من مكتبة مِداد الخطيب

مَوعِظَةٌ قَصِيرَةٌ فِي مَجلِسِ عَزَاءٍ بِوَفَاةِ الأُمِّ: سَلوَةُ المَصابِينَ وَمِيرَاثُ البِرِّ بَعدَ الرَّحِيلِ

مشاركة
مَوعِظَةٌ قَصِيرَةٌ فِي مَجلِسِ عَزَاءٍ بِوَفَاةِ الأُمِّ: سَلوَةُ المَصابِينَ وَمِيرَاثُ البِرِّ بَعدَ الرَّحِيلِ الحَمدُ للهِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالبَقَاءِ وَالدَّوَامِ، وَكَتَبَ المَوتَ وَالفَنَاءَ عَلَى جَمِيعِ الأَنَامِ، وَجَعَلَ الجَنَّةَ عُقبَى الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ مَن صَبَرَ وَاحتَسَبَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ النُّجَبِ. أَمَّا بَعدُ: فَيَا أَهلَ هَذَا المَصَابِ الجَلَلِ، وَيَا إِخوَةَ الإِيمَانِ: أُعَزِّيكُم بِكَلِمَاتِ النُّبُوَّةِ الَّتِي عَزَّى بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». إِنَّ فِقدَانَ الأُمِّ لَيسَ كَأَيِّ فِقدَانٍ؛ فَالأُمُّ هِيَ الرُّكنُ الدَّافِئُ فِي البَيتِ، وَالدَّعوَةُ المُستَجَابَةُ فِي جَوفِ اللَّيلِ، وَالبَابُ الوَاسِعُ مِن أَبوَابِ الجَنَّةِ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا مَاتَتْ أُمُّ التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ إِيَاسِ بنِ مُعَاوِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبكِيكَ؟ فَقَالَ: «كَانَ لِي بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى الجَنَّةِ، فَأُغْلِقَ أَحَدُهُمَا»! وَقَد عَرَفَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِظَمَ قَدرِ الأُمِّ؛ فَفِي «الأَدَبِ المُفرَدِ» لِلبُخَارِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن حَبرِ الأُمَّةِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلًا تَائِبًا: «أُمُّكَ حَيَّةٌ؟»، قَالَ: لَا، فَلَمَّا سُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عَن سِرِّ سُؤَالِهِ عَن حَيَاةِ أُمِّهِ قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بِرِّ الوَالِدَةِ»! وَلَكِنْ يَا أَبنَاءَ هَذِهِ الأُمِّ الرَّاحِلَةِ، أَبشِرُوا وَلَا تَيأَسُوا؛ فَإِنْ كَانَ المَوتُ قَد طَوَى صَحِيفَةَ عَمَلِهَا فِي الدُّنيَا، فَإِنَّ بَابَ بِرِّكُم بِهَا لَم يُغلَقْ، بَل بَدَأَ اليَومَ بِرٌّ جَدِيدٌ هِيَ أَحوَجُ مَا تَكُونُ إِلَيهِ فِي قَبرِهَا! اسْمَعُوا إِلَى مَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم حِينَ فَقَدُوا أُمَّهَاتِهِم: فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ سَيِّدَ الخَزرَجِ سَعدَ بنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكتَفِ بِالدُّمُوعِ، بَل قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنهَا، أَيَنفَعُهَا شَيءٌ إِنْ تَصَدَّقتُ بِهِ عَنهَا؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ»، قَالَ سَعدٌ: «فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا»! وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَأَحمَدَ أَنَّ سَعدًا قَالَ: «فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ المَاءِ»، فَحَفَرَ سَعدٌ بِئرًا وَقَالَ: «هَذِهِ لِأُمِّ سَعدٍ»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ وَالأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ أَهلَ وُدِّ وَالِدِهِ بَعدَ وَفَاتِهِ وَيَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»؛ وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا عِندَ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَقَالَ: إِنِّي أَصَبتُ ذَنبًا عَظِيمًا فَهَل لِي مِن تَوبَةٍ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَبِرَّهَا»! وَأَعظَمُ الهَدَايَا الَّتِي تَصِلُ إِلَى أُمِّكُم فِي قَبرِهَا كُلَّ يَومٍ هُوَ دُعَاؤُكُم وَاستِغفَارُكُم لَهَا؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ»! فَاصبِرُوا وَاحتَسِبُوا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، وَأَبقُوا ذِكرَ أُمِّكُم حَيًّا بِاجتِمَاعِ كَلِمَتِكُم، وَصِلَةِ أَرحَامِهَا وَخَالَاتِكُم وَصُوَيْحِبَاتِهَا، وَإِجرَاءِ الصَّدَقَاتِ عَنهَا، وَالإِكثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ لَهَا فِي كُلِّ سَجْدَةٍ: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. اللَّهُمَّ اغفِرْ لَهَا وَارحَمهَا، وَعَافِهَا وَاعفُ عَنهَا، وَأَكرِمْ نُزُلَهَا، وَوَسِّعْ مُدخَلَهَا، وَاغسِلهَا بِالمَاءِ وَالثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهَا مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَاجعَلْ قَبرَهَا رَوضَةً مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَأَفرِغِ الصَّبرَ وَالسَّكِينَةَ عَلَى قُلُوبِ أَهلِهَا وَذَوِيهَا، وَأَعظِمْ أَجرَهُم، وَأَحسِنْ عَزَاءَهُم، وَاجمَعْهُم بِهَا فِي الفِردَوسِ الأَعلَى مِنَ الجَنَّةِ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.