من مكتبة مِداد الخطيب

بُنيانُ الإسْلام... وعَمُودُه الأَعظَم

مشاركة
🕌 بُنيانُ الإسْلام... وعَمُودُه الأَعظَم #خطبة_جمعة #بني_الإسلام_على_خمس #التوحيد #الشهادتان #أركان_الإسلام #عقيدة الحمدُ للهِ الذي رَفَعَ بُنيانَ الإسْلامِ وأعلاه، وأسَّسَ أركانَهُ على التَّوحيدِ وأرساه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةً تُنجي قائلَها يومَ نَلقاه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، ومُصطَفاهُ ومُجتَباه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ واتَّبَعَ هُداه، وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي قَصرًا مَشيدًا، يَناطِحُ السَّحابَ طولًا، ويَخطَفُ الأبصارَ جَمالًا. قصرٌ له أعمِدَةٌ ضَخمةٌ تَحمِلُ سَقفَه... ماذا يَحِلُّ بهذا القَصرِ إنْ كانَت أعمِدَتُه مَبنيَّةً على غيرِ أساس؟ أو ماذا لو كان العَمودُ المَركزيُّ الذي يَحمِلُ الثِّقَلَ كُلَّه مَشروخًا أو مُفَرَّغًا من الدَّاخل؟ سينهارُ لا مَحالة. هكذا هو دينُنا العظيم. كلُّنا نَحفَظُ أركانَ الإسلامِ الخَمسة منذُ صِغَرِنا، لكنَّنا اليومَ سَنَقِفُ أمامَ العَمودِ الأوَّل. العَمودُ الذي إنْ صَلُحَ قُبِلَت الأربعةُ الباقية، وإنْ سَقَطَ، تَحَوَّلَتِ الصَّلاةُ والصِّيامُ والزَّكاةُ والحَجُّ إلى سَرابٍ ورَماد! فما هو سِرُّ هذا الرُّكنِ الأوَّل؟ ولماذا لا يُقبَلُ الدِّينُ كُلُّه إلا به؟ الجوابُ سَيُغيِّرُ نَظرتَنا لِما نَقولُه كلَّ يومٍ ولا نَستَشعِرُ عِظَمَه. عبادَ الله، يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحديثِ المتَّفَقِ على صِحَّتِه، عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «بُنِيَ الإسْلامُ على خَمْسٍ: شَهادَةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحَجِّ البَيتِ، وصَومِ رَمَضانَ». تأمَّلوا هذا التَّعبيرَ النَّبَويَّ المُعجِز: «بُنِيَ الإسْلامُ». الدِّينُ ليسَ مَجموعةً من الأفكارِ المُتَناثِرة، بل هو «بُنيانٌ» وهَيكَلٌ مُتَماسِك. قال الإمامُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَليُّ رحمه الله مُوَضِّحًا هذا المَعنى: "المَقصودُ تَشبيهُ الإسلامِ بُبنيانٍ مَبنيٍّ على خَمسِ دَعائِم، وهذه الخَمسُ هي دَعائِمُ البُنيانِ وقَواعِدُه التي يَبتَني عليها، وما بَقيَ من خِصالِ الإسلامِ فهي تَتِمَّةُ البُنيانِ". واليومَ، نَقِفُ وِقفَةَ تَحقيقٍ وتَدَبُّرٍ مع الدِّعامَةِ الأُولى، مع الرُّكنِ الأَعظَم، مع الأساسِ الذي تُبنى عليه النَّجاةُ أو الهَلاك: شَهادةِ أن لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله. كثيرٌ منَّا يَظُنُّ أنَّ الرُّكنَ الأوَّلَ مُجَرَّدُ كَلِمَةٍ يُلَقلِقُ بها اللِّسان! كَلَّا وربِّ الكَعبة. لو كانَت مُجَرَّدَ حروفٍ تُنطَق، لَقالَها أبو جَهلٍ وأبو لَهبٍ واستَراحوا من القِتالِ ودَفعِ الأموال. لكنَّهُم كانوا يَعرِفونَ لُغَةَ العَرَب، ويَعلَمونَ يَقينًا أنَّ هذه الكَلِمَةَ تَعني انقِلابًا شامِلًا في حَياةِ الإنسان. فما معنى أن تَشهَدَ أن "لا إله إلا الله"؟ هذه الكَلِمَةُ العَظيمةُ تَقومُ على رُكنَين لا تَنعَقِدُ إلا بهما: النَّفيُ والإثبات. النَّفيُ في "لا إله": أي نَفيُ وصَرْفُ جَميعِ أنواعِ العِبادَةِ والخُضوعِ والتَّذَلُّلِ والمَحَبَّةِ المُطلَقَةِ عمَّا سِوى الله. والإثباتُ في "إلا الله": أي إثباتُ العِبادَةِ كُلِّها للهِ وَحدَه لا شَريكَ له. يَقولُ ربُّنا تبارَكَ وتَعالى مُبيِّنًا هذا الشَّرط: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 256]. لا يَبدَأُ الإيمانُ باللهِ حتى تَكفُرَ بكلِّ طُغيانٍ وكلِّ مَعبودٍ سِواه. ولَعَلَّ قائِلًا يَقول: نَحنُ في زَمانٍ لا نَعبُدُ فيه الأصنامَ ولا الحِجارَة! فأَقولُ لك: وهل الأصنامُ حِجارَةٌ فَقَط؟ كم من إنسانٍ اليَومَ يَشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله بلِسانِه، لكنَّهُ في واقِعِ حَياتِهِ يَعبُدُ هَواهُ ومِزاجَه! إذا تَعارَضَ أمْرُ اللهِ مع رَغبَتِه، قَدَّمَ رَغبَتَه. وإذا تَعارَضَ حُكمُ الشَّرعِ مع المَنصِبِ أو المال، رَكَعَ للمال! وقد حَذَّرَنا اللهُ جلَّ وعَلا من هذا الشِّركِ الخَفيِّ فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [سورة الجاثية: 23]. يا عبادَ الله، شَهادَةُ التَّوحيدِ تَقتَضي اليَقينَ المُطلَقَ بلا شَكٍّ ولا رَيب. ألم تَسمَعوا لِقَولِ اللهِ عَزَّ وجَلّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [سورة الحجرات: 15]. "ثم لم يرتابوا"، أي لم يَدخُل الشَّكُّ قُلوبَهم طَرفَةَ عَين. وإذا استَقَرَّت هذه الكَلِمةُ في القَلبِ بصِدقٍ ويَقين، فإنَّ لها وَزنًا لا تَطيشُ معه السَّماواتُ والأرض. واسمَعوا
لهذا الحَديثِ العَظيمِ الذي يَرويهِ الإمامُ التِّرمذيُّ والإمامُ أحمدُ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رضي اللهُ عنهما، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ، فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ...» تَخيَّلوا هذا المَشهَد! تِسعَةٌ وتِسعونَ سِجِلًّا مَليئَةً بالذُّنوبِ والمَعاصي! فيَقولُ اللهُ له: أتُنكِرُ من هذا شَيئًا؟ فيَقول: لا يا ربّ. فيَقولُ الله: ألَكَ عُذرٌ أو حَسَنة؟ فيَبهَتُ الرَّجُلُ ويَقول: لا يا ربّ. هُنا تَأتي المُفاجَأةُ الرَّبَّانيَّة... يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: «بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ». فتُخرَجُ لَهُ بِطاقَةٌ صَغيرةٌ فيها: (أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُه). فيَقولُ الرَّجُلُ مُستَغرِبًا: يا ربِّ، وما هذه البِطاقَةُ مع هذه السِّجِلَّات؟! فيُقالُ له: إنَّكَ لا تُظلَم. فتوضَعُ السِّجِلَّاتُ في كِفَّة، والبِطاقَةُ في كِفَّة، فطاشَتِ السِّجِلَّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَة! ما السِّرُّ هُنا؟ هل السِّرُّ في مُجَرَّدِ الحُروف؟ يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مُحَلِّلًا هذا السِّرَّ العَجيب: "الأعمالُ لا تَتَفاضَلُ بصُوَرِها وعَدَدِها، وإنَّما تَتَفاضَلُ بتَفاضُلِ ما في القُلوبِ فتَكونُ صُورَةُ العَمَلَينِ واحِدة، وبَينَهُما في الفَضلِ كما بَينَ السَّماءِ والأرض... فرَبُّ البِطاقَةِ إنَّما ثَقُلَت بِطاقَتُهُ لِما قامَ بقَلبِهِ من التَّوحيدِ والإخلاصِ والصِّدق". أمَّا الشَّطرُ الثَّاني من العَمودِ الأوَّل، فهو شَهادَةُ أنَّ "مُحمَّدًا رَسولُ الله". وهذه الشَّهادَةُ ليسَت مَحَبَّةً عاطِفيَّةً عابِرَةً نُتَرجِمُها بالأناشيدِ فَقَط. بل هي مَنهَجُ حَياة. أصلُها: طاعَتُهُ فيما أَمَر، وتَصديقُهُ فيما أخبَر، واجتِنابُ ما نَهى عنهُ وزَجَر، وألَّا يُعبَدَ اللهُ إلَّا بِما شَرَع. يَقولُ اللهُ تَعالى قاطِعًا الطَّريقَ على كُلِّ مَن يَدَّعي مَحَبَّةَ اللهِ دونَ اتِّباعِ رَسولِه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: 31]. سَمَّى السَّلَفُ هذه الآيَةَ "آيَةَ المِحنَة"؛ لأنَّها تَمتَحِنُ القُلوب، وتَكشِفُ الصَّادِقَ من المُدَّعي. لا طَريقَ يَصِلُكَ إلى رِضا اللهِ إلَّا من خِلالِ هذا النَّبيِّ الأُمِّيِّ ﷺ. مَن رامَ الهِدايَةَ من طَريقِ فَلسَفَةٍ أو فِكرٍ أو حَضارَةٍ تُخالِفُ هَديَهُ، ضَلَّ وانقَطَع. ولأجَلِ هذا الرُّكنِ الأوَّلِ، تَحَمَّلَ الصَّحابَةُ ما لا تَحتَمِلُهُ الجِبال. انظُروا إلى بِلالِ بنِ رَباحٍ رضي اللهُ عنه... شَمسُ الصَّحراءِ المِحرِقَة، رِمالٌ تَغلي كالمِرجَل، وصَخرَةٌ عَظيمَةٌ تُوضَعُ على صَدرِهِ النَّحيل، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ يَصرُخُ فيه: لا تَزالُ هكذا حتى تَموتَ أو تَكفُرَ بمُحمَّد! فماذا يَقولُ بِلال؟ هل يَتَراجَع؟ هل يُداهِن؟ يُخرِجُها من عُمقِ قَلبِه، كَلِمَةً تَهُزُّ أركانَ الشِّرك: "أَحَدٌ أَحَد... أَحَدٌ أَحَد". لَو كانَت (لا إله إلا الله) كَلِمَةً سَطحيَّةً، لانهارَ بِلالٌ في أوَّلِ جَولَةِ تَعذيب. لكنَّها كانَت جُذورًا ضارِبَةً في عُمقِ رُوحِه. لَقَد عَرَفَ أنَّ السِّيادَةَ المُطلَقَةَ لله، فَصَغُرَت في عَينِهِ سِيادَةُ السَّيِّدِ الظَّالِم. هذا هو الرُّكنُ الأوَّلُ يا عِبادَ الله. لأجْلِهِ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُرَبِّي الصَّحابَةَ قَبلَ كلِّ شَيء. استَمِعوا إليهِ وهو يُرسِلُ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ رضي الله عنه إلى اليَمَنِ داعِيًا، ماذا قالَ له؟ هل قال له مُرْهُم بالصَّلاةِ فَورًا؟ أو الزَّكاة؟ لا! بل قال، كما في الصَّحيحَين: «إنَّكَ تَقْدَمُ على قَومٍ أهلِ كِتاب، فَليَكُن أوَّلَ ما تَدْعوهُم إليهِ عِبادَةُ الله (وفي رِوايَة: شَهادَةُ أن لا إلهَ إلَّا الله)، فإذا عَرَفوا اللهَ، فأخبِرهُم أنَّ اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيهِم خَمسَ صَلَواتٍ في يَومِهِم ولَيلَتِهِم...». الأساسُ أوَّلًا... فإذا استَقَرَّ الأساس، ارْتَفَعَ البُنيان. ثُمَّ يَأتي عَمودُ الصَّلاةِ، صِلَةُ العَبدِ بربِّه، وفارِقَةُ ما بَينَ الإيمانِ والكُفر. وثُمَّ يَأتي عَمودُ الزَّكاةِ، طَهارَةُ المِحفَظَةِ والمُجتَمَع، ورَحمَةُ اللهِ في الأرض. وثُمَّ يَأتي عَمودُ الصِّيامِ، مَدرسَةُ التَّقوى وقَمعُ الشَّهَوات. وثُمَّ يَأتي عَمودُ الحَجِّ، مُؤتَمَرُ الأُمَّةِ الأَكبَر، ورِحلَةُ العُمرِ إلى رِحْرابِ المَغفِرة. لكن... إيَّاكم أن تَنسَوا القاعِدَة: كُلُّ هذه الأربَعَةِ (الصَّلاة، والزَّكاة، والصِّيام، والحَجّ) تُضْرَبُ في "صِفْر" إذا سَقَطَ الرُّكنُ الأوَّل! الذي يُصَلِّي ويَصوم، لَكِنَّهُ يَستَغيثُ بالأموات، ويَطلُبُ المَدَدَ من أصحابِ
القُبور، أو يَذْبَحُ لِغَيرِ الله، أو يَستَهزِئُ بسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ... عَمَلُهُ كُلُّهُ هَباءٌ مَنثور. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [سورة الفرقان: 23]. فيا عبدَ الله، هل سَأَلتَ نَفسَكَ يَومًا: هل شَهادَةُ التَّوحيدِ في قَلبي حَيَّةٌ نابِضَة، أم أنَّها مُجَرَّدُ عادَةٍ لِسانيَّةٍ وَرِثتُها عن آبائي؟ هل أنا حقًّا لا أرجو إلَّا الله، ولا أَخافُ إلَّا الله، ولا أتَوَكَّلُ إلَّا على الله؟ هذا هو السُّؤالُ الذي سَيُحَدِّدُ مَصيرَكَ في قَبرِك، حينَ يَجلِسانِكَ ويَسألانِك: مَن رَبُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نَبيُّك؟ أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذَنبٍ وخَطيئَة، فاستَغفِروهُ وتوبوا إليه، إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، يُحيي ويُميت، وهو على كلِّ شيءٍ قَدير، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عن البُنيانِ العَظيمِ للإسْلام، وَوَقَفنا مُتَأمِّلينَ أمامَ عَمودِهِ الأَعظَم ورُكنِهِ الأكْبَر: شَهادةِ أن لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله. عَرَفنا أنَّها ليسَت مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُنطَق، بَل هي يَقينٌ يُخالِطُ القَلب، ومَنهَجٌ يَحكُمُ الحَياة، واستِسلامٌ كامِلٌ لِسُنَّةِ المُصطَفى ﷺ. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمّ الذي يُتَرجِمُ الاستِماعَ إلى عَمَل: كيفَ نَعيشُ حَقيقَةَ هذا التَّوحيدِ في واقِعِ أيَّامِنا؟ وأُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد توحيدَكَ في قَلبِكَ كُلَّ يَوم. نَقِّ قَلبَكَ من خَوفِ المَخلوقين، ومِنَ التَّعَلُّقِ بالأسبابِ المادِّيَّةِ دونَ مُسَبِّبِها. إذا نَزَلَت بكَ نازِلَةٌ، أو طَرَقَ بابَكَ هَمٌّ، فَليَكُن أوَّلُ مَن يَلتَفِتُ إليهِ قَلبُكَ هو الله — لا فُلان ولا عِلَّان. هذا هو التَّوحيدُ العَمَليّ. الثانية (لِسانيَّة): اجعَل شَهادَةَ التَّوحيدِ دواءَ لِسانِك. قالَ ﷺ: «أفضَلُ الدُّعاءِ دُعاءُ يَومِ عَرَفة، وأفضَلُ ما قُلتُ أنا والنَّبيُّونَ مِن قَبلي: لا إلهَ إلَّا الله، وَحدَهُ لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحَمدُ، وهو على كُلِّ شَيءٍ قَدير». رَدِّدها في ذَهابِكَ ومَجيئِك، فلَعَلَّها تَكونُ آخِرَ كَلِمَةٍ تَختِمُ بها صَحيفَتَك. الثالثة (عَمَليَّة): بَرهِن على شَهادَتِكَ بأنَّ "مُحمَّدًا رَسولُ الله" بإحياءِ سُنَّةٍ واحِدَةٍ مَهجورَةٍ من سُنَنِهِ هذا اليَوم. سواءٌ في هَيئَةِ صَلاتِك، أو طَريقَةِ سَلامِك، أو حُسنِ خُلُقِكَ في بَيتِك. الاتِّباعُ العَمَليُّ هو أصدَقُ بَراهينِ المَحَبَّة. الرابعة (اجتماعيَّة): عَلِّموا أبناءَكُم مَعنى (لا إله إلا الله). لا تَكتَفوا بتَعليمِهِم كَيفَ يَركَعونَ ويَسجُدون، بل عَلِّموهُم لِمَن يَركَعونَ ويَسجُدون! اغرِسوا في صُدورِهِم أنَّ النَّافِعَ والضَّارَّ والمُعطِيَ والمانِعَ هو اللهُ وَحدَه، فَيَنشَأ الجيلُ حُرًّا لا يَستَعبِدُهُ أَحَد. الخامسة (موضوعيَّة): إذا عَرَضَت لَكَ مَعصيَةٌ اليَوم، أو دَعاكَ هَواكَ لِمُخالَفَةِ شَرعِ الله، فَليَكفِكَ رُكنُ التَّوحيدِ لِرَدعِك. قُل لِنَفسِك: كيفَ أَشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، ثُمَّ أُطيعُ هَوى نَفسي في مَعصيَتِه؟ فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي الثَّمَرَةُ اليانِعَةُ لِشَجَرَةِ التَّوحيدِ في القَلب. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَليهِ في مُحكَمِ التَّنزيل، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهمَّ إنَّا نَسألُكَ بأسمائِكَ الحُسنى، وصِفاتِكَ العُلى، أن تُحييَنا على (لا إله إلا الله)، وأن تُميتَنا على (لا إله إلا الله)، وأن تَبعَثَنا يَومَ القِيامَةِ في زُمرَةِ مَن حَقَّقَ (لا إله إلا الله). اللَّهمَّ طَهِّر قُلوبَنا من كُلِّ شِركٍ ونِفاق، ورِياءٍ وشِقاق. اللَّهمَّ لا تَجعَل في قُلوبِنا حُبًّا يُزاحِمُ حُبَّك، ولا خَوفًا يُزاحِمُ خَوفَك. اللَّهمَّ فقِّهنا في دينِك، وثَبِّت أركانَ الإسْلامِ في نُفوسِنا ونُفوسِ أبنائنا. اللَّهمَّ اجعَلنا مُقيمي الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّاتِنا،
وتَقَبَّل دُعاءَنا. اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ عامَّة، واجعَلِ المُسلِمينَ في كُلِّ أرضٍ آمِنينَ مُطمَئِنِّين. اللَّهمَّ كُن للمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ عونًا ونَصيرًا، ومُؤَيِّدًا وظَهيرًا. اللَّهمَّ اجعَل خَواتيمَ أعمالِنا خَيرَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.