إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء: 1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
عِبَادَ اللَّهِ، تَخَيَّلُوا مَعِي رَجُلًا تُمَزَّقُ جُثَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتَسِيلُ دِمَاؤُهُ رَخِيصَةً لِنُصْرَةِ الدِّينِ، يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ يَسْبِقُ النَّاسَ إِلَى أَبْوَابِ الجَنَّةِ فَرِحًا بِالشَّهَادَةِ... لَكِنَّهُ يُوقَفُ عَلَى البَابِ مَمْنُوعًا مِنَ الدُّخُولِ! لِمَاذَا؟ لِأَجْلِ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ لَمْ يُؤَدِّهِ لِصَاحِبِهِ. ذَنْبٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ حَتَّى يَغْفِرَهُ المَظْلُومُ. فَمَا هُوَ هَذَا الحِجَابُ المَخِيفُ الَّذِي يُبَدِّدُ صَلَاتَنَا وَصِيَامَنَا؟ وَكَيْفَ نَنْجُو مِنْهُ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ؟ الجَوَابُ —رَحِمَكُمُ اللَّهُ— فِي كَلِمَاتِنَا اليَوْمَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَانٍ تَسَاهَلَ فِيهِ النَّاسُ بِحُقُوقِ بَعْضِهِمُ البَعْضِ تَسَاهُلًا يُنْذِرُ بِالهَلَاكِ. نُدَقِّقُ فِي صَلَاتِنَا وَصِيَامِنَا، وَنَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فِي سُجُودِنَا، ثُمَّ نَخْرُجُ إِلَى أَسْوَاقِنَا وَبُيُوتِنَا فَنَأْكُلُ مَالَ هَذَا، وَنَغْتَابُ هَذَا، وَنَمْنَعُ حَقَّ هَذَا! أَيَعْقِلُ أَنْ نَبْنِيَ قُصُورًا مِنَ الحَسَنَاتِ بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَهْدِمَهَا عَلَى رُؤُوسِنَا بِالنَّهَارِ بِمَظَالِمِ العِبَادِ؟
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُنَادِيًا أُمَّةَ الإِسْلَامِ نِدَاءً صَرِيحًا قَاطِعًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: 58]. تَأَمَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ! لَمْ يَقُلْ «يُنْدَبُ لَكُمْ»، بَلْ قَالَ: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾. وَالأَمَانَةُ هُنَا لَيْسَتْ فَقَطْ وَدِيعَةً تُرَدُّ، بَلْ هِيَ كُلُّ حَقٍّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِكَ، سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا مَالِيًّا، أَوْ عِرْضًا، أَوْ مِيرَاثًا، أَوْ دَيْنًا، أَوْ حَتَّى كَلِمَةَ إِنْصَافٍ تَكْتُمُهَا.
وَلَقَدْ قَرَّرَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ —رَحِمَهُ اللَّهُ— قَاعِدَةً تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الأَبْدَانُ حِينَ قَالَ: "إِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المَسَامَحَةِ وَالمُكَارَمَةِ، وَأَمَّا حُقُوقُ العِبَادِ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى المُشَاحَّةِ وَالمُقَاصَصَةِ".
...
تَأَمَّلُوا هَذَا المَعْنَى جَيِّدًا.
اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لَوْ لَقِيتَهُ بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا فِي حَقِّهِ، ثُمَّ تُبْتَ لَغَفَرَ لَكَ. لَكِنَّ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ شَحِيحٌ، يَحْتَاجُ إِلَى حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَنْجُوَ مِنَ النَّارِ. هَلْ تَظُنُّ أَنَّ أَخَاكَ أَوْ شَرِيكَكَ أَوْ أَجِيرَكَ سَيُسَامِحُكَ يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ وَهُوَ يَرَى جَهَنَّمَ تَسْتَعِرُ أَمَامَهُ؟ كَلَّا وَاللَّهِ! ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [سورة عبس: 34-36].
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، دَعُونِي أَسْأَلُكُمْ بَلَا مُوَارَبَةٍ: كَمْ مِنْ عَائِلَةٍ تَمَزَّقَتْ وَقُطِعَتْ أَرْحَامُهَا بِسَبَبِ حُقُوقِ المِيرَاثِ؟ يَمُوتُ الأَبُ، فَيَسْتَحْوِذُ الأَخُ الأَكْبَرُ أَوْ بَعْضُ الإِخْوَةِ عَلَى التَّرِكَةِ، وَيُؤَخِّرُونَ قِسْمَتَهَا سَنَوَاتٍ وَسَنَوَاتٍ، وَالأَخَوَاتُ الضَّعِيفَاتُ يَنْتَظِرْنَ حَقَّهُنَّ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُنَّ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ! يَقُولُونَ: "عَيْبٌ أَنْ تُطَالِبَ المَرْأَةُ بِمِيرَاثِهَا، أَوْ نَحْنُ نُسْتَثْمِرُهُ لَهَا". وَهَلْ شَرَعَ اللَّهُ الأَحْكَامَ لِنَتَلَاعَبَ بِهَا بِأَعْرَافِنَا الجَاهِلِيَّةِ؟
يَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُحَذِّرًا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ المَوَارِيثَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [سورة الفجر: 19-20]. وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ عَقِبَ آيَاتِ المَوَارِيثِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [سورة النساء: 14]. النَّارُ يَا عِبَادَ اللَّهِ! ثَمَنٌ لِدُنْيَا فَانِيَةٍ تَشْتَرِي بِهَا سَخَطَ الجَبَّارِ بِمَنْعِ حَقِّ أُخْتٍ أَوْ يَتِيمٍ.
وَمِنْ أَعْظَمِ المَظَالِمِ فِي زَمَانِنَا: التَّهَاوُنُ فِي سَدَادِ الدُّيُونِ.
يَسْتَدِينُ الرَّجُلُ مِنْ أَخِيهِ المُسْلِمِ لِحَاجَةٍ أَوْ لِتِجَارَةٍ، فَيُفَرِّجُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ، وَحِينَ يَحِينُ وَقْتُ السَّدَادِ يَتَهَرَّبُ، وَيُمَاطِلُ، وَيُغْلِقُ هَاتِفَهُ، رَغْمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الدَّفْعِ! أَيُّ لُؤْمٍ هَذَا؟ وَأَيُّ خِيَانَةٍ؟ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ بِعِبَارَةٍ حَاسِمَةٍ صَارِمَةٍ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الغَنِيُّ هُنَا لَيْسَ المِلْيُونِيرَ، بَلْ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى السَّدَادِ وَتَأَخَّرَ. قَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ لَقَبَ "ظَالِمٍ" عِنْدَ اللَّهِ فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِهِ مَعَ كُلِّ صَبَاحٍ يُشْرِقُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَمْنَعُ صَاحِبَ الحَقِّ حَقَّهُ.
وَاسْمَعُوا لِهَذَا الحَدِيثِ الَّذِي يَخْلَعُ القُلُوبَ الحَيَّةَ!
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
سُبْحَانَ اللَّهِ! شَهِيدٌ بَذَلَ رُوحَهُ لِلَّهِ، تَتَجَاوَزُ عَنْهُ المَلَائِكَةُ فِي أَعْظَمِ الكَبَائِرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، لَكِنْ حِينَ يَأْتِي عِنْدَ حُقُوقِ العِبَادِ يَقِفُ! فَكَيْفَ بِي وَبِكَ نَحْنُ المُفَرِّطِينَ الغَافِلِينَ؟
وَهَلْ نَسِينَا حُقُوقَ العُمَّالِ وَالأُجَرَاءِ؟
الرَّجُلُ الَّذِي يَعْمَلُ عِنْدَكَ، فِي شَرِكَتِكَ أَوْ مَتْجَرِكَ أَوْ بَيْتِكَ، الَّذِي تَغَرَّبَ عَنْ أَهْلِهِ لِيَكْسِبَ اللُّقْمَةَ الحَلَالَ. ثُمَّ تَأْتِي أَنْتَ بِكُلِّ بُرُودٍ فَتُؤَخِّرُ رَاتِبَهُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ! بِأَيِّ حَقٍّ تَسْتَبِيحُ عَرَقَهُ وَتُذِلُّهُ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ؟ اسْمَعْ مَاذَا يَقُولُ لَكَ نَبِيُّكَ ﷺ: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفْسَهُ سَيَكُونُ خَصْمًا لِهَذَا الظَّالِمِ يَوْمَ القِيَامَةِ! يَقُولُ ﷺ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ...» وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ، فَأَيْنَ يَفِرُّ؟
إِخْوَانِي فِي اللَّهِ، مَا قَرَّرَهُ الوَحْيُ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ المُحْكَمَةِ، صَدَّقَهُ وَاقِعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي قِصَصٍ عَجِيبَةٍ تَدُلُّ عَلَى يَقِينِهِمْ وَرُعْبِهِمْ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ.
تَأَمَّلُوا مَعِي هَذِهِ القِصَّةَ البَدِيعَةَ الَّتِي رَوَاهَا لَنَا صَادِقُ الوَعْدِ ﷺ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ:
كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ أَلْفَ دِينَارٍ لِيَتَّجِرَ بِهَا، وَرَكِبَ البَحْرَ. فَقَالَ لَهُ الدَّائِنُ: ائْتِنِي بِشُهَدَاءَ. فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِكَفِيلٍ. قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا. فَرَضِيَ صَاحِبُ المَالِ بِضَمَانِ اللَّهِ، وَأَعْطَاهُ الأَلْفَ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
خَرَجَ الرَّجُلُ فِي تِجَارَتِهِ، وَقَضَى حَوَائِجَهُ، وَلَمَّا حَانَ مَوْعِدُ السَّدَادِ، جَاءَ إِلَى شَاطِئِ البَحْرِ يَنْتَظِرُ مَرْكَبًا لِيَرْجِعَ وَيُعْطِيَ الرَّجُلَ حَقَّهُ فِي المَوْعِدِ. انْتَظَرَ طَوِيلًا... فَلَمْ يَجِدْ سَفِينَةً! المَوْعِدُ حَلَّ، وَالرَّجُلُ فِي البَرِّ الآخَرِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ طَرِيقَةٌ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ. فَمَاذَا فَعَلَ؟ أَهَلْ قَالَ كَمَا يَقُولُ مُحْتَالُو زَمَانِنَا: "لَقَدْ حَاوَلْتُ وَالعُذْرُ مَعِي"؟ كَلَّا! لَقَدْ حَمَلَ هَمَّ الحَقِّ فِي قَلْبِهِ كَالجَمْرَةِ الَّتِي تَحْرِقُهُ.
فَأَخَذَ خَشَبَةً، فَنَقَرَهَا، وَأَدْخَلَ فِيهَا الأَلْفَ دِينَارٍ، وَمَعَهَا رِسَالَةٌ مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ سَدَّهَا بِإِحْكَامٍ! وَذَهَبَ إِلَى البَحْرِ وَرَمَاهَا فِيهِ! وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَقُولُ بِيَقِينٍ يَتَجَاوَزُ أَسْبَابَ الدُّنْيَا: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَضِيَ بِكَ كَفِيلًا، فَاللَّهُمَّ أَدِّهَا إِلَيْهِ". فَأَخَذَتِ الأَمْوَاجُ الخَشَبَةَ بَيْنَ تَلَاطُمِهَا...
وَفِي البَرِّ الآخَرِ، خَرَجَ صَاحِبُ الدَّيْنِ يَنْتَظِرُ المَرْكَبَ أَمَلًا فِي مَجِيءِ المَدِينِ. فَلَمْ يَجِدْهُ، لَكِنَّهُ وَجَدَ خَشَبَةً تَقْذِفُهَا الأَمْوَاجُ إِلَى الشَّاطِئِ، فَأَخَذَهَا حَطَبًا لِأَهْلِهِ. فَلَمَّا كَسَرَهَا بِالفَأْسِ فِي بَيْتِهِ... انْتَثَرَتِ الدَّنَانِيرُ وَسَقَطَتِ الرِّسَالَةُ! أَدَّى اللَّهُ عَنِ الرَّجُلِ حَقَّهُ لِأَنَّهُ صَدَقَ فِي حَمْلِ الأَمَانَةِ!
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، مَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ فِي رَدِّ حُقُوقِ النَّاسِ أَعَانَهُ اللَّهُ. وَمَنْ بَيَّتَ النِّيَّةَ لِأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ أَتْلَفَهُ اللَّهُ. يَقُولُ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
وَلْنَحْذَرْ —مَعَاشِرَ الصَّالِحِينَ— أَنْ نَظُنَّ أَنَّ الحُقُوقَ هِيَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ فَحَسْبُ.
بَلْ هُنَاكَ حُقُوقٌ أَشَدُّ، وَمَظَالِمُ أَنْكَى، هِيَ: (حُقُوقُ الأَعْرَاضِ وَالمَشَاعِرِ وَالسُّمْعَةِ).
انْظُرُوا إِلَى حَالِنَا اليَوْمَ: الرَّجُلُ مِنَّا يَسْتَيْقِظُ فَأَوَّلُ مَا يَطْلُبُهُ هَاتِفُهُ، ثُمَّ يَدْخُلُ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ، فَيَرَى مَقْطَعًا أَوِ انْتِقَادًا لِشَخْصٍ، فَيَضْغَطُ زِرَّ (الإِعَادَةِ أَوِ المَشَارَكَةِ)، وَيُعَلِّقُ بِكَلِمَةٍ جَارِحَةٍ يَطْعَنُ فِيهَا فِي عِرْضِ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ يَتَّهِمُ ذِمَّتَهُ، ثُمَّ يُغْلِقُ الشَّاشَةَ وَيَذْهَبُ لِيُصَلِّيَ الضُّحَى! وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الضَّغْطَةَ سَلَبَتْ حَسَنَاتِهِ الَّتِي جَمَعَهَا لِسَنَوَاتٍ!
أَلَا نَقْرَأُ كِتَابَ رَبِّنَا وَهُوَ يُرَوِّعُنَا بِقَوْلِهِ: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: 18]؟
أَلَمْ يَسْمَعْ كَثِيرٌ مِنَّا حَدِيثَ المُفْلِسِ الَّذِي يَحْفَظُهُ الصِّغَارُ قَبْلَ الكِبَارِ؟ انْتَبِهُوا لِهَذِهِ الكَلِمَاتِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ فَمِ أَصْدَقِ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ يَوْمًا: «أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟» قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا! فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ!» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
يَا لَلْخَسَارَةِ الفَادِحَةِ! تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَبْكِي فِي التَّرَاوِيحِ، وَتَتَصَدَّقُ مِنَ الحَرَائِرِ، لِتَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَتَجِدَ أَنَّ حَسَنَاتِكَ هَذِهِ أُعْطِيَتْ لِمَنْ شَتَمْتَهُمْ وَاسْتَهْزَأْتَ بِهِمْ وَظَلَمْتَهُمْ! هَلْ هُنَاكَ غَبْنٌ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟
لِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَفِرُّونَ مِنْ مَظَالِمِ العِبَادِ فِرَارَهُمْ مِنَ الأَسَدِ.
قَالَ الإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ —وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي عِبَادَتِهِ—: "لَأَنْ تَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِسَبْعِينَ ذَنْبًا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ بِذَنْبٍ وَاحِدٍ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ العِبَادِ". وَذَكَرَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ فِي صَحِيفَتِهِ أَمْثَالُ الجِبَالِ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَلَا يَزَالُ خُصَمَاؤُهُ يَأْخُذُونَ مِنْهَا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: "خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَاطْرَحُوهَا عَلَيْهِ".
وَمَا قَرَّرَهُ الوَحْيُ، وَأَكَّدَهُ السَّلَفُ، يُلْزِمُنَا بِالتَّوَقُّفِ مَعَ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْنَا. نَعَمْ، حُقُوقُ الأَقْرَبِينَ!
كَمْ مِنْ زَوْجٍ يُعَامِلُ زَوْجَتَهُ بِقَسْوَةٍ وَيَمْنَعُهَا نَفَقَتَهَا أَوْ مَهْرَهَا، وَيَسْتَضْعِفُهَا لِأَنَّهَا لَا حِيلَةَ لَهَا! وَيَظُنُّ أَنَّ الأَمْرَ قَدِ انْتَهَى فِي قَاعَةِ المَحْكَمَةِ. لَا وَاللَّهِ! الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ فَصْلٍ نِهَائِيٍّ. يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا مُحَذِّرًا لِلْأَزْوَاجِ مِنْ غَمْطِ حُقُوقِ النِّسَاءِ: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [سورة الشعراء: 183]، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي حَقِّ المُطَلَّقَاتِ: ﴿وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [سورة البقرة: 229].
وَكَمْ مِنْ جَارٍ اعْتَدَى عَلَى حَقِّ جَارِهِ فِي جِدَارٍ أَوْ شِبْرِ أَرْضٍ! يَقُولُ لَهُ نَبِيُّهُ ﷺ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الحِسَابَ هُنَاكَ لَيْسَ بِالرِّيَالِ وَلَا بِالدِّينَارِ... الحِسَابُ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. لَا مُحَامٍ يُدَافِعُ عَنْكَ، وَلَا رَشْوَةٌ تَدْفَعُهَا، وَلَا شَهَادَةَ زُورٍ تَلْوِي بِهَا عُنُقَ العَدَالَةِ. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة غافر: 17].
فَيَا مَنْ ظَلَمَ شَرِيكَهُ...
يَا مَنْ حَرَمَ أَخَوَاتِهِ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِنَّ...
يَا مَنْ أَكَلَ عَرَقَ عُمَّالِهِ وَخَدَمِهِ...
يَا مَنْ مَاطَلَ فِي سَدَادِ دُيُونِهِ وَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي النِّعَمِ...
يَا مَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ...
تَذَكَّرْ يَوْمًا تَقِفُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الجَبَّارِ، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 47]. بَادِرْ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَذِّرًا أُمَّتَهُ بِأَرْحَمِ نِدَاءٍ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
***
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، عَرَفْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى كَيْفَ أَنَّ حُقُوقَ العِبَادِ هِيَ الحِجَابُ الأَعْظَمُ عَنِ الجَنَّةِ، وَكَيْفَ أَنَّ الأَمْوَالَ وَالأَعْرَاضَ الدُّنْيَوِيَّةَ سَتَتَحَوَّلُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى مَقَاصَصَةٍ مُرْعِبَةٍ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. سَمِعْتُمْ حَدِيثَ المُفْلِسِ، وَعَلِمْتُمْ أَنَّ المَظَالِمَ تَتَجَاوَزُ الدَّرَاهِمَ إِلَى الكَلِمَةِ الَّتِي نَنْطِقُ بِهَا بِلَا وَعْيٍ لِنَغْتَابَ بِهَا إِنْسَانًا بَرِيئًا. وَالآنَ يَا إِخْوَانِي، بَقِيَ السُّؤَالُ العَمَلِيُّ الَّذِي يَحْسِمُ مَصِيرَنَا: كَيْفَ نُطَهِّرُ ذِمَمَنَا قَبْلَ الرَّحِيلِ؟
أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُمْ هَذَا:
الأُولَى: أَمْسِكْ وَرَقَةً وَقَلَمًا اليَوْمَ حِينَ تَعُودُ لِبَيْتِكَ، وَاكْتُبْ دُيُونَكَ كُلَّهَا الَّتِي عَلَيْكَ لِلنَّاسِ كَبِيرَهَا وَصَغِيرَهَا. إِنْ كُنْتَ قَادِرًا فَسَدِّدْهَا فَوْرًا، وَإِنْ كُنْتَ مُعْسِرًا فَاذْهَبْ إِلَى أَصْحَابِهَا وَطَيِّبْ خَوَاطِرَهُمْ وَاشْرَحْ عُذْرَكَ بِصِدْقٍ حَتَّى يُعْذِرُوكَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا رَأَى مِنْكَ الصِّدْقَ سَدَّدَ عَنْكَ.
الثَّانِيَةُ: يَا مَنْ عِنْدَهُ تَرِكَةٌ أَوْ مِيرَاثٌ لَمْ يُقْسَمْ! بَادِرْ بِقِسْمَتِهِ اليَوْمَ قَبْلَ الغَدِ بِمَا شَرَعَ اللَّهُ، وَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. لَا تَسْتَمْرِئِ البَقَاءَ عَلَى مَالِ إِخْوَتِكَ وَأَخَوَاتِكَ. التَّرِكَةُ الَّتِي تَبْقَى دُونَ تَوْزِيعٍ ظُلْمٌ لِلأَحْيَاءِ وَثِقَلٌ عَلَى الأَمْوَاتِ المَقْبُورِينَ.
الثَّالِثَةُ: مَنِ اغْتَبْتَهُ وَنِلْتَ مِنْ عِرْضِهِ، إِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ وَتَعْتَذِرَ دُونَ أَنْ تَجْلِبَ مَفْسَدَةً أَكْبَرَ، فَافْعَلْ. وَإِنْ خِفْتَ أَنْ يَحْدُثَ بِسَبَبِ اعْتِرَافِكَ فِتْنَةٌ أَشَدُّ أَو قَطِيعَةٌ أَبَدِيَّةٌ؛ فَاذْكُرْهُ بِالخَيْرِ فِي المَجَالِسِ الَّتِي ذَكَرْتَهُ فِيهَا بِالسُّوءِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ فِي لَيْلِكَ كَمَا نَهَشْتَ لَحْمَهُ فِي نَهَارِكَ!
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ عَلَى الزُّهْدِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَالعِلْمِ بِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلْمُتَّقِينَ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الغِيبَةِ، وَأَمْوَالَنَا مِنَ الحَرَامِ. اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنَّا مَدِينًا فَاقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ وَيَسِّرْ أَمْرَهُ. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ عِنْدَنَا تُبْعَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاقْضِ عَنَّا الحُقُوقَ وَالمَظَالِمَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا أَعْطَى شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا ظَلَمَ أَو أَسَاءَ اعْتَذَرَ وَتَابَ. اللَّهُمَّ مَنْ أَسَأْنَا إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِكَ أَوْ ظَلَمْنَاهُ بَعِلْمِنَا أَوْ بِجَهْلِنَا، فَاعْفُ عَنَّا وَعَنْهُ، وَأَرْضِهِ عَنَّا يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ جُودِكَ وَفَضْلِكَ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَانْصُرِ المُسْتَضْعَفِينَ وَالمَظْلُومِينَ، وَارْفَعِ الظُّلْمَ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي كُلِّ بِقَاعِ الأَرْضِ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: 201].
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الخَطِيبُ الكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجُ ذَكَاءٍ اِصْطِنَاعِيٍّ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. المِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.