🕌 لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ... المَلاذُ الأَخِير
#خطبة_جمعة #التوحيد #الابتلاء #التوكل #الفرج #الرقائق #عقيدة
الحمدُ للهِ الذي بِيَدِهِ مَقاليدُ السَّماواتِ والأرض، يُجيبُ دَعوةَ المُضطَرِّ إذا دَعاه، ويَكشِفُ السُّوءَ عمَّن ناداه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، لا كاشِفَ للضُّرِّ سِواه، ولا مانِعَ لِما أعطاه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أعظَمُ مَن تَوَكَّلَ على رَبِّه، وأصدَقُ مَن لَجَأَ إلى مَولاه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أَيُّها الإخوَةُ المُؤمِنون، هَل وَقَفتُم يَوماً أمامَ بابٍ مُغلَقٍ، وانقَطَعَت بِكُم كُلُّ الأسباب؟ هَل جَرَّبتُم تِلكَ اللَّحظَةَ القاسِيَةَ التي تَتَلَفَّتُ فيها يَميناً وشِمالاً، تَبحَثُ عَن ظَهرٍ تَستَنِدُ إليه، أو يَدٍ تَمتَدُّ لِتُنجِدَك، فلا تَجِدُ أحَداً؟ هل شَعَرتُم يَوماً بِغُصَّةِ الخَوفِ تُطَوِّقُ الحَناجِر، وحِبالِ الدُّنيا تَتَقَطَّعُ حَبلاً حَبلاً، ولا يَبقى في السَّماءِ والأرضِ إلَّا حَقيقَةٌ واحِدَةٌ مُطلَقَة؟
تَأمَّلوا مَعي هَذِهِ الآيَةَ العَظيمَةَ التي تَهُزُّ الوِجدان، وتَختَصِرُ عَقيدَةَ التَّوحيدِ في سِتِّ كَلِماتٍ تَطرُقُ القُلوبَ قَبلَ الآذان. يَقُولُ رَبُّكُم تَبارَكَ وتَعالى في أواخِرِ سورَةِ النَّجم: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: 58].
كَلِماتٌ... هِيَ المَلاذُ الأَخِير. آيَةٌ... لَو نَزَلَت على جَبَلٍ لَرَأيتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً. هَذِهِ الآيَةُ ـ يا عِبادَ الله ـ جاءَت في السِّياقِ القُرآنيِّ تَتَحَدَّثُ عَن يَومِ القِيامَة، عَنِ "الآزِفَةِ" التي أَزِفَت، أيِ القِيامَةِ التي اقتَرَبَت ودَنَت. فَيَقُولُ اللهُ عَن أهوالِها وكُرُباتِها: لا أحَدَ يَكشِفُها، ولا أحَدَ يَعلَمُ وَقتَها، ولا أحَدَ يَدفَعُ عَذابَها... إلا الله! ولَكِنَّ عُلَماءَنا وأَئِمَّتَنا استَوقَفَتهُم هَذِهِ الآيَة، فَرأوا أنَّ عُمومَ لَفظِها يَتَّسِعُ لِيَشمَلَ كُلَّ نازِلَةٍ، وكُلَّ كُربَةٍ، وكُلَّ هَمٍّ، وكُلَّ ضِيقٍ يَأخُذُ بِخِناقِ الإِنسانِ في هَذِهِ الدُّنيا. فَمَا مِن كُربَةٍ تَنزِلُ بِك، ولا مِحنةٍ تُحيطُ بِك، إلا والحَقيقَةُ الكُبرى الماثِلَةُ أمامَك: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
واسمَعوا كَيفَ يُقَرِّرُ القُرآنُ هَذا المَعنى في مَوضِعٍ آخَر، لِيَقطَعَ كُلَّ التِفاتٍ لِغَيرِ الله، فَيَقولُ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: 17].
تَأمَّلوا كَلِمَة "يَمسَسك"؛ إنَّهُ مُجَرَّدُ مَسّ! شَيءٌ يَسيرٌ مِنَ الضُّرِّ، لَو مَسَّكَ اللهُ بِه، لا طَبيبَ، ولا غَنِيَّ، ولا مَسؤولَ، ولا قُوَّةَ في الأَرضِ تَستَطيعُ كَشفَه، إلا هُوَ سُبحانَه! فكَيفَ إذا كانَ الضُّرُّ غامِراً؟ وكَيفَ إذا كانَتِ المُصيبَةُ ساحِقَة؟
عِبادَ الله، نَحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ طَغَت فيهِ المادَّة، وكَثُرَت فيهِ الأسباب. إذا مَرِضَ أحَدُنا، كانَ أوَّلَ ما يَقفِزُ إلى ذِهنِهِ الطَّبيبُ والمُستَشفى. وإذا افتَقَرَ، تَبادَرَ إلى ذِهنِهِ المُديرُ والوَظيفَة. وإذا ظُلِم، فَزِعَ إلى المَحاكِمِ والمُحامين. وهَذا كُلُّهُ مِنَ الأخذِ بالأسبابِ المَشروعَةِ بَل والمَطلوبَة. ولَكِنَّ الخَطَرَ — كُلَّ الخَطَر — أن يَتَعَلَّقَ القَلبُ بِالسَّبَبِ ويَنسى "مُسَبِّبَ الأَسباب".
يَقولُ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب، يَقول: "الالتِفاتُ إلى الأسبابِ شِركٌ في التَّوحيد، ومَحوُ الأسبابِ أن تَكونَ أسباباً نَقصٌ في العَقل، والإِعراضُ عَنِ الأسبابِ كُلِّيَّةً قَدحٌ في الشَّرع".
نَعَم، نَأخُذُ بِالدَّواء، ولَكِن نُوقِنُ في قُلوبِنا أنَّ الدَّواءَ لا يَكشِفُ المَرَض... ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. نَسعى في طَلَبِ الرِّزق، ولَكِن نُوقِنُ أنَّ المُديرَ والوَظيفَةَ لا تَجلِبُ رِزقاً بِنَفسِها... ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
دَعُونا نَنتَقِلُ الآنَ زَماناً ومَكاناً، إلى قِصَّةٍ مِن أَعظَمِ قَصَصِ القُرآن، لِنَرى كَيفَ تَتَجَلَّى هَذِهِ الآيَةُ واقِعاً مَلموساً. تَخَيَّلوا مَعي نَبِيَّ اللهِ يُونُسَ عَلَيهِ السَّلام. غاضَبَ قَومَهُ وخَرَج، فَرَكِبَ السَّفينَة، ثُمَّ اقتَرَعوا فَوَقَعَتِ القُرعَةُ عَلَيه، فَأُلقِيَ في البَحرِ الهائِجِ المُظلِم!
تَصَوَّروا المَشهَد: رَجُلٌ يَسقُطُ في بَحرٍ عَميقٍ ليلاً. المُصيبَةُ هُنا بَلَغَت مُنتَهاها، ولَكِنَّ الأَمرَ لَم يَقِف هُنا! بَل يُرسِلُ اللهُ حُوتاً عِملاقاً فَيَبتَلِعُه. أطبَقَ عَلَيهِ فَمُ الحُوت. ظُلمَةُ اللَّيل، في ظُلمَةِ البَحر، في ظُلمَةِ بَطنِ الحُوت.
لَو سَأَلتُم أيَّ عاقِلٍ في الأَرض: هَل هُناكَ سَبَبٌ واحِدٌ لِلنَّجاة؟ هَل هُناكَ هاتفٌ يَتَّصِلُ بِه؟ هَل هُناكَ فِرقَةُ إنقاذٍ تَسمَعُه؟ لَقَد تَقَطَّعَت جَميعُ أسبابِ الأَرض. الجَوابُ المادِّيُّ: مُستَحيل.
ولَكِن، في هَذا الضِّيقِ المُستَحيل، تَحَرَّكَ التَّوحيدُ الصَّافي. أدرَكَ يُونُسُ أنَّ الكُربَةَ قَد بَلَغَت مَبلَغاً: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. فماذا صَنَع؟ ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
لَم يَطلُبِ النَّجاةَ صَراحَةً، لَم يَقُل "يا رَبِّ أَخرِجني"، بَلِ اكتَفى بِتَنزيهِ رَبِّهِ والاعتِرافِ بِظُلمِ نَفسِه! فَماذا كانَ الجَوابُ مِن سابِعِ سَماء؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! ويا لَرَحمَةِ هَذا الرَّبِّ الكَريم! سَمِعَ هَمسَةً في قاعِ المُحيط، فَأَمَرَ الحُوتَ ألا يَخدِشَ لَهُ لَحماً، وأمَرَ البَحرَ ألا يُغرِقَه، ثُمَّ ألقاهُ بِالسَّاحِل. لِأَنَّهُ لا كاشِفَ لِلغَمِّ إلا هُو. ولِهَذا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ لَنا، واضِعاً طَوقَ النَّجاةِ في أيدينا: «دَعوَةُ ذي النُّونِ إذ دَعا وهُوَ في بَطنِ الحُوتِ: لا إلهَ إلَّا أنتَ سُبحانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمينَ؛ فَإنَّهُ لَم يَدعُ بِها رَجُلٌ مُسلِمٌ في شَيءٍ قَطُّ إلَّا استَجابَ اللَّهُ لَه» (رواهُ التِّرمِذيُّ بِسَنَدٍ صَحيح).
أيُّها المُسلِمون، وما قَرَّرَهُ الوَحيُ في قِصَّةِ يُونُس، نَراهُ ماثِلاً في واقِعِنا كُلَّ يَوم. كم مِنَّا مَن وَقَفَ في قاعَةِ الانتِظارِ في المُستَشفى، والطَّبيبُ يَخرُجُ مُنَكِّسَ الرَّأسِ يَقول: "لَقَد فَعَلنا كُلَّ ما نَستَطيع... الطِّبُّ عاجِز... الباقي على الله". في تِلكَ اللَّحظَةِ، يَنقَشِعُ وَهمُ الدُّنيا. يَتَلاشى غُرورُ العِلم. يَقِفُ الإِنسانُ عارِياً أمامَ ضَعفِه، وتَضرِبُ هَذِهِ الآيَةُ في عُمقِ رُوحِه: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. وكَم مِن مَريضٍ رَدَّهُ الأطِبَّاء، فَرَفَعَ يَدَيهِ في ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِر، يَبكي، يَتَضَرَّع، فَيَأتي الشِّفاءُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِب، لِيُثبِتَ اللهُ لِلخَلقِ أنَّ مَقاليدَ الأُمورِ بِيَدِه!
هَل تَتَذَكَّرونَ قِصَّةَ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ التي قَصَّها النَّبِيُّ ﷺ عَلَينا؟ هَؤُلاءِ ثَلاثَةُ رِجالٍ آوَوا إلى غارٍ لِيَبيتوا فيه، فانحَدَرَت صَخرَةٌ عَظيمَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّت عَلَيهِم بابَ الغار! لا أَدَوات، لا اتِّصالات، لا أحَدَ يَسمَعُ صُراخَهُم بَينَ الجِبال. انقَطَعَتِ الأسبابُ المادِّيَّةُ تَماماً. ماذا قالوا بَعضُهُم لِبَعض؟
قالوا المَعنى نَفسَه الذي نَتَحَدَّثُ عَنهُ اليَوم، بِاختِلافِ الألفاظ: «إِنَّهُ لاَ يُنجِيكُم مِن هَذِهِ الصَّخرَةِ إِلاَّ أَن تَدعُوا اللَّهَ بِصالِحِ أَعمالِكُم». فتَوَسَّلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم بِأَصدَقِ عَمَلٍ أخلَصَ فيهِ لله: بِرُّ الوالِدَين، كَمالُ العِفَّة، وكَمالُ الأمانَة. فانفَرَجَتِ الصَّخرَةُ وخَرَجوا يَمشون!
فيا مَن تُثقِلُهُ الدُّيونُ حَتَّى لا يَنامَ اللَّيل، ويا مَنِ ابتُلِيَ بِمَرَضٍ استَعصى أَلَمُه، ويا مَن يُعاني عُقوقاً أدمى قَلبَه، ويا مَن طالَ عَلَيهِ هَمٌّ لَم يَجِد لَهُ مُتَنَفَّساً... لِماذا تَطرُقُ أبوابَ البَشَرِ وتَنسى بابَ رَبِّ البَشَر؟ لِماذا تَشكُو الرَّحيمَ إلى مَن لا يَرحَم؟
يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].
واسمَعوا هَذا القَولَ النَّفيسَ لِلإمامِ ابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله، حينَ يَكشِفُ لَنا سِرّاً مِن أسرارِ حِكمَةِ اللهِ في الابتِلاء، يَقول: "لَولا مِحَنُ الدُّنيا ومَصائِبُها، لَأَصابَ العَبدَ مِن أدواءِ الكِبرِ والعُجبِ والفَرَحنَةِ ما يَكونُ فيه هَلاكُه عاجِلاً وآجِلاً. فَمِن رَحمَةِ أرحَمِ الرَّاحِمينَ أن يَتَفَقَّدَهُ في الأحيانِ بِأنواعٍ مِن أدوِيَةِ المَصائِبِ، تَكونُ حِميَةً لَهُ مِن هَذِهِ الأَدواء".
نَعَم يا إخوَتي... أحياناً يُغلِقُ اللهُ كُلَّ الأبوابِ في وَجهِك، وتَجِدُ الصُّدودَ مِن كُلِّ مَن حَولِك، لِتَبقى وَحيداً لا تَملِكُ إلا الدُّعاء، لِيَسمَعَ اللهُ صَوتَك! فَهوَ يُحِبُّ أن يَسمَعَ أنينَ المُضطَرِّين، وتَضَرُّعَ المَكروبين.
ثُمَّ اعلَموا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد أَسَّسَ هَذِهِ العَقيدَةَ الراسِخَةَ في قَلبِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما وهُوَ غُلامٌ صَغير، حَتَّى يُنَشِّئَ جِيلاً لا يَخافُ إلَّا الله، ولا يَرجُو إلَّا الله. قالَ لَه الكَلِماتِ التي يَجِبُ أن تُحفَظَ في قَلبِ كُلِّ مُسلِم: «يا غُلامُ إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احفَظِ اللَّهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدهُ تُجاهَكَ، إذا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللَّهَ، وإذا استَعَنتَ فَاستَعِن بِاللَّهِ، واعلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت على أن يَنفَعوكَ بِشَيءٍ لَم يَنفَعوكَ إلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولَوِ اجتَمَعوا على أن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُف» (رواهُ التِّرمِذِيُّ وقالَ حَسَنٌ صَحيح).
هَذِهِ هِيَ العَقيدَةُ التي تُريحُ القَلب، وتَطوي المَسافات. لَو أنَّ الأُمَّةَ بِجُيوشِها وطاقاتها ومُستَشفَياتِها اجتَمَعَت لِتَكشِفَ ضُرّاً لَم يُرِدِ اللهُ كَشفَه... لَما استَطاعوا. ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2].
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ حَقيقَةِ التَّوحيدِ الصَّافِيَة في قَولِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. ورَأَينا كَيفَ تَقَطَّعَتِ الأسبابُ بيُونُسَ عَلَيهِ السَّلامُ وبأَصحابِ الغار، وكَيفَ كانَ اللُّجوءُ إلى اللهِ هُوَ المَخرَجَ الوَحيد. واليَوم، ونَحنُ نَخرُجُ مِن هَذا المَسجِد، إلى واقِعٍ مَليءٍ بِالهُمومِ والمَتاعِب، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَلِيُّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذِهِ الآيَةَ إلى واقِعٍ نَعيشُه في لَحظاتِ الأَزَمات؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، اجعَلوها مِنهَجَ حَياة:
الأُولى (قَلبيَّة): اقطَعُوا حِبالَ التَّعَلُّقِ السِّرِّيِّ بِالبَشَر. لا تَقولوا "لَولا فُلانٌ لَضاعَت وَظيفَتي"، ولا "لَولا الطَّبيبُ لَماتَ المَريض". اجعَلوا قُلوبَكُم مُعَلَّقَةً بِاللهِ وَحدَه، والجَوارِحَ تَأخُذُ بِالسَّبَب. اللهُ يَغارُ على قَلبِ عَبدِهِ المُؤمِنِ أن يَلتَفِتَ لِغَيرِه.
الثَّانِيَة (لِسانيَّة): العَقُوا ألسِنَتَكُم بِدَعوَةِ المَكروب: «لا إلهَ إلَّا أنتَ سُبحانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمين». فواللهِ ما لَزِمَها مَهمومٌ بِصِدقٍ إلَّا فَرَّجَ اللهُ هَمَّه. اجعَلوها وِرداً في سُجودِكُم، وفي خَلَواتِكُم.
الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): إذا نَزَلَت بِكَ كُربَةٌ، فاجعَل صَدَقَةَ السِّرِّ سِلاحَك. فَقَد ثَبَتَ عَن أئِمَّةِ السَّلَفِ أنَّ الصَّدَقَةَ الخَفِيَّةَ تَدفَعُ البَلاءَ المَبرَم. لا تَنتَظِرِ الفَرَجَ مَكتوفَ الأَيدي، بَل بادِر إلى مُحتاجٍ وسُدَّ جوعَتَه، لِيَسُدَّ اللهُ خَلَّتَك.
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): فَرِّج كُربَةَ غَيرِك، لِيُفَرِّجَ اللهُ كُربَتَك. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ومَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ كُربَةً مِن كُرُباتِ يَومِ القِيامَة». سَخِّر جاهَك، أو مالَك، أو كَلِمَةً طَيِّبَةً لِإعانَةِ مَكروب، وتَأَكَّد أنَّ الجَزاءَ مِن جِنسِ العَمَل.
الخامِسَة (مَوضوعِيَّة بِالخُطبَة): عِندَما تَسقُطُ في مُصيبَةٍ مُفاجِئَة، قَبلَ أن تَرفَعَ هاتِفَكَ لِلاتِّصالِ بِأيِّ مَخلوق، اخرِر ساجِداً بَينَ يَدَيِ الخالِق. اجعَل أوَّلَ شَكواكَ لِمَن يَملِكُ الحَلَّ، لا لِمَن لا يَملِكُ لِنَفسِهِ ضَرّاً ولا نَفعاً.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن تَرَكَ الأبوابَ كُلَّها ولَجَأَ إلى بابِ الله، لَم يُرجِعهُ خائِباً أَبَداً. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، فَقَد قالَ رَبُّكُم في مُحكَمِ كِتابِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ التَّابِعين.
اللَّهُمَّ يا مَن لا يَكشِفُ الضُّرَّ إلا هُو، ويا مَن لا يُجيبُ المُضطَرَّ إلا هُو، ويا مَن ليسَ لَها مِن دُونِهِ كاشِفَة...
اللَّهُمَّ إنَّا نَشكُو إلَيكَ ضَعفَ قُوَّتِنا، وقِلَّةَ حيلَتِنا، وهَوانَنا على النَّاس.
اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا مَهموماً فَفَرِّج هَمَّه، ومَن كانَ مَكروباً فَنَفِّس كَربَه، ومَن كانَ مَديوناً فاقضِ دَينَه، ومَن كانَ مَريضاً أو لَهُ مَريضٌ فاشفِهِ شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَماً.
اللَّهُمَّ لا تَكِلنا إلى أنفُسِنا طَرفَةَ عَينٍ ولا أَقَلَّ مِن ذَلِك. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِك، وبِمُعافاتِكَ مِن عُقوبَتِك.
اللَّهُمَّ فَرِّج عَنِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِهِم، وآمِن رَوعاتِهِم، واستُر عَوراتِهِم، وكُن لَهُم ناصِراً ومُعيناً يا حَيُّ يا قَيُّوم.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فَاذكُرُوا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ... المَلاذُ الأَخِير
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.