🕌 غُربَةُ الدِّينِ في بِلادِ الغَرب... ثَباتُ الشَّبابِ ومَسؤوليَّةُ الآباء
#خطبة_جمعة #المسلم_في_الغرب #الشباب #التربية #الثبات_على_الدين #عقيدة #أسرة
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإيمانَ في القُلوبِ نُوراً يَهدي به مَن يَشاء، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَبتَلي عبادَهُ بالغُربَةِ لِيَرفَعَ دَرَجاتِهم ويُعَظِّمَ أُجورَهم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الغُرَباءِ وقائدُ الأتقياءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
أيها الإخوةُ المؤمنون، هل تَأمَّلتُم يوماً مشهدَ قاربٍ صغيرٍ يَشُقُّ عُبابَ بَحرٍ هائج؟ الأمواجُ تَلطِمُه من كُلِّ جانب، والرِّياحُ تَدفَعُه بغيرِ وِجهَتِه، والمِحَنُ تُحيطُ به من كُلِّ مَكان، وليسَ لَهُ من طَوقِ نَجاةٍ إلا مِقوَدٌ ثابِتٌ وبُوصلةٌ لا تُخطِئ. هذا القاربُ الصغيرُ في وسطِ العاصفة... هو قَلبُ الشَّابِ المسلمِ، وقَلبُ الفتاةِ المسلمةِ، الذين يَعيشون اليومَ في دُولِ الغَرب ومُجتَمَعاتِه.
يا عبادَ الله، إنَّ الحديثَ اليومَ ليسَ كحَديثِ الأمسِ، والواقِعَ الذي تَعيشُهُ أُسَرُنا وشَبابُنا في تِلكَ البِلادِ لم يَعُد يَحتَمِلُ المُجامَلةَ ولا التَّأجيل. لقد هاجَرَ الكَثيرونَ بَحثاً عن رِزقٍ أوسَع، أو أمنٍ مَفقود، أو تَعليمٍ أفضَل، ولكنَّ السؤالَ الذي يَجِبُ أن نَطرحَهُ على أنفُسِنا بصدق: ما هو الثَّمَنُ الحقيقيُّ لهذه الهِجرَة؟ هل كَسِبنا الدُّنيا وخَسِرنا أغلى ما نَملِك؟ أينَ يَقِفُ أبناؤنا اليومَ من دِينِهم في خِضَمِّ هذا التَّيَّارِ الجارِف؟
يقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ كاشِفاً حَقيقةَ الصِّراع: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]. تأمَّلوا هذه الآيةَ العظيمة... إنَّها تَلخِّصُ واقِعَ المُسلِمِ في بِيئةٍ تُشرِّعُ الشَّهَواتِ وتُقَنِّنُها، بَل وتَفرِضُها فَرضاً على عُقولِ الصِّغارِ قبلَ الكِبار. لَم يَقُل ربُّنا "أن تَميلوا" فَحَسب، بل قال: ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾، أي انحِرافاً كامِلاً عَنِ الفِطرَةِ والدِّينِ والأخلاق.
أيها الشَّبابُ المُسلِم، يا مَن تَعيشونَ غُربَةَ الدِّينِ في مَدارِسِكم وجامِعاتِكم وأماكِنِ عَمَلِكم، نَحنُ نَعلَمُ واللهِ حَجمَ المُعاناة. نَعلَمُ أنَّ القَبضَ على دِينِكُم اليومَ أشبَهُ بِالقَبضِ على جَمرَةٍ مُشتَعِلة. تَرى زُمَلاءَكَ يَخوضونَ في الحَرامِ بغيرِ حِساب، وتَرى المُجتَمَعَ يُصَفِّقُ لِلمَعصيةِ ويَستَنكِرُ العِفَّة، وتَجِدُ نَفسَكَ وَحيداً في صَلاتِك، غَريباً في حِجابِكِ، مُتَّهَماً في التِزامِك.
ولكِن واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيمِ الذي يَسري بَرداً وسَلاماً في قُلوبِكُم، يَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» (رواه مسلم). يا سُبحانَ الله! كَلِمَةُ "طُوبَى" شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ يَسيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقطَعُها... لِمَن أُعِدَّت؟ للغُرَباءِ الذينَ ثَبَتوا حينَ تَغَيَّرَ النَّاس، واستَقاموا حينَ انحَرَفَ المُجتَمَع.
وإذا ضاقَت صُدورُكُم من هذه الغُربَة، فاستَحضِروا قِصَّةَ شابٍّ كانَ أشبَهَ بِكُم في المَوقِف، نَبِيِّ اللهِ يُوسُفَ عليهِ السَّلام. شابٌّ غَريبٌ، أُبعِدَ عَن أهلِه، وعاشَ في مُجتَمَعٍ لا يَعرِفُ التَّوحيد، مَفتوحِ الشَّهَوات، مُتَيَسِّرِ المَعاصي. وفي أوجِ شَبابِه، وفي قَصرِ العَزيز، غُلِّقَتِ الأبوابُ، وتَهَيَّأت أسبابُ المَعصِيَةِ كُلُّها، وامرأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ تَدعوهُ لِنَفسِها، ولا أحَدَ يَرى! أيُعقَلُ أن يَنجُوَ شابٌّ في هذا المَوقِف؟
لو خَلَوتَ بِنَفسِكَ في تِلكَ البِلادِ، مَن سَيُراقِبُك؟ هَل تَعصِمُكَ كاميراتُ المُراقَبَة أم يَمنَعُكَ قَانونُ البَلَد؟ لا والله، لا يَعصِمُكَ إلا ما عَصَمَ يُوسُفَ حينَ قالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَةَ الَّتي زَلزَلَت جُدرانَ القَصر: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: 23]. "مَعاذَ الله"... إنَّها دِرعُ الشَّابِّ المُسلِم في كُلِّ زَمانٍ ومَكان. لَقَد آثَرَ السِّجنَ وتَعَبَ الدُّنيا على أن يَخونَ فِطرَتَهُ ويَعصِيَ رَبَّه، فَماذا كانَتِ النَّتيجَة؟ مَلَّكَهُ اللهُ خَزائِنَ الأرض، وجَعَلَهُ سَيِّداً بَعدَ أن كانَ عَبدًا، لأنَّ مَن تَرَكَ شَيئاً للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيراً مِنه.
يا مَعاشِرَ الآباءِ والأُمَّهات، الكَلامُ الآنَ مَعَكُم، والمَسؤوليَّةُ الكُبرى مُلْقَاةٌ على كَواهِلكُم. يَقولُ العالِمُ الرَّبانيُّ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في كِتابِهِ "تُحفَةُ المَودود": "فَمَن أهمَلَ تَعليمَ وَلَدِهِ ما يَنفَعُهُ، وتَرَكَهُ سُدىً، فَقَد أساءَ إلَيهِ غايَةَ الإساءَةِ، وأكثَرُ الأولادِ إنَّما جاءَ فَسادُهُم مِن قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم".
لَقَد جِئتُم بِأبنائِكُم إلى هذه البِلاد... تُساهِرونَ اللَّيلَ وتُكابِدونَ النَّهارَ لِتَوفيرِ العَيشِ الكَريم، والمَلابِسِ الفاخِرَة، والتَّعليمِ الرَّاقي. تَبنونَ لَهُم مُستَقبَلاً في الدُّنيا، وهَذا جُهدٌ تُشكَرونَ عَليه. ولَكِن، ما الفائِدَةُ إن بَنَيتَ لِوَلَدِكَ قَصراً في الدُّنيا وقَد حَرَمْتَهُ خَيمَةً في الجَنَّة؟ كَيفَ نَطلُبُ مِنهُم الثَّباتَ ونَحنُ لم نَغرِس فيهِمُ الجُذور؟ أيُعقَلُ أن نُوَفِّرَ لَهُم أحدثَ الأجهِزَةِ ونَبخَلَ عَليهِم بِساعَةٍ في اليَومِ نُعَلِّمُهُم فيها كَلامَ الله؟
اسمعوا نِداءَ اللهِ لَكُم، نِداءً تَهتَزُّ لَهُ الجِبال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: 6]. ماذا لو وَقَفتَ بَينَ يَدَيِ اللهِ غَداً، وسَألَكَ عَن أبنائِكَ الَّذينَ ذابوا في تِلكَ المُجتَمَعات؟ هل تَظُنُّونَ أنَّ تَركَهُم لِلتَّيَّارِ الجارِفِ سَيُبقيهِم على الفِطرَة؟
في واقِعِنا المُعاصِر، نَرى مَشاهِدَ تُدمي القَلب. أبٌ يَعمَلُ سِتَّ عَشرَةَ ساعَةً في اليَوم لِيَدفَعَ أقساطَ مَنزِلِه، يَخرُجُ قَبلَ استِيقاظِ أبنائِه، ويَعودُ بَعدَ نَومِهِم. يَظُنُّ أنَّهُ أدَّى الأمانَة، وفي غَفلَةٍ مِنهُ، تُعادُ هَندَسَةُ عُقولِ أبنائِه في المَدارِس! يُلَقَّنُونَ أفكاراً تَنقُضُ العَقيدَة، وتُشَوِّهُ الفِطرَة، وتُبَرِّرُ الشُّذوذ، وتَهَدِمُ الأُسرَة. والوَالِدان في سُباتٍ عَميق! يا عبدَ الله، إنَّ لُقمَةَ الحَلالِ واجِبَة، لكِنَّ حِفظَ العَقيدَةِ أوجَب. قالَ رَسولُ الله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).
يا مَعاشِرَ المُسلِمين، إنَّ الثَّباتَ في دُولِ الغَرب لا يَعني الانعِزالَ في السِّرداب، ولا يَعني مُعاداةَ المُجتَمَع. بَل يَعني "الاندِماجَ الإيجابيَّ مَعَ حِفظِ الهُويَّة". ما الفَرقُ بَينَ اندِماجٍ يَجعَلُكَ ناجِحاً في عَمَلِكَ خادِماً لِمُجتَمَعِك، وذَوَبانٍ يَجعَلُكَ تَفقِدُ دِينَكَ وأخلاقَك؟
عودوا مَعي بِالذَّاكِرَةِ إلى فَجرِ الإِسلام، إلى صَحابَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ الَّذينَ هاجَروا إلى الحَبَشَة. أغلَبُهُم شَباب، وَصَلوا إلى بَلَدٍ نَصرانيٍّ، مَلِكُهُ نَصرانيّ، ولُغَتُهُ مُختَلِفَة. هَل خَجِلوا مِن دِينِهِم؟ هَل أخفَوا هُويَّتَهُم لِيَتَقَرَّبوا لِلمَلِك؟ لا والله. حِينَ وَقَفَ جَعفَرُ بنُ أبي طالِب رَضِيَ اللهُ عَنهُ أمامَ النَّجاشي، لم يَتَلَعثَم ولم يَتَنازَل، بل قالَ بِعِزَّةِ المُؤمِن: "أيُّها المَلِك، كُنَّا قَوماً أهلَ جاهِليَّة... فَبَعَثَ اللهُ إلَينا رَسولاً نَعرِفُ نَسَبَهُ وصِدقَهُ... وأمَرَنا بِصِدقِ الحَديث، وحِفظِ الأمانَة، وصِلَةِ الرَّحِم... ونَهانا عَنِ الفَواحِش... فَآمَنَّا بِه". ثمَّ قَرَأ عَلَيهِ سُورَةَ مَريَم!
تَأمَّلوا هَذِهِ العِزَّة! دَخَلوا مُهاجِرينَ مُستَضعَفين، وكَسَبوا احتِرامَ المَلِكِ بِثَباتِهِم لا بِمُداهَنَتِهِم. أينَ نَحنُ مِن هذه العِزَّةِ اليَوم؟ أينَ نَحنُ مِن مَسؤوليَّةِ الحِوارِ مَعَ أبنائِنا واحتِوائِهِم لِيَكونوا نَماذِجَ مُشرِفَةً لِدِينِهِم؟ يَقولُ الفُضَيلُ بنُ عِياض رَحِمَهُ الله: "لا تَستَوحِشوا طُرُقَ الهُدى لِقِلَّةِ أهلِها، ولا تَغتَرُّوا بِكَثرَةِ الهالِكين".
يا مَن تَستَضعِفُ نَفسَكَ في الغَرب وتَظُنُّ أنَّكَ مُضطَرٌّ لِتَذويبِ دِينِك لِتُقبَل، ارفَع رَأسَك! هُم يَملِكونَ التِّكنولوجيا والصِّناعَة، ولكِنَّكَ تَملِكُ الحَقَّ المُطلَق، تَملِكُ صِلَةً بِخالِقِ السَّماواتِ والأرض. قالَ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]. وقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَتَهُ الَّتي يَجِبُ أن تُنقَشَ في قَلبِ كُلِّ مُسلِمٍ مُغْتَرِب: "نَحنُ قَومٌ أعَزَّنا اللهُ بالإسلام، فَمَهما ابتَغَينا العِزَّةَ في غَيرِهِ أذَلَّنا الله".
بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقُولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعد:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن غُربَةِ المُؤمِنِ في مُجتَمَعاتِ الغَرب، وعَنِ التَّحَدِّياتِ الَّتي تَعصِفُ بِشَبابِنا مِن شُبُهاتٍ وشَهَوات، ووَقَفنا عَلى مَسؤوليَّةِ الآباءِ الكُبرى في حِمايَةِ هَذِهِ الأجيال، وكَيفَ أنَّ العِزَّةَ بِالدِّينِ هِيَ طَوقُ النَّجاة. والآنَ، ونَحنُ نَعيشُ هَذا الواقِع، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ يَحمي بُيوتَنا وأبناءَنا؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ دُستوراً لَكُم في غُربَتِكُم:
الأولى (قَلبيَّة): اللُّجوءُ إلى اللهِ بِالدُّعاءِ الصَّادِقِ لِلأبناء. يا أبِي، يا أُمِّي، قُلوبُ أبنائِكُم بَينَ أصبُعَينِ مِن أصابِعِ الرَّحمَن. ادعوا لَهُم في سُجودِكُم، وفي ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِر. قالَ تَعالى في صِفَةِ عِبادِ الرَّحمَن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. لا تَعجِزوا عَنِ الدُّعاء، فَسِهامُ اللَّيلِ لا تُخطِئ.
الثانية (لِسانيَّة): افتَحوا قَنَواتِ الحِوارِ اللَّطيفِ مَعَ أبنائِكُم. تَحَدَّثوا إلَيهِم، واسمَعوا شُكوكَهُم وتَساؤُلاتِهِم بِلا صُراخٍ ولا تَوبيخ. الشَّابُّ الذي لا يَجِدُ جَواباً في بَيتِه، سَيَبْحَثُ عَنهُ في هَاتِفِه وبَينَ أصدقاءِ السُّوء. كُونوا أنتُمُ المَلاذَ الآمِنَ لِعُقولِهِم وقُلوبِهِم.
الثالثة (عَمَليَّة): اربِطوا أبناءَكُم بِالمَسجِدِ والمَراكِزِ الإِسلاميَّة حَرفيّاً وعَمَليّاً. لا تَجعَلوا المَسجِدَ مَكاناً لِصَلاةِ الجُمُعَةِ فَقَط. اجعَلوهُ جُزءاً مِن حَياتِهِم الأُسبوعيَّة، لِيَتَعَلَّموا القُرآن، ويَلتَقوا بِالصَّالِحين. المَسجِدُ في الغَربِ لَيسَ مُجَرَّدَ جُدران، بَل هُوَ "مَحضَنُ الهُويَّة" وحِصنُ الفِطرَة.
الرابعة (اجتماعيَّة): راقِبوا صُحبَتَهُم، واصنَعوا لَهُم بِيئَةً صالِحَة. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «المرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُر أَحَدُكُم مَنْ يُخَالِلُ» (رواه أبو داود). ابحَثوا عَن العائِلاتِ المُسلِمَةِ الصَّالِحَة، واجمَعوا أبناءَكُم بِأبنائِهِم، فَالشَّابُّ يَستَمِدُّ قُوَّتَهُ مِن نَظيرِه، وإن بَقِيَ وَحيداً بَينَ مَن لا يَعرِفُ الله، سَيَستَوحِشُ دِينَهُ ويَضعُف.
الخامسة (موضوعيَّة): اِزرَعوا فيهِمُ الفَخرَ بِالإِسلام. عَلِّموهُم ألا يَعتَذِروا عَن حِجابِهِنَّ، ولا يَخجَلوا مِن صَلاتِهِم في مَدارِسِهِم. أخبِروهُم أنَّ الإِسلامَ نِعمَةٌ تُفاخِرونَ بِها، لَيسَ عِبئاً نُخفيه. مَن عاشَ مُعتَزّاً بِدِينِهِ، أجبَرَ الآخَرينَ عَلى احتِرامِه.
فاتقوا الله عباد الله، واعلَموا أنَّكُم في هَذِهِ البِلادِ رُسُلٌ لِدِينِكُم بِأخلاقِكُم وتَعامُلِكُم وتَربِيَتِكُم لِأبنائِكُم. فكونوا مَفاتيحَ لِلخَيرِ، مَغاليقَ لِلشَّر.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوب، ثَبِّت قُلوبَنا وقُلوبَ شَبابِنا عَلى دِينِك. اللَّهُمَّ احفَظ أبناءَنا وبَناتِنا مِن مُضِلَّاتِ الفِتَن، ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن. اللَّهُمَّ اجعَلهُم هُداةً مُهتَدين، لا ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِن شَبابِنا في حَيرَةٍ فَاهدِ قَلبَه، ومَن كانَ في غَفلَةٍ فَرُدَّهُ إلَيكَ رَدّاً جَميلاً، ومَن كانَ ثابِتاً فَزِدهُ ثَباتاً ويَقيناً يا رَبَّ العالَمين.
اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلى تِربِيَتِهِم، واجعَلنا قُدوَةً صالِحَةً لَهُم. اللَّهُمَّ لا تُؤاخِذنا بِتَقصيرِنا، واجبُر خَلَلَنا، وتَوَلَّ أمرَنا. اللَّهُمَّ احفَظ إسلامَنا في كُلِّ أرضٍ وتَحتَ كُلِّ سَماء، واجعَلنا مِمَّن يَعمُرونَ الأرضَ بِطاعَتِك. اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، وانصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان.
عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإِحسانِ وإيتاءِ ذِي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
غُربَةُ الدِّينِ في بِلادِ الغَرب... ثَباتُ الشَّبابِ ومَسؤوليَّةُ الآباء
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.