🕌 مَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ... مَنْهَجُ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّة
#خطبة_جمعة #التربية #الدعوة_إلى_الله #صناعة_الجيل #القدوة #تأملات_قرآنية
الحمدُ للهِ الذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسولًا مِّنهم يَتلو عَلَيهم آياتِه ويُزَكِّيهِم ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكمَة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الدَّعوةَ إليهِ أشرَفَ المَقامات، وبِناءَ النُّفوسِ أعظَمَ الصِّناعات، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، المُعَلِّمُ الأوَّل، والمُرَبِّي الأعظَم، الذي زَرَعَ فَحَصَد، وبَنى فَشَيَّد، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
يا دُعاةَ الإسلام، ويا حَمَلةَ الهَمِّ التربويِّ... آيةٌ واحدةٌ في خواتيم سورة الفتح، يَقرؤها كثيرٌ منَّا فتَمُرُّ على قُلوبهم مُرورَ السَّحاب، بَينما هي في الحقيقةِ تَحملُ أعظَمَ نَظريَّةٍ تربويَّةٍ عَرَفَها تاريخُ البَشَر. آيةٌ تَختَصرُ لكُم كيفَ صَنَعَ محمَّدٌ ﷺ جيلًا غَيَّرَ وَجهَ الأرض، وكيفَ نَحنُ مُطالَبونَ اليومَ أن نَصنَعَ أجيالَنا. لَيسَت نَظريَّةً في كُتُب الإدارة، بل وَحيًا يُتلى. فما هي هذه النَّظريَّة؟ وكيفَ نَزِلُها على واقِعِ دَعوَتِنا ومَحاضِنِنا وشَبابِنا؟ الجوابُ يَستَحِقُّ مِنكُم إعارةَ القُلوبِ قَبلَ الأسماع.
يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى، في مشهدٍ يَجمَعُ خُلاصةَ الجيلِ الأوَّل: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [سورة الفتح: 29].
تأمَّلوا معي — يا أهلَ التَّربية — كيفَ بَدَأت هذه الآية. بَدَأت بالقُدوة، بالمُرَبِّي الأوَّل: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾. لا يُمكِنُ أن تَقومَ دَعوةٌ، ولا أن يَنجَحَ مَحضَنٌ تَربَويٌّ، ولا أن يَستَقيمَ جيلٌ، إذا كانَ المُرَبِّي غائباً عن صُفوفهم، يُوَجِّهُهم بالتنظيرِ من بَعيد. المُرَبِّي قُدوةٌ تُمشى على الأرض، يَراهُ الطَّالِبُ فَيَتَعَلَّمُ من صَمتِهِ قَبلَ كَلامِه. قال رسولُ الله ﷺ مُبَيِّناً هُوِيَّتَه: «إنَّما بُعِثتُ مُعَلِّمًا» (رواه ابن ماجه). المُعَلِّمُ الذي يَعيشُ مع طُلَّابِه.
ولهذا جاءَت الكلمةُ الثَّانيةُ في الآية لتُؤَسِّسَ الرُّكنَ الثَّاني في التَّربية: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾. لم يَقُل "والذين آمَنوا به"، ولا "والذين اتَّبَعوه"، بل قال: ﴿مَعَهُ﴾. إنَّها المُصاحَبَة، والمُعايَشَة، والقُربُ الجَسَديُّ والرُّوحيّ. لا تَربِيَةَ عَن بُعد. لا يُمكنُ للداعيةِ أن يُرَبِّيَ شَباباً وهو لا يَجلِسُ معهم، لا يَأكُلُ مَعهم، لا يَسمَعُ هُمومَهم، لا يَعرِفُ ما يُبكيهم وما يُضحِكُهم.
يا كُلَّ مُرَبٍّ وداعية... متى آخِرُ مرَّةٍ جَلَستَ فيها مع شَبابِكَ مَجلِسَ الأخِ لا مَجلِسَ الأستاذ؟ اللهُ عزَّ وجلَّ أوصى نَبيَّهُ ﷺ بِهذِه المُعايَشَةِ الصَّعبةِ فَقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [سورة الكهف: 28]. التَّربيَةُ مُعايَشَةٌ تَحتاجُ إلى "صَبرِ النَّفس". فهل نَحنُ حَقاً "مَعَهُم" في أزماتِهم الشَّخصيَّة، أم نَحنُ مَعهم فَقَط حينَ نُلقي عَليهِم المَواعِظ؟
ثم تَنتَقِلُ الآيةُ لتَرسُمَ لَنا المُخرَجَاتِ النِّهائيَّةَ لِهذِهِ التَّربيَة. أيَّ جيلٍ نُريدُ أن نُخَرِّج؟
قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. إنَّهُ التَّوازُنُ النَّفسيُّ العَجيب. نَحنُ في مَحاضِنِنا نَقَعُ أحياناً في خَطَأٍ قاتِل: إمَّا أن نُخَرِّجَ جِيلاً رَخواً مُنحَلّاً، يَذوبُ أمامَ الشُّبُهاتِ والباطِل بَدعوى السَّلام والمَحَبَّة، وإمَّا أن نُخَرِّجَ جِيلاً قاسِياً غَليظاً، يَضرِبُ إخوانَهُ في الخِلافاتِ الفِقهيَّةِ والتَّنظيميَّة، ويَتَعامَلُ بحدَّةٍ مع كُلِّ مُخالِف.
أمَّا الجيلُ النَّبويُّ، فهو جيلُ التَّوازُن. أشِدَّاءُ في مَواطِنِ الثَّباتِ على المَبدَأ، لا يُساوِمونَ عَلى دِينِهم، رُحَماءُ كالماءِ الزُّلالِ بَينَ إخوانِهِم. قال الإمامُ ابنُ تَيميَّةَ رحمهُ الله: "أهلُ السُّنَّةِ أعلَمُ النَّاسِ بِالحَقِّ، وأرحَمُهُم بِالخَلق". فهل شَبابُنا اليومَ رُحَماءُ بَينَهُم؟ هل عَلَّمناهُم كيفَ يَختَلِفونَ بِأدَب؟ إن كانَ الشَّابُّ الذي تُرَبِّيهِ يَحفَظُ المَعارِف، لكنَّهُ يَهجُرُ أخاهُ لأجلِ مَسألَةٍ فرعيَّة، فاعلَم أنَّ التَّربيَةَ قَد نَقَصَت رُكناً!
ولكن كيفَ نَصلُ إلى هذا التَّوازُن؟ ما هو مُحَرِّكُ هذهِ الماكينَةِ التَّربويَّة؟
تُجيبُنا الآية: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. السِّرُّ في العِبادَةِ والإخلاص. لا يُمكِنُ لدَاعيَةٍ أن يَصنَعَ جِيلاً قَويّاً بِمُجَرَّدِ إعطائهِمِ المُحاضَراتِ الفِكريَّةِ والنَّدواتِ الثَّقافيَّة. الدَّعوَةُ التي لا تُرَبِّي أفرادَها على "الرُّكوع والسُّجود" دَعوةٌ مُفلسَةٌ رُوحيّاً.
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، حينَ جاءَ رَبيعَةُ بنُ كَعبٍ الأسلميُّ رضيَ اللهُ عَنه يَخدِمُ النَّبيَّ ﷺ، فقال لهُ النَّبيُّ ﷺ: «سَلني». شابٌّ صَغيرٌ أمامَ قَائدِ الأُمَّة، ماذا طَلَب؟ قال: أسألُكَ مُرافَقَتَكَ في الجَنَّة. فَبِماذا أجابَهُ المُعَلِّمُ الأعظَم؟ هل قال لَهُ: اذهَب فاقرَأ كِتاباً؟ بَل قال: «فَأَعِنِّي عَلى نَفسِكَ بِكَثرَةِ السُّجود» (رواه مسلم).
نَحنُ اليَومَ نَشغَلُ شَبابَنا بِالرُّدودِ الفِكريَّةِ، ومُناقَشَةِ الإلحاد، والتَّحليلِ السِّياسيّ، ونَنسى أنَّ الحِصنَ الحَقيقيَّ ضِدَّ هَذِه الفِتَنِ هو أن يَكونَ الشَّابُّ "رَاكِعاً سَاجِداً". العِبادَةُ هي المِصَدَّةُ الأولى لِكُلِّ انهيارٍ نَفسيٍّ وفِكريّ. قال الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "تَفَقَّدوا الحَلاوَةَ في ثَلاثَةِ أشياء: في الصَّلاة، وفي الذِّكر، وقِراءَةِ القُرآن. فإن وَجَدتُموها فامضوا وأبشِروا، وإن لَم تَجِدوها فاعلَموا أنَّ البابَ مُغلَق". فَهل عَلَّمنا أجيالَنا كَيفَ يَطرقونَ الباب؟
ثُمَّ تَصِلُ الآيةُ إلى الذُّروَة، إلى المَثَلِ العَظيمِ الذي ضَرَبَهُ اللهُ في الإنجيلِ لِهذا الجيل: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾.
يا لها مِن صُورَةٍ نَبضُها الحَياة! الدَّعوَةُ والتربيةُ "زَرعٌ". والزَّرعُ لهُ قوانينُ إلهيَّةٌ لا تَتَخَلَّف: الزَّرعُ يَحتاجُ إلى أرضٍ طَيِّبَة، ويَحتاجُ إلى ماء، والأهَمُّ مِن ذَلك... الزَّرعُ يَحتاجُ إلى "وَقت".
كثيرٌ مِنَ المُرَبِّينَ اليومَ، يُصابونَ بالإحباطِ واليَأس. يَقولُ الواحِدُ مِنهُم: "بَذَلتُ جُهداً كَبيراً مَعَ هَؤلاءِ الشَّباب، ولَم يَتَغَيَّروا! دَعَوتُهم، ولَم يَستَجيبوا!". هذا لأنَّنا نُريدُ صِناعَةً "تِجاريَّةً" سَريعَة، بَينَما التَّربيَةُ في القُرآنِ "زِراعَة".
﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: يَعني الفَسيلَةَ الصَّغيرَةَ الضَّعيفَةَ التي تَخرُجُ بجانِبِ الزَّرع. الشَّابُّ حينَ يَبدأُ في طَريقِ الهِدايَةِ يَكونُ ضَعيفاً مُتَرَدِّداً، تَهُزُّهُ شَهوَة، وتُرجِعُهُ شُبهَة. فَماذا يَفعَلُ المُزارِع؟ هل يَدعَسُ عَلى هذهِ الفَسيلَةِ الصَّغيرَة لأنَّها ضَعيفَة؟ لا! بَل قال تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾.
المُؤازَرَة! هذا هو دَورُك أيُّها المُرَبِّي، دَورُكَ أيُّها الأب، دَورُكِ أيَّتُها الأم. أن تَسندوا هذا الشَّابَّ الضَّعيف. أن تَستُروا عَثرَتَه، أن تُقيلوا عَثرَتَه، أن تَتَجاوَزوا عَن غَضبَتِه.
تأمَّلوا هَذا المشهد...
في صَدرِ الإسلام، أرسَلَ النَّبيُّ ﷺ مُصعَبَ بن عُمَير — شابّاً صَغيراً — ليَزرَعَ الإيمانَ في المَدينَة. جَلَسَ مُصعَبٌ يَقرأُ القُرآن، فأقبَلَ إلَيهِ أُسَيدُ بنُ حُضَير، بِيَدِهِ الحَربَة، غَضباناً ثائراً يَقول: "ما جاءَ بِكُما إلينا تُسَفِّهانِ ضُعَفاءَنا؟ اعتَزِلانا إن كانَ لَكُما في أنفُسِكُما حاجَة". شَراسَةٌ ورَفضٌ قاطِع!
فَلَو كانَ مُصعَبٌ مُرَبِّياً قَليلَ الصَّبر، لَرَدَّ الإهانَة، أو لَيَئِس. لَكِنَّهُ المُزارِعُ الحَصيف، الذي يَعرِفُ كيفَ يُؤازِرُ الزَّرع. ابتَسَمَ مُصعَبٌ بِهُدوء، وقال كَلِمَةً واحِدَة: "أوَ تَجلِسُ فَتَسمَع؟ فَإن رَضيتَ أمراً قَبِلتَه، وإن كَرِهتَهُ كَفَفنا عَنكَ ما تَكرَه".
هُدوء! استيعاب! حِلم! ماذا كانَت النَّتيجَة؟ رَكَزَ أسَيدٌ حَربَتَهُ، وجَلَسَ، فَقَرَأ عَليهِ القُرآن... فَواللهِ ما قامَ أسَيدٌ حتَّى أسلَم، وصارَ مِن أعمِدَةِ الأنصار!
هَكَذا يُآزَرُ الزَّرع. بالرِّفق، لا بالقَسوَة. قال ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَه، ولا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَه» (رواه مسلم).
وإذا صَبَرتَ عَلى المؤازَرَة، جاءَت النَّتيجَةُ الرَّبَّانيَّة: ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾. يَصلُبُ هذا الشَّاب، يَشتَدُّ عُودُه، يُصبِحُ داعِيَةً بِنَفسِه، يَستَوي قائِماً، فلا تَهُزُّهُ الرِّياح، ولا تُسقِطُهُ الفِتَن.
أيها الإخوة الكرام، هل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً: لِماذا يَفقِدُ بَعضُ شَبابِنا استِقامَتَهُم بِمُجَرَّدِ خُروجِهم مِنَ المَحاضِنِ التربويَّة والمدارِسِ الإسلاميَّة؟
الجوابُ في هذهِ الآية: لأنَّنا لَم نَسمَح لَهُم أن "يَستَووا عَلى سُوقِهِم". بَقَينا نَربِطُهُم بِأشخاصِنا، نُفَكِّرُ عَنهم، ونُقَرِّرُ لَهم، ونَمنَعُهم مِن تَحَمُّلِ المَسؤوليَّة. التَّربيَةُ النَّاجِحَةُ هي التَّربيَةُ التي تَجعَلُ الطَّالِبَ يَستَغني في النِّهايَةِ عَن مُعَلِّمِه، ليَعتَمِدَ عَلى رَبِّهِ وعَلى فِقهِه، ﴿فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾، قَائماً بِنَفسِه.
ومَا هِيَ المُكافَأةُ العُظمى لِلدَّاعيَة والمُرَبِّي بَعدَ هَذا الجُهدِ الطَّويل؟
﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
اللهُ أكبَر! هل تُدْرِكونَ جَمالَ هَذا الوَصف؟ المُزارِعُ الذي تَعِبَ في حَرِّ الشَّمس، وسَهِرَ اللَّيالي، وتَأَلَّمَ لِمَرَضِ النَّبتَة... حينَ يَراها قَد أثمَرَت واشتَدَّت، يَقِفُ أمامَها "مُعجَباً".
يا لَها مِن لَحظَةٍ تُنسي كُلَّ تَعَب! حِينَ تَرى ابنَكَ الذي سَهِرتَ عَلى تَربِيَتِه، يَؤُمُّ النَّاسَ في المَسجِد. حِينَ تَرى طالِبَكَ الذي صَبَرتَ عَلى طَيشِه وعِنادِه، قَد صارَ عالِماً يَنفَعُ الأُمَّة. حِينَ تَرى الشَّابَّ الذي كُنتَ تَنصَحُهُ بِالرِّفق، قَد أسَّسَ أُسرَةً صالِحَة، تَنظُرُ إلَيهِ فَتَبتَسِمُ ابتِسامَةَ الرِّضا... إنَّهُ الإعجابُ الصَّادِق. الإعجابُ الذي قال فيه النبي ﷺ: «لَأَن يَهديَ اللهُ بِكَ رَجُلاً واحِداً، خَيرٌ لَكَ مِن حُمرِ النَّعَم» (متفق عليه).
ولكِنَّ هَذا الإعجابَ لا يَقِفُ عِندَ حُدودِ الفَرَحِ الشَّخصيّ، بَل لَهُ وظيفَةٌ أُمَميَّةٌ عُظمى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
الأُمَّةُ لا تَرُدُّ كَيدَ أعدائِها فَقَط بالسِّلاح، بَل تَرُدُّهُ أوَّلاً بصِناعَةِ جيلٍ صُلبٍ يُغيظُ الأعداءَ بِوَعيه، بِثَباتِه، بِعِفَّتِه، بِتَمَسُّكِهِ بِنَبِيِّه. كُلَّما رَأى أعداءُ الإسلامِ شَبَابَنا راكِعينَ ساجِدين، واعينَ لِقَضايا أُمَّتِهم، ثابِتينَ عَلى مَواقِفِهم، ماتوا غَيظاً وكَمَداً. هَذِه هي الصِّناعَةُ الثَّقيلَة!
قالَ الإمامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ الله، في كَلِمَةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "لَن يَصلُحَ آخِرُ هَذِه الأُمَّة، إلَّا بِما صَلُحَ بِهِ أوَّلُها". فإذا أردنا أن نُصلِحَ جيلَنا، فلا مَنهَجَ لَنا إلَّا المَنهَجُ الذي صَلُحَ بِهِ جيلُ الصَّحابَة.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُرَبِّي عِبادَهُ بلُطفِه، ويَرعاهُم بعِنايَتِه، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، المُرسَلُ رَحمَةً وهُدىً للعالَمين ﷺ. أمّا بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن المَنهَجِ القُرآنيِّ الفَذِّ في تَربِيَةِ الأجيالِ كما صَوَّرتهُ خاتِمَةُ سُورَةِ الفَتح. ووقفنا مع أهَمِّيَّةِ "المُعايَشَةِ" للقُدوَة، ثُمَّ تَدَبَّرنا التَّوازُنَ بَينَ القُوَّةِ في الحَقِّ والرَّحمَةِ بالخَلق، وختمنا بِمَثَلِ "الزَّرعِ" وما يَحتاجُهُ مِن مُؤازَرَةٍ وصَبرٍ حتَّى يَستَويَ عَلى سُوقِه. والآن، إخواني المُرَبِّين والآباء، بَقيَ السُّؤالُ الأهم الذي سيُحَدِّد أثَرَ هَذهِ الخُطبَة: كيفَ نُتَرجِمُ هَذا الزَّرعَ إلى واقِعٍ في بيوتنا ومَحاضِنِنا؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا النِّيَّةَ واصطَنِعوا الصَّبر. التَّربيَةُ عَمليَّةٌ مُرهِقَة، وقَد تَزرَعُ فَلا تَرى الحَصادَ في حَياتِك. لا تَجعَل إحباطَكَ مِن واقِعِ بَعضِ الشَّبابِ مَدخَلاً لِليَأس. قال النَّبيُّ ﷺ: «إذا قامَتِ السَّاعةُ وفي يَدِ أحَدِكُم فَسيلَة، فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يَغرِسَها فَلْيَفعَل» (رواه أحمد). ازرَع، حتَّى ولَو كانَت النِّهايَةُ غَداً!
الثانية (لِسانيَّة): الدُّعاءُ بِظَهرِ الغَيبِ لِمَن تُرَبِّيهم. لا تَبخَل عَلى أبنائِكَ وطُلَّابِكَ بِدَعوَةٍ في سُجودِك. هَذا مِفتاحٌ عَجيب، كانَ الأنبياءُ يَستَخدِمونَه، ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: 15]... ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40]. ادعُ لَهُم بِالصَّلاحِ، فإنَّ القُلوبَ بَينَ أصبُعَينِ مِن أصابِعِ الرَّحمَن.
الثالثة (عَمَليَّة): النُّزولُ إلى واقِعِ الشَّباب. لا تُخاطِب شَبابَكَ مِن أبراجٍ عالِيَة، ولا تُحاسِبهُم بِمِعيارِ العُلَماءِ الكِبار. تَفَهَّم ضُغوطَ عَصرِهِم، وتَحَدِّياتِ الشَّاشاتِ التي بَينَ أيديهِم. بَسِّط لَهُمُ الدِّين. قال ﷺ: «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا» (متفق عليه).
الرابعة (اجتماعيَّة): الرَّحمَةُ قَبلَ النُّصح. ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾... الشَّابُّ الذي يَراكَ قاسِياً مُتَجَهِّماً، لَن يَفتَحَ لَكَ قَلبَهُ ولَو أتَيتَهُ بِكُلِّ أدِلَّةِ الأرض. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. اللِّينُ في التَّوجيهِ هو المِفتاح.
الخامسة (موضوعيَّة): رَكِّزوا عَلى بَناءِ "الرُّكوعِ والسُّجود" قَبلَ إغراقِهِم في القَضايا الفِكريَّةِ الخِلافيَّة. الشَّابُّ الذي يَبكي في سُجودِهِ لَيلاً، أقدَرُ عَلى مُواجَهَةِ شُبُهاتِ العَصرِ مِن شابٍّ قَرَأ كُتُبَ المُجادَلاتِ وقَلبُهُ فارِغٌ مِن ذِكرِ الله. ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ — هذا هو التَّحصينُ الأصلي.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على أداءِ أمانَةِ التَّربيَة، وهي التي تَعصِمُكُم مِنَ التَّفريطِ في أجيالِ الأُمَّة.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمامِ المُرَبِّين، وقُدوَةِ الدُّعاة. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا ممن إذا زرع خيراً باركت له فيه، وأقررت عينه بحصاده. اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، لا ضالين ولا مضلين.
اللهم ألهمنا رشدنا في تربية أبنائنا وبناتنا وشباب أمتنا، واجعلنا لهم قدوة في الخير والصلاح.
اللهم الطف بشباب المسلمين، وحصّن فروجهم، وطهّر قلوبهم، واصرف عنهم فتن الشبهات والشهوات ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اجعل الجيل القادم خيراً من جيلنا، وأقر أعيننا بنصرة دينك وإعزاز كلمتك.
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، وارفع الظلم عن المظلومين في كل مكان، وانشر الأمن والإيمان في ربوع ديارنا.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.