مِيزَانِيَّةُ البَيتِ وَصِيَانَةُ الأُسرَةِ مِن دُيُونِ المَظَاهِرِ: الإِفصَاحُ المَسؤُولُ بَينَ الزَّوجَينِ وَتَعظِيمُ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ
الحَمدُ للهِ الغَنِيِّ الكَرِيمِ، الرَّزَّاقِ الحَكِيمِ، أَمَرَ بِالقَصدِ وَالتَّدبِيرِ وَالوَفَاءِ بِالحُقُوقِ وَالعُهُودِ، وَحَذَّرَ مِنَ السَّرَفِ وَالمَطلِ وَإِرهَاقِ الذِّمَمِ بِالدُّيُونِ مِن غَيرِ حَاجَةٍ وَلَا قُيُودٍ، وَجَعَلَ فِي التَّشَاوُرِ وَالصَّرَاحَةِ بَينَ الزَّوجَينِ سَكِينَةً تَحمِي البُيُوتَ مِنَ التَّصَدُّعِ وَالجُحُودِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى كِفَايَتِهِ وَسَترِهِ الجَمِيلِ، وَنَستَعِينُهُ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَحُسنِ السَّبِيلِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعلَمُ مَا فِي الصُّدُورِ مِن نِيَّاتِ الوَفَاءِ أَوِ الجُحُودِ، وَيَقضِي عَنِ الصَّادِقِ الأَمِينِ بِفَضلِهِ وَجُودِهِ المَمدُودِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، كَانَ يَستَعِيذُ بِرَبِّهِ فِي صَلَاتِهِ مِنَ المَأثَمِ وَالمَغرَمِ، وَيَحُثُّ أُمَّتَهُ عَلَى عِفَّةِ اليَدِ وَبَرَاءَةِ العِرضِ وَأَدَاءِ الدَّينِ الأَعظَمِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم — أَيُّهَا النَّاسُ — وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَاتَّقُوا اللهَ فِي إِدَارَةِ بُيُوتِكُم وَصِيَانَةِ ذِمَمِكُم، وَاعلَمُوا أَنَّ استِقرَارَ الأُسرَةِ وَطُمَأنِينَةَ قَلبِهَا لَا يَستَقِيمَانِ مَعَ فَوضَى المشتَرَيَاتِ وَأَثقَالِ دُيُونِ المَظَاهِرِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: كَم مِن بَيتٍ كَانَ هَانِئًا مُستَقِرًّا، يَعيشُ أَهلُهُ فِي كَفَافٍ وَسَترٍ وَمَوَدَّةٍ، حَتَّى دَخَلَت عَلَيهِ ثَلَاثُ آفَاتٍ مَالِيَّةٍ فَقَلَبَت سَكِينَتَهُ إِلَى هَمٍّ بِاللَّيلِ وَذُلٍّ بِالنَّهَارِ:
الآفَةُ الأُولَى: غِيَابُ المِيزَانِيَّةِ الوَاضِحَةِ وَفَوضَى المشتَرَيَاتِ الَّتِي تَلتَهِمُ الدَّخلَ فِي أَوَّلِ الشَّهرِ!
وَالآفَةُ الثَّانِيَةُ: الإِخفَاءُ المَالِيُّ بَينَ الزَّوجَينِ؛ حِينَ يَتَوَرَّطُ أَحَدُهُمَا فِي دُيُونٍ وَالتِزَامَاتٍ ثَقِيلَةٍ مِن وَرَاءِ ظَهرِ الآخَرِ حَتَّى تَنفَجِرَ الأَزمَةُ فَجأَةً فِي وَجهِ الأُسرَةِ!
وَالآفَةُ الثَّالِثَةُ: التَّوَسُّعُ فِي «دُيُونِ المَظَاهِرِ وَالكَمَالِيَّاتِ»، ثُمَّ التَّهَاوُنُ وَالممَاطَلَةُ فِي حُقُوقِ الدَّائِنِينَ وَأَصحَابِ الأَمْوَالِ!
فَكَيفَ تَبْنِي الأُسرَةُ المُسلِمَةُ مِيزَانِيَّةً رَشِيدَةً قَائِمَةً عَلَى التَّفَاهُمِ وَالإِفصَاحِ المَسؤُولِ؟ وَكَيفَ تَصُونُ كَرَامَتَهَا مِن ذُلِّ الدَّينِ لِغَيرِ ضَرُورَةٍ؟ وَمَا مَنزِلَةُ الوَفَاءِ بِحُقُوقِ الدَّائِنِينَ فِي مِيزَانِ الإِسلَامِ؟
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ البَيتَ الزَّوجِيَّ شَرِكَةُ حَيَاةٍ وَمَوَدَّةٍ وَرَحمَةٍ، قِوَامُهَا التَّرَاضِي وَالتَّشَاوُرُ وَالمعَاشَرَةُ بِالمعرُوفِ، كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي شَأنِ الرَّضَاعِ وَتَدبِيرِ أَمرِ الصَّبِيِّ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾! وَمِن أَهمِّ مَا يَحتَاجُ إِلَى التَّشَاوُرِ وَالاتِّفَاقِ بَينَ الزَّوجَينِ: «مِيزَانِيَّةُ البَيتِ وَتَرتِيبُ الضَّرُورِيَّاتِ وَضَبطُ المشتَرَيَاتِ»!
إِنَّ مِن أَخطَرِ مَا يُهدِّدُ استِقرَارَ الأُسَرِ اليَومَ مَا يُمكِنُ أَن نُسَمِّيَهُ «الخِيَانَةَ أَوِ الغَفْلَةَ فِي الإِفصَاحِ المَالِيِّ المَسؤُولِ بَينَ الزَّوجَينِ»! لَا نَعنِي بِذَلِكَ أَن يَتَجَسَّسَ أَحَدُ الزَّوجَينِ عَلَى مَالِ الآخَرِ الخَاصِّ، فَلِكُلٍّ مِنهُمَا ذِمَّتُهُ المَالِيَّةُ المَصُونَةُ؛ وَلَكِن نَعنِي أَنَّ مَا يَمَسُّ مَعِيشَةَ البَيتِ وَأَمنَهُ المَالِيَّ ومستقبَلَ الأَولَادِ يَجِبُ أَن يَقُومَ عَلَى الصَّرَاحَةِ وَالوُضُوحِ! كَم مِن رَجُلٍ يُخفِي عَن زَوجَتِهِ حَقِيقَةَ دَخلِهِ وَإِعسَارِهِ تَجمُّلًا أَو مُكَابَرَةً، فَتَطلُبُ المَرأَةُ وَالأَولَادُ مَطَالِبَ يَظُنُّونَهُ قَادِرًا عَلَيهَا، فَيَذهَبُ هُوَ فَيَستَدِينُ فِي الخَفَاءِ حَتَّى يَغرَقَ! أَو بِالعَكسِ: يَتَوَرَّطُ أَحَدُ الزَّوجَينِ فِي شِرَاءِ كَمَالِيَّاتٍ بَاهِظَةٍ بِالأَقسَاطِ وَالآجِلِ أَو يَدخُلُ فِي التِزَامَاتٍ مُهلِكَةٍ دُونَ إِعلَامِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ تَسقُطُ الصَّخرَةُ فَجأَةً عَلَى رَأسِ الأُسرَةِ كُلِّهَا!
أَمَّا البَيتُ الرَّشِيدُ، فَإِنَّ الزَّوجَينِ فِيهِ يَجلِسَانِ عَلَى مَائِدَةِ الصَّرَاحَةِ وَالمَوَدَّةِ، فَيَعرِفَانِ قَدرَ الرِّزقِ المتَاحِ، وَيَتَّفِقَانِ عَلَى تَقدِيمِ الضَّرُورِيَّاتِ — مِن سَكَنٍ وَمَطعَمٍ وَعِلَاجٍ وَتَعلِيمٍ — وَضَبطِ المشتَرَيَاتِ بِقَدْرِ الحَاجَةِ، وَتَحصِينِ البَيتِ مِن نَزَوَاتِ الشِّرَاءِ العَشوَائِيِّ!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَإِنَّ الآفَةَ العُظمَى الَّتِي خَرَقَت مِيزَانِيَّاتِ البُيُوتِ فِي هَذَا العَصرِ هِيَ التَّسَاهُلُ المُرِيعُ فِي «دُيُونِ المَظَاهِرِ»!
لَقَد أَبَاحَتِ الشَّرِيعَةُ الغَرَّاءُ الاقتِرَاضَ وَالشِّرَاءَ إِلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ عِندَ الحَاجَةِ مَعَ القُدرَةِ أَوِ العَزمِ الصَّادِقِ عَلَى الوَفَاءِ؛ وَلَكِنَّ البَلِيَّةَ اليَومَ — وَنَحنُ هُنَا نَتَكَلَّمُ عَنِ المَنهَجِ التَّربَوِيِّ وَالأَخلَاقِيِّ فِي حِفظِ الأُسرَةِ دُونَ خَوضٍ فِي فَتَاوَى عُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ — هِيَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ صَارَ يَستَدِينُ وَيُرهِقُ ذِمَّتَهُ بِالأَقسَاطِ وَالمُؤَجَّلَاتِ لَا لِضَرُورَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ، بَل لِمُجَرَّدِ المَظَاهِرِ وَالمُبَاهَاةِ! يَستَدِينُ لِيُقِيمَ حَفلًا فَاخِرًا يَتَحَدَّثُ عَنهُ النَّاسُ لَيلَةً وَاحِدَةً، أَو يَشتَرِي بِالدَّينِ أَثَاثًا جَدِيدًا وَأَثَاثُ بَيتِهِ صَالِحٌ جَمِيلٌ، أَو يَحمِلُ نَفسَهُ دَينًا لِأَجلِ سَفَرٍ تَرفِيهِيٍّ أَو هَاتِفٍ حَدِيثٍ أَو هَدِيَّةٍ استِعرَاضِيَّةٍ!
أَتَدرُونَ — يَا عِبَادَ اللهِ — لِمَاذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكثِرُ فِي صَلَاتِهِ مِنَ الاستِعَاذَةِ بِاللهِ مِنَ «المَغرَمِ» أَيِ الدَّينِ؟
رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأثَمِ وَالمَغرَمِ»، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكثَرَ مَا تَستَعِيذُ يَا رَسُولَ اللهِ مِنَ المَغرَمِ! فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخلَفَ»!
اللهَ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا كَيفَ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَينَ «المَأثَمِ» وَ«المَغرَمِ»، وَكَيفَ بَيَّنَ أَنَّ الدَّينَ إِذَا ثَقُلَ عَلَى ظَهرِ الإِنسَانِ جَرَّهُ إِلَى خَصلَتَينِ مِن خِصَالِ المُنَافِقِينَ: الكَذِبِ فِي الحَدِيثِ، وَإِخلَافِ الوَعدِ! يَكُونُ الرَّجُلُ عَزِيزًا صَدُوقًا مَوفُورَ الكَرَامَةِ، فَإِذَا أَغرَقَ نَفسَهُ فِي دُيُونِ الكَمَالِيَّاتِ، صَارَ يَتَهَرَّبُ مِنَ الاتِّصَالَاتِ، وَيَختَلِقُ الأَعذَارَ الكَاذِبَةَ لِأَصحَابِ الحُقُوقِ، وَيَعِدُ بِالسَّدَادِ غَدًا أَو بَعدَ غَدٍ ثُمَّ يُخلِفُ وَعدَهُ!
إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يَجِبُ التَّواصِي بِهِ فِي بُيُوتِنَا وَأَسوَاقِنَا: «تَعظِيمُ الوَفَاءِ بِحُقُوقِ الدَّائِنِينَ، وَالحَذَرُ الشَّدِيدُ مِن ظُلمِ الممَاطَلَةِ»!
لَقَد أَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَطوَلَ آيَةٍ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ — آيَةَ المَدَايَنَةِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ — لِحِفظِ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ وَالمدِينِينَ وَقَطعِ النِّزَاعِ بَينَهُم، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وَأَمَرَ مَنِ استَدَانَ أَن يَتَّقِيَ اللهَ فِي حَقِّ صَاحِبِ المَالِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
وَإِنَّ الأَمرَ فِي الدَّينِ لَيسَ بِالهَيِّنِ يَا عِبَادَ اللهِ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُغفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنبٍ إِلَّا الدَّينَ»! إِذَا كَانَ الشَّهِيدُ الَّذِي بَذَلَ رُوحَهُ وَدَمَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُحبَسُ عَنِ الجَنَّةِ بِدَينِ آدَمِيٍّ حَتَّى يُقضَى عَنهُ أَو يَعفُوَ صَاحِبُهُ، فَكَيفَ بِمَن يَأخُذُ أَموَالَ النَّاسِ أَو يَشتَرِي بَضَائِعَهُم أَو يَستَأجِرُ عُمَّالَهُم وَمَسَاكِنَهُم، ثُمَّ يُمَاطِلُهُم فِي السَّدَادِ وَهُوَ قَادِرٌ وَاجِدٌ؟!
فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَطلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ»! فَمَن كَانَ عِندَهُ مَا يَسُدُّ بِهِ دَينَهُ أَو جُزءًا مِنهُ، ثُمَّ أَخَّرَ السَّدَادَ وَقَدَّمَ كَمَالِيَّاتِهِ وَمَلَذَّاتِهِ عَلَى حَقِّ الدَّائِنِ، فَهُوَ ظَالِمٌ بِنَصِّ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ!
وَانظُرُوا إِلَى الفَرقِ العَظِيمِ عِندَ اللهِ بَينَ نِيَّتَينِ فِي الاستِدَانَةِ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن أَخَذَ أَموَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنهُ، وَمَن أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتلَافَهَا أَتلَفَهُ اللهُ»!
فَالمُؤمِنُ الصَّادِقُ الَّذِي لَا يَستَدِينُ إِلَّا لِحَاجَةٍ مَشرُوعَةٍ، وَقَلبُهُ مَملُوءٌ بِالعَزمِ عَلَى الوَفَاءِ، وَيُضَيِّقُ عَلَى نَفسِهِ فِي الكَمَالِيَّاتِ حَتَّى يَردَّ الحَقَّ إِلَى أَهلِهِ؛ يَتَوَلَّاهُ اللهُ بِمَعُونَتِهِ، وَيَفتَحُ لَهُ أَبوَابَ الرِّزقِ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنهُ فِي الدُّنيَا أَو يُرضِيَ غَرِيمَهُ فِي الآخِرَةِ! وَأَمَّا مَن يَأخُذُ أَموَالَ النَّاسِ بِاستِهتَارٍ وَتَفَرُّطٍ دُونَ نِيَّةِ وَفَاءٍ وَلَا تَدبِيرِ سَدَادٍ، فَقَد عَرَّضَ نَفسَهُ وَمَالَهُ وَبَرَكَةَ بَيتِهِ لِلتَّلَفِ وَالمَحقِ!
وَاسمَعُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — كَيفَ كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحمِلُونَ هَمَّ الدَّينِ وَيُوصُونَ بِهِ أَهلِيهِم: فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيرُ يَومَ الجَمَلِ دَعَانِي فَقُمتُ إِلَى جَنبِهِ، فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَا يُقتَلُ اليَومَ إِلَّا ظَالِمٌ أَو مَظلُومٌ، وَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَّا سَأُقتَلُ اليَومَ مَظلُومًا، وَإِنَّ مِن أَكبَرِ هَمِّي لَدَينِي! أَفَتَرَى دَينَنَا يُبقِي مِن مَالِنَا شَيئًا؟ يَا بُنَيَّ، بِعْ مَالَنَا وَاقضِ دَينِي... فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَينِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ، إِن عَجَزتَ عَن شَيءٍ مِنهُ فَاستَعِنْ عَلَيهِ مَولَايَ! قَالَ عَبدُ اللهِ: فَوَاللهِ مَا دَرَيتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلتُ: يَا أَبَتِ، مَن مَولَاكَ؟ قَالَ: اللهُ! قَالَ عَبدُ اللهِ: فَوَاللهِ مَا وَقَعتُ فِي كُربَةٍ مِن دَينِهِ إِلَّا قُلتُ: يَا مَولَى الزُّبَيرِ، اقضِ عَنهُ دَينَهُ، فَيَقضِيهِ!»؛ فَبَارَكَ اللهُ فِي أَرضِ الزُّبَيرِ حَتَّى قُضِيَ دَينُهُ كُلُّهُ، وَأَقَامَ ابنُهُ عَبدُ اللهِ أَربَعَ سِنِينَ يُنَادِي فِي المَوسِمِ قَبلَ قِسمَةِ المِيرَاثِ: «أَلَا مَن كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيرِ دَينٌ فَلْيَأتِنَا فَلْنَقضِهِ»!
هَكَذَا كَانَ تَعظِيمُ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ فِي قُلُوبِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ؛ فَصُونُوا — يَا عِبَادَ اللهِ — ذِمَمَكُم، وَاحفَظُوا مِيزَانِيَّاتِ بُيُوتِكُم مِن دُيُونِ المَظَاهِرِ وَالفُضُولِ.
مُدَّ الكِسَاءَ عَلَى مِقدَارِ مَا مَلَكَتْ ... يَدَاكَ وَاحذَرْ دُيُونَ الزَّيفِ وَالبَطَرِ
فَعِزَّةُ النَّفسِ فِي استِغنَاءِ صَاحِبِهَا ... وَالدَّينُ هَمٌّ بِجُنحِ اللَّيلِ وَالسَّحَرِ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ الكَافِي الوَافِي، الغَنِيِّ الشَّافِي، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيمُ بِمَا فِي القُلُوبِ وَالخَوَافِي، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ بِمَنهَجِ العَدلِ وَالكَفَافِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ ذَوِي القُلُوبِ الصَّوَافِي.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ — عِبَادَ اللهِ — وَاعلَمُوا أَنَّ ضَبطَ مِيزَانِيَّةِ البَيتِ وَحِمَايَةَ الأُسرَةِ مِنَ الدُّيُونِ غَيرِ الضَّرُورِيَّةِ لَيسَ تَضْيِيقًا عَلَى الأَهلِ، بَل هُوَ حِمَايَةٌ لِكَرَامَتِهِم وَحِفظٌ لِأَمنِهِم وَسَعَادَتِهِم.
وَحَتَّى تَستَقِيمَ مِيزَانِيَّاتُ بُيُوتِنَا وَتَبرَأَ ذِمَمُنَا أَمَامَ اللهِ وَأَمَامَ الخَلقِ، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
الأُولَى: الإِفصَاحُ المَسؤُولُ وَالاتِّفَاقُ الزَّوجِيُّ عَلَى المِيزَانِيَّةِ: لِيَضَعِ الزَّوجَانِ مِيزَانِيَّةً شَهرِيَّةً مَكتُوبَةً وَاضِحَةً تَرتِّبُ الضَّرُورِيَّاتِ بِالتَّرَاضِي وَالتَّشَاوُرِ، وَلْيَلتَزِمَا بِالصَّرَاحَةِ المَسؤُولَةِ فِيمَا يَخُصُّ التِزَامَاتِ البَيتِ؛ فَلَا يُخفِي أَحَدُهُمَا دُيُونًا أَو أَعبَاءً مَالِيَّةً كَبِيرَةً تُفَاجِئُ الأُسرَةَ وَتُهَدِّدُ استِقرَارَهَا.
الثَّانِيَةُ: ضَبطُ المشتَرَيَاتِ بِالقَائِمَةِ المَعلُومَةِ وَالحَذَرُ مِن فِتنَةِ التَّقسِيطِ: لَا تَشتَرُوا إِلَّا مَا تَحتَاجُونَ إِلَيهِ فِعلًا وِفقَ قَائِمَةٍ مُحَدَّدَةٍ مُسبَقًا، وَاحذَرُوا مِن إِغرَاءِ الشِّرَاءِ بِالآجِلِ وَالتَّقسِيطِ فِي الكَمَالِيَّاتِ؛ فَإِنَّ تَجمُّعَ الأَقسَاطِ الصَّغِيرَةِ يَصنَعُ جَبَلًا مِنَ الدُّيُونِ يَلتَهِمُ قُوتَ الضَّرُورِيَّاتِ.
الثَّالِثَةُ: مَنعُ الاستِدَانَةِ لِلمَظَاهِرِ وَتَوثِيقُ الدَّينِ الضَّرُورِيِّ: اتَّفِقُوا دَاخِلَ الأُسرَةِ عَلَى قَاعِدَةٍ صَارِمَةٍ: «لَا نَستَدِينُ أَبَدًا لِأَجلِ مَظهَرٍ أَو وَلِيمَةٍ أَو سَفَرٍ أَو كَمَالِيَّاتٍ»؛ وَإِذَا اضطُرَّ الإِنسَانُ إِلَى دَينٍ مَشرُوعٍ لِحَاجَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فَلْيَأخُذْ بِقَدرِ الحَاجَةِ، وَلْيَكتُبْهُ وَيُوثِّقْهُ، وَلْيَعقِدْ قَلبَهُ عَلَى نِيَّةِ الوَفَاءِ مَعَ وَضعِ خُطَّةٍ ثَابِتَةٍ لِلسَّدَادِ.
الرَّابِعَةُ: تَعظِيمُ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ وَتَقدِيمُهَا عَلَى الرَّفَاهِيَةِ: مَن كَانَ فِي ذِمَّتِهِ دَينٌ حَالٌّ لِصَاحِبِ حَقٍّ أَو أُجرَةُ أَجِيرٍ، فَعَلَيهِ أَن يُقَدِّمَ وَفَاءَ الدَّينِ عَلَى كُلِّ نَفَقَةٍ كَمَالِيَّةٍ؛ وَإِن أَعسَرَ فِعْلًا عِندَ حُلُولِ الأَجَلِ فَلْيُبَادِرْ بِأَدَبٍ وَصِدقٍ إِلَى مُصَارَحَةِ الدَّائِنِ وَطَلَبِ الإِمهَالِ، وَإِيَّاهُ وَالتَّهَرُّبَ أَو إِغلَاقَ الهَاتِفِ أَوِ الممَاطَلَةَ مَعَ القُدرَةِ؛ وَعَلَى الدَّائِنِ المُوسِرِ أَن يَرحَمَ المُعسِرَ الصَّادِقَ فَيُنظِرَهُ أَو يَضَعَ عَنهُ.
الخَامِسَةُ: الدُّعَاءُ النَّبَوِيُّ بِقَضَاءِ الدَّينِ وَالاستِعَاذَةُ مِنَ المَغرَمِ: الزَمُوا مَعَ الأَخذِ بِالأَسبَابِ الدُّعَاءَ النَّبَوِيَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا عِندَ التِّرمِذِيِّ: «اللَّهُمَّ اكفِنِي بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنِي بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ»، وَأَكثِرُوا مِنَ الاستِعَاذَةِ بِاللهِ مِن غَلَبَةِ الدَّينِ وَقَهرِ الرِّجَالِ.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا — رَحِمَكُمُ اللهُ — عَلَى نَبِيِّ الهُدَى وَالرَّحمَةِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ رَبُّ العِزَّةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَجُودِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأثَمِ وَالمَغرَمِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَمِنَ العَجزِ وَالكَسَلِ، وَمِنَ الجُبنِ وَالبُخلِ، وَمِن غَلَبَةِ الدَّينِ وَقَهرِ الرِّجَالِ. اللَّهُمَّ اقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِينَ، وَفَرِّجْ هَمَّ المَهمُومِينَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَرزَاقِنَا وَبُيُوتِنَا، وَارزُقنَا القَنَاعَةَ وَحُسنَ التَّدبِيرِ وَأَدَاءَ الحُقُوقِ إِلَى أَهلِهَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَوَفِّقهُم لِمَا فِيهِ خَيرُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
مِيزَانِيَّةُ البَيتِ وَصِيَانَةُ الأُسرَةِ مِن دُيُونِ المَظَاهِرِ: الإِفصَاحُ المَسؤُولُ بَينَ الزَّوجَينِ وَتَعظِيمُ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.