من مكتبة مِداد الخطيب

مُؤَامَرَاتُ الأَعْدَاءِ لِاسْتِهْدَافِ شَبَابِ الأُمَّةِ وَدُرُوسُ الثَّبَاتِ مِنْ غَزْوَةِ أُحُدٍ وَبِئْرِ مَعُونَةَ وَالرَّجِيعِ: وَاجِبُ التَّكَاتُفِ وَبَشَائِرُ النَّصْرِ وَالفَتْحِ المُبِينِ

مشاركة
مُؤَامَرَاتُ الأَعْدَاءِ لِاسْتِهْدَافِ شَبَابِ الأُمَّةِ وَدُرُوسُ الثَّبَاتِ مِنْ غَزْوَةِ أُحُدٍ وَبِئْرِ مَعُونَةَ وَالرَّجِيعِ: وَاجِبُ التَّكَاتُفِ وَبَشَائِرُ النَّصْرِ وَالفَتْحِ المُبِينِ الحَمدُ للهِ القَوِيِّ العَزِيزِ، النَّاصِرِ المُعِزِّ المُذِلِّ، الَّذِي يُدَاوِلُ الأَيَّامَ بَينَ النَّاسِ لِيَعلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنهُم شُهَدَاءَ، وَيُمَحِّصَ الصَّفَّ المُؤمِنَ مِنَ الدَّخَنِ وَالأَدرَانِ، وَيَجعَلَ العَاقِبَةَ وَالفَتحَ المُبِينَ لِأَهلِ التَّقوَى وَالصَّبرِ وَالإِيمَانِ، القَائِلِ فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيهِ وَأَستَغفِرُهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا يَعزُبُ عَن عِلمِهِ مَكرُ المَاكِرِينَ، وَلَا يُعجِزُ قُدرَتَهُ كَيدُ الخَائِنِينَ وَالمُنَافِقِينَ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الصَّابِرِينَ المُجَاهِدِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الَّذِي شُجَّ وَجهُهُ الكَرِيمُ وَكُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ يَومَ أُحُدٍ فَمَا وَهَنَ وَلَا استَكَانَ، وَفُجِعَ بِسَبعِينَ مِن خِيرَةِ قُرَّاءِ الصَّحَابَةِ غَدرًا فِي بِئرِ مَعُونَةَ وَالرَّجِيعِ فَقَنَتَ شَهرًا يَدعُو عَلَى الغَادِرِينَ، وَبَشَّرَ أُمَّتَهُ وَهُوَ فِي أَحلكِ السَّاعَاتِ بِالفَتحِ المُبِينِ وَظُهُورِ هَذَا الدِّينِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ الَّذِينَ سَطَّرُوا بِدِمَائِهِمُ الزَّكِيَّةِ مَلَاحِمَ الثَّبَاتِ وَالفِدَاءِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ اللِّقَاءِ. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ سُنَنَ اللهِ فِي التَّدَافُعِ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ سُنَنٌ ثَابِتَةٌ لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَغَيَّرُ، وَأَنَّ مَنِ اعتَصَمَ بِاللهِ كَفَاهُ، وَمَن تَوَكَّلَ عَلَيهِ وَأَعَدَّ العُدَّةَ نَصَرَهُ وَتَوَلَّاهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ مَن يَتَأَمَّلُ فِي وَاقِعِ أُمَّتِنَا الإِسلَامِيَّةِ اليَومَ، وَيَقرَأُ تَارِيخَ الصِّرَاعِ بَينَ الإِيمَانِ وَالكُفرِ عَلَى ضَوءِ الوَحيِ المَعصُومِ، يُدرِكُ يَقِينًا أَنَّ أَعدَاءَ الإِسلَامِ فِي الخَارِجِ مَا استَطَاعُوا يَومًا أَن يَنَالُوا مِن بَيضَةِ المُسلِمِينَ، أَو يَكسِرُوا شَوكَتَهُم، إِلَّا حِينَ وَجَدُوا لَهُم فِي دَاخِلِ دِيَارِ الإِسلَامِ أَدَوَاتٍ رَخِيصَةً، وَخَنَاجِرَ مَسمُومَةً، وَأَذنَابًا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا وَيَلبَسُونَ جُلُودَنَا، وَقُلُوبُهُم وَوَلاؤُهُم مَعقُودٌ لِأَعدَاءِ اللهِ وَرَسُولِهِ! لَقَد كَشَفَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الحَقِيقَةَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ أَوضَحَ كَشفٍ؛ فَبَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّ غَايَةَ الأَعدَاءِ الَّتِي لَا يَفتُرُونَ عَنهَا لَيلًا وَلَا نَهَارًا هِيَ اقتِلَاعُ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن دِينِهَا وَهُوِيَّتِهَا وَتَدمِيرُ وُجُودِهَا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89]، ثُمَّ بَيَّنَ سُبحَانَهُ خَطَرَ الأَدَوَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالطَّابُورِ الخَامِسِ مِنَ المُنَافِقِينَ وَالخَوَنَةِ الَّذِينَ يَعمَلُونَ فِي دَاخِلِ الصَّفِّ لِإِشعَالِ الفِتَنِ وَتَمزِيقِ النَّسِيجِ وَتَخذِيلِ المُؤمِنِينَ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 47]، وَقَالَ سُبحَانَهُ مُحَذِّرًا نَبِيَّهُ ﷺ وَالأُمَّةَ مِن خَطَرِهِمُ الدَّاهِمِ: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4]! قَالَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ: إِنَّمَا قَالَ اللهُ عَنِ المُنَافِقِينَ وَأَدَوَاتِ الدَّاخِلِ ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ بِصِيغَةِ الحَصرِ؛ لِأَنَّ العَدُوَّ الظَّاهِرَ فِي الخَارِجِ يَعرِفُهُ النَّاسُ فَيَحذَرُونَهُ وَيَتَأَهَّبُونَ لَهُ، وَأَمَّا أَدَوَاتُ العَدُوِّ فِي الدَّاخِلِ فَيَفتَحُونَ الأَبوَابَ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيَطعَنُونَ الظُّهُورَ فِي سَاعَةِ العُسرَةِ، وَيُزَيِّنُونَ البَاطِلَ بِاسمِ الإِصلَاحِ أَوِ التَّنوِيرِ أَوِ الوَطَنِيَّةِ أَوِ الدِّينِ المُحَرَّفِ! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيرِ، وَكُنتُ أَسأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَن يُدرِكَنِي... إِلَى أَن قَالَ ﷺ: «دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا! فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»! أَتَدرُونَ -يَا عِبَادَ اللهِ- مَا هُوَ الهَدَفُ الأَوَّلُ الَّذِي تُصَوِّبُ إِلَيهِ مَشَارِيعُ الأَعدَاءِ وَأَدَوَاتِهِم فِي الدَّاخِلِ كُلَّ سِهَامِهَا؟ إِنَّهُم شَبَابُ الأُمَّةِ! لِمَاذَا الشَّبَابُ عَلَى وَجهِ الخُصُوصِ؟ لِأَنَّ الشَّبَابَ هُم عِمَادُ النَّهضَةِ، وَحَمَلَةُ الرَّايَةِ، وَوَقُودُ المَعَارِكِ، وَحُمَاةُ الدِّيَارِ وَالعَقِيدَةِ وَالأَعرَاضِ؛ فَعَلِمَ الأَعدَاءُ أَنَّهُم إِن قَضَوا عَلَى شَبَابِ الأُمَّةِ فَقَد قَطَعُوا شِريَانَ حَيَاتِهَا وَصَادَرُوا مُستَقبَلَهَا! فَهُم يَستَهدِفُونَ شَبَابَنَا بِمِطرَقَتَينِ لَا تَرحَمَانِ: مِطرَقَةِ القَتلِ وَالحُرُوبِ وَالتَّهجِيرِ وَالإِفقَارِ وَالتَّجهِيلِ وَالزَّجِّ بِهِم فِي مَحَارِقِ الفِتَنِ، وَمِطرَقَةِ التَّدمِيرِ الفِكرِيِّ وَالأَخلَاقِيِّ مِن خِلَالِ بَثِّ الشُّبُهَاتِ وَالإِلحَادِ وَالتَّشكِيكِ فِي ثَوَابِتِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَإِغرَاقِ المُجتَمَعَاتِ بِالمُخَدِّرَاتِ وَالمُسكِرَاتِ وَالفَوَاحِشِ وَالتَّفَاهَةِ؛ حَتَّى يَخرُجَ جِيلٌ مَمسُوخُ الهُوِيَّةِ، مُخَدَّرُ العَقلِ، مَيتُ الهِمَّةِ، لَا يَغَارُ عَلَى مَقدِسٍ وَلَا يَذُودُ عَن حِمًى! إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَحِينَ يَرَى الشَّابُّ المُسلِمُ اليَومَ شِدَّةَ تَكَالُبِ الأَعدَاءِ، وَكَثرَةَ الدِّمَاءِ وَالجِرَاحِ، وَغَدرَ الخَائِنِينَ فِي الدَّاخِلِ، قَد يَتَسَلَّلُ إِلَى نَفسِهِ شَيءٌ مِنَ الحُزنِ أَوِ التَّسَاؤُلِ: لِمَاذَا يُبتَلَى أَهلُ الحَقِّ بِهَذَا البَلَاءِ الشَّدِيدِ؟ وَهُنَا لَا بُدَّ أَن نَفتَحَ صَفَحَاتِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ العَطِرَةِ، لِنَقرَأَ قِصَصًا كُتِبَت بِالدَّمِ الطَّاهِرِ لِمَا حَصَلَ لِخَيرِ جِيلٍ عَرَفَتهُ البَشَرِيَّةُ؛ جِيلِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ! لِنَعلَمَ أَنَّ طَرِيقَ النَّصرِ وَالتَّمكِينِ لَم يَكُن يَومًا مَفرُوشًا بِالوُرُودِ، بَلِ امتَزَجَ فِيهِ الصَّبرُ بِالدَّمِ وَالجِرَاحِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَفِي حَادِثَةِ الرَّجِيعِ، وَفِي فَاجِعَةِ بِئرِ مَعُونَةَ! تَذَكَّرُوا أَوَّلًا -يَا عِبَادَ اللهِ- مَا جَرَى فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلهِجرَةِ؛ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَلفٍ مِن أَصحَابِهِ، فَانخَزَلَ رَأسُ النِّفَاقِ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ بنِ سَلُولَ فِي الطَّرِيقِ بِثُلُثِ الجَيشِ لِيُحدِثَ البَلبَلَةَ وَالوَهنَ فِي الدَّاخِلِ، ثُمَّ دَارَتِ المَعرَكَةُ وَانتَصَرَ المُسلِمُونَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَلَمَّا خَالَفَ الرُّمَاةُ أَمرَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَرَكُوا الجَبَلَ، دَارَتِ الدَّائِرَةُ وَاستَحكَمَ البَلَاءُ، فَقُتِلَ سَبعُونَ مِن خِيرَةِ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَى رَأسِهِم أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَشُجَّ وَجهُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ، وَهَشِّمَتِ البَيضَةُ عَلَى رَأسِهِ، وَسَالَ الدَّمُ الشَّرِيفُ عَلَى وَجهِهِ وَهُوَ يَمسَحُهُ وَيَقُولُ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟!» رَوَاهُ مُسلِمٌ. انظُرُوا إِلَى الشَّبَابِ الأَبرَارِ الَّذِينَ كَتَبُوا بِدِمَائِهِم مَلحَمَةَ أُحُدٍ: هَذَا مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَتَى مَكَّةَ المُنَعَّمُ الَّذِي تَرَكَ الدُّنيَا وَتَرفَهَا للهِ، يُقتَلُ يَومَ أُحُدٍ وَهُوَ يَذُودُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَحمِلُ اللِّوَاءَ؛ قَالَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ: «قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةً، إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ»! وَهَذَا أَنَسُ بنُ النَّضرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، يَرَى انكِشَافَ بَعضِ النَّاسِ يَومَ أُحُدٍ حِينَ أُشِيعَ مَقتَلُ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَصِيحُ صَيحَةَ الإِيمَانِ: «قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ!»، ثُمَّ يَستَقبِلُ سَعدَ بنَ مُعَاذٍ فَيَقُولُ: «يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ! إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ!»، ثُمَّ يَنغَمِسُ فِي صُفُوفِ المُشرِكِينَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الصَّحِيحَينِ: «فَمَا عَرَفْنَاهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ، وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ!»؛ فَأَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَفِي أَمثَالِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. ثُمَّ انظُرُوا ثَانِيًا -يَا عِبَادَ اللهِ- إِلَى مَا جَرَى فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلهِجرَةِ فِي «حَادِثَةِ الرَّجِيعِ»، كَمَا رَوَاهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ حِينَ قَدِمَ رَهطٌ مِن عَضَلٍ وَالقَارَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَظهِرِينَ الرَّغبَةَ فِي الإِسلَامِ، وَطَلَبُوا مِنهُ أَن يَبعَثَ مَعَهُم نَفَرًا مِن أَصحَابِهِ يُفَقِّهُونَهُم فِي الدِّينِ وَيُقرِئُونَهُمُ القُرآنَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَشَرَةً مِن خِيرَةِ شَبَابِ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَائِهِم، وَأَمَّرَ عَلَيهِم عَاصِمَ بنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا مَاءً يُقَالُ لَهُ «الرَّجِيعُ»، غَدَرُوا بِهِم وَاستَصرَخُوا عَلَيهِم بَنِي لِحيَانَ، فَأَحَاطَ مِائَتَا رَامٍ بِعَشَرَةِ دُعَاةٍ قُرَّاءٍ! فَقَالُوا لِعَاصِمٍ وَأَصحَابِهِ: انزِلُوا فَلَكُمُ العَهدُ وَالمِيثَاقُ أَلَّا نَقتُلَ مِنكُم أَحَدًا! فَقَالَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِعِزَّةِ المُؤمِنِ الَّذِي يَعرِفُ غَدرَ الأَعدَاءِ: «أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنزِلُ اليَومَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ أَبَدًا! اللَّهُمَّ أَخبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ!»، فَقَاتَلَهُم فِي سَبعَةٍ مِن أَصحَابِهِ حَتَّى استُشهِدُوا عَن آخِرِهِم، وَأَرسَلَ اللهُ ظُلَّةً مِنَ الدَّبرِ -أَيِ الزَّنَابِيرِ- فَحَمَت جَسَدَ عَاصِمٍ مِن أَن يَمَسَّهُ المُشرِكُونَ! وَغَدَرَ القَومُ بِخُبَيبِ بنِ عَدِيٍّ وَزَيدِ بنِ الدَّثِنَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَبَاعُوهُمَا فِي مَكَّةَ، فَلَمَّا أَخرَجُوا خُبَيبًا لِيَصلِبُوهُ وَيَقتُلُوهُ، صَلَّى رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ قَالَ لَهُم: «وَاللهِ لَولَا أَن تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ المَوتِ لَاستَكثَرتُ مِنَ الصَّلَاةِ»، ثُمَّ أَنشَدَ كَلِمَاتِهِ الَّتِي تَقطُرُ يَقِينًا وَثَبَاتًا: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ! وَفِي الشَّهرِ نَفسِهِ -يَا عِبَادَ اللهِ- وَقَعَتِ الفَاجِعَةُ الكُبرَى الَّتِي لَم يَحزَنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيءٍ حُزنَهُ عَلَيهَا، وَهِيَ «حَادِثَةُ بِئرِ مَعُونَةَ»؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رِعلًا وَذَكوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لِحيَانَ استَمَدُّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى عَدُوٍّ، فَأَمَدَّهُم بِسَبعِينَ مِنَ الأَنصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِم «القُرَّاءَ» فِي زَمَانِهِم؛ كَانُوا يَحتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ لِيَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَاءِ الصُّفَّةِ، وَيُصَلُّونَ بِاللَّيلِ وَيَتَدَارَسُونَ القُرآنَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبِئرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُم وَغَدَرُوا بِهِم، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ فَقَنَتَ شَهرًا يَدعُو فِي الصُّبحِ عَلَى أَحيَاءٍ مِن أَحيَاءِ العَرَبِ: عَلَى رِعلٍ وَذَكوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لِحيَانَ! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ خَالَهُ حَرَامَ بنَ مِلحَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ فِي أُولَئِكَ السَّبعِينَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ المُشرِكِينَ مِن خَلفِهِ -وَهُوَ جَبَّارُ بنُ سَلمَى- فَطَعَنَهُ بِرُمحٍ حَتَّى أَنفَذَهُ مِن صَدرِهِ! فَأَخَذَ حَرَامُ بنُ مِلحَانَ الدَّمَ بِيَدِهِ فَنَضَحَهُ عَلَى وَجهِهِ وَرَأسِهِ، ثُمَّ صَاحَ صَيحَتَهُ الَّتِي زَلزَلَت قَلبَ قَاتِلِهِ: «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!»؛ فَبُهِتَ القَاتِلُ وَقَالَ: مَا فَازَ؟ أَلَستُ قَد قَتَلتُ الرَّجُلَ؟! قَالُوا لَهُ: إِنَّهُ يَعنِي الشَّهَادَةَ! فَقَالَ القَاتِلُ: «فَازَ لَعَمرُ اللهِ!»، فَقَادَتهُ تِلكَ الكَلِمَةُ المَكتُوبَةُ بِالدَّمِ إِلَى أَن يَدخُلَ فِي الإِسلَامِ! وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: فَقَرَأنَا فِيهِم قُرآنًا ثُمَّ رُفِعَ: «بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا»! عِبَادَ اللهِ: مَا الدَّرسُ الأَعظَمُ الَّذِي خَاطَبَ اللهُ بِهِ المُؤمِنِينَ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ فِي أَعقَابِ هَذِهِ الجِرَاحِ وَالمَصَائِبِ؟ إِنَّهُ وَاجِبُ الأُمَّةِ فِي التَّكَاتُفِ وَالاجتِمَاعِ وَالتَّكَافُلِ، وَنَبذِ التَّنَازُعِ وَالفُرقَةِ وَالحِزبِيَّةِ وَالمَنَاطِقِيَّةِ وَالعَصَبِيَّاتِ الجَاهِلِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعظَمُ سِلَاحٍ يَضرِبُنَا بِهِ عَدُوُّنَا! قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]! إِنَّ الحِزبِيَّةَ الضَّيِّقَةَ الَّتِي تَعقِدُ الوَلَاءَ وَالبَرَاءَ عَلَى جَمَاعَةٍ أَو حِزبٍ أَو شِعَارٍ دُونَ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَإِنَّ المَنَاطِقِيَّةَ وَالقَبَلِيَّةَ وَالعُنصُرِيَّةَ الَّتِي تُفَرِّقُ بَينَ أَبنَاءِ الدِّينِ الوَاحِدِ وَالبَلَدِ الوَاحِدِ بِحَسَبِ المَنطِقَةِ أَوِ الإِقلِيمِ أَوِ النَّسَبِ، هِيَ دَعوَى جَاهِلِيَّةٌ مُنتِنَةٌ حَرَّمَهَا الإِسلَامُ وَوَضَعَهَا تَحتَ الأَقدَامِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ لَمَّا كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنصَارِ، فَنَادَى الأَنصَارِيُّ: يَا لَلأَنصَارِ! وَنَادَى المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلمُهَاجِرِينَ! خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُغضَبًا فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟! دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جُندَبِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». وَقَرِينُ هَذَا الاجتِمَاعِ العَقَدِيِّ وَالأَخَوِيِّ: التَّكَافُلُ الاجتِمَاعِيُّ الشَّامِلُ فِي أَزمِنَةِ الشَّدَائِدِ وَالمِحَنِ؛ بِأَن يَشُدَّ الغَنِيُّ أَزرَ الفَقِيرِ، وَيَكفُلَ المُوسِرُ أَيتَامَ الشُّهَدَاءِ وَأَسرَاهُم وَمُهَجَّرِيهِم، فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ بَينَ أَصَابِعِهِ، وَقَالَ ﷺ فِي الصَّحِيحَينِ: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»! قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: «إِذَا تَفَرَّقَ القَومُ فَسَدُوا وَهَلَكُوا، وَإِذَا اجتَمَعُوا صَلَحُوا وَمَلَكُوا؛ فَإِنَّ الجَمَاعَةَ رَحمَةٌ وَالفُرقَةَ عَذَابٌ». أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّنَا وَنَحنُ نَستَحضِرُ جِرَاحَ الأُمَّةِ وَكَيدَ الأَعدَاءِ، نَبعَثُ مِن فَوقِ مِنبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رُوحَ الأَمَلِ وَاليَقِينِ، وَنُبَشِّرُ الأُمَّةَ بَشَارَةَ الوَحيِ الصَّادِقِ بِالنَّصرِ العَزِيزِ وَالفَتحِ المُبِينِ لِكُلِّ مَن ثَبَتَ عَلَى دِينِهِ، وَصَبَرَ عَلَى البَلَاءِ، وَأَعَدَّ العُدَّةَ الإِيمَانِيَّةَ وَالمَادِّيَّةَ لِمُوَاجَهَةِ الأَعدَاءِ! فَالِيَأسُ وَالقُنُوطُ خِيَانَةٌ لِوَعْدِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى مُوَاسِيًا لِلمُؤمِنِينَ بَعدَ قَرحِ أُحُدٍ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 139-140]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: 110]. وَما هِيَ إِلَّا سَنَوَاتٌ مَعدُودَاتٌ بَعدَ دِمَاءِ أُحُدٍ وَالرَّجِيعِ وَبِئرِ مَعُونَةَ، وَبَعدَ زِلزَالِ الأَحزَابِ، حَتَّى أَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1]، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَاتِحًا مُنتَصِرًا، وَدَانتِ الجَزِيرَةُ وَفَارِسُ وَالرُّومُ لِرَايَةِ التَّوحِيدِ! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: شَكَونَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُردَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعبَةِ، قُلنَا لَهُ: أَلَا تَستَنصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدعُو اللهَ لَنَا؟ فَقَعَدَ وَهُوَ مُحمَرٌّ وَجهُهُ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ!». أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد عَلِمنَا أَنَّ أَعدَاءَ الأُمَّةِ وَأَدَوَاتِهِم فِي الدَّاخِلِ يَعمَلُونَ لَيلَ نَهَارَ عَلَى تَدمِيرِ الأُمَّةِ وَاستِهدَافِ شَبَابِهَا، وَأَنَّ مَا يَنزِلُ بِالمُؤمِنِينَ مِن قَرحٍ وَابتِلَاءٍ هُوَ مِيرَاثُ مَا جَرَى لِأَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُحُدٍ وَالرَّجِيعِ وَبِئرِ مَعُونَةَ تَمحِيصًا وَاصطِفَاءً، وَأَنَّ سَبِيلَ الخَلَاصِ وَالنَّصرِ يَقُومُ عَلَى الاعتِصَامِ بِحَبلِ اللهِ، وَالتَّكَافُلِ، وَنَبذِ الحِزبِيَّةِ وَالمَنَاطِقِيَّةِ، وَإِعدَادِ العُدَّةِ مَعَ اليَقِينِ الرَّاسِخِ بِالفَتحِ المُبِينِ. إِنَّ النَّصرَ الَّذِي وَعَدَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ لَهُ شُرُوطٌ وَأَسبَابٌ لَا بُدَّ مِنَ الأَخذِ بِهَا؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]؛ فَمَتَى اجتَمَعَ فِي الأُمَّةِ صِدقُ الإِيمَانِ، وَتَوحِيدُ الصَّفِّ، وَبَذلُ الجُهدِ وَالإِعدَادِ، تَنَزَّلَ نَصرُ اللهِ الَّذِي لَا يُقَامُ لَهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]. وَحَتَّى نَقُومَ بِوَاجِبِنَا تِجَاهَ دِينِنَا وَأُمَّتِنَا وَشَبَابِنَا، فَإِنَّنَا نَتَوَاصَى بِخَمسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ: الأُولَى: حَصِّنُوا شَبَابَ الأُمَّةِ وَفِتيَانَهَا بِالعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ وَالقُرآنِ الكَرِيمِ وَالقُدوَةِ الصَّالِحَةِ؛ فَاحمُوا عُقُولَهُم مِن دُعَاةِ الضَّلَالَةِ وَالتَّخذِيلِ، وَاحمُوا أَجسَادَهُم وَأَخلَاقَهُم مِن حَربِ المُخَدِّرَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَاشغَلُوا طَاقَاتِهِم بِالعِلمِ النَّافِعِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ وَالبِنَاءِ الجَادِّ؛ فَإِنَّ صَلَاحَ الشَّبَابِ هُوَ صَمَّامُ أَمَانِ الأُمَّةِ وَطَرِيقُ عِزَّتِهَا. الثَّانِيَةُ: اِحذَرُوا أَدَوَاتِ الأَعدَاءِ فِي الدَّاخِلِ مِنَ المُرْجِفِينَ وَالمُخَذِّلِينَ وَمُرَوِّجِي الشَّائِعَاتِ وَالفِتَنِ؛ فَلَا تَكُونُوا «سَمَّاعِينَ لَهُم»، وَلَا تُعِينُوهُم بِنَشرِ رَسَائِلِ التَّيئِيسِ أَوِ التَّفرِيقِ بَينَ المُسلِمِينَ، بَلِ افضَحُوا مَكرَهُم بِالوَعيِ وَالبَصِيرَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ النَّاصِحِينَ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. الثَّالِثَةُ: اِنبِذُوا كُلَّ دَعوَى جَاهِلِيَّةٍ مِن حِزبِيَّةٍ مَقِيتَةٍ، أَو مَنَاطِقِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ، أَو عَصَبِيَّةٍ قَبَلِيَّةٍ تُمَزِّقُ جَسَدَ الأُمَّةِ الوَاحِدِ؛ وَاجعَلُوا وَلَاءَكُم وَاجتِمَاعَكُم عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَأُخُوَّةِ الإِيمَانِ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً وَبُنيَانًا مَرصُوصًا فِي وَجهِ أَعدَاءِ الدِّينِ وَالأَوطَانِ. الرَّابِعَةُ: أَحيُوا فَرِيضَةَ التَّكَافُلِ الاجتِمَاعِيِّ فِي أَحيَائِكُم وَمُجتَمَعَاتِكُم؛ فَتَفَقَّدُوا أُسَرَ الشُّهَدَاءِ وَالجَرحَى وَالأَيتَامَ وَالأَرَامِلَ وَالنَّازِحِينَ وَالمُعسِرِينَ، وَاقسِمُوا لُقمَةَ العَيشِ مَعَ إِخوَانِكُم كَمَا فَعَلَ الأَنصَارُ وَالأَشعَرِيُّونَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم؛ فَإِنَّ التَّرَاحُمَ وَالتَّكَافُلَ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ تَنَزُّلِ النَّصرِ وَدَفعِ البَلَاءِ، قَالَ ﷺ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟!». الخَامِسَةُ: اِملَؤُوا قُلُوبَكُم وَقُلُوبَ أَبنَائِكُم بِالأَمَلِ وَالبِشَارَةِ وَالثِّقَةِ بِوَعْدِ اللهِ الَّذِي لَا يُخلَفُ، مَعَ الأَخذِ بِأَسبَابِ القُوَّةِ وَالإِعدَادِ فِي كُلِّ مَيدَانٍ؛ فَتَعَلَّمُوا، وَأَتقِنُوا، وَثَابِتُوا عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُم، وَأَيقِنُوا أَنَّ الفَجرَ يَولَدُ مِن رَحِمِ الظَّلَامِ، وَأَنَّ بَعدَ العُسرِ يُسرًا، وَأَنَّ نَصرَ اللهِ وَفَتحَهُ المُبِينَ قَرِيبٌ لِمَن صَدَقَ وَصَبَرَ: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. اللَّهُمَّ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، يَا نَاصِرَ المُستَضعَفِينَ، وَيَا مُجِيبَ دَعوَةِ المُضطَرِّينَ، اللَّهُمَّ أَبرِمْ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أَمرَ رُشدٍ يُعَزُّ فِيهِ أَهلُ طَاعَتِكَ، وَيُذَلُّ فِيهِ أَهلُ مَعصِيَتِكَ، وَيُؤمَرُ فِيهِ بِالمَعرُوفِ وَيُنهَى فِيهِ عَنِ المُنكَرِ، اللَّهُمَّ احفَظ شَبَابَ المُسلِمِينَ مِن كَيدِ الفَجَرَةِ وَمَكرِ الخَوَنَةِ وَشُبُهَاتِ المُضلِّينَ، اللَّهُمَّ اجمَع كَلِمَةَ المُسلِمِينَ عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى، وَأَلِّف بَينَ قُلُوبِهِم، وَطهِّر صُفُوفَهُم مِنَ المُنَافِقِينَ وَالمُرجِفِينَ، اللَّهُمَّ مَن أَرَادَ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ وَشَبَابَهُم وَبِلَادَهُم بِسُوءٍ فَأَشغِلهُ بِنَفسِهِ، وَرُدَّ كَيدَهُ فِي نَحرِهِ، وَاجعَل تَدبِيرَهُ تَدمِيرَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ عَجِّل لِأُمَّتِنَا بِالفَرجِ وَالنَّصرِ وَالفَتحِ المُبِينِ، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيبُ الكريم، فالمِنبرُ أمانة، ووقتُ النَّاسِ وقلوبُهم وديعةٌ بينَ يديك؛ فإن شِئتَ ألقَيتَها كما هي، وإن رأيتَ أنَّ مقامَ النَّاسِ يَقتضي اختصارًا أو تقديمًا وتأخيرًا فافعَل، وإن كنتَ تُريدُها على وَجهٍ آخَرَ منَ البَسطِ أوِ الإيجازِ، أو على نَظمٍ غيرِ هذا النَّظم، فاذكُر لي ما تُريدُ على وَجهِ التَّحديد، فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.