". أُمُّهُ خُناسُ بنتُ مالِك، كانَتِ امرأةً ثَرِيَّةً قَوِيَّةَ الشَّخصيَّة، تُحِبُّهُ حُبّاً جَمّاً، وتُلبِسُهُ أفضَلَ الثِّياب، وتُعَطِّرُهُ بأغلى العُطور. كانَ إذا مَرَّ في طَريقٍ بِمَكَّة، عَرَفَ النَّاسُ أنَّ مُصعَباً قَد مَرَّ مِن هُنا مِن ريحِ عِطرِه. شَبابُهُ غَضٌّ، وحَياتُهُ مُرَفَّهَة، وكلُّ ما يَشتَهيهِ رَهنَ إشارَتِه.
ثُمَّ سَمِعَ هذا الشَّابُّ الرَّقيقُ المُدَلَّلُ بدَعوَةِ مُحمَّدٍ ﷺ. تَسَلَّلَ في اللَّيلِ إلى دارِ الأرقَمِ بنِ أبي الأرقَم. جَلَسَ أمامَ النَّبيِّ ﷺ، سَمِعَ القُرآن، فلامَسَت كَلِماتُ اللهِ شَغافَ قَلبِه. في تِلكَ اللَّحظَة، اتَّخَذَ مُصعَبٌ قَراراً سَيُكَلِّفُهُ كُلَّ شَيء... أسلَمَ مُصعَب.
عَلِمَت أُمُّهُ بإسلامِه. والأُمُّ التي كانَت تُغدِقُ عليهِ النِّعَم، انقَلَبَت إلى وَجهٍ آخَر. حَبَسَته، جَوَّعَته، مَنَعَت عَنهُ كُلَّ شَيء. خَرَجَ مُصعَبٌ مِن بَيتِهِ لا يَملِكُ دِرهَماً واحِداً. تَرَكَ الحَريرَ والعُطور، ولَبِسَ ثَوباً خَشِناً مُرَقَّعاً.
أخواتي، دَعونا نَقِف هُنا لَحظَة.
يقولُ النَّبيُّ ﷺ عِندما رآهُ يَوماً وعَلَيهِ ثَوبٌ مُرَقَّعٌ قَد تَمَزَّق: «لَقَد رَأيتُ مُصعَباً وما بِمَكَّةَ فَتًى أَنعَمَ عِندَ أَبَوَيهِ مِنهُ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ حُبّاً للهِ ولِرَسولِه».
سُبحانَ الله! كَم نَحمِلُ هَمَّ ألبِسَةِ أبنائِنا، وماركاتِ أحذِيَتِهم، ونَخافُ عليهِم مِن كَلِمَةٍ تَجرَحُهُم في المَدرَسَة! أُمُّ مُصعَبٍ وَفَّرَت لَهُ كُلَّ الدُّنيا، لكِنَّهُ أدرَكَ أنَّ القَلبَ لا يَشبَعُ بالحَرير، بَل يَشبَعُ بِمَعرِفَةِ الخالِق.
قالَ الإمامُ الذَّهَبيُّ يَصِفُ حالَه: "صارَ من شِدَّةِ الفَقرِ والجوعِ يَتَخَشَّفُ جِلدُهُ كما يَتَخَشَّفُ جِلدُ الحَيَّة". (أي يَتَقَشَّرُ ويَتَمَزَّق).
هذا هو الصِّدق! يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. ومُصعَبٌ أدرَكَ هذه الحَقيقَةَ وهُوَ في رَيعانِ شَبابِه.
ثانياً: السَّفيرُ الأوَّل... والمُهِمَّةُ المُستَحيلَة
بَعدَ بَيعَةِ العَقَبَةِ الأُولى، طَلَبَ أهلُ يَثرِب (المَدينة) مِن النَّبيِّ ﷺ أن يَبعَثَ مَعَهُم رَجُلاً يُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ ويُفَقِّهُهُم في الدِّين.
مَنِ اختارَ النَّبيُّ ﷺ لِهذِهِ المُهِمَّةِ العُظمى؟
لَم يَختَر رَجُلاً في السِّتِّينَ مِن عُمُرِه! بَل اختارَ هذا الشَّابَّ النَّحيل، مُصعَبَ بنَ عُمَير! رَجُلٌ واحِدٌ، سَيُسافِرُ إلى مَدينَةٍ لا يَعرِفُ فيها
أحَداً، لِيَكونَ "سَفيرَ الإسلامِ الأوَّل".
نَزَلَ مُصعَبٌ ضَيفاً على أسعَدَ بنِ زُرارَة. وبَدأَ يَتَجَوَّلُ في أزِقَّةِ المَدينة. هُنا يَبرُزُ سِلاحُ مُصعَب. لَم يَكُن سِلاحُهُ سَيفاً ولا رُمحاً. كانَ سِلاحُهُ: الابتِسامَةَ الهادِئَة، والخُلُقَ الدَّمِث، والآياتِ البَيِّنات.
وهُنا نَصِلُ إلى "اللَّحظَةِ الفاصِلَة"... اللَّحظَة التي اقتَرَنَ فيها اسمانِ عَظيمان.
ثالِثاً: اللِّقاءُ التَّاريخي... حينَ التَقى الهُدوءُ بالغَضَب
في يَثرِب، كانَ هُناكَ سَيِّدٌ مُطاع، ورَئيسٌ مَهيبٌ لِبَني عَبدِ الأشهَل، اسمُهُ سَعدُ بنُ مُعاذ. كانَ طَويلاً، جَسيماً، وَسيماً، إذا تَكَلَّمَ أُطيع. غَضِبَ سَعدٌ غَضَباً شَديداً مِن هذا "الغَريب" الذي جاءَ يُسَفِّهُ آلِهَتَهُم، ويَدعو شَبابَهُم لِدينٍ جَديد.
أخَذَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ حَربَتَه، وتَوَجَّهَ مُغضَباً إلى البُستانِ الذي يَجلِسُ فيهِ مُصعَبٌ مَعَ النَّاس يَقرأُ عليهِمُ القُرآن.
لَمَّا رآهُ أسعَدُ بنُ زُرارَة مُقبِلاً قالَ لِمُصعَب: "هذا سَيِّدُ قَومِهِ قَد جاءَك، فإن أسلَمَ لَم يَبقَ مِن قَومِهِ أحَدٌ إلَّا أسلَم، فاصدُقِ اللهَ فيه".
يا لَها مِن لَحظَةٍ حاسِمَة! المَوتُ يَقترِب، والسَّيِّدُ الغاضِبُ يَقِفُ أمامَ الشَّابِّ الأعزَل.
وَقَفَ سَعدٌ أمامَ مُصعَب، مُتَوَشِّحاً حَربَتَه، وقالَ بِصَوتٍ يَقطُرُ تَهْديداً: "ما جاءَ بِكَ إلينا؟ تُسَفِّهُ ضُعَفاءَنا؟ اعتَزِلنا إن كانَ لَكَ في نَفسِكَ حاجَة!".
أخواتي، تَخَيَّلنَ المَشهَد. لَو أنَّ مُصعَباً رَدَّ بانفِعال، أو قَامَ يُجادِلُ ويَصرُخ، لَرُبَّما قُتِلَ في لَحظَتِها، ولَرُبَّما تَأخَّرَ إسلامُ المَدينَةِ سَنوات. ولكِنَّ التَّربِيَةَ النَّبَوِيَّةَ كانَت تَسري في عُروقِه.
رَفَعَ مُصعَبٌ وَجهَهُ، ونَظَرَ إلى سَعدٍ بابتِسامَةٍ واثِقَةٍ، وقالَ بِهُدوءٍ عَجيب:
«أَوَ تَجلِسُ فَتَسمَع؟ فَإن رَضيتَ أمراً قَبِلتَه، وإن كَرِهتَهُ كَفَفنا عَنكَ ما تَكرَه».
تَأمَّلنَ هذا الأَدَب! هذا هُوَ الحِوارُ الرَّاقي! "أوَ تَجلِسُ فَتَسمَع؟".
فُوجِئَ سَعدٌ بِهذا الهُدوء، وقال: "أنصَفتَ". وغَرَزَ حَربَتَهُ في الأرضِ وجَلَس.
وبَدَأَ مُصعَبٌ يَقرَأ. ماذا يَقرَأ؟ يَقرَأُ كَلامَ اللهِ الذي يَصدَعُ الجِبال. قَرَأ عليه آياتٍ مِن سُورَةِ (الزُّخرُف) أو (حم السَّجدة).
يَقولُ الرُّواةُ الذينَ حَضَروا المَشهَد: "واللهِ لَعَرَفنا في وَجهِ سَعدٍ الإسلامَ قَبلَ أن يَتَكَلَّم! في إشراقِهِ وتَسَهُّلِه". نورُ القُرآنِ كَسَرَ صَلابَةَ الشِّركِ في قَلبِهِ في دَقائِق!
التَفَتَ سَعدٌ إلى مُصعَبٍ وقال: "ما أحسَنَ هذا الكَلامَ وما أجمَلَه! كَيفَ تَصنَعونَ إذا أَرَدتُم أن تََدخُلوا في هذا الدِّين؟".
قالَ مُصعَب: "تَغتَسِلُ، وتُطَهِّرُ ثَوبَك، ثُمَّ تَشهَدُ شَهادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكعَتَين".
فَقامَ سَعد، فاغتَسَل، وشَهِدَ أن لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله.
في جَلسَةٍ واحِدَة، غَيَّرَت كَلِماتٌ هادِئَةٌ وتِلاوَةٌ خاشِعَةٌ مَسارَ التَّاريخ.
سُبحانَ الله! كم نَحتاجُ هذا الخُلُقَ في بُيوتِنا يا أخواتي! في تَعامُلِكِ مع زَوجِكِ الغاضِب، في تَعامُلِكِ مع ابنِكِ العَنيد. الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تَكسِرُ الحَجَر. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
رابِعاً: سَعدُ بنُ مُعاذ... السَّيِّدُ الذي صَدَقَ الله
لَم يَكتَفِ سَعدٌ بأن أسلَم. السَّيِّدُ الحَقيقيُّ لا يَحتَفِظُ بالخَيرِ لِنَفسِه.
أخَذَ حَربَتَهُ وعادَ إلى قَومِه (بني عَبدِ الأشهَل). لَمَّا رَأوهُ مُقبِلاً، قالوا: "نَحلِفُ بِالله، لَقَد رَجَعَ إلَيكُم سَعدٌ بِغَيرِ الوَجهِ الذي ذَهَبَ بِه". نورُ الإيمانِ يَفضَحُ صاحِبَه!
وَقَفَ سَعدٌ فيهِم، ونادى بأعلى صَوتِه: "يا بَني عَبدِ الأشهَل، كَيفَ تَعلَمونَ أمري فيكُم؟".
قالوا: "سَيِّدُنا وأفضَلُنا رَأياً".
فَقالَ الكَلِمَةَ الحَاسِمَة: «فإنَّ كَلامَ رِجالِكُم ونِسائِكُم عَلَيَّ حَرامٌ حَتَّى تُؤمِنوا بِاللهِ ورَسولِه».
فَما أمسى في دارِ بَني عَبدِ الأشهَلِ رَجُلٌ ولا امرأةٌ إلَّا ومُسلِمٌ ومُسلِمَة!
يا الله! قَبيلَةٌ كامِلَةٌ تُسلِمُ قَبلَ غُروبِ الشَّمس، في صَحيفَةِ سَعدِ بنِ مُعاذ، وبِسَبَبِ دَعوَةِ مُصعَبِ بنِ عُمَير!
خامِساً: مَواقِفُ الثَّبات... والصِّدقُ في التَّضحِيَة
أخواتي الفاضِلات، مَرَّتِ الأيَّام، وهاجَرَ النَّبيُّ ﷺ إلى المَدينَة.
وهُنا يَجِبُ أن نَطرَحَ سُؤالاً: ما الذي جَعَلَ سَعداً يَبلُغُ تِلكَ المَنزِلَةَ العَظيمَةَ التي سَنَسمَعُ عَنها بَعدَ قَليل؟ الجَواب: الصِّدقُ في المَواقِف.
في غَزوَةِ بَدر، خَرَجَ المُسلِمونَ لِاعتِراضِ قافِلَة، فإذا بِهِم أمامَ جَيشِ قُرَيش. والنَّبيُّ ﷺ يَستَشيرُهُم، ويُريدُ أن يَعرِفَ مَوقِفَ الأنصارِ (أهلِ المَدينَة).
فَوَقَفَ سَعدُ بنُ مُعاذ، يُمثِّلُ رَئيسَ الأنصار، وقالَ كَلِماتٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب:
«يا رَسولَ الله، آمَنَّا بِك، وصَدَّقناك، وشَهِدنا أنَّ ما جِئتَ بِهِ هُوَ الحَقّ... فَامضِ يا رَسولَ اللهِ لِما أَرَدتَ فَنَحنُ مَعَك. فَوَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَوِ استَعرَضتَ بِنا هذا البَحرَ فَخُضتَهُ لَخُضناهُ مَعَك، ما تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ واحِد! إنَّا لَصُبُرٌ في الحَربِ، صُدُقٌ في اللِّقاء، ولَعَلَّ اللهَ يُريكَ مِنَّا ما تَقَرُّ بِهِ عَينُك».
فَسُرَّ النَّبيُّ ﷺ وأشرَقَ وَجهُه.
هذا هُوَ الرَّجُلُ الذي يَتَحَمَّلُ المَسؤوليَّة. لم يَقُل "هذه مَعركتُك يا مُحمَّد"، بَل قال "أرواحُنا فِداك". قال تَعالى في أمثالِهِم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23].
وفي غَزوَةِ أُحُد، حَيثُ امتَحَنَ اللهُ الصُّفوف، استُشهِدَ السَّفيرُ الأوَّل... استُشهِدَ مُصعَبُ بنُ عُمَير.
الشَّابُّ المُدَلَّل، ماتَ وهو يَحفَظُ لِواءَ النَّبيِّ ﷺ. لَمَّا أرادوا تَكفينَه، لَم يَجِدوا إلَّا بُردَةً قَصيرَة. إذا غَطَّوا رَأسَهُ بَدَت قَدَماهُ، وإذا غَطَّوا قَدَمَيهِ بَدا رَأسُه! فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «غَطُّوا بِها رَأسَهُ، واجعَلوا على رِجلَيهِ مِنَ الإذخِرِ (نَباتٌ ذو رائِحَة)».
وَقَفَ النَّبيُّ ﷺ على جُثمانِهِ الطَّاهِرِ، وقَرَأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾... وبَكى خَيرُ البَرِيَّة.
مُصعَبٌ لَم يَشهَد فَتحَ مَكَّة، ولَم يَشهَدِ الغَنائِم. قَدَّمَ رُوحَهُ، ومَضى إلى رَبِّهِ خَفيفاً مِن أثقالِ الدُّنيا، ثَقيلاً في ميزانِ السَّماء.
سادِساً: النِّهايَةُ العَظيمَة... عِندَما يَهتَزُّ العَرش!
نَأتي الآنَ إلى غَزوَةِ الخَندَق.
في هذه الغَزوَةِ العَصيبَة، التي زاغَت فيها الأبصارُ وبَلَغَتِ القُلوبُ الحَناجِر، أُصيبَ سَعدُ بنُ مُعاذٍ بِسَهمٍ في الأَكحَل (عِرقٌ في الذِّراعِ لا يَنقَطِعُ نَزيفُه). فَدَعا سَعدٌ دَعوَةً عَجيبَة، قال: "اللَّهُمَّ إن كُنتَ أبقَيتَ مِن حَربِ قُرَيشٍ شَيئاً فأَبقِني لَها، وإن كُنتَ وَضَعتَ الحَربَ بَينَنا وبَينَهُم فاجعَلها لي شَهادَة، ولا تُمِتني حَتَّى تُقِرَّ عَيني مِن بَني قُرَيظَة" (اليهود الذين خانوا العَهدَ في أحرَجِ اللَّحَظات).
فاستَجابَ اللهُ دُعاءَه، وتَوَقَّفَ نَزيفُهُ بأُعجوبَة. حَتَّى إذا نَزَلَ بَنو قُرَيظَةَ على حُكمِ سَعد، حَكَمَ فيهِم بِحُكمِ اللهِ مِن فَوقِ سَبعِ سَماوات، ورَفَعَ الظُّلمَ والخِيانَة.
ولَمَّا قَرَّت عَينُه... انفَجَرَ الجُرحُ مَرَّةً أُخرى.
أخواتي، أنصِتنَ بِقُلوبِكُنَّ لِهذا المَشهَد...
فاضَت رُوحُ سَعدِ بنِ مُعاذٍ إلى باريها. فَنَزَلَ جِبريلُ عليهِ السَّلامُ إلى النَّبيِّ ﷺ وقال: "يا مُحمَّد، مَن هذا المَيِّتُ الذي فُتِحَت لَهُ أبوابُ السَّماء، واهتَزَّ لَهُ عَرشُ الرَّحمن؟".
خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ مُسرِعاً يَجُرُّ ثَوبَهُ إلى خَيمَةِ سَعد، فَوَجَدَهُ قَد فارَقَ الحَياة.
وصَحَّ في الحَديثِ المتَّفقِ عَليه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اهتَزَّ عَرشُ الرَّحمنِ لِمَوتِ سَعدِ بنِ مُعاذ».
سُبحانَ الله! يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمهُ الله، وكَذا ذَكَرَ بَعضُ العُلماء: إنَّما اهتَزَّ العَرشُ فَرَحاً بِمَقدَمِ روحِهِ، واستِبشاراً بِهِ!
مَن هُوَ سَعد؟
أسلَمَ وعُمرُهُ إحدى وثَلاثونَ سَنَة. وماتَ وعُمرُهُ سَبعٌ وثَلاثونَ سَنَة.
سِتُّ سَنَواتٍ فَقَط في الإسلام!
سِتُّ سَنَواتٍ جَعَلَت أبوابَ السَّماءِ تُفتَحُ لَه، ويَنزِلُ سَبعونَ ألفَ مَلَكٍ لِيَشهَدوا جِنازَتَه، ويَهتَزُّ لَهُ عَرشُ مَلِكِ المُلوك!
يا أَلله! كَم مِنَّا عاشَت في الإسلامِ أربَعينَ أو خَمسينَ سَنَة؟ كَم صَلَّينا؟ كَم صُمنا؟ لكِنَّ السِّرَّ ليسَ في عَدَدِ السِّنين، بَل السِّرُّ فيما وُقِرَ في القَلبِ مِنَ الصِّدق، والإخلاص، والبَذلِ لِهذا الدِّين.
سَعدٌ لَم يُعطِ الإسلامَ "فَضلَ وَقتِه"، بَل أعطاهُ "كُلَّ نَبضِه". سَعدٌ لَم يَتَرَدَّد لَحظَةً في نُصرَةِ نَبِيِّه. الصِّدقُ هُوَ الذي يَرفَعُ الرِّجال!
سابِعاً: نَحنُ... في مِرايَا مُصعَب وسَعد
أخواتي الحَبيبات، قَد تَقولُ الواحِدَةُ مِنكُنَّ الآن: هذا زَمانٌ مَضى، وهؤلاءِ رِجالٌ لا نَبلُغُ مَبلَغَهُم، ونحنُ نِساءٌ ضَعيفات، بُيوتُنا ومَسؤوليَّاتُنا تَأخُذُ أوقاتَنا، فَما مَحَلُّنا مِن هذه القِصَّة؟
أقولُ لَكُنَّ: لا... بَل نَحنُ في قَلبِ المَعرَكَة، ونَحنُ قادِراتٌ بِمَنِّ الله.
أوَّلاً: مَن الذي صَنَعَ أمثالَ مُصعَبٍ وسَعد؟ أليسَت وراءَ كُلِّ بَطَلٍ أُمٌّ رَبَّت؟ ومُؤمِنَةٌ صَبَرَت؟ أخواتي، إنَّنا اليومَ بِحاجَةٍ إلى "أُمَّهاتٍ" يَصنَعنَ رِجالاً. نَحتاجُ إلى أُمٍّ تَزرَعُ في قَلبِ ابنِها أنَّهُ خُلِقَ لِغايَةٍ عَظيمَة، لا لِيَعيشَ أسيراً لِشاشَةِ هاتِف، أو لِيَتَفاخَرَ بِمُوضَةِ لِباس. رَبُّوا
أبناءَكُم على سِيَرِ هؤلاءِ الأبطال. قُصُّوا عليهِم قِصَّةَ مُصعَبٍ قَبلَ النَّوم، ودَعوهُم يَحلُمونَ بأن يَكونوا مِثلَه.
ثانياً: قُوَّةُ الكَلِمَةِ الهادِئَة. تَعَلَّموا مِن مُصعَبٍ كَيفَ واجَهَ غَضَبَ سَعد: «أَوَ تَجلِسُ فَتَسمَع؟». كَم خِلافٍ زَوجيٍّ كانَ يُمكِنُ أن يُحَلَّ بـ "أَوَ تَجلِسُ فَتَسمَع؟". كَم مُشكِلَةٍ مَعَ ابنٍ مُراهِقٍ تَنطَفِئُ إذا قابَلنا تَمَرُّدَهُ بِصَدرٍ واسِعٍ وابتِسامَةٍ حانِيَة، وقُلنا لَهُ بِرِفق: "أسمِعني ما لَدَيك"؟ الدَّعوَةُ والإصلاحُ في بَيتِكِ يَبدَأُ بِحِلمِكِ وحِكمَتِك.
ثالثاً: التَّعَلُّقُ باللهِ لا بالدُّنيا. مُصعَبٌ تَرَكَ العُطورَ والحَريرَ لِيَلبَسَ الخُشونَة، فَعَوَّضَهُ اللهُ بالجَنَّة. ونحنُ اليوم، تُرهِقُنا المُقارَناتُ في وسائِلِ التَّواصُل. هذه نَشَرَت صورَةَ بَيتِها، وتِلكَ صَوَّرَت سَفَرَها، والأُخرى استَعرَضَت حُليَّها! فَيَدخُلُ الغَمُّ على قَلبِ الزَّوجَة، وتَشتَكي لِزَوجِها.
تَذَكَّري مُصعَباً... وتَذَكَّري أنَّ ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. لا تَبيعِي سَكينَةَ بَيتِكِ ورِضا رَبِّكِ مِن أجْلِ مَظاهِرَ كاذِبَةٍ تَزولُ مَعَ أوَّلِ رِيح.
رابعاً: العُمُرُ ليسَ بالوقتِ بَل بالبَرَكَة. سَعدٌ عاشَ 6 سَنَواتٍ في الإسلام. لا تَقولي "أنا كَبِرتُ" أو "فاتَني الوَقت". في هذه اللَّحظَة، جَدِّدي نِيَّتَكِ مَعَ الله. إن كُنتِ في المَطبَخ، فاحتَسِبي إطعامَ أُسرَتِكِ لله. إن كُنتِ تُذاكِرينَ لِطِفلِك، فاحتَسِبي أنَّكِ تُنَشِّئينَ مُسلِماً يَنفَعُ الأُمَّة. النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ تُحَوِّلُ العاداتِ المُملَّةَ إلى عِباداتٍ يَهتَزُّ لَها عَرشُ الرَّحمن. قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات».
ثامِناً: الوَصِيَّةُ العَمَلِيَّة
أخواتي الحبيبات، قبلَ أن تَخرُجنَ مِن هذا المَجلسِ المُبارَك، أضَعُ بَينَ أيديكُنَّ خَمسَ وَصايا عَمَليَّة، لتَكونَ مِيثاقاً بيننا بَعدَ أن سَمِعنا هذه السِّيرةَ العَطِرة:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدي نِيَّتَكِ الليلة. اسألي نَفسَكِ: لِماذا أفعَلُ ما أفعَل؟ واجعَلي للهِ نَصيباً في كُلِّ حَرَكَةٍ وسَكَنَةٍ في بَيتِك. إنْ صَدَقتِ مَعَ اللهِ، صَدَقَكِ الله.
الثانية (لِسانيَّة): إذا واجَهتِ غَضَباً (مِن زَوج، أو وَلَد، أو قَريب)، فَتَذَكَّري كَلِمَةَ مُصعَب. امسِكي لِسانَكِ لَحظَة، وتَنَفَّسي، ورُدِّي بِالَّتي هِيَ أحسَن.
الثالثة (عَمَليَّة): اجعَلي لِنَفسِكِ خَبيئَةً مِن عَمَلٍ صالِحٍ لا يَعلَمُ بِهِ أحَدٌ إلَّا الله. صَلاةُ لَيل، أو صَدَقَةٌ خَفِيَّة، أو دَمعَةٌ في خَلوَة... لِتَكونَ زادَكِ يَومَ تَقِفينَ بَينَ يَدَيه.
الرابعة (اجتماعيَّة): خَصِّصي وَلَو عَشرَ دَقائِقَ غَداً، اجمَعي أبناءَكِ أو مَن تَرعينَهم، واقصُصي عَليهِم قِصَّةَ سَعدِ بنِ مُعاذٍ أو مُصعَب. لا تَترُكيهِم لِقِصَصِ المُسَلسَلاتِ الوَهمِيَّة!
الخامسة (موضوعيَّة): لا تَحْتَقِري جُهدَكِ أبداً. المرأةُ التي تُصلِحُ بَيتَها تُصلِحُ أُمَّة. أنتِ تَصنَعينَ المُستَقبَلَ من داخِلِ جُدرانِ بَيتِك، فاحتَسِبي هذا الجُهدَ العَظيمَ عِندَ رَبٍّ كَريم.
تاسِعاً: الدُّعاء
أخواتي، نَرفَعُ أكُفَّ الضَّراعَةِ إلى مَن لا يَرُدُّ سائِلاً، ونَحنُ في مَجلِسٍ تَحُفُّهُ المَلائِكَةُ بِإذنِ الله:
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ حُبَّك، وحُبَّ مَن يُحِبُّك، وحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنا إلى حُبِّك.
اللَّهُمَّ كَما رَفَعتَ ذِكرَ مُصعَبٍ وسَعدٍ في الدُّنيا والآخِرَة، فارزُقنا صِدقاً كَصِدقِهِم، ويَقيناً كَيَقينِهِم، وبَذلاً لِدينِكَ كَبَذلِهِم.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن عِبادِكَ المُؤمِناتِ القانِتاتِ الصَّادِقات.
اللَّهُمَّ بارِك لَنا في أبنائِنا وبَناتِنا، واجعَلهُم قُرَّةَ عَينٍ لَنا في الدُّنيا والآخِرَة. اللَّهُمَّ نَبِّتهُم نَباتاً حَسَناً، واجعَلهُم هُداةً مُهتَدين، لا ضالِّينَ ولا مُضِلِّين، واجعَل فيهِم مِن أمثالِ مُصعَبٍ وسَعد.
اللَّهُمَّ ألهِمنا الصَّبرَ عِندَ الضِّيق، والشُّكرَ عِندَ العَطاء، واليَقينَ عِندَ الفِتَن.
اللَّهُمَّ ارزُقنا بُيوتاً ساكِنَة، ومَوَدَّةً دائِمَة، ورَحمَةً تَغمُرُ قُلوبَنا.
اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِ النِّساءِ المُصابات، والمَكلومات، وثَكلى الأولاد، في فِلَسطينَ وفي كُلِّ بُقعَةٍ مِن بِقاعِ المُسلِمين. اللَّهُمَّ كُن لَهُنَّ ناصِراً ومُعيناً، واجْبُر كَسرَهُنَّ يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك، وخَيرَ أعمالِنا خَواتيمَها، ولا تَقْبِضْنا إلَّا وأنتَ راضٍ عَنَّا يا رَبَّ العالَمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نَبِيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وأزواجِهِ أجمَعين.
والسَّلامُ عَلَيكُنَّ ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة،
وأمَّا أنتِ أيَّتُها الأخت الداعية الكريمة — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُكِ لا يُغنيكِ، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَئيها قبل أن تُلقيها، وحَقِّقي آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسيها ثوبَ تَجربَتكِ وبَصمَة قَلبِكِ وعَيشَ لُغَتكِ. المَجلسُ أمانةٌ يَسألكِ اللهُ عنها، وما يُلقى فيه تَحمِلُه صاحبتُه وَحدَها. وإن أرَدتِ تَطويرها فاكتُبي طَلَبَكِ واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.