🕌 رِحْلَةٌ إِلَى دَارِ السَّلَامِ.. حَيْثُ لَا هَمَّ وَلَا حَزَن
#خطبة_جمعة #الجنة #اليوم_الآخر #وعد_الله #نعيم_الجنة #إيمانيات #رقائق #الجنة_ونعيمها
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
تَخَيَّلُوا مَعِي يَا عِبَادَ اللَّهِ.. أَنْ تَسْتَيْقِظُوا غَدًا، فَلَا تَجِدُوا أَلَمًا فِي جَسَدٍ، وَلَا هَمًّا فِي قَلْبٍ، وَلَا فِرَاقًا لِحَبِيبٍ. دَارٌ لَيْسَ فِيهَا كَبِدٌ وَلَا مَشَقَّةٌ، أَعْدَدْنَا لَهَا قَلِيلًا، وَلَكِنَّ عَطَاءَهَا يَفُوقُ كُلَّ خَيَالٍ. لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِيهَا تُنْسِي أَلَمَ عُمُرٍ كَامِلٍ؛ فَمَا هِيَ تِلْكَ اللَّحْظَةُ؟ وَكَيْفَ نَحْجِزُ مَقْعَدَنَا هُنَاكَ؟ بَعْدَ قَلِيلٍ سَنُبْحِرُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، نَحْنُ فِي دَارِ ابْتِلَاءٍ وَامْتِحَانٍ، خَلَقَنَا اللَّهُ فِيهَا لِنَكْدَحَ وَنَتْعَبَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. فَلَا صِحَّةٌ تَدُومُ، وَلَا شَبَابٌ يَبْقَى، وَلَا شَيْءٌ عَلَى حَالِهِ يَسْتَقِرُّ. الْمَالُ يَفْنَى، وَالْأَحِبَّةُ يَرْحَلُونَ، وَالْأَجْسَادُ تَهْرَمُ. كُلَّمَا بَنَيْنَا قَصْرًا فِي الدُّنْيَا، ذَكَّرَتْنَا الْأَيَّامُ أَنَّنَا مُفَارِقُوهُ.
وَلَكِنَّ اللَّهَ الْكَرِيمَ، الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ، لَمْ يَخْلُقْنَا لِلشَّقَاءِ. بَلْ أَعَدَّ لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ دَارًا لَيْسَتْ كَهَذِهِ الدَّارِ. دَارًا اسْمُهَا "الْجَنَّةُ".
هَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ يَوْمًا: مَا هِيَ الْجَنَّةُ؟
إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَدِيقَةٍ فِيهَا أَشْجَارٌ وَأَنْهَارٌ.. إِنَّهَا الْعِوَضُ الرَّبَّانِيُّ الْعَظِيمُ عَنْ كُلِّ دَمْعَةٍ سَقَطَتْ فِي الدُّنْيَا حُزْنًا، وَعَنْ كُلِّ مَرَضٍ أَنْهَكَ الْجَسَدَ، وَعَنْ كُلِّ صَبْرٍ تَجَرَّعْتَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
يَقُولُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا سُئِلَ: "مَتَى يَجِدُ الْعَبْدُ طَعْمَ الرَّاحَةِ؟"، قَالَ كَلِمَةً خَالِدَةً: "عِنْدَ أَوَّلِ قَدَمٍ يَضَعُهَا فِي الْجَنَّةِ!".
قَبْلَ ذَلِكَ، لَا رَاحَةَ، وَلَا مُسْتَقَرَّ.
تَخَيَّلُوا مَعِي مَشْهَدَ الدُّخُولِ. قَدِ انْتَهَى الْحِسَابُ، وَتَجَاوَزَ الْمُؤْمِنُونَ الصِّرَاطَ، وَوَقَفُوا أَمَامَ أَبْوَابٍ عَظِيمَةٍ لَا يُدْرِكُ الْعَقْلُ سَعَتَهَا. أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ تُفْتَحُ لَهُمْ.
يَقُولُ سُبْحَانَهُ مُصَوِّرًا هَذَا الْمَشْهَدَ الْمَهِيبَ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73].
تَأَمَّلُوا كَلِمَةَ ﴿طِبْتُمْ﴾.. طَابَتْ قُلُوبُكُمْ بِالْإِيمَانِ، وَطَابَتْ جَوَارِحُكُمْ بِالطَّاعَةِ، فَلَا يَسْكُنُ الْجَنَّةَ إِلَّا الطَّيِّبُونَ.
تَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَتَرَى عَجَبًا. يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ».
هَلْ حَاوَلْتَ يَوْمًا أَنْ تَتَخَيَّلَ بِنَاءَهَا؟
لَقَدْ سَأَلَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ، مَا بِنَاؤُهَا؟ فَوَصَفَهَا بِوَصْفٍ يُذْهِلُ الْعُقُولَ، قَالَ: «لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلْهَا يَنْعَمْ وَلَا يَبْأَسْ، وَيَخْلُدْ وَلَا يَمُوتْ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].
...
تَأَمَّلْ.
بُيُوتٌ تُبْنَى مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ! لَيْسَتْ طِينًا وَلَا حَجَرًا. وَالطِّينُ الَّذِي يُمْسِكُ بَيْنَ لَبِنَاتِهَا هُوَ الْمِسْكُ خَالِصُ الرَّائِحَةِ! فَكَيْفَ تَكُونُ حَيَاةُ مَنْ يَمْشِي فِي دَارٍ تُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَحَصَاهَا اللُّؤْلُؤُ؟
وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يُلِحُّ عَلَى قُلُوبِنَا: كَيْفَ وَصَلُوا إِلَى هُنَاكَ؟
اسْتَمِعُوا إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ، قِصَّةِ شَابٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ، خَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهُوَ يَرْجُو عَفْوَ اللَّهِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ طَائِشٌ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ الْقِتَالُ فَمَاتَ. شَابٌّ فِي مُقْتَبَلِ الْعُمُرِ، اسْمُهُ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
جَاءَتْ أُمُّهُ مَفْجُوعَةً بَاكِيَةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإِنْ تَكُ الْأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنَعُ؟!". هِيَ أُمٌّ مَحْرُوقَةُ الْقَلْبِ.
فَمَاذَا قَالَ لَهَا صَادِقُ الْوَعْدِ ﷺ؟ لَمْ يَقُلْ لَهَا هُوَ فِي الْجَنَّةِ فَحَسْبُ.. بَلْ قَالَ لَهَا مُتَعَجِّبًا: «وَيْحَكِ يَا أُمَّ حَارِثَةَ! أَوَ جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى!» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! شَابٌّ خَرَجَ صَادِقَ النِّيَّةِ، فَلَمْ يَنَلْ جَنَّةً عَادِيَّةً، بَلْ نَالَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى، حَيْثُ سَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ! كَمْ مِنْ حَارِثَةَ بَيْنَنَا الْيَوْمَ فِي قُلُوبِهِمْ صِدْقٌ مَعَ اللَّهِ يَجْعَلُهُمْ يَسْبِقُونَ صِيَامَ الصَّائِمِينَ وَقِيَامَ الْقَائِمِينَ؟
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، لَيْسَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ مَحْصُورًا فِي الْبِنَاءِ وَالْأَنْهَارِ. بَلْ هُنَاكَ نَعِيمٌ نَفْسِيٌّ عَظِيمٌ فَقَدْنَاهُ فِي الدُّنْيَا. فِي الْجَنَّةِ.. لَا حِقْدَ، وَلَا حَسَدَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا مَرَضَ نَفْسِيًّا وَلَا عُقْدَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].
فِي الْجَنَّةِ، تَجْلِسُ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَهُمْ وَفَارَقْتَهُمْ فِي الدُّنْيَا، تَتَذَاكَرُونَ أَيَّامَ الدُّنْيَا كَيْفَ مَضَتْ وَانْقَضَتْ. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 25-27].
يَا لَرَوْعَةِ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ! يَوْمَ تَحْتَضِنُ فِيهِ أُمَّكَ الَّتِي بَكَيْتَ عَلَى قَبْرِهَا الدَّمْعَ دَمًا. وَيَوْمَ تَضُمُّ فِيهِ أَبَاكَ الَّذِي قُصِمَ ظَهْرُكَ لِرَحِيلِهِ. وَيَوْمَ تَلْتَقِي بِوَلَدِكَ الَّذِي غَادَرَكَ صَغِيرًا فَأَخَذَ قِطْعَةً مِنْ قَلْبِكَ مَعَهُ. هُنَاكَ اللِّقَاءُ الَّذِي لَا وَدَاعَ بَعْدَهُ أَبَدًا.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ وَاضِعًا أَمَامَنَا حَقِيقَةَ النَّعِيمِ النَّفْسِيِّ: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَيُعْقَلُ أَنْ نَسْمَعَ هَذَا كُلَّهُ، ثُمَّ نَبِيعَهُ بِشَهْوَةِ سَاعَةٍ؟ أَوْ نُضَيِّعَهُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ؟ كَيْفَ نَرْضَى بِالدُّونِ وَنَحْنُ مَدْعُوُّونَ لِضِيَافَةِ مَلِكِ الْمُلُوكِ سُبْحَانَهُ؟
اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ الَّتِي تُذِيبُ الْقَلْبَ. إِنَّهَا قِصَّةُ آخِرِ رَجُلٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. لَيْسَ أَوَّلَهُمْ، بَلْ آخِرُ وَاحِدٍ يَدْخُلُهَا بَعْدَ أَنْ تُمَحَّصَ ذُنُوبُهُ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ اللَّهُ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. هَذَا الرَّجُلُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، وَيُلْتَفَتُ إِلَيْهَا وَيَقُولُ: "تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ!". هُوَ يَظُنُّ أَنَّ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ وَحْدَهَا هِيَ أَعْظَمُ نَعِيمٍ.
يُقَرِّبُهُ اللَّهُ إِلَى الْجَنَّةِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَرَى مَشَاهِدَهَا، فَيَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَهُ إِيَّاهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ - أَيْ مَا يَقْطَعُ الْمَسْأَلَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ - أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟».
يَتَعَجَّبُ الرَّجُلُ! كُلُّ الدُّنْيَا بِمُلُوكِهَا وَذَهَبِهَا وَبِحَارِهَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ؟ فَيَقُولُ دَهْشَةً: «يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟!».
فَيَضْحَكُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُ لِلصَّحَابَةِ: «أَلَا تَسْأَلُونِّي مِمَّ أَضْحَكُ؟». قَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ لَهُ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ!» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ آخِرِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، يُعْطَى عِشْرَةَ أَضْعَافِ كَوْكَبِ الْأَرْضِ.. فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْزِلَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ مَا بَالُكُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ؟ وَمَا بَالُكُمْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ؟
يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَلِمَةً تَهْزُّ الْأَرْوَاحَ: "يَا ابْنَ آدَمَ، أَنْتَ طَرِيدُ الْجَنَّةِ! أُخْرِجْتَ مِنْهَا بِذَنْبٍ.. فَهَلْ يَقَرُّ لِلْمَنْفِيِّ قَرَارٌ حَتَّى يَعُودَ إِلَى دَارِهِ الْأُولَى؟".
نَحْنُ لَسْنَا أَبْنَاءَ الْأَرْضِ، نَحْنُ أَبْنَاءُ الْجَنَّةِ. وَطَنُنَا الْأَصْلِيُّ هُنَاكَ، وَهُنَا نَحْنُ فِي غُرْبَةٍ. فَكَيْفَ يَأْنَسُ غَرِيبٌ بِدَارِ مَمَرٍّ وَيَنْسَى مَوْطِنَهُ الْأَبَدِيَّ؟
...
وَهُنَا نَصِلُ إِلَى الْأَمْرِ الْأَعْظَمِ.
هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ قُصُورَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هِيَ أَعْلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ؟
هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ أَنْهَارَ الْعَسَلِ وَالْخَمْرِ الَّتِي لَا تُسْكِرُ، وَأَنْهَارَ اللَّبَنِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ طَعْمُهَا هِيَ أَقْصَى مَا يَحْلُمُ بِهِ الْمُؤْمِنُ؟
اسْمَعُوا لِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يُذْرِفُ مَدَامِعَ الصَّالِحِينَ. حَدِيثٌ رَوَاهُ صُهَيْبٌ الرُّومِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ هِيَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ!
يَا لَهَا مِنْ لَحْظَةٍ! يَكْشِفُ الْحِجَابَ عَنْ وَجْهِهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَيَنْظُرُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى خَالِقِهِمْ الَّذِي عَبَدُوهُ فِي الدُّنْيَا دُونَ أَنْ يَرَوْهُ. الَّذِي دَعَوْهُ فِي اللَّيَالِي الْمُظْلِمَةِ وَهُمْ يَبْكُونَ، الَّذِي صَامُوا لَهُ الْهَوَاجِرَ وَهُمْ يَعْطَشُونَ.. يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ الْعَيْنِ، يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23].
عِنْدَهَا يُنْسَى نَعِيمُ الْقُصُورِ، وَتُتْرَكُ أَنْهَارُ الْعَسَلِ، لِأَنَّ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ لَا يُعَادِلُهَا شَيْءٌ فِي وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَلَكِنْ.. هَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ: هَلْ أَنَا مِنْهُمْ؟
هَلْ وَجْهِي سَيَكُونُ نَاضِرًا يَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ، أَمْ سَأَكُونُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ الْقَهَّارُ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]؟
وَاللَّهِ إِنَّهُ لَحِرْمَانٌ لَيْسَ بَعْدَهُ حِرْمَانٌ. أَنْ تَعِيشَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ تُحْرَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَتُحْرَمَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّ الْجَنَّةِ.
يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَحَلِّقًا بِنَا إِلَى الْمَرَاتِبِ الْعُلْيَا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ ۖ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: 51-57].
فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، وَاعْمَلُوا لِهَذِهِ الدَّارِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، فَإِنَّ السِّلْعَةَ غَالِيَةٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. السِّلْعَةُ لَا تُنَالُ بِالْأَمَانِيِّ وَالرُّكُونِ إِلَى الْكَسَلِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالصِّدْقِ وَالْمُجَاهَدَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🔷 الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، حَلَّقْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى فِي سَمَاءِ ذَلِكَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَرَأَيْنَا كَيْفَ تُفَتَّحُ الْأَبْوَابُ، وَكَيْفَ يَنْتَقِلُ الْعَبْدُ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى قُصُورِ الْجَنَّةِ، وَتَأَمَّلْنَا أَعْظَمَ نَعِيمٍ وَهُوَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. وَالْآنَ، بَقِيَ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ، السُّؤَالُ الْعَمَلِيُّ الَّذِي يُحَدِّدُ مَصِيرَنَا حَقًّا: مَا هُوَ مَهْرُ هَذِهِ الْجَنَّةِ؟ وَكَيْفَ نَدْفَعُ ثَمَنَهَا وَنَحْنُ لَا نَزَالُ نَتَنَفَّسُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ؟
لَا أُخْفِيكُمْ، الْأَمْرُ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. لِذَلِكَ أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي، فَخُذُوهَا وَلَا تُضَيِّعُوهَا:
الْأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): أَخْلِصُوا نِيَّاتِكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. إِنَّ الْعَمَلَ لَوْ كَانَ جَبَلًا، وَلَيْسَ فِيهِ إِخْلَاصٌ، فَهُوَ هَبَاءٌ مَنْثُورٌ. مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، اجْعَلْ حَيَاتَكَ وَطُمُوحَكَ وَحَرَكَتَكَ كُلَّهَا مُوَجَّهَةً لِنَيْلِ رِضْوَانِهِ، وَاصْدُقْ مَعَهُ فِي سِرِّكَ قَبْلَ عَلَانِيَتِكَ. هَذَا هُوَ ثَمَنُ الْجَنَّةِ الْأَكْبَرِ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): لَا تَسْأَمُوا مِنْ دُعَاءِ اللَّهِ أَنْ يَرْزُقَكُمُ الْجَنَّةَ. قَالُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. فَاجْعَلُوا فِي سُجُودِكُمُ اللَّيْلَةَ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ دَعْوَةً لَا تَنْقَطِعُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى"، فَاللَّهُ كَرِيمٌ لَا يَرُدُّ مَنْ أَلَحَّ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): حَافِظُوا عَلَى فَرَائِضِكُمْ، وَعَلَى رَأْسِهَا الصَّلَاةُ. لَا جَنَّةَ لِتَارِكِ الصَّلَاةِ! حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا، ثُمَّ أَتْبِعُوهَا بِالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]. فَهَلْ تَبْخَلُ بِبِضْعِ دَقَائِقَ لِتَبْنِيَ قَصْرًا لَا يُهْدَمُ؟!
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): سَلِّمُوا الصُّدُورَ مِنْ غَوَائِلِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ. إِنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْجَنَّةَ لِأَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَلَيْسَ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. الْيَوْمَ.. نَعَمِ الْيَوْمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، سَامِحْ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَصِلْ مَنْ قَطَعَكَ مِنْ أَرْحَامِكَ.. فَالْجَنَّةُ لَا يَدْخُلُهَا قَاطِعُ رَحِمٍ كَمَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ.
الْخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): اقْرَؤُوا سُورَةَ "الْوَاقِعَةِ" أَوْ "الرَّحْمَنِ" أَوْ "الْإِنْسَانِ" اللَّيْلَةَ بِتَدَبُّرٍ فِي بُيُوتِكُمْ، وَتَأَمَّلُوا أَوْصَافَ النَّعِيمِ فِيهَا، لِتَبْقَى صُورَةُ الْجَنَّةِ مَحْفُورَةً فِي أَذْهَانِكُمْ خِلَالَ زِحَامِ الْحَيَاةِ، فَكُلَّمَا دَعَتْكُمْ نَفْسٌ لِمَعْصِيَةٍ، رَأَيْتُمْ هَذَا النَّعِيمَ، فَتَرَكْتُمْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ لِلَّهِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِ رَبِّكُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.
اللَّهُمَّ يَا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا تَحْرِمْنَا النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَلَا لَذَّةَ الشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ.
اللَّهُمَّ بَيِّضْ وُجُوهَنَا يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وَارْزُقْنَا مُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ جَمِيعًا مَعَ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَأَحِبَّتِنَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.