من مكتبة مِداد الخطيب

🕌 مَفاتيحُ الفَرَج... وبَشائرُ انقِشاعِ الغُمَّة

مشاركة
🕌 مَفاتيحُ الفَرَج... وبَشائرُ انقِشاعِ الغُمَّة #خطبة_جمعة #الصبر #الثقة_بالفرج #رفع_البلاء #حسن_الظن_بالله #الابتلاء #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصَّبرَ ضِياءً، وبَسَطَ للمُنكَسِرينَ بالرَّحمةِ رَجاءً، وقَضَى بحِكمَتِهِ البالغةِ أنَّ معَ العُسرِ يُسرًا، وأنَّ في طَيَّاتِ المَكارِهِ رِفعةً وأجرًا. أحمَدُهُ سبحانَهُ وتَعالى حَمدَ الرَّاضينَ بقَضائِه، الشَّاكِرينَ لآلائِه، الواثِقينَ بحُسنِ تَدبيرِهِ ولَطائفِ عَطائِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، بيَدِهِ مَقاليدُ السَّمواتِ والأرض، كاشِفُ البَلوَى، وسامِعُ النَّجوَى، ومَلجَأُ العِبادِ في الضَّرَّاءِ والسَّرَّاء. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ الصَّابرين، وسيِّدُ الشَّاكرين، الذي ابتُلِيَ فصَبَر، وأُوذِيَ فظَفَر، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابتِهِ الأبرار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ واقتَفَى أثَرَهُم إلى يومِ القَرار. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، هل تساءَلتُم يومًا: لماذا يَجعَلُ اللهُ الفَرَجَ دائمًا في اللَّحظةِ التي تَبلُغُ فيها الحِيلَةُ مُنتَهاها، ويَنقَطِعُ فيها حَبلُ الرَّجاءِ من الخَلق؟ إنَّ كَثافةَ الظَّلامِ ليستْ نِهايةَ الكَون، بل هي البَشيرُ الصَّادقُ بانبثاقِ الفَجر، وثِقَلَ البَلاءِ ليس عَلامةَ هَوانِ العبدِ على ربِّه، بل هو مَحضَنُ صِناعَتِهِ ورِفعتِه؛ وهُناكَ حقائقُ إيمانيَّةٌ متى استَقَرَّتْ في قَلبِ المَكروبِ استَحالَتْ مِحنَتُهُ إلى أعظَمِ مِنحَة، وهو ما سنَقِفُ عليه سَويًّا في هذه الموعظة. أيُّها المؤمنون، إنَّ هذه الدُّنيا لم تُخلَقْ لتَكونَ دارَ قَرار، ولا أُنشِئَتْ لتَصفوَ لِحَيٍّ من الأكدار. إنَّها دارُ مَمَرٍّ ومَيدانُ ابتِلاء، ما سَلِمَ من وَعثائِها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسَل، ولو كانَتِ السَّلامةُ من البَلاءِ كرامةً لكانَ أولى الناسِ بها صفوةُ الخَلقِ وخاتَمُ الرُّسُلِ ﷺ. لكنَّ الحِكمةَ الإلهيَّةَ مَضَتْ بأنْ تَكونَ شَدائدُها مَطايا للأُجور، وكُروبُها مَغاسِلَ للأوزار. ألا تَسمَعونَ لنداءِ ربِّكم جلَّ في عُلاه وهو يُهَيِّئُ قُلوبَ أولياءِهِ لِمُلاقاةِ الأقدار؟ يقولُ سبحانَه وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. تأمَّلوا يا عبادَ الله! لم يَقُلْ ربُّنا: ولَنَبتَلِيَنَّكُم بالخَوفِ كُلِّه، بل قال: ﴿بِشَيْءٍ﴾، شيءٍ قليلٍ يَختَبِرُ به اليَقين، ويُمَيِّزُ به الصَّادقَ من المُدَّعِي. ثمَّ أتبَعَ ذلك بالبِشارةِ العُظمى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾؛ فمَن هُم؟ إنَّهم الذين رَسَخَتْ في نُفوسِهم حقيقةُ المِلكيَّة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، مِلكًا وعَبيدًا وتَصريفًا، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، مَآلًا ومُنقَلَبًا وجَزاءً. فأينَ يَذهَبُ هَمُّ مَن عَلِمَ أنَّهُ مِلكٌ لله، وأنَّ مَرجِعَهُ إلى أرحَمِ الرَّاحمين؟ واسمَعوا إلى التَّأكيدِ القرآنيِّ القاطعِ في سورة العنكبوت، حيثُ يَقطَعُ المولى تبارَكَ وتعالى دابِرَ الوَهمِ بأنَّ الإيمانَ كَلِمةٌ تُقالُ بِلا اختِبار: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. فالبَلاءُ — رَحِمَكُم الله — ليس نِقمةً مَحضَة، بل هو مِعيارُ صِدق، ومِيزانُ رِفعة. سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ: أيُّ النَّاسِ أشدُّ بَلاءً؟ فجاءَ الجوابُ النَّبويُّ القاطِعُ الذي يَشفِي صُدورَ المُبتَلَين؛ قالَ ﷺ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح). تَأَمَّلوا هذا المشهد: يَمشي على الأرضِ ليسَ عليهِ ذَنبٌ واحد! أيُّ طَهارةٍ هذه؟ وأيُّ كَنزٍ ذَخَرَهُ اللهُ لِصاحِبِ البَلاءِ حينَ يُغادِرُ دُنياهُ نَقِيًّا كالثَّوبِ الأبيض؟ قالَ الإمامُ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رحمهُ الله تعالى: "لا يَبلُغُ العَبدُ حَقيقةَ الإيمانِ حتَّى يَعُدَّ البَلاءَ نِعمَةً، والرَّخاءَ مُصيبَةً؛ وذلكَ لأنَّ البَلاءَ يَدفَعُهُ إلى الله، والرَّخاءَ قد يَشغَلُهُ عنهُ". ومِن هُنا نَفْهَمُ تِلكَ الدَّهشَةَ الإيمانيَّةَ العميقةَ التي عَبَّرَ عنها الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ حينَ قال: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له» (رواه مسلم). أيُّها المسلمون، إنَّ المَقَامَ الذي يَطلُبُهُ اللهُ منَّا عندَ الشَّدائدِ هو مَقامُ "الصَّبرِ الجَميل". فما هو الصَّبرُ الجَميل؟ يُبَيِّنُ لنا الإمامُ ابنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في كتابه «مدارج السالكين» حقيقةَ هذا المَقامِ فيقول: "الصَّبرُ الجَميلُ هو الذي لا شَكوَى فيهِ إلى الخَلقِ، وحَبسُ النَّفْسِ عن التَّسَخُّطِ بالمَقدور، وحَبسُ اللِّسانِ عن الشَّكوى، وحَبسُ الجَوارحِ عن المَعصِيَة". فالشَّكوى إلى اللهِ عِبادة، كَما قالَ يَعقوبُ عليهِ السَّلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، أمَّا الشَّكوى إلى الخَلقِ فَهِيَ شَكوى الرَّحيمِ إلى الذي لا يَرحَم! ويَزيدُ هذا المعنى رُسوخًا قولُ الحبيبِ المصطفى ﷺ حينَ مَرَّ بامرأةٍ تَبكي عندَ قَبر، فقال لها: «اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي»، فقالتْ في فَوْرَةِ حُزنِها ولم تَعْرِفْه: إليكَ عَنِّي فإنَّكَ لم تُصَبْ بمُصيبَتي! فلمَّا قيلَ لها إنَّهُ رسولُ اللهِ ﷺ، جاءَتْ تعتَذِرُ إليه، فقالَ لها كَلِمَتَهُ التي سارَتْ مَنهَجًا على مَرِّ الدُّهور: «إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (متفق عليه). الصَّبرُ ليس ذلكَ الاستِسلامَ البارِدَ الذي يَأتي بعدَ انقِضاءِ الأيَّامِ وفَراغِ الجَهد؛ ذلك يَفعَلُهُ كُلُّ أحد! الصَّبرُ الحقيقيُّ هو تِلكَ الهَيبَةُ التي تَملِكُ بها لِسانَكَ وقَلبَكَ في أوَّلِ ثانيةٍ يَطرُقُ فيها البَلاءُ بابَك. أنْ تَقُولَ في تِلكَ اللَّحظة: قَدَرُ اللهِ وما شاءَ فَعَل، إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجِعون. ولَيسَ الصَّبرُ مَقصودًا لِذاتِه، بل الصَّبرُ مَطيَّةٌ تَحمِلُ العبدَ إلى سَاحاتِ "الثِّقةِ بالفَرَج". تَدَبَّروا معي هذا الإعجازَ البَيانيَّ في سورة الشرح: يقولُ ربُّنا عزَّ وجلّ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. قفوا هُنا! انظُروا إلى دِقَّةِ اللَّفظِ الإلهي: لم يَقُلْ سبحانَهُ "إنَّ بَعدَ العُسرِ يُسرًا"، بل قال: ﴿مَعَ الْعُسْرِ﴾! المَعيَّةُ هُنا تَعني التَّزامُن؛ أيْ أنَّ لُطفَ اللهِ وفَرَجَهُ يُولَدُ في نَفسِ اللَّحظةِ التي يُولَدُ فيها البَلاء، يَسيرُ مَعَهُ حَذوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، حتَّى إذا اكتَمَلَتْ حِكمَةُ الابتِلاء، انقَشَعَ العُسرُ وظَهَرَ اليُسرُ للعيان. وقد وَقَفَ حَبرُ الأُمَّةِ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما عندَ تَكرارِ هذه الآيةِ فقالَ كلمَتَهُ الباقية: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن". ولماذا لن يَغلِبَ عُسرٌ يُسرَين؟ لأنَّ "العُسرَ" جاءَ مُعَرَّفًا بالألفِ واللَّام، فهو عُسرٌ واحدٌ في المَوضِعَين، أمَّا "يُسرًا" فقد جاءَ مُنَكَّرًا، فكانَ اليُسرُ الأوَّلُ غَيرَ اليُسرِ الثاني. عُسرٌ واحدٌ مُحاصَرٌ بينَ يُسرَينِ عظيمَين، فأنَّى لهُ أن يَثبُت؟! أينَ هذا اليقينُ في قُلوبِنا اليوم؟! أينَ نَحنُ من حُسنِ الظَّنِّ بربِّ العالمين، وهو القائلُ في الحديثِ القُدسيِّ الجليل: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» (متفق عليه)؟ قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمهُ الله: "تَمامُ الرَّغبةِ إلى اللهِ لا يَكونُ إلَّا عِندَ انقِطاعِ الرَّجاءِ من المَخلوقين، ومَن ظَنَّ أنَّ المَخلوقَ يَقدِرُ على جَلبِ نَفعِهِ أو دَفعِ ضُرِّهِ فقد أشرَكَ في ظَنِّه؛ فإذا أيِسَ العَبدُ من كُلِّ سَبَبٍ ظاهِر، وتَعَلَّقَ بمُسَبِّبِ الأسباب، أتاهُ الفَرَجُ من حيثُ لا يَحتَسِب". مَعاشِرَ المُصلِّين، عودوا بذاكِرتِكُم إلى موكِبِ النُّبُوَّة، واقرَؤوا كيفَ كَتَبَ اللهُ الفَرَجَ لأنبيائِه. تَذَكَّروا نبيَّ اللهِ يَعقوبَ عليهِ السَّلام؛ رَجُلٌ اشتَعَلَ رأسُهُ شَيبًا، وفَقَدَ أحَبَّ أبنائِهِ إلى قَلبِه، يوسُفَ عليهِ السَّلام. مَرَّتْ سَنَةٌ، وسَنتان، وعَشرٌ، وعِشرون، وابيَضَّتْ عَيناهُ من الحُزنِ وهو كَظيم. هلِ انقَطَعَ رَجاؤُه؟ هل قالَ يائسًا: مَضَى الأوانُ وانقَضَى الأمَل؟ كلَّا والله! بل لمَّا أُخِذَ منهُ ابنُهُ الثاني، وتَكالَبَتْ عليهِ الرَّزايا، قالَ بلسانِ الواثِقِ الذي يَسْمَعُ أهْلَ الأرضِ كُلَّهُم كَلِمَتَهُ ويَعجَبون: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 83]. ثمَّ يَأتي المشهدُ الأعجَب؛ يَشُمُّ ريحَ يوسُفَ على بُعدِ مَسيرةِ أيَّامٍ فيقول: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: 94]. حاصَرَهُ البَلاءُ عُقودًا، فما زادَهُ ذلكَ إلَّا يَقينًا بأنَّ اللهَ لن يُضَيِّعَه، فجاءَ الفَرَجُ جَميعًا: عادَ يوسُف، ورَجَعَ أخوه، وارتَدَّ بَصيرًا! وانتَقِلوا بقلوبِكُم إلى نبيِّ اللهِ أيُّوبَ عليهِ السَّلام؛ ابتُلِيَ في جَسَدِهِ حتَّى لم يَبقَ فيه مَوضِعٌ صَحيح، وابتُلِيَ في مالِهِ حتَّى لم يَبقَ له دِرهَم، وابتُلِيَ في أولادِهِ فماتوا جَميعًا، ونَبَذَهُ القَريبُ والبَعيد. ما عاتَبَ ربَّه، ولا شَكا إلى مَخلوق، بل نادَى نِداءَ العُبوديَّةِ الرَّقيق: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. فماذا كانَ الجَوابُ الإلهي؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُم رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 84]. تأمَّلوا: ﴿وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾؛ أيْ تَبصِرَةً لِكُلِّ عابدٍ مُبتَلًى يَأتي بعدَ أيُّوب: إنَّ الذي رَفَعَ الضُّرَّ عن أيُّوبَ هو ربُّك، وهو حَيٌّ لا يَموت! وفي صَفحاتِ السِّيرَةِ النَّبويَّةِ الشَّريفة، حينَ كانَ خَبَّابُ بنُ الأرَتِّ رضيَ اللهُ عنه يُعَذَّبُ في رَمضاءِ مَكَّة، وتُوضَعُ الرَّضفَةُ المُحمَاةُ على ظَهرِه فلا يُطفِئُها إلَّا وَدَكُ شَحمِ ظَهرِه! جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُردَةً لهُ في ظِلِّ الكَعبة، فقالَ يَرجو الرَّاحة: ألا تَستَنصِرُ لَنا؟ ألا تَدعُو اللهَ لَنا؟ فقَعَدَ النبيُّ ﷺ مُحمَرًّا وَجهُهُ من الغَيرةِ على مَقامِ اليَقين، وقالَ كلماتٍ تَصُبُّ الصَّبرَ في القُلوبِ صَبًّا: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (رواه البخاري). «ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»! نَعَم يا عِبادَ الله، مُشكِلَتُنا الكُبرَى هي الاستِعجال. نُريدُ قَطفَ الثِّمارِ قبلَ أوانِها، ونَنسَى أنَّ اللهَ لهُ حِكمَةٌ في تَوقيتِ الفَرَج. انظُروا إلى حالِنا اليوم: كَم مِنَّا مَن يُغلِقُ بابَهُ ليلًا وهو مَخنوقٌ بدَينٍ لا يَعلَمُ كيفَ يَقضيه؟ كَم مِن مَريضٍ دارَ على الأطِبَّاءِ فقيلَ له: لا شِفاءَ لدائِك، فاضطَرَبَتْ في صَدرِهِ الأنفاس؟ كَم مِن مُبتَلًى بِعُقم، أو فَقْدِ وَلَد، أو فُسوقِ قَريب، أو جَورِ ظالِم، يَظُنُّ أنَّ الأبوابَ أُغلِقَتْ إلى الأبَد؟ إنَّ البَلاءَ كالحَبل، كلَّما اشتَدَّ ضِيقُهُ كانَ ذلكَ دَليلًا على قُربِ انقِطاعِه! فإذا رأيتَ الخُطوبَ قد تَرادَفَت، وظَنَنتَ أنَّكَ هالِكٌ لا مَحالَة، فاعلَمْ أنَّكَ في اللَّحظةِ التي تَسبِقُ تَنَزُّلَ الفَرَجِ بِلَحَظات. يقولُ اللهُ تبارَكَ وتعالى في سورة يوسف: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: 110]. ويقولُ جلَّ شأنُهُ في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾! هل تَشُكُّ في وَعدِ الله؟ هل تَظُنُّ أنَّ الذي شَقَّ البَحرَ لِموسى، وأخرَجَ يونُسَ من بَطنِ الحوت، ورَدَّ يوسُفَ إلى يَعقوب، عَاجِزٌ عن أنْ يَشفِيَ سَقَمَكَ أو يَقضِيَ دَينَكَ أو يَرفَعَ عَنكَ هَمَّك؟! سُبحانَ مَن وَسِعَتْ رَحمتُهُ كُلَّ شيء، ولَطُفَ بعبادِهِ مِن حيثُ لا يَعلَمون! فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ البَلاءَ مهما عَظُمَ في الدُّنيا فإنَّهُ هَيِّنٌ إذا سَلِمَ الدِّين. ما قيمَةُ بَلاءِ الدُّنيا إذا نَظَرنا إلى الآخِرة؟ يُخبِرُنا الحبيبُ النَّبيُّ ﷺ بمَشهَدٍ يَمحو كُلَّ مَرارَةٍ في هذه الحياة؛ يقولُ ﷺ: «يُؤْتَى بأَنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيا مِن أهْلِ النَّارِ يَومَ القِيامَةِ، فيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقالُ: يا ابْنَ آدَمَ، هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا واللهِ يا رَبِّ! ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ، هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا واللهِ يا رَبِّ! ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ» (رواه مسلم). غَمسَةٌ واحدةٌ في الجَنَّةِ تُنسيكَ كُلَّ شَقاءِ عُمُرِك! فاصبِروا واحتَسِبوا، ولا تَقنَطوا من رَحمةِ الله. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ وكَفَى، وسَلامٌ على عِبادِهِ الذينَ اصطَفَى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ النَّبيُّ المُجتَبَى، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الجَزا. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن حَقيقَةِ الابتِلاء، وعَرَفنا أنَّ الصَّبرَ ضِياءٌ ورِفعَة، ورَأينا كيفَ كانَ أنبياءُ اللهِ وصَفوتُهُ أشدَّ النَّاسِ بَلاءً وأعظَمَهُم ثِقَةً بربِّهم، وكيفَ أنَّ العُسرَ مَقرونٌ باليُسرِ ومَحفوفٌ بلُطفِ الله. وبَقِيَ أمامَنا السؤالُ العَمَليُّ المُلِحّ: كيفَ نَعيشُ هذا اليَقينَ واقِعًا في أيَّامِنا؟ أُوصيكُم — ونَفْسِي — بخَمسِ وَصايا قبلَ أن تُغادِروا مَقامَكُم هذا: الأولى (قَلبيَّة): حَسِّنوا الظَّنَّ باللهِ في كُلِّ قَدَر؛ اطْرُدوا وَساوِسَ القُنوط، واعتَقِدوا جازِمينَ أنَّ كُلَّ مَنعٍ من اللهِ هو في حَقيقَتِهِ عَطاء، وأنَّ اختِيارَ اللهِ لكُم خَيرٌ من اختِيارِكُم لأنفُسِكُم. قالَ اللهُ تعالى في سورة البقرة: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. الثانية (لِسانيَّة): أَلْزِموا ألسِنَتَكُم الاستِغفارَ والدُّعاءَ بيَقين؛ فما نَزَلَ بَلاءٌ إلَّا بذَنب، ولا رُفِعَ إلَّا بتَوبة. اجعَلوا لِسَانَكُم رَطْبًا بدُعاءِ يونُس: «لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، فإنَّهُ ما دَعا بها مَكروبٌ إلَّا فَرَّجَ اللهُ عنهُ كما صَحَّ في الحديث. الثالثة (عَمَليَّةٌ فِعليَّة): فَرِّجوا كُرُباتِ الخَلقِ يَفرِّجِ اللهُ كُرُباتِكُم؛ ابحَثوا اليومَ عن مِسكينٍ فأطعِموه، أو مَديونٍ فأَعِينوه، أو مَكروبٍ فنَفِّسوا عنهُ، فالجَزاءُ من جِنسِ العَمَل. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ» (رواه مسلم). الرابعة (اجتماعيَّة): تَواصَوا بالصَّبرِ والمَرحَمَة؛ إذا رأيتُم في إخوانِكُم مَن أثقَلَهُ البَلاءُ فكونوا لهُ عَونًا وسَنَدًا، لا تَزِيدوا عليهِ باللَّوم، بل ذَكِّروهُ بلُطفِ الله، وثَبِّتوا فُؤادَهُ بالبُشرى، فإنَّ إعانَةَ المُبتَلَى واجِبُ الجَسَدِ الواحِد. الخامسة (موضوعيَّة): استَمسِكوا بالصَّلاةِ في أحْلَكِ الأوقات؛ كانَ نبيُّكُم ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ فزِعَ إلى الصَّلاة. لا تَقطَعوا الحَبلَ الذي بَينَكُم وبَينَ رَبِّكُم عندَ الشِّدَّة، بلِ اجعَلوا السُّجودَ مَلاذَكُم، واقذِفوا بأثقالِكُم على أعتابِ مَن لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوم. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، وأَطِيعوهُ يَجعَلْ لكُم من كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومن كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أَمَرَكُم اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، فقالَ جلَّ جَلالُهُ في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيد، وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيد. اللَّهُمَّ يا فارِجَ الهَمّ، ويا كاشِفَ الغَمّ، يا مُجيبَ دَعوَةِ المُضطَرِّين، رَحمنَ الدُّنيا والآخِرةِ ورَحيمَهُما، ارحَمنا برَحمَةٍ من عِندِكَ تُغنِينا بها عن رَحمَةِ مَن سِواك. اللَّهُمَّ لا تَدَعْ في مَقامِنا هذا ذَنبًا إلَّا غَفَرتَه، ولا هَمًّا إلَّا فَرَّجتَه، ولا كَربًا إلَّا نَفَّستَه، ولا دَينًا إلَّا قَضَيتَه، ولا مَريضًا إلَّا شَفَيتَه، ولا مُبتَلًى إلَّا عافَيتَه، ولا حَاجَةً من حَوائجِ الدُّنيا والآخِرةِ هي لكَ رِضًا ولَنا فيها صَلاحٌ إلَّا أعَنتَنا على قَضائِها ويَسَّرتَها يا أرحَمَ الرَّاحمين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ صَبرَ الشَّاكِرين، ورِضا الصَّابرين، ويَقينَ المُتَوَكِّلين. اللَّهُمَّ اجعَلْ مَخاوِفَنا بَردًا وسَلامًا، وبَدِّلْ أوجاعَنا عَافِيَةً وإحسانًا، وأَنزِلْ على قُلوبِنا سَكِينَةً من عندِك تُثَبِّتُ بها أقدامَنا وتَربِطُ بها على صُدورِنا. اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عن عِبادِكَ المُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُنْ للمَظلومينَ ناصِرًا ومُعينًا، وافرِجْ كَربَ المَكروبين، وأَطعِمِ الجائِعين، وآمِنِ الخائِفين، واحقِنْ دِماءَ المُسلمينَ أجمَعين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.