من مكتبة مِداد الخطيب

شَجاعَةُ النَّبيِّ ﷺ وحِكمَتُهُ في مُعالجَةِ النَّوازِل

مشاركة
🕌 شَجاعَةُ النَّبيِّ ﷺ وحِكمَتُهُ في مُعالجَةِ النَّوازِل #خطبة_جمعة #شجاعة_النبي #حكمة_الرسول #معالجة_الأزمات #الثبات_عند_الشدائد #سيرة_نبوية #إيمانيات الحمدُ للهِ القَويِّ العَزيز، قاصِمِ الجَبابِرَةِ والمُستَكبِرين، ناصِرِ أوليائِهِ الصَّابِرين، الذي أيَّدَ نبيَّهُ بالشَّجاعَةِ الباهِرَة، والرَّباطَةِ الظَّاهِرَة، والحِكمَةِ الرَّاشِدَةِ في أَحلَكِ المَيادينِ والنَّوازِل. يَبتَلي عِبادَهُ لِيُمَحِّصَ الصَّادِقين، ويَرفَعَ دَرَجاتِ المُؤمِنين، سُبحانَهُ لا رادَّ لقَضائِه، ولا مُعَقِّبَ لِحُكمِه، لَهُ المُلكُ كُلُّه، وبِيَدِهِ النَّصرُ والتَّأييد. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةَ مَن آمَنَ ببَأسِهِ وقُوَّتِه، وتَوَكَّلَ على حِفظِهِ ونُصرَتِه، وأذعَنَت جَوارِحُهُ لِعِزَّتِهِ وجَلالِه. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا وحَبيبَنا وقُدوتَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الصَّامِدين، وسيِّدُ الشُّجعانِ الأصفِياء، جَمَعَ اللهُ لهُ بينَ رَحمَةِ الرِّسالَةِ وبَأسِ النُّبُوَّة، ورَزانَةِ الحِكمَةِ وإقدامِ الفُتُوَّة، كانَ إذا اضطَرَبَتِ الصُّفوفُ أثبَتَ مِنَ الجِبال، وإذا ادلَهَمَّتِ الخُطوبُ كانَ أهدَى لِلحَقِّ مِنَ النَّجمِ في اللَّيلِ الطِّوال، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الكِرامِ الأبرار، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً مَديداً إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: فيا عِبادَ الله، هل رَأيتُم في سِيَرِ العُظَماءِ كُلِّهم مَنِ اجتَمَعَتْ لهُ الشَّجاعَةُ في أعلَى ذُراها، معَ الحِكمَةِ في أرقَى مَراتِبِها، كمِثلِ رَسولِ اللهِ ﷺ؟ إنَّ الشَّجاعَةَ المَحضوذَةَ إذا عَرِيَتْ عَنِ الحِكمَةِ كانَت طَيشاً وتَهَوُّراً يُورِثُ الدَّمار، وإنَّ الحِكمَةَ المَزعومَةَ إذا خَلَتْ مِنَ الشَّجاعَةِ كانَت جُبناً وخَوَراً يُورِثُ العار! لكنَّ العَجَبَ كُلَّ العَجَبِ، والجَلالَ كُلَّ الجَلال، أن تَرى رَجُلاً يَقِفُ كالجَبَلِ الأَشَمِّ في وَجهِ أعاصيرِ الرَّدى، لا يَطيشُ لهُ سَهم، ولا يَضطَرِبُ لهُ جَنان، وفي نَفسِ اللَّحظَةِ يَزِنُ الأُمورَ بميزانِ البَصيرة، ويُفَتِّقُ الأزماتِ بحِكمَةٍ تَعجِزُ عنها عُقولُ الدَّهاة! تَأمَّلوا في حَياتِنا المُعاصِرَةِ رَحِمَكُمُ الله؛ كم نَرى عندَ وُقوعِ الأزماتِ والنَّوازِلِ مِن مَواقِفَ مُضطَرِبَة: قَومٌ تَأخُذُهُمُ الحَماسَةُ العَمياءُ فيَندَفِعونَ إلى المَهالِكِ بلا خُطَّةٍ ولا بَصيرة، وقَومٌ يَخلَعُ الخَوفُ أفئِدَتَهُم فيَقعُدونَ مَعَ الخالِفينَ يَبُثُّونَ اليَأسَ والرُّعبَ في النُّفوس! أينَ نحنُ مِن تِلكَ القامَةِ النَّبَويَّةِ العُليا التي رَسَمَت للأُمَّةِ طَريقَ النَّجاةِ حينَ تَلتَبِسُ الخُطوب، وتَزلزَلُ القُلوب؟ استَمِعوا إلى القُرآنِ الكَريمِ وهو يُصَوِّرُ لَنا أعتَى لَحظاتِ الخَوفِ التي مَرَّتْ بها المَدينَةُ النَّبَويَّةُ في غَزوَةِ الأحزاب، يومَ تَحالَفَتْ قَبائلُ العَرَبِ معَ يَيهودِ بَني قُرَيظَةَ لاستِئصالِ شَأفَةِ الإسلام؛ يقولُ اللهُ جَلَّ في عُلاه: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا • هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11]. تَأمَّلوا هذا الوَصفَ الرَّهيب: ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ مِن هَولِ ما رَأَت، و﴿بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ مِن شِدَّةِ الخَفَقانِ والرُّعب، و﴿زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾! عَشرَةُ آلافِ مُقاتِلٍ يُحاصِرونَ المَدينَة، في بَردٍ قارِس، ورِيحٍ عاصِف، وجُوعٍ شَديدٍ رَبَطَ مِنهُ الصَّحابَةُ على بُطونِهم الحِجارَة، وخِيانَةٍ غادِرَةٍ مِنَ الدَّاخِلِ فَتَحَت ظُهورَ النِّساءِ والذَّراري للخَطَر! فأينَ كانَ النَّبيُّ ﷺ في تِلكَ اللَّحظَة؟ هل انخَذَل؟ هل طاشَ عَقلُه؟ هل ألقَى باللَّومِ على مَن مَعه؟ كَلَّا والله! بل وَقَفَ في خَندَقِ الصُّمود، يَضرِبُ بالمِعوَل، ويُفتِّتُ الصُّخور، ويَربِطُ على بَطنِهِ حَجَرَينِ مِنَ الجُوع، ويَنظُرُ إلى الأُفُقِ البَعيدِ الذي لا تَراهُ إلَّا أعيُنُ النُّبُوَّة، فيَصرُخُ بأصحابِهِ المُحاصَرينَ لِيَبُثَّ فيهِمُ اليَقين: «اللهُ أكبَر! أُعطِيتُ مَفَاتيحَ فارِس، اللهُ أكبَر! أُعطِيتُ مَفَاتيحَ الرُّوم، اللهُ أكبَر! أُعطِيتُ مَفَاتيحَ اليَمَن!»! يا لَها مِن شَجاعَةٍ تَفُوقُ الوَصف! في لَحظَةٍ يَظُنُّ فيها النَّاسُ أنَّهُم لا يَأمَنونَ على أنفُسِهم أن يَقضوا حاجَتَهم، يَعِدُهُم رسولُ اللهِ ﷺ بكنوزِ كِسرى وقَيصَر! هذه هيَ شَجاعَةُ اليَقينِ التي تَنسِفُ اليَأس، وتَجعَلُ القائِدَ مَنارَةَ ثَباتٍ في لُجَّةِ الظَّلام. واسمَعوا إلى شَهادَةِ بَطَلِ الأبطال، وفارِسِ الإسلام، عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه وأرضاه؛ رَوى الإمامُ أحمَدُ في مُسنَدِه، والنَّسائيُّ في سُنَنِه الكُبرى، وصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ أحمَد شاكِر، عن عَلِيٍّ رضي الله عنه قالَ كَلِمَةً تَكشِفُ حَقيقَةَ الشَّجاعَةِ المُحَمَّدِيَّة: «كُنَّا إذا احمَرَّ البَأسُ، ولَقِيَ القَومُ القَومَ، اتَّقَينا برَسولِ اللهِ ﷺ، فما يَكونُ أحَدٌ أقرَبَ إلى العَدُوِّ مِنه!». اللهُ أكبر! علِيٌّ الذي كانَ يَشُقُّ الصُّفوفَ شَقّاً، ويَرتَجِفُ مِنهُ فُرسانُ العَرَب، يَقول: "كُنَّا نَتَّقي برَسولِ الله"! أيْ: نَجعَلُهُ دِرعاً لَنا مِن شِدَّةِ إقدامِه، ودُنوِّهِ مِن نُحورِ الأعداء! لم يَكُن ﷺ قائداً يَجلِسُ في الحُصونِ العالِيَةِ خَلفَ الجُيوش، بل كانَ صَدرُهُ الشَّريفُ أوَّلَ صَدرٍ يَتَلَقَّى السِّهام، وجَبينُهُ الأزهَرُ أوَّلَ مَوضِعٍ يَسيلُ مِنهُ الدَّمُ الطَّاهِرُ في سَبيلِ اللهِ كما حَدَثَ في أُحُد. ثمَّ تَعالَوا مَعي إلى مَوقِفٍ آخَرَ يَتَجَلَّى فيهِ رِباطَةُ الجَأشِ وسُرعَةُ الحَرَكَةِ في حِمايَةِ المُجتَمَع؛ رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما عن أنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أحسَنَ النَّاس، وكانَ أجوَدَ النَّاس، وكانَ أشجَعَ النَّاس؛ ولَقَد فَزِعَ أهلُ المَدينَةِ ذاتَ لَيلَة، فانطَلَقَ ناسٌ قِبَلَ الصَّوت، فاستَقبَلَهُمُ النَّبيُّ ﷺ قد سَبَقَهُم إلى الصَّوت، وهوَ يَقول: لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا! وهوَ على فَرَسٍ لأبي طَلحَةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرْج، في عُنُقِهِ السَّيف، وهوَ يَقول: إنَّا وَجَدناهُ بَحراً»! تَأمَّلوا في هذا المَشهَدِ النَّبَويِّ الخالِد: صَوتٌ غَريبٌ مُفزِعٌ دَوَّى في لَيلِ المَدينَة... النَّاسُ في دِيارِهم يَتَردَّدون، يَخرُجونَ زُمَراً يَتَساءَلون... أمَّا رَسولُ اللهِ ﷺ فلم يَنتَظِر حِراسَة، ولم يَطلُب جَيشاً، بل هَبَّ كالأَسَدِ الكاسِرِ في لَحظَتِها! أخَذَ فَرَساً عارِياً بلا سَرج — والرُّكوبُ على الفَرَسِ العاري مِن أصعَبِ فُنونِ الفُروسِيَّة — وتَقَلَّدَ سَيفَهُ وَحدَه، وانطَلَقَ في حَلَكِ الظَّلامِ يَستَطلِعُ الخَطَر! ثمَّ رَجَعَ رابِطَ الجَأشِ، مُبتَسِمَ المُحَيَّا، يَتَلَقَّى النَّاسَ الفَزِعينَ ليَسكُبَ في قُلوبِهمُ السَّكينَةَ والأمان: «لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا!»؛ أي: لا خَوفَ عليكم، ولا مَكروهَ يُصيبُكم! هكذا يَكونُ القائدُ الحَقيقي: سَبَّاقاً عندَ الخَوف، بَسَّاماً عندَ اللِّقاء، يَبُثُّ الطُّمأنينَةَ في نُفوسِ الرَّعِيَّةِ قَبلَ أن تَفتَرِسَها الشَّائعات. وقد قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمه اللهُ في كِتابِهِ الماتِع «زاد المعاد في هدي خير العباد» أنَّ شَجاعَةَ النَّبيِّ ﷺ لم تَكُن مُجَرَّدَ بَأسٍ بَدَنيّ، بل كانَت كَمالاً في القُوَّةِ النَّفسيَّةِ والإيمانِيَّة، فقال: "وكانَ ﷺ أشجَعَ الخَلقِ قَلباً، وأثبَتَهُم جَناناً، لم يَفِرَّ في مَوطِنٍ قَط، بل ثَبَتَ يومَ فَرَّ الشُّجعان، وثَبَتَ يومَ حُنَينٍ وقَدِ انكَشَفَ عنهُ الجَيشُ كُلُّه، وهوَ يَركَضُ بَغلَتَهُ إلى نَحْرِ العَدُوِّ ويُنادي: أنا النَّبيُّ لا كَذِب، أنا ابنُ عَبدِ المُطَّلِب!". وقالَ الحافِظُ الذَّهبيُّ رحمه الله في «سير أعلام النبلاء»: "جَمَعَ اللهُ لنبيِّهِ ﷺ مَقاماتِ الكَمالِ كُلَّها؛ فكانَ في مَقامِ الشَّجاعَةِ غايَةً لا تُدرَك، وفي مَقامِ الحِلمِ والحِكمَةِ نِهايَةً لا تُقاس، لا يَغضَبُ لنَفسِه، فإذا حُورِبَ دِينُ اللهِ لم يَقُمْ لغَضَبِهِ أحَد". ولَيسَتِ الشَّجاعَةُ في مَيدانِ القِتالِ بأعجَبَ مِن حِكمَتِهِ ﷺ في إدارةِ القُلوبِ وتَطويقِ النَّوازِلِ الدَّاخِلِيَّة! تَأمَّلوا مَعي هذا المَوقِفَ التَّاريخيَّ الذي يَقطُرُ حِكمَةً ودِقَّةً وسياسَةً شَرعيَّةً لا نَظيرَ لها؛ يومَ حُنَين، بعدَ أن فَتَحَ اللهُ على نبيِّهِ وأفاضَ عليهِ غَنائِمَ هَوازِنَ التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى مِنَ الإبِلِ والشَّاءِ والذَّهَب، أرادَ النَّبيُّ ﷺ بحِكمَتِهِ البالِغَةِ أن يَتَألَّفَ قُلوبَ كُبَراءِ قُرَيشٍ وطُلَقاءِ مَكَّةَ الذينَ أسلَموا حَديثاً، فأعطى أبا سُفيان، وأعطى عُيَينَةَ بنَ حِصن، وأعطى الأقرَعَ بنَ حابِس، مِئاتِ الإبِلِ حتَّى امتَلأت شِعابُ مَكَّةَ بالنِّعَم. ولم يُعطِ الأنصارَ شَيئاً! فوَقَعَ في نُفوسِ بَعضِ شَبابِ الأنصارِ شَيء، وقالَ قائلُهم: "يَغفِرُ اللهُ لرسولِهِ، يُعطي قُرَيشاً ويَترُكُنا، وسُيوفُنا تَقطُرُ مِن دِمائِهِم!". نازِلَةٌ نَفسِيَّةٌ خَطيرَةٌ تَكادُ تَصْدَعُ صَفَّ الأُمَّةِ الأوَّل! فماذا صَنَعَ النَّبيُّ الحَكيمُ ﷺ؟ هل أنكَرَ عَليهم بعُنف؟ هل جَرَّحَ إيمانَهُم؟ هل أمَرَ بعِقابِهم؟ كَلَّا والله! بل أمَرَ سَعدَ بنَ عُبادَةَ أن يَجمَعَ لهُ الأنصارَ وَحدَهُم في حَظيرَةٍ لا يَدخُلُ مَعهُم غيرُهُم. ثمَّ أتاهُم فَحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثمَّ خَطَبَ فيهِم خُطبَةً هَزَّت أركانَ القُلوب، وبَثَّت لَوعَةَ الحُبِّ في الصُّدور: «يا مَعشَرَ الأنصار، ما قالَةٌ بَلَغَتني عَنكُم، وجِدَةٌ وَجَدتُموها في أنفُسِكُم؟ ألم آتِكُم ضُلَّالاً فهَداكُمُ اللهُ بي؟ وعَالَةً فأغناكُمُ اللهُ بي؟ وأعداءً فألَّفَ اللهُ بينَ قُلوبِكُم؟». قالوا: "بلى، اللهُ ورسولُهُ أَمَنُّ وأفضَل!". فقالَ ﷺ: «ألا تُجيبونَني يا مَعشَرَ الأنصار؟ قالوا: بماذا نُجيبُكَ يا رسولَ الله؟ قال: أمَا واللهِ لو شِئتُم لقُلتُم فلَصَدَقتُم ولَصُدِّقتُم: أتَيتَنا مُكَذَّباً فصَدَّقناكَ، ومَخذولاً فنَصَرناكَ، وطَريداً فآوَيناكَ، وعائلاً فآسَيناكَ... أوَجَدتُم في أنفُسِكُم يا مَعشَرَ الأنصارِ في لُعاعَةٍ مِنَ الدُّنيا تَألَّفتُ بها قَوماً ليُسلِموا، ووَكَلتُكُم إلى إسلامِكُم؟ ألا تَرضَونَ يا مَعشَرَ الأنصارِ أن يَذهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ والبَعير، وتَرجِعونَ أنتُم برَسولِ اللهِ إلى رِحالِكُم؟!»! فماذا حَدَثَ لِأولئكِ الرِّجالِ الصَّناديدِ الذينَ فَتَحوا المَدينَةَ بسُيوفِهم؟ بَكَى القَومُ حتَّى أَخضَلُوا لِحاهُم بالدُّموع، وقالوا بصَوتٍ واحِدٍ يَرجُفُ بالوَفاء: "رَضِينا برَسولِ اللهِ قِسماً وحَظّاً! رَضِينا برَسولِ اللهِ قِسماً وحَظّاً!". أرَأيتُم حِكمَةً في مُعالجَةِ الأزماتِ كَهذه؟ حَوَّلَ الشَّكوى إلى عِناق، والغَضَبَ إلى بُكاءٍ مِن شِدَّةِ الحُبّ، وثَبَّتَ وَلاءَ الجَيشِ كُلِّهِ بكَلِماتٍ لا تُنسى! وانظُروا إلى واقِعِنا اليومَ معاشِرَ الإخوَة؛ كم نَرى عندَ وُقوعِ الأزماتِ — سَواءٌ كانَت أزماتٍ أُسَرِيَّة، أو خِلافاتٍ مُجتَمَعِيَّة، أو فِتَناً عامَّة — مَن يَتَصَرَّفُ بطَيشٍ وعَجَلَة! يَظُنُّ أنَّ الشَّجاعَةَ هيَ الصُّراخ، والتَّهديد، وكَسرُ الأبواب، وإشعالُ الحَرائق! كم مِن بَيتٍ تَهَدَّمَ في لَحظَةِ غَضَبٍ كانَ صاحِبُهُ يَحسَبُ نَفسَهُ شُجاعاً وهوَ أحمَق! وكم مِن فِتنَةٍ اشتَعَلَت في مُجتَمَعٍ لأنَّ قَوماً استَعجَلوا الكَلِمات، وتَصَدَّروا النَّوازِلَ بلا فِقهٍ ولا مَشورَة! الشَّجاعَةُ الحَقيقِيَّةُ هيَ مَلكُ النَّفسِ عندَ الغَضَب، والثَّباتُ على الحَقِّ عندَ الفَزَع، واللُّجوءُ إلى الحِكمَةِ والتَّؤَدَةِ في التَّدبير، كما كانَ يَفعَلُ سيِّدُ الخَلقِ ﷺ. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتَأَسَّوا بنبيِّكُم الكَريم في شَجاعَتِهِ وحِكمَتِه، واعلَموا أنَّ العِزَّةَ كُلَّها في طاعَتِه، والذُّلَّ كُلَّهُ في مُخالَفَةِ أمرِه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ كَفى، وحَمداً يُوافِي نِعَمَهُ ويُكافِئُ مَزيدَه، وصَلاةً وسَلاماً على عِبادِهِ الذينَ اصطَفى، وعلى نَبيِّهِ المُصطفى، وآلِهِ وصَحبِهِ أولي الصِّدقِ والوَفا. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه ﷺ. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ مَعْلَمٍ عظيمٍ مِن مَعالِمِ النُّبُوَّةِ الخالِدَة: «شَجاعَةُ النَّبيِّ ﷺ وحِكمَتُهُ في مُعالجَةِ النَّوازِل»؛ رَأينا ثَباتَهُ كالجَبَلِ الأَشَمِّ في خَندَقِ الأحزابِ وهو يُبَشِّرُ بالانتصارِ في أَحلَكِ لَحظاتِ الحِصار، وشَهِدنا خُروجَهُ وَحدَهُ في غَسَقِ اللَّيلِ ليُؤَمِّنَ أهلَ المَدينَةِ قائلاً: «لَنْ تُرَاعُوا»، وتَدَبَّرنا حِكمَتَهُ النَّادِرَةَ في خِطابِ الأنصارِ يومَ حُنَينٍ وكَيفَ حَوَّلَ الشَّكوى إلى دُموعِ رِضاً وحُبّ. والسُّؤالُ الذي يَنبَغي أن يَنزِلَ في قَلبِ كُلِّ مُسلِمٍ اليوم: كَيفَ نَعيشُ هذهِ الشَّجاعَةَ وتِلكَ الحِكمَةَ في حَياتِنا الواقِعِيَّة؟ لذا، فإنِّي أُوصيكُم ونَفسي بخَمسِ وَصايا جامِعَة، لِتَكونَ لَنا مَناراً عندَ ادلِهمامِ الخُطوب: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): الثِّقَةُ المُطلَقَةُ بمَوعودِ اللهِ ونَصرِه؛ فالمُؤمِنُ الحَقُّ لا يَتَطَرَّقُ اليَأسُ إلى فُؤادِهِ مَهما تَكالَبَتِ الأُمَم، ومَهما ادلَهَمَّتِ الأزمات. رَسِّخوا في قُلوبِكم قَولَ الحَقِّ سُبحانَه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، وتَذَكَّروا أنَّ اشتِدادَ الظَّلامِ هُوَ آذانٌ بانبِلاجِ الفَجرِ الصَّادِق. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): الشَّهامَةُ في قَولِ الحَقِّ وكَفُّ اللِّسانِ عن نَشرِ الأراجيف؛ في زَمَنِ النَّوازِل، يَكثُرُ الإرجافُ وتَروجُ الشَّائعاتُ التي تُحَطِّمُ المَعنَوِيَّات. فكونوا مَفاتيحَ لِلخَير، مَغاليقَ لِلشَّرّ، ولا تَنطِقوا إلَّا بباثِّ الأمل، وقُولوا القَولَ السَّديدَ الذي يَجمَعُ الصَّفَّ ولا يُفَرِّقُه. الثالثة (وَصيَّةٌ عَمَليَّةٌ فِعليَّة): الثَّباتُ عندَ الصَّدَماتِ الشَّخصيَّةِ والمَعيشِيَّة؛ إذا نَزَلَت بكَ ضائقَةٌ مالِيَّة، أو فَقَدتَ وَظيفَة، أو دَهَمَكَ مَرَض، فاحذَرِ الانهِيارَ والجَزَع! قِفْ كالرَّجُلِ الشُّجاع، واستَعِن باللهِ ولا تَعجَز، وبادِر بالأسبابِ النَّافِعَة، واعلَم أنَّ الرِّجالَ تُعرَفُ في مَيادينِ الصَّبر. الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّة): بَثُّ السَّكينَةِ في البُيوتِ والمُجتَمَع؛ كُن في بَيتِكَ حِصناً آمِناً لِزَوجِكَ وأولادِك، لا تَنقُلِ الخَوفَ إلى نُفوسِهم، وتَلَطَّفْ بالضُّعَفاءِ والنِّساء، وكونوا كالجَسَدِ الواحِدِ إذا اشتَكى مِنهُ عُضوٌ تَداعَى لهُ سائرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى. الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): المُوازَنَةُ الدَّقيقَةُ بينَ الشَّجاعَةِ والحِكمَة؛ إيَّاكُم والعَجَلَةَ والتَّهَوُّرَ في حَسْمِ الخِلافات! لا تُعالِجوا الخَطأَ بخَطأٍ أكبَرَ مِنه، ولا تَدفَعوا الشَّرَّ بشَرٍّ أعمّ. استَشيروا أهلَ العِلمِ والرَّأي، وأنزِلوا الأُمورَ مَنازِلَها، واذكُروا أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَفَرَ الخَندَق، وصالَحَ في الحُدَيبِيَة، وجاشَ في بَدر، فكانَ في كُلِّ مَوضِعٍ يَضَعُ الفِعلَ الأنسَبَ في الوَقتِ الأنسَب. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتَزَوَّدوا بالتَّقوى فإنَّها جُنَّةُ المُؤمِنِ في الشَّدائد: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا • وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، فقالَ جلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا ونَبيِّنا مُحمَّد، صاحِبِ الوَجهِ الأنوَر، والجَبينِ الأزهَر، والرِّسالَةِ الأطهَر، وعلى آلِهِ وصَحابَتِهِ ومَن سارَ على أثَرِهِ إلى يَومِ المَحشَر. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، ودمِّر أعداءَكَ أعداءَ الدِّين. اللَّهُمَّ املأ قُلوبَنا شَجاعَةً ويَقيناً، وحِكمَةً وتَمكيناً، وثَبِّت أقدامَنا عندَ لِقاءِ الشَّدائدِ والنَّوازِل. اللَّهُمَّ لا تَجعَل في قُلوبِنا خَوفاً مِن أحَدٍ سِواك، ورُدَّنا إلى سُنَّةِ نبيِّكَ رَدّاً جَميلاً. اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومينَ مِنَ المُسلمين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلمين. اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، واربُط على قُلوبِهم بثَباتٍ مِن عندِك يا قَويُّ يا عَزيز. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.