من مكتبة مِداد الخطيب

وهمُ الكَمال... لماذا تَتَردَّدُ في قَرار الزَّواج؟

مشاركة
⚡️ وهمُ الكَمال... لماذا تَتَردَّدُ في قَرار الزَّواج؟ #موعظة_شباب #الزواج #الخطبة #وهم_الكمال #التردد #بناء_الأسرة #أخلاق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الشبابَ أقوى مراحلِ العُمرِ وأشَدَّها أثرًا، وجَعَلَ بناءَ الأُسرةِ آيةً من آياتِهِ ومِيثاقًا غَليظًا نَتَقَرَّبُ به إليه. وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ، الذي شَبَّ في الأمانةِ، وبُعِثَ في الرُّجولةِ، وكانَ أيسَرَ الناسِ مُعاشَرةً وأعظَمَهُم إنصافًا، أمَّا بَعد: إخوتي الأحبَّة، وشبابَ أمَّتي الكِرام.. دعوني أبدأُ مَعكُم اليومَ بسُؤالٍ مُباشر، وأعرِفُ أنَّ كثيرًا مِنكُم سَيَبتَسِمُ في دَاخِلِهِ لأنَّهُ يَعيشُ هذا السُّؤالَ واقِعًا في حَياتِه: كَم بَيتًا دَخَلتَ خاطِبًا حتَّى الآن؟ دَخَلتَ البَيتَ الأوَّل، فجَلَستَ وتَحَدَّثتَ، ورأيتَ أدَبًا وحَياءً، ثُمَّ خَرَجتَ وقُلتَ لِوالِدَتِك: "طُموحُها لا يُعجِبُني". ثُمَّ دَخَلتَ البَيتَ الثَّاني، فوَجَدتَ فتاةً مُتَعَلِّمةً مُثَقَّفة، فَخَرَجتَ وقُلتَ: "طُولُها لا يُناسِبُني، أو تَخَصُّصُها الدِّراسيُّ لا يُوافقُ خُطَّتي". ثُمَّ دَخَلتَ الثَّالثَ والرَّابعَ والعاشِر.. مَرَّت سَنَة، سَنَتان، خَمسُ سَنَوات.. وأنتَ تَنتَقِلُ مِن بَيتٍ إلى بَيت، تَتَصَيَّدُ الثَّغَرات، وتَبحَثُ عن عُذرٍ صَغيرٍ لِتَرفُض، وكُلَّما اقتَرَبتَ مِنِ اتِّخاذِ القَرارِ، تَراجَعتَ في اللَّحظَةِ الأَخيرة! إخوَتي، نَحنُ اليومَ نَجلِسُ جَلسَةَ مُصارَحة، أخٌ يَتَحَدَّثُ مع إخوَتِه. السؤالُ الحَقيقيُّ هنا: هل أنتَ تَبحَثُ عَن شَريكَةِ حياة، أم تَبحَثُ عن بضاعَةٍ مِثاليَّةٍ تُريدُ أن تُفَصِّلَها في مَصنَع؟ هل تُريدُ زوجةً تَسكُنُ إليها، أم نُسخَةً خَياليَّةً رَسَمتَها في ذِهنِك ولَن تَجِدَها أبدًا على وَجهِ الأَرض؟ تَعالَوا نَضَع يَدَنا على الجُرح. نَحنُ نَعيشُ في عَصرِ "الفَلاتِر" والشَّاشات. السُّوشال ميديا صَدَّرَت لَنا ولَكُم صُورةً مُرعِبةً ومُزَيَّفَةً عن "الكَمال". صارَ الشَّابُّ مِنَّا يَدخُلُ ليَخطُب، وفي مُخَيِّلَتِهِ أنَّهُ يَجِبُ أن يَجِدَ فتاةً تَجمَعُ بَينَ جَمالِ حُورِ العِين، وعَقلِ خديجةَ، وحَياءِ فاطِمَة، وثَقافةِ أستاذةٍ جامِعيَّة، ومَهارةِ طَبَّاخةٍ مُحتَرِفة، وأن تَكونَ مَعَ كُلِّ هذا مُوافِقةً لِكُلِّ تفصيلَةٍ صَغيرةٍ في مِزاجِه! وهُنا يَأتي الصَّدمة، ويَأتي كَلامُ خالِقِنا جَلَّ وعَلا، الذي يَعرِفُ مَن نَحنُ، يَقولُ سُبحانَه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. نَعَم، ضَعيفًا في عِلمِه، ضَعيفًا في إرادَتِه، ضَعيفًا في كَمالِه. النَّقصُ — يا أخي — جُزءٌ مِن تِركيبَتِنا البَشريَّة. اسمَح لي أن أسألَك: مَن قالَ لَكَ إنَّكَ أنتَ كامِل؟ هل تَملِكُ أنتَ كُلَّ صِفاتِ الكَمالِ حتَّى تَشتَرِطَها في فتاةٍ بَشريَّة؟ هل أنتَ خالٍ مِنَ العُيوب، ومِنَ الطِّباعِ الصَّعبة، ومِنَ التَّقصير؟ يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: 32]. إذا كُنتَ تَبحَثُ عَنِ الكَمالِ المُطلَق، فثِق تَمامًا أنَّكَ سَتَبقى وَحيدًا إلى أن تَخرُجَ مِن هَذِه الدُّنيا، لأنَّ الكَمالَ المُطلَقَ لَم يُخلَق لِلأرض، بَلِ ادَّخَرَهُ اللهُ لِأهلِ الجَنَّة. إخوَتي الأحبَّة، النَّبيُّ ﷺ كانَ أفهَمَ النَّاسِ بالنَّفسِ البَشريَّة، لِذلك حَسَمَ لنا مَسألةَ التَّردُّدِ في الزَّواجِ بكلماتٍ واضِحةٍ كالشَّمس، تَضَعُ المُؤشِّرَ على البُوصلَةِ الصَّحيحة. قالَ رَسولُ الله ﷺ: «تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لِمالِها، ولِحَسَبِها، ولِجَمالِها، ولِدِينِها، فاظفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَداكَ» (متفق عليه). تَأمَّلوا هَذا الحَديثَ الرَّائع. لَم يَقُلِ النَّبيُّ ﷺ تَجاهَلِ الجَمال، أو تَجاهَلِ المَكانَةَ الاجتماعيَّة؛ فهذِه رَغَباتٌ بَشريَّةٌ فَطَرَنا اللهُ عليها، ومِن حَقِّكَ أن تَبحَثَ عَن فَتاةٍ تَرتَاحُ لِشَكلِها ويَميلُ إليها قَلبُك. لَكِنَّهُ أعطاكَ "الأساسَ" الذي يَبني البَيت، وقال لَك: إذا وَجَدتَ "الدِّينَ والخُلُق"، فلا تَتَردَّد. "ذاتُ الدِّين" يا شباب، لَيست مُجَرَّدَ فتاةٍ تُصَلِّي وتَصومُ فَقَط. الدِّينُ هنا يَعني: الأمَانَة، يَعني حِفظَ السِّرِّ، يَعني الحَياءَ الذي يُجَمِّلُها، يَعني أنَّها إذا غَضِبَت لَم تَفجُر، وإذا أُعطِيَت شَكَرَت، وإذا ابتُلِيَت صَبَرَت. الدِّينُ هو الخُلُقُ الذي تَتَّكِئُ عليه حِينَ تَميلُ بِكَ الأيَّام. فإذا وَجَدتَ هذَا الجَوهَرَ، ومعَهُ قَبولٌ شَكليٌّ مُتبادَل، فقد ظَفِرتَ! أمَّا أن تَرفُضَ ذاتَ الدِّين لأنَّها لَيست بارِعَةً في تَخَصُّصٍ مُعَيَّن، أو لأنَّ أنفَها لَيسَ دَقيقًا بما يَكفي، فأنتَ تَستَبدِلُ الذي هو أدنى بالذي هو خَير. استَمِعوا مَعي إلى هَذِه القصَّةِ العَجيبةِ مِن تاريخِنا.. قصَّةٌ شابٍّ لَم يَكُن يَبحَثُ عَنِ القُشور، بَل عَرَفَ ما هو الزَّواجُ حَقًّا.
الإمامُ أحمدُ بنُ حَنبَل — رَحِمهُ الله — عالِمُ الدُّنيا في زَمانِه، عِندَما أرادَ أن يَتَزَوَّج، أرسَلَ مَن يَخطُبُ له مِن بَيتِ أبي الفَضل. فذَهَبَتِ الخاطِبَةُ ورَجَعَت، قالَت: يا إمام، عِندَهُ ابنتان، إحداهُما فائِقَةُ الجَمال، والأُخرى عوراءُ (أو في عَينِها ضَعف)، ولَكِنَّها أعلمُ وأصلَحُ وأحفَظُ لِكتابِ الله. ماذا قال الشَّابُّ أحمدُ بنُ حنبل في تِلك اللحظة؟ هل تَرَدَّد؟ هل بَحَثَ عَن عُذر؟ قال كَلِمةً تَكتُبُ بماءِ الذَّهَب: "زَوِّجوني صَاحبَةَ الدِّين". تَزَوَّجَ "عَبَّاسَة" ذَاتَ الدِّين، تِلكَ التي تَجاوَزَ عَن نَقصِها الشَّكليِّ لأجلِ رُوحِها. فهل نَدِم؟ هل عاشَ تَعيسًا لأنَّهُ لَم يَبحَث عَنِ الكَمالِ الشَّكلي؟ اسمَعوا ماذا قالَ عَنها بَعدَ أن ماتَت رَحِمَها الله؛ يَبكي ويَقول: "أقَمتُ مَعها أربعينَ سَنَة، فما اختَلَفنا في كَلِمة!". سُبحانَ الله! أربعونَ سَنةً بِلا شِجار؟ كَيف؟ لأنَّهُما بَنَيا بَيتَهُما على جَوهَرِ التَّقوى، فتَصاغَرَت أمامهُما كُلُّ القُشور، وطَغَت رَحمَةُ اللهِ على العُيوب. المَظهَرُ يَألفُهُ العَينُ بَعدَ أشهُر، لَكِنَّ الرُّوحَ هي التي تُعاشِرُها إلى أن تَموت. يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم — رَحِمهُ الله — في إشارَةٍ دَقيقة: "وكم مِن حَسَنِ الصُّورَةِ كَريهِ الأخلاقِ والمُعاشَرَة، يُمَحِّقُ قُبحُ باطِنِهِ جَمالَ ظاهِرِه". إخوَتي، دعُونا نُشَرِّح هذَا التَّردُّدَ مَعًا. عِلمُ النَّفسِ الحَديثُ يُسَمِّي ما تَمُرُّون به "فَخَّ الخِياراتِ المَفتوحَة" أو "شَلَلَ التَّحليل" (Analysis Paralysis). عِندَما تَكونُ بَينَ يَدَيكَ خِياراتٌ لا تَنتهي، وكُلَّما رَفَضتَ فتاةً اعتَقَدتَ أنَّ هُناكَ مَن هي أفضَلُ مِنها في البَيتِ القادِم.. أنتَ هُنا تَقَعُ في الفَخّ. تَتَحَوَّلُ الخِطبَةُ إلى عَمَليَّةِ "تَسَوُّق"، تَبحَثُ فيها عَن أفضَلِ عَرضٍ، وتَنسى أنَّ الزَّواجَ رِحلَةُ بِناءٍ مَع إنسانٍ يُشبِهُك. كُلَّما ارتَفَعَ سَقفُ تَوَقُّعاتِك إلى حَدِّ الكَمال، انخَفَضَ مُستَوى رِضاكَ عَنِ الواقِع. ولِذلك قالَ النَّبيُّ ﷺ كَلِمةً هي عِلاجٌ لِكُلِّ شَكٍّ وتَرَدُّد: «لا يَفرَكْ مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً، إنْ كَرِهَ مِنها خُلُقًا رَضِيَ مِنها آخَرَ» (رواه مسلم). (لا يَفرَك: أي لا يُبغِض ولا يَكرَه). هَذا هو ميزانُ الحَياة! النَّبيُّ ﷺ يُؤَسِّسُ قاعِدةَ العُمر: لن تَجِدَ أحَدًا خالِيًا مِن شَيءٍ تَكرَهُه. إن وَجَدتَها جَميلةً جِدًّا قد تَجِدُها حادَّةَ الطِّباع قَليلًا، وإن وَجَدتَها هادِئَةً مُطيعةً قد لا تَكونُ بارِعَةً في التَّعبيرِ الرُّومانسي، وإن وَجَدتَها طَبَّاخَةً ماهِرةً قَد لا تَكونُ مُهتَمَّةً بالقِراءة. لا توجَدُ نُسخَةٌ كامِلة! إذا كَرِهتَ شَيئًا، انظُر إلى النِّصفِ المَلآنِ، انظُر إلى صَلاتِها، وعِفَّتِها، وحُبِّها لَك، وحِرصِها على بَيتِك. إخوَتي الشَّباب، صارِحوا أنفُسَكُم.. كثيرٌ مِنَ التَّردُّدِ الذي تَعيشونَهُ لَيسَ بَحثًا عَنِ الكَمالِ حَقًّا، بَل هو "خَوفٌ مِنَ المَسؤوليَّة". الكَثيرُ مِنَ الشَّبابِ يَخافُ مِنَ الالتزام، يَخافُ مِن فِكرةِ أن يَتَّخِذَ قَرارًا يَدومُ العُمرَ كُلَّه، فيَقومُ عَقلُهُ الباطِنُ بِتَصَيُّدِ الأخطاءِ في كُلِّ فَتاةٍ يَراها لِيُبَرِّرَ لِنَفسِهِ الهَرَب. تَجِدُهُ يَدخُلُ البَيت، ويَرى فَتاةً ذاتَ دِينٍ وقَبول، وتُعجِبُه، لَكِنَّهُ يَخرُجُ ويَقول: "أهلُها يَسكُنونَ بَعيدًا، المَسافَةُ سَتُتعبُني". باللهِ عَليكَ! هل هذَا عُذرٌ لِرَفضِ امرَأةٍ صالِحَة؟ المُشكِلَةُ لَيست في المَسافة.. المُشكِلَةُ في قَلبِكَ الذي يَرتَجِفُ مِن كَلِمَةِ "عَقدِ القِران". لا تَجعَل خَوفَكَ يُضَيِّعُ أجمَلَ سَنَواتِ شَبابِك. الزَّواجُ رِزق، والرِّزقُ يَحتاجُ إلى تَوَكُّل. قال تَعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: 32]. اللهُ وَعَدَ المُقْدِمَ على الزَّواجِ بالغِنى والإعانة، فهل تَشُكُّ في وَعدِ الله؟ استَمِعوا إلى هذا الحديث الذي رواهُ الترمذي: "ثلاثةٌ حَقٌّ على اللهِ عَونُهُم"، وذَكَرَ مِنهُم: "والنَّاكِحُ يُريدُ العَفافَ". رَبُّ السَّماواتِ والأرضِ أخَذَ على نَفسِهِ عَهدًا أن يُعينَكَ إذا اقتَحَمتَ هَذا البابَ تُريدُ الحَلال! فمِمَّ تَخاف؟ ولِماذا تَتَرَدَّد؟ دَعوني أسألكُم سؤالاً ثانياً: ما هو الزَّواجُ في تَصَوُّرِكُم؟ مُعظَمُ الشَّبابِ اليومَ يَظُنُّ أنَّ الزَّواجَ هو حالَةُ "انبهارٍ" يَقَظةٍ لا تَنام، كالأفلام! يَظُنُّ أنَّهُ سَيَدخُلُ كُلَّ يَومٍ لِيَرى مَشهَدًا سِينِمائيًّا في بَيتِه. وهَذا وَهمٌ خَطير. الزَّواجُ — بنَصِّ القُرآنِ — لَيسَ انبهارًا، بَل هو "سَكَن".
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. السَّكَنُ يَعني الهُدوء، يَعني أن تَعودَ مِن حَربِ الحَياةِ في الخارِج، مَكدودًا مُتعَبًا، فَتَجِدَ امرَأةً تَمسَحُ عَنكَ تَعَبَ الأيَّام. السَّكَنُ يَعني الأمَان. الجَمالُ الشَّكليُّ المُبهِرُ تَعتادُهُ العَينُ بَعدَ أشهُر، وتُصبِحُ تراهُ عاديًّا جِدًّا، لَكِنَّ الحَنان، والصَّبر، وتَحَمُّلَ المَسؤوليَّة، والأُمومَةَ الصَّالِحَة لأولادِك.. هذا هو الدِّفءُ الذي يَزدادُ يَقينُكَ بِهِ كُلَّما مَرَّتِ السِّنون. كان الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ جالِسًا، فَجاءَهُ رَجلٌ يَقول: "يا أبا سَعيد، عِندي ابنةٌ وقَد خَطَبَها جَماعة، فَمَن أُزَوِّجُها؟". ماذا قالَ الحَسَن؟ لَم يَقُل زَوِّجها الأوسَم، أو الأغنى. قال: "زَوِّجها لِمَن يَتَّقي اللهَ عَزَّ وجَلّ، فإن أحَبَّها أكرَمَها، وإن أَبغَضَها لَم يَظلِمها". هَذا هو المِعيار! وما يَنطَبِقُ على الرَّجُلِ يَنطَبِقُ على المَرأة؛ تَزَوَّج مَن تَتَّقي الله، فَإن أحَبَّتكَ أكرَمَتكَ، وإنِ اختَلَفتُما يَومًا حَفِظَتكَ ولَم تَظلِمك. إخوَتي الأحبَّة.. العُمُرُ يَمضي، والترَدُّدُ سارِقُ الأعمار. كَم مِن شابٍّ ضَيَّعَ فَتياتٍ صالِحاتٍ ذَواتِ خُلُقٍ ودِين بَحَثًا عن وَهمِ الكَمال، حتَّى بَلَغَ الأربَعينَ، فالتَفَتَ يَمينًا ويَسارًا، فَلَم يَجِد شَريكَةً تُؤنِسُ وَحدَتَه، ولا طِفلًا يَحمِلُ اسمَه، بَينَما أقرانُهُ المَبنيَّةُ بُيوتُهُم عَلى القَناعَةِ قد كَبِرَ أبناؤهُم وصاروا لَهُم سَنَدًا! فلا تُعَلِّق حَياتَكَ على تفاصيلَ صَغيرةٍ يُمكِنُ التَّغاضي عَنها. إذا دَخَلتَ بَيتًا، فَكَسَروا لَكَ بابَ الدُّخولِ ورحَّبوا بِك، ورأيتَ الفتاةَ فَوَقَعَ في قلبِكَ قَبولٌ — لا أقولُ انبهارًا مُزلزِلاً، بَل قَبولاً وارْتياحاً صَادِقاً — ووُجِدَ الدِّينُ والخُلُق.. فَقُل: "بِسمِ الله"، ولا تَلتَفِت لِوَسوَسَةِ الشَّيطان الذي يَقول لَك: "رُبَّما هُناك أفضَل". ولأنَّ المَوعِظَةَ بِلا خَطوةٍ عَمَليَّةٍ تَتبَخَّرُ في الهَواء، أوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، وهِيَ خارِطَةُ طَريقٍ لِكُلِّ شابٍّ مُتَرَدِّد: الأولى (قَلبيَّة): غَيِّر وِجهَةَ نَظَرِكَ عَنِ الزَّواج. الزَّواجُ لَيسَ جائِزَةً تَأخُذُها كامِلة، بَل هو مَشروعٌ تَبنيهِ أنتَ وزوجَتُك مَعًا. العُيوبُ الصَّغيرَةُ تُعالَجُ بالمَوَدَّة، والنَّقصُ يُكَمِّلُهُ الصَّبر. الثانية (لِسانيَّة): صَلاةُ الاستخارَة. كَثيرٌ مِنَ الشَّبابِ يُصَلِّي الاستِخارَةَ ويَنام، يَنتَظِرُ أن يَرى حُلمًا فِيه حَمامَةٌ بَيضاء أو نُورٌ أخضَر! هَذا لَيسَ مِنَ السُّنَّة. الاستخارةُ تَفويض. صَلِّ الاستِخارَةَ وأنتَ مُتَوَكِّل، ثمَّ امضِ في طَريقِك الخُطوةَ الأولى. إن كانَ خَيرًا سَيُيَسِّرُهُ الله ويَجعَلُ الأبوابَ تُفتَح، وإن كانَ شَرًّا سَيَصرِفُهُ اللهُ عنك. فلا تَنتَظِر إلهامًا سِحرِيًّا، بَلِ امضِ بِثِقَة. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): طبِّق "قاعِدةَ الثَّمانين". إذا جَلَستَ مَع الفَتاةِ ووَجَدتَ أنَّ 80% مِن صِفاتِها الأَساسيَّة (دِين، خُلُق، قَبول شَكلي مريح، عائلة طيِّبة) مَوجودة، فَاعلَم أنَّكَ في نِعمَةٍ كُبرى. الـ 20% الباقيَةُ هي جُزءٌ مِن بَشَريَّتِنا، وستَتَأقلَمُ مَعها بالمُعاشَرَة. اقتَنِصِ الخَيرَ الأكبَرَ ولا تُضَيِّعه لأجلِ نَقصٍ يَسير. الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَدَع مَعاييرَ المُجتَمَع، ولا صورَ الإنستجرام، ولا حَديثَ الأصدِقاءِ يُؤَثِّرُ على قَرارِك. بَعضُ الشَّبابِ يَرفُضُ الفَتاةَ الصَّالِحَةَ لأنَّهُ يَخافُ ألا تَبدو مُبهِرَةً جِدًّا في نَظَرِ أصدِقائِه عِندَما يَروها في مَجالِسِهِم العَامَّة! يا أخي، أصدِقاؤُكَ لَن يَعيشوا في بَيتِك، ولَن يُرَبُّوا أبناءَك، ولَن يَصنَعوا سَكينَتَك. اختَر لِنَفسِك ولِدِينِك ولِذُرِّيَّتِك، لا لِعُيونِ النَّاس. الخامسة (موضوعيَّة): إذا وَقَعَتِ الخِطبَةُ، فأعطِ نَفسَكَ الفُرصَةَ لِتَعرِفَها صِدقًا، ولا تَكُن مِثاليًّا قاسِيًا تُحاسِبُها عَلى كُلِّ حَرفٍ خَرَجَ ارتِباكًا مِنها، أو رَدَّةِ فِعلٍ سَبَبُها الحَياء. كُن أخًا رَحيمًا قَبلَ أن تَكونَ قاضِيًا صارِمًا. إخوَتي الأحبَّة، اللهُ لَم يَخلُقكُم لِتَعيشوا في دَوامَةِ الحَيرَة. اللهُ خَلَقَكُم لِتَبنوا الأرض، ولا قِيامَ لِلأرضِ بِلا بَيتٍ مُسلِمٍ دافِئ. لا تَهَنوا أمامَ هذا التَّرَدُّد، بل اعقِدوا العَزمَ وامضُوا. أنتُم قادِرون، صَدِّقوني — أنتُم قادِرون على بِناءِ أجملِ البُيوتِ إذا طَهَّرتُم النِّيَّات ورَضِيتُم بما قَسَمَ الله.
اللَّهمَّ اجعَل شَبابَنا شَبابًا يُحِبُّك ويَعمَلُ لِأجلِك. اللَّهمَّ ارزُق شَبابَنا وبَناتِنا الزَّوجاتِ الصَّالِحات والأزواجَ الصَّالِحين. اللَّهمَّ مَن كانَ مِنهُم مُتَرَدِّدًا فاربُط على قَلبِه، وأَرِهِ الخَيرَ خَيرًا ووَفِّقهُ لاتِّباعِه. اللَّهمَّ ارفَع هِمَمَنا إلى أعلى مَقاماتِك، ولا تَرضَ لنا بالدُّون. اللَّهمَّ ابنِ بُيوتَ المُسلمينَ على التَّقوى والمَحَبَّة، واجعَلها مَحضَنًا لِجيلٍ يَنصُرُ دِينَك ويُعلي كَلِمَتَك. اللَّهمَّ اجمَعنا على الخَير، ولا تُفَرِّقنا على الشَّرِّ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نبيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. والسَّلامُ عَلَيكُم ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.