🕌 العشرُ الأواخِر: تَرْتيبُ الأَوْلَوِيَّات لِطَلَبِ القَبول
#خطبة_جمعة #العشر_الأواخر #رمضان #ليلة_القدر #القبول #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ رَمَضانَ سَيِّدَ الشُّهور، وفَضَّلَ العَشْرَ الأَواخِرَ منهُ على سائرِ الأيَّامِ والدُّهور. الحمدُ للهِ الذي فتَحَ أبوابَ الجِنانِ للطَّالبين، وبَسَطَ يَدَهُ بالرَّحمةِ للمُسْتَغْفِرين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، إِلٰهٌ يُعطي الجَزيلَ على العَمَلِ القَليل، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أجوَدُ النَّاسِ بالخَير، وأشَدُّهُم اجتِهاداً في العَشْر، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، أيامٌ مَعدودات وتُطوى صَحيفةُ هذا الشَّهر. كثيرٌ منَّا يَدخُلُ العَشرَ الأواخِرَ بحَماسٍ جارف، فيُزاحِمُ جَدوَلَهُ بعَشَراتِ الأعمال، ثمَّ يَخرُجُ مُنهَكاً مُشَتَّتاً، لا يَدري هَل أُعتِقَ أم لا؟ هناك فَرقٌ شاسِعٌ بينَ مَن يَعمَلُ بِكَثْرَة، وبينَ مَن يَعمَلُ بِبَصيرَة. في هذه الدَّقائق، سَنَعرِفُ كيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُرَتِّبُ أَولَوِيَّاتِهِ في هذه اللَّيالي، وكيف يُمكِنُ لكَلِمَةٍ واحِدَةٍ أو رَكعَةٍ صادِقَةٍ أنْ تَكونَ المِفتاحَ الذي يَفتَحُ لكَ أبوابَ العِتق.
أيُّها الإخوة، عَجَباً لِقُطوفِ الزَّمانِ كيفَ تَذوي سريعاً! بالأمسِ القَريبِ كُنَّا نَتَهَنَّأُ بِدُخولِ رَمَضان، واليومَ نَقِفُ على أعتابِ وداعِه. دَخَلنا في خُلاصَةِ الخُلاصَة، وتاجِ السَّنَة، وثَمَرَةِ العُمُر: العَشرُ الأواخِر. هذه العَشرُ التي أَقسَمَ اللهُ بها لِعِظَمِها، فقالَ تبارَكَ وتَعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]. إنَّها لَيالٍ المَغبونُ مَن ضَيَّعَها، والمَحرومُ مَن حُرِمَ خَيرَها. لَيالٍ لا تَحتَمِلُ التَّأجيل، ولا تَقبَلُ التَّسويف؛ فالأنفاسُ فيها مَعدودَة، والأُجورُ فيها لا تُحَدُّ بِعَدَد.
ولَكُم أنْ تَسألوا أنفُسَكُم: كيفَ كانَ حالُ مَن غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنبِهِ وما تَأَخَّر في هذه العَشر؟
تَقولُ أُمُّ المُؤمِنينَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها تَصِفُ حالَ النَّبيِّ ﷺ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» (متفق عليه).
تأمَّلوا يا كرام! لم تَقُل: "زادَ في صَلاتِه"، بَل قالت: «أَحْيَا لَيْلَهُ». جَعَلَ اللَّيلَ حَيّاً، كأنَّ اللَّيلَ بِلا طاعَةٍ مَيِّتٌ لا روحَ فيه! وقولها: «شَدَّ مِئْزَرَهُ»، كنايةٌ عنِ اعتِزالِ مُتَعِ الدُّنيا والانقِطاعِ التَّامِّ للَّه. هذا وهو المَعصومُ المَغفورُ له، فَكَيفَ بِنا نَحنُ الغَرقَى في الذُّنوبِ والغَفَلات؟
وهنا يبرُزُ السُّؤالُ الأهمّ: ما هي أولويَّاتُنا في هذه العَشر؟ هل نَتَخَبَّطُ جُهداً، أم نُنَظِّمُ سَعياً؟
أولويَّتُكَ الأُولى قَبلَ أنْ تَصُفَّ قَدَمَيكَ في القِيام: تَصفِيَةُ القَلب.
يا مَن تَرجو قَبولَ العَمَل في هذا الشَّهر، هل تَظُنُّ أنَّ المَلائِكةَ التي تَتَنَزَّلُ بالرَّحماتِ تَقِفُ على قَلبٍ مَشحونٍ بالبَغضاء، أو مُمتَلِئٍ بالحَسَد والقطيعَة؟ يَقولُ نبيُّنا ﷺ مُحَذِّراً: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» (رواه مسلم).
يا سُبحانَ الله! يَرتَفِعُ النَّاسُ بِصِيامِهِم وقِيامِهِم ودُموعِهِم، ويَبقى عَمَلُ القاطِعِ والمُشاحِنِ مَوقوفاً في الأَرض بِسَبَبِ حِقدٍ قَديمٍ أو خِصامٍ عابِر. قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "إنَّ العَبدَ لَيَأتي يَومَ القِيامَةِ بِحَسَناتٍ أَمثالِ الجِبال، فَيَجِدُ لِسانَهُ قَد هَدَمَها عَلَيهِ كُلَّها".
فَابْدَأ أوَّلَ ما تَبدأُ بِمُسامَحَةِ الخَلق، واعفُ لِيَعفُوَ اللهُ عَنك. أفرِغ قَلبَكَ مِن حُظوظِ النَّفسِ لِيَمتَلِئَ بِأَنوارِ المَغفِرَة، امتثالاً لِقَولِ الله تَعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22].
أَمَّا الأولويَّةُ الثَّانيةُ فَهِية: البَحثُ اليَقينيُّ عَن لَيلَةِ القَدر.
وهي المَقصَدُ الأعظَمُ في هذا الشَّهر. لَيلَةٌ واحِدَةٌ خَيرٌ من ألفِ شَهر. قال رَبُّنا تبارَكَ وتعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3].
ألفُ شَهرٍ تَعني أكثَرَ من ثلاثٍ وثَمانينَ سَنَة. أَعمارُنا كُلُّها تُطوى في لَيلَةٍ واحِدَة! لو قيلَ لأحَدِنا: اجتَهِد في العَمَلِ عَشرَ لَيالٍ، وسَنُعطيكَ رَواتِبَ ثَمانينَ عاماً مُقَدَّماً... هَل كانَ سَيَنام؟ هَل كانَ سَيَلتَفِتُ يَميناً أو شِمالاً؟ هَل كانَ سَيَتَصَفَّحُ هاتِفَهُ لِساعات؟
يَقول النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (متفق عليه).
وهنا نَقفُ مَعَ كَلِمَة: «إِيماناً وَاحْتِسَاباً». أي: يَقِيناً بِوَعْدِ اللهِ وتَصديقاً بِثَوابِه، لا عادَةً نَفعَلُها لأنَّ النَّاسَ يَفعَلونَها! أن تَقومَها وأنتَ تَعلَمُ أنَّ كُلَّ تَسبيحَةٍ فيها تُكتَبُ في صَحيفَتِكَ بِأَجرِ ثَلاثٍ وثَمانينَ سَنَة، وكُلَّ رَكعَةٍ فيها تُعادِلُ رُكوعَ عُمُرٍ بِأَكمَلِه.
دَعوني أَنقُلُكُم إلى مَشهَدٍ من مَشاهِدِ السَّلَفِ الصَّالِح، لِنَرى كَيفَ كانوا يَعرِفونَ قيمَةَ هذه اللَّيالي.
كانَ التَّابِعيُّ الجَليلُ، ثابِتٌ البُنانِيُّ رَحِمَهُ الله، إذا أقبَلَتِ العَشرُ، تَبَدَّلَ حالُه. كانَ يُصلِّي حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَماه، وتَبكي عَيناهُ حَتَّى تَكادَ تُعمى. فيقولونَ له: يا أبا مُحمَّد، ارفُق بِنَفسِك! فيَقولُ كَلِمَةً تَقطَعُ نياطَ القَلب: "كَيفَ أرفُقُ بِها، وأنا لا أدري أَيُدرِكُني رَمَضانُ قابِلٌ أَم لا؟ واللهِ لَو كانَ لي عُمران، لأَفنَيتُهُما لله".
وكانَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ الله يَقول: "استَحِبُّ للرَّجُلِ أن يَزيدَ في العَشْرِ منَ الاِجتِهاد". بل قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "يا مَن ضاعَ عُمُرُه في لا شيء، استَدرِك ما فاتَكَ في لَيلَةِ القَدر، فإنَّها تُحسَبُ بالعُمُر".
هؤلاءِ الرِّجالُ فَهموا الغاية: العِبْرَةُ بالخَواتيم. الخَيلُ الأصيلةُ إذا شارَفَتْ على نِهايَةِ المِضمار، عَصَرَتْ كُلَّ قُوَّتِها لِتَفوز. ونَحنُ اليومَ في أواخِرِ المِضمار، فَأينَ هِمَّتُك؟ وأينَ مُسارَعَتُك لِقَولِه تَعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]؟
أَمَّا الأولويَّةُ الثَّالثة: فَهِيَ حُسنُ اختِيارِ الدُّعاء.
في العَشر، لا تُضَيِّع وَقتَكَ في المُشَتِّتاتِ من الدَّعَوات. رَكِّز على ما هُوَ أَولى، ولَيسَ هُناكَ ما هُوَ أَولى من "العَفو".
تَقولُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (رواه الترمذي وحسنه).
لِماذا لم يُعَلِّمها النَّبيُّ ﷺ أَنْ تَطلُبَ الجَنَّة؟ أو المَالَ؟ أو الصِّحَّة؟ أو النَّصر؟
لأنَّ العَفْوَ إذا نَزَل... مَحا كُلَّ ذَنب، وكَشَفَ كُلَّ هَمّ، وسَتَرَ كُلَّ عَيب، وأَدخَلَكَ الجَنَّةَ بِلا حِساب. العَفوُ هُوَ الغايَةُ الكُبرى. فإذا سَجَدتَ في هذه اللَّيالي، فَلا يَفتُر لِسانُكَ عَن هذا الدُّعاء. اجعَلهُ نَبضَ قَلبِك، تُرَدِّدُهُ وأنتَ ماشٍ، وأنتَ قائِم، وأنتَ ساجِد.
ولَكِن، دَعُونا نَتَوَقَّف وقفةَ صِدقٍ مَعَ واقِعِنا.
نَحنُ في زَمَنِ المُشَتِّتات. قَد تَدخُلُ المَسجِدَ لِتَعتَكِف، أو تَقومَ في صَفِّ المُصَلِّين، ثمَّ بمُجَرَّدِ أن يُسَلِّمَ الإمام، تَمدُّ يَدَكَ إلى جَيبِك، تُخرِجُ هاتِفَك. رِسالَةٌ هُنا، ومَقطَعٌ هُناك، ومُزاحٌ في المَجالِس. تَقضي نِصفَ اللَّيلِ تَتَصَفَّحُ شاشَةً مُضيئَةً لا تَزيدُكَ إلَّا ظُلمَةً في قَلبِك، وتَترُكُ السَّماءَ المَفتوحَةَ التي تُنادى فيها: "هَل من سائِلٍ فَأُعطِيَه؟ هَل من مُستَغفِرٍ فَأَغفِرَ له؟".
واللهِ يا كِرام، إنَّ هذا من أعظَمِ الحِرمان. إنَّ الشَّيطانَ قَد يَئِسَ أنْ يَمنَعَنا من دُخولِ المَسجِد في رَمَضان، فَصارَ يَسرِقُ قُلوبَنا وأوقاتَنا ونَحنُ داخِلَ المَسجِد!
يقولُ اللهُ عزَّ وجل: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. فَيا مَن جِئتَ تَطلُبُ رَحمَةَ رَبِّك ومَغفِرَتَه... أَغلِق هذا الجِهازَ سُوَيْعات! اجعَل لِرَبِّكَ خَلوَةً لا يُنازِعُكَ فيها بَشَر ولا شاشَة ولا حَديثُ دُنيا.
يا عِبادَ الله، أينَ مَن صامَ مَعَنا العامَ الماضي، واليومَ هُوَ تحتَ أطباقِ التُّراب، يَرتَهِنُ بِعَمَلِه؟
أينَ الآباء؟ أينَ الأُمَّهات؟ أينَ الأصحاب؟ أينَ الجيران؟
لَقَد أَمْهَلَكَ اللهُ وأَبقاكَ لِتُدرِكَ هذه العَشر، في حين طُوِيَت صَحائِفُ غَيرِك. هذه نِعمَةٌ واللهِ لا تُشترى بِذَهَبِ الأَرضِ مُجتَمِعاً.
قالَ بَعضُ السَّلَفِ الصَّالِح: "مَن لَم يُغفَرْ لَهُ في رَمَضان، فَفي أيِّ شَهرٍ يُغفَرُ لَه؟ ومَن لَم يُعتَق منَ النَّارِ في رَمَضان، فَمتى يُعتَق؟".
إنَّها الفُرصَةُ التي قَد تَكونُ الأَخيرَة. إيَّاكَ أنْ تَخرُجَ من هذا الشَّهرِ لتَقولَ كما أخبرَ اللهُ عنِ المُفَرِّطين: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: 56].
فَاللَّهَ اللَّهَ في لَياليكُم المُتَبَقِّيَة. اللَّهَ اللَّهَ في دَمَعاتٍ خاشِعَةٍ تَغسِلونَ بِها صَحائِفَكُم. اللَّهَ اللَّهَ في سَجَداتٍ طَويلَةٍ تُناجونَ فيها أرحَمَ الرَّاحِمين. مَن صَدَقَ مَعَ اللهِ صَدَقَهُ الله، ومَن قَصَدَ اللهَ مُنكَسِراً، رَجَعَ مَجبوراً مَغفوراً لَه.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مُباركاً فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ حَقيقَةِ العَشرِ الأواخِر، وكيفَ أنَّ العِبرَةَ فيها لا تَكونُ بِعَشَوائِيَّةِ الجُهد، بَل بِبَصيرَةِ القَصد. وتَأَمَّلنا كيفَ كانَ نَبيُّنا ﷺ يُحيي لَيلَهُ تَرَقُّباً لِلَيلَةِ القَدر، وكَيفَ أنَّ سَلامَةَ الصَّدرِ والدُّعاءَ بِالعَفوِ هُما مِفتاحُ النَّجاة. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمّ: كيفَ نَستَثمِرُ ما بَقِيَ من هذه اللَّيالي عَمَليّاً، قَبلَ أنْ تُغادِرَنا فَنَبكي حَسرةً على فِراقِها؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ من مِنبَري، لَعَلَّها تَكونُ طَوقَ النَّجاةِ في هذا المَوسِم:
الأُولى (قَلبيَّة): أخلِص نِيَّتَكَ لِلَّهِ اللَّيلَة، وانزَع من قَلبِكَ كُلَّ كِبرٍ أو رِياءٍ أو شَحناء. اعفُ عمَّن ظَلَمَك، فَإنَّ اللهَ يَطلُعُ على القُلوبِ السَّليمَةِ فَيُكرِمُها بالعِتق، ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 89]. لا تَحرِم نَفسَكَ المَغفِرَةَ بِسَبَبِ قَطيعَة.
الثانية (لِسانيَّة): رَطِّب لِسانَكَ دائِماً بِدُعاءِ العَفو: "اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعفُ عَنِّي". اجعَلهُ وِردَكَ في سيَّارَتِك، وفي مَشيِك، وفي سُجودِكَ خُصوصاً، فإنَّ العَبدَ متى نالَ العَفوَ أفلَحَ وأَنجَح وغُفِرَ لَهُ ما سَلَف.
الثالثة (عَمَليَّة): حافِظ على صَلاةِ العِشاءِ والفَجرِ في جَماعَة. قال النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» (رواه مسلم). هذه ضَمانَتُكَ الرَّئيسيَّةُ لِقِيامِ اللَّيل، فَلا تُفَرِّط فيها مَهما أَرهاقَكَ التَّعَب.
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَنسَ أرحامَكَ وأهلَ بَيتِك في القِيام. كان النَّبيُّ ﷺ كما مَرَّ مَعَنا: «يُوقِظُ أَهْلَهُ». لا تَقُم لِلصَّلاةِ وتَترُك زَوجَتَكَ وأبناءَكَ في غَفلَتِهِم أمامَ الشَّاشات. أيقِظهُم بِرِفقٍ ومَحَبَّة، لِيَذوقوا مَعَكَ حَلاوَةَ المِحرابِ وبَرَكَةَ السَّحَر.
الخامسة (موضوعيَّة): تَصَدَّق في كُلِّ لَيلَةٍ من هذه العَشر، وَلو بِمَبلَغٍ يَسيرٍ جِدّاً. فَإن وافَقَت صَدَقَتُكَ لَيلَةَ القَدر، كُتِبَ لَكَ أجرُ مَن تَصَدَّقَ كُلَّ يَومٍ لِمُدَّةِ ثَلاثٍ وثَمانينَ سَنَة! هَذِهِ هِيَ التِّجارَةُ الرَّابِحَةُ مَعَ اللهِ التي لا تَبور.
فَاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واغتَنِموا ما بَقِيَ من أيَّامِكُم، واعلَموا أَنَّ اللهَ قَريبٌ مُجيب، يَسمَعُ النِّداء، ويَكشِفُ البَلاء.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليهِ، عَمَلاً بِقَولِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نبيِّنا ومُعَلِّمِنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعفُ عَنَّا.
اللَّهُمَّ يا واسِعَ المَغفِرَة، ويا مُنزِلَ الرَّحَمات، اجعَلنا مِمَّن صامَ رَمَضانَ وقامَهُ إيماناً واحتِساباً، ومِمَّن قامَ لَيلَةَ القَدرِ إيماناً واحتِساباً، فغَفَرتَ لَهُم ما تَقَدَّمَ من ذُنوبِهِم.
اللَّهُمَّ أعتِق رِقابَنا، ورِقابَ آبائِنا وأُمَّهاتِنا، وأزواجِنا وذُرِّيَّاتِنا من النَّار.
اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قُلوبَنا على دينِك. اللَّهُمَّ لا تُخرِجنا من هذا الشَّهرِ الميمونِ إلَّا وقَد رَضيتَ عَنَّا رِضاً لا تَسخَطُ بَعدَهُ أبَداً، وقَد كَتَبتَنا في دِيوانِ السُّعَداء.
اللَّهُمَّ ارزُقنا القَبول، واختِم لَنا بِالحُسنى، ولا تَجعَلنا من المَحرومينَ في شَهرِ الرَّحمَة.
اللَّهُمَّ انصُر المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ من المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لأهلِنا في فِلِسطينَ وفي كُلِّ أرضٍ عوناً ونصيراً، ومُؤَيِّداً وظَهيراً، ارفَع عَنهُمُ البَلاء، وعَجِّل لَهُم بِالفَرَجِ والنَّصرِ المُبين.
اللَّهُمَّ اغفِر للمُسلِمينَ والمُسلِمات، المُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأحياءِ مِنهُم والأموات.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالعشر الأواخر: ترتيب الأولويات لطلب القبول
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.