🕌 أصحابُ السَّبت... وخَطيئَةُ التَّحايُلِ على الله
#خطبة_جمعة #أصحاب_السبت #التحايل_على_الشرع #الأمر_بالمعروف #قصص_القرآن #العقوبة #الرقائق
الحمدُ للهِ الذي يَبتَلي عبادَهُ بالسرَّاءِ والضرَّاءِ لِيَميزَ الخَبيثَ من الطَّيِّب، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يَعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدُور، لا تَخفى عليهِ حِيلَةُ مُتحايِل، ولا يَغيبُ عن عِلمِهِ مَكرُ ماكِر. وأشهدُ أنَّ نبيَّنا ومُعلِّمَنا مُحمَّداً عبدُهُ ورَسولُه، حَذَّرَ أُمَّتَهُ من مَسالِكِ المَغضوبِ عليهم والضَّالين، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ، وعلى آلِهِ الطَّيِّبين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
عبادَ الله، هل سَألتُم أنفُسَكم يوماً: لماذا يَقُصُّ اللهُ علينا في القُرآنِ قَصَصَ الأُمَمِ الغابِرَة؟ أهيَ حِكاياتٌ للتَّسلِيَةِ وتمضِيَةِ الأوقات؟ كَلَّا وربِّ الكَعبَة! إنَّما هي مَرايا نَنظُرُ فيها لنَرى وُجوهَنا. اليومَ، سآخُذُكُم في رِحلَةٍ إلى شاطِئِ بَحرٍ قَديم، إلى قريَةٍ وَقَعَت فيها حادِثَةٌ زَلزَلَت سُنَنَ الكَون، وتَحَوَّلَ فيها البَشَرُ إلى مَسخٍ مُرعِب، لا لِشيءٍ إلَّا لأنَّهُم ظَنُّوا أنَّهُم أذكى من خالِقِهِم! تَعالَوا نَقرَأُ مَعاً مَلَفَّ "أصحابِ السَّبت".
يقولُ ربُّنا تَبارَكَ وتَعالى كاشِفاً هذا المَلَفَّ العَجيب: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة الأعراف: 163].
تَخيَّلوا المَشهَد يا عِبادَ الله: قَريَةٌ من بَني إسرائيل، يَعيشُ أهلُها على صَيدِ السَّمَك. امتَحَنَهُمُ اللهُ بابتِلاءٍ عَجيب. حَرَّمَ عليهِمُ الصَّيدَ يَومَ السَّبت تَفرُّغاً للعِبادَة. ماذا حَدَث؟ طَوالَ أيَّامِ الأُسبوعِ، يَخرُجونَ بِشِباكِهِم فلا يَكادونَ يَجِدونَ سَمَكَةً واحِدَة. يَكدَحونَ ويَتعَبونَ والبَحرُ شَحيح. فإذا جاءَ يَومُ السَّبت — اليَومُ المُحَرَّم — طَفَتِ الأسماكُ على وَجهِ الماء، وتَراقَصَت عِندَ الشَّاطِئ كأنَّها تَتَحَدَّاهُم، وتَكاثَرَت حتَّى لا يُرى الماءُ من كَثرَتِها! ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾.
أيُّ ابتِلاءٍ هذا؟! إنَّهُ ابتِلاءُ التَّمحيص. إنَّهُ كاختِبارِكَ حينَ يُعرَضُ عليكَ المالُ الحَرامُ وهو في مُتَناوَلِ يَدِك، ولا يَراكَ إلَّا الله!
أمامَ هذا الإغراءِ الشَّديد، ضَعُفَت نُفوسُ قَومٍ مِنهُم. لَكِنَّهُم خافوا أن يَصطادوا مُباشَرَةً فَيَنزِلَ بهِمُ العَذاب. فماذا فَعَلوا؟ لَجَؤوا إلى "الحِيلَةِ الشَّرعيَّة"! قالوا: لن نَصطادَ يَومَ السَّبت. بَل سَنَحفِرُ الخَنادِقَ ونَنصِبُ الشِّباكَ يَومَ الجُمُعَة. فإذا جاءَ السَّبت، دَخَلَتِ الأسماكُ في الخَنادِقِ والشِّباكِ فَعَلِقَت. ثُمَّ نَأتي يَومَ الأحَدِ فَنَأخُذُها!
يا سُبحانَ الله! يَظُنُّونَ أنَّهُم يَمكُرونَ بِمَلِكِ المُلوك! يَقولونَ بألسِنَتِهِم: نحنُ لم نَصطَد يومَ السَّبت، أخذناها يومَ الأحَد! وفي هذا يَقولُ الإمامُ أيُّوبُ السَّختِيانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مُتَعَجِّباً من حالِ هؤلاءِ ومَن يُشبِهُهُم: "يُخادِعونَ اللهَ كما يُخادِعونَ الصِّبيان، لَو أَتَوا الأمرَ عِياناً كان أهوَنَ عَلَيَّ!". أي لَو عَصَوا اللهَ مُباشَرَةً كان أهون، لكنَّهُم جَمَعوا بينَ المَعصيَةِ والاستِغفالِ والكِبر!
واسمَعوا لهذا التَّحذيرِ النَّبَويِّ الصَّارِم. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ». (صححه ابن تيمية).
عِبادَ الله، لَمَّا وَقَعَت هذهِ الجَريمَةُ، انقَسَمَ المُجتَمَعُ في القَريَةِ إلى ثلاثةِ أصناف. وتَأمَّلوا هذهِ الأصنافَ جَيِّداً، فواللهِ إنَّها مَوجودَةٌ في كُلِّ مُجتَمَع، وفي كُلِّ زَمان:
الصِّنفُ الأوَّل: العُصاةُ المُتَحايِلون. الَّذينَ نَصَبوا الشِّباكَ واستَحَلُّوا الحَرام.
الصِّنفُ الثَّاني: السَّاكِتونَ السَّلبِيُّون. لَم يَعصوا، لَم يَصطادوا، لَكِنَّهُم سَكَتوا! رَأَوا المُنكَرَ فَلَم يُغَيِّرُوه. بَل والأَعجَبُ من ذلك، أنَّهُم بَدَؤوا يُثَبِّطونَ النَّاصِحين! ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [سورة الأعراف: 164]. يَقُولونَ: دَعُوهُم، لِماذا تَنصَحُونَهُم؟ لَقَد هَلَكوا وانتَهى أمرُهُم!
أمَّا الصِّنفُ الثَّالث: فَهُمُ الدُّعاةُ النَّاصِحون، الآمِرونَ بِالمَعروفِ والنَّاهونَ عَنِ المُنكَر. الَّذين لَم يَسكُتوا بَل وَقَفوا كالجِبالِ يُحَذِّرونَ قَومَهُم. وبِماذا رَدُّوا على السَّاكِتينَ المُثَبِّطين؟ ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. نُنكِرُ عَلَيهِم لِنُعذَرَ أمامَ اللهِ يومَ القِيامَة، ولَعَلَّ كَلِمَةً تَطرُقُ قُلوبَهُم فَيَعودوا.
أيُّها الإخوَة، أيُعقَلُ أن نَرى المُنكَرَ يَنهَشُ في بُيوتِنا، وفي شَوارِعِنا، وفي أسواقِنا، ثُمَّ نَقِفَ مَوقِفَ "الصِّنفِ الثَّاني" نَقول: "دَعُوهُم، الخَرابُ عَمَّ ولا فائِدَة"؟! يَقولُ النَّبيُّ ﷺ فيما رَواهُ مُسلِم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».
ماذا كانَتِ النَّتيجَةُ في قَريَةِ السَّبت؟ لَمَّا أصَرَّ العُصاةُ على كِبرِهِم، وَقَعَتِ الكارِثَة!
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [سورة الأعراف: 165-166].
يا لَهُ من هَول! تَخيَّلوا المَشهَد... أصبَحَ الصَّباحُ على القَريَة، السَّكونُ مُريب. ذَهَبَ النَّاصِحونَ إلى السُّورِ الَّذي يَقسِمُ القَريَة، نَظَروا... فإذا القَومُ لَيسوا بَشَراً! لَقَد مُسِخوا قِرَدَةً وخَنازير! يَدخُلُ الرَّجُلُ إلى أخيه، فَيَجِدُهُ قِرداً، يَنظُرُ القِردُ إلى أخيهِ البَشَريِّ وتَدمَعُ عَيناه، يَعرِفُهُ ولَكِنَّهُ لا يَستَطيعُ الكَلام! هذا جَزاءُ مَن تَلاعَبَ بِشَرعِ الله، وجَعَلَ حُدودَ اللهِ أُلعوبَةً يَحتالُ عليها. وفي سُورَةِ البَقَرَةِ ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِهذِهِ الحادِثَةِ فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [سورة البقرة: 65].
ولكِن، تَوَقَّفوا هُنا لَحظَة... القُرآنُ صَرَّحَ بِنَجاةِ النَّاصِحين ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، وصَرَّحَ بِعَذابِ المُعتَدين ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾. لَكِن ماذا عَنِ الصِّنفِ الثَّاني؟ السَّاكِتين؟! سَكَتَ القُرآنُ عَن ذِكرِهِم كَما سَكَتوا عَن إنكارِ المُنكَر! قالَ بَعضُ المُفَسِّرين: هَلَكوا مَع العُصاة لأنَّ السَّاكِتَ عَنِ الحَقِّ شَيطانٌ أخرَس، وقالَ آخَرون: نَجَوا ولَكِن لَم يَذكُرهُمُ اللهُ احتِقاراً لِشَأنِهِم وإهمالاً لِمَوقِفِهِم. وكانَ حِبرُ الأُمَّةِ ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُما يَبكي ويَقول: "أرى أنَّهُم هَلَكوا!". يَبكي خَشيَةَ أن يُصيبَ الأُمَّةَ ما أصابَهُم بِسَبَبِ السُّكوتِ عَنِ الحَقّ!
عِبادَ الله، قَد يَقولُ قائِل: الحمدُ لله، نَحنُ لا نَصطادُ يَومَ السَّبت، ولَسنا من بَني إسرائيل!
أقولُ لك: تَمَهَّل! إنَّ القُرآنَ لا يَسوقُ قِصَّةً التَهَمَها التَّاريخُ لِمُجَرَّدِ السَّرد. القِصَّةُ حَيَّةٌ بَينَنا اليوم. كَم مِنَّا مَن هو من "أصحابِ السَّبت" في فِعلِهِ وتَحايُلِه؟!
المُوظَّفُ الَّذي يَخرُجُ من عَمَلِهِ في مُنتَصَفِ النَّهارِ لِيَقضيَ أشغالَهُ الخاصَّة، ثُمَّ يَعودُ في آخِرِ الدَّوامِ لِيُبَصِّمَ أو يُوَقِّعَ أنَّهُ كانَ حاضِراً... ألَيسَ هذا يَحفِرُ الخَنادِقَ يَومَ الجُمُعَة كأصحابِ السَّبت؟! ﴿يَخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: 9].
والتَّاجِرُ الَّذي يُسَمِّي الرِّبا "فوائِدَ إدارِيَّة"، ويُسَمِّي الرَّشوَة "هَدِيَّةً أو إكراميَّة"، لِيُحَلِّلَ أكلَ أموالِ النَّاسِ بالباطِل... ألَيسَ هذا يَنصِبُ الشِّباكَ كأصحابِ السَّبت؟! وقَد قالَ النَّبيُّ ﷺ مُحَذِّراً من هذهِ العَقلِيَّةِ المُتَحايِلَة: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (متفق عليه). أي أذابوا الشَّحمَ المُحَرَّمَ فَتَغَيَّرَ شَكلُه، فَظَنُّوا أنَّ الحُكمَ سَقَط! وهَذا وَصفٌ دَقيقٌ لِمَن يُغَيِّرُ أسماءَ المُحَرَّماتِ لِيَستَحِلَّها.
والزَّوجُ الَّذي يَتَلاعَبُ بألفاظِ الطَّلاقِ، يُطَلِّقُ ثُمَّ يَبحَثُ عَن مَخارِجَ مُلتَويَةٍ وحِيَلٍ شَيطانيَّةٍ لِيَردَّ زَوجَتَهُ بِالمَكرِ تَهَرُّباً من حُدودِ الله... ألَيسَ هذا من أصحابِ السَّبت؟! وقَد قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في إعلامِ المُوَقِّعينَ قاعِدَةً ذَهَبيَّةً فَقَال: "أيُّ حيلَةٍ استُعمِلَت لإسقاطِ واجِبٍ أو حِلِّ مُحَرَّمٍ فَهي باطِلَةٌ، ومَنِ استَحَلَّ المُحَرَّماتِ بِالحِيَلِ كان أعظَمَ إثماً مِمَّن استَحَلَّها جِهاراً!".
والشَّابُّ الَّذي يَجلِسُ خَلفَ شاشَةِ هاتِفِهِ، يَنظُرُ إلى الحَرامِ في الخَلَوات، ويُسَمِّي ذلكَ "انفِتاحاً" أو "تَسلِيَةً عابِرَة"، ويَظُنُّ أنَّ أحَداً لا يَراه. يَغيبُ عَنهُ أنَّ رَبَّ العِزَّةِ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر: 19].
يا أُمَّةَ مُحَمَّد، إنَّ اللهَ لا يُخدَع! وإنَّ الدِّينَ لَيسَ عُقوداً وَرَقِيَّةً نَتَلاعَبُ بِثَغَراتِها، بَل هو عُبوديَّةٌ نَقِيَّةٌ، ومُراقبَةٌ خَفيَّة. مَن أظهَرَ للهِ صِدقاً صَدَقَهُ الله، ومَن أبطَنَ مَكراً، فَمَكرُ اللهِ أشَدُّ وأسرَع.
أيُّها المَكروبُ بِمَعصيَتِه، المُبتَلى بِزَلَّتِه، عُد إلى رَبِّك. اقصِد بابَهُ صَريحاً واعترِف بذَنبِكَ باكياً، خَيرٌ لكَ من أن تَتَفَلسَفَ في المَعصيَةِ وتَتَحايَلَ على الحَرام. فاللهُ يَرحَمُ العاصي المُنكَسِر، ويَغضَبُ على المُتَحايِلِ المُتَكَبِّر.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بِجَلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، أحمَدُهُ سُبحانَهُ أن جَعَلَ شَريعَتَهُ بَيضاءَ نَقِيَّة، لا لَبسَ فيها ولا التِواء. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، المَبعوثُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمحَة، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ عَلى نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَع قِصَّةِ أصحابِ السَّبت، ورَأَينا كَيفَ أنَّ اللهَ يَمُدُّ لِلمُتَحايِلينَ في طُغيانِهِم لِيَختَبِرَهُم، ثُمَّ يَأخُذُهُم أخذَ عَزيزٍ مُقتَدِر. وتَعَلَّمنا أنَّ السُّكوتَ عَنِ المُنكَرِ جَريمَةٌ تُورِثُ الهَلاكَ، وأنَّ النَّجاةَ في صِدقِ السَّريرَةِ والأمرِ بِالمَعروف. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الدَّرسَ إلى حَياتِنا الواقِعِيَّة؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): راقِبِ اللهَ في خَلَواتِك، واخشَهُ حينَ تَغيبُ عَن أعيُنِ النَّاس. فإنَّ أعظَمَ الابتِلاءاتِ تَأتيكَ حينَ يَتَهَيَّأُ لكَ الحَرامُ دونَ رَقيبٍ بَشَريّ، كَما تَهَيَّأَ السَّمَكُ لأصحابِ السَّبت! النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ هي حِصنُكَ الحَصين. عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ قال: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (متفق عليه). فاجعَل نِيَّتَكَ ظاهِرَها كَباطِنِها.
الثَّانية (لِسانيَّة): لا تَكُن شَيطاناً أخرَس! إن رَأيتَ مُنكَراً في بَيتِك، أو في مَجالِسِ أصدقائِك، أو في عَمَلِك، فتَكَلَّم بِلُطفٍ وحِكمَة. ولا تَقُل: "لا فائِدَة". أنتَ لا تَنصَحُ لِكَي يَهتَدوا فَقَط، بَل لِتُعذَرَ أنتَ أمامَ الله ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾. وقَد قالَ النَّبيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (رواه أحمد والترمذي).
الثَّالثة (عَمَليَّة): فَتِّش في مَصادِرِ رِزقِك اليَوم. إن وَجَدتَ دِرهَماً واحِداً يَدخُلُ جَيبَكَ بحيلَةٍ كاذِبَة، أو باستِغلالِ ثَغرَةٍ نِظامِيَّة، أو بِتَوقيعٍ مُزَوَّر — فَتَخَلَّص مِنهُ فَوراً. رِزقُ اللهِ لا يُستَجلَبُ بِمَعصيَتِه، ومَن تَرَكَ شَيئاً للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيراً مِنه.
الرَّابعة (اجتماعيَّة): إن كانَ لَكَ أخٌ أو قَريبٌ قَد غَرِقَ في بَحرِ المَعاصي ويَئِستَ مِنهُ وتَرَكتَ نُصحَه، فاتَّصِل بهِ اليَوم. ذَكِّرهُ باللهِ كَلِمَةً طَيِّبَة، فَلَعَلَّ اللهَ يَفتَحُ قَلبَهُ بِكَلِمَتِكَ هذِه، ولا تَركَن إلى اليَأس. ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [سورة هود: 113].
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): إيَّاكَ واسمَ المُسَمَّياتِ بِغَيرِ اسمِها لِتُحَلِّلَها لنَفسِك. الرِّبا رِبا، والوَقتُ المَهدورُ في العَمَلِ خيانَةُ أمانَة، والغيبَةُ أكَلُ لَحمٍ مَيِّت ولَيست مُجَرَّدَ فَضفَضَة. سَمِّ الأشياءَ بِأسماءِ الشَّرعِ لِتَعيشَ في نور.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ المَكرَ السَّيِّئَ لا يَحيقُ إلَّا بأهلِه.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم جَلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ قُلوباً مُخلِصَةً صادِقَة، نَقيَّةً تَقِيَّة، تَخشاكَ في السِّرِّ والعَلَن.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وأعيُنَنا مِنَ الخِيانَة، فَإنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدُور.
اللَّهُمَّ ارزُقنا القُوَّةَ والشَّجاعَةَ لِنَقولَ كَلِمَةَ الحَقِّ، ولا تَجعَلنا مِنَ السَّاكِتينَ عَنِ الباطِل.
اللَّهُمَّ نَجِّنا مِن سَخَطِك، ولا تُعاقِبنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا، واجعَلنا مِمَّن يَتَناهَونَ عَنِ المُنكَرِ فَتُنجيهِم بِرَحمَتِك.
اللَّهُمَّ ارزُقنا رِزقاً حَلالاً طَيِّباً، وباعِد بَينَنا وبَينَ الحَرامِ وشُبُهاتِهِ كَما باعَدتَ بَينَ المَشرِقِ والمَغرِب.
اللَّهُمَّ رُدَّنا إلَيكَ رَدّاً جَميلاً، واجعَل خَواتيمَ أعمالِنا خَيرَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
أصحابُ السَّبت... وخَطيئَةُ التَّحايُلِ على الله
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.