من مكتبة مِداد الخطيب

صناعةُ الرِّجال.. بَيْنَ هَشاشَةِ الواقِعِ ومَنهَجِ النُّبُوَّة

مشاركة
صناعةُ الرِّجال.. بَيْنَ هَشاشَةِ الواقِعِ ومَنهَجِ النُّبُوَّة ​#خطبة_جمعة #تربية_الأبناء #الرجولة #القدوة #الأسرة #الشباب #أخلاق ​الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثى، وجَعَلَ الرُّجولَةَ مَقامًا ومَسؤوليَّةً وعِبئًا ثَقيلًا لا يَحمِلُهُ إلَّا الصَّادقون، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُؤدِّبُ عِبادَهُ بالابتلاءِ ويَصنَعُهُم على عَينِه في مَصانِعِ الشَّدائد، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أعظَمُ الرِّجالِ وأكمَلُهُم مُروءَةً وأحسَنُهُم تَعليمًا وبناءً لِلنُّفوس، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ: ​إخوتي الأحبَّة، تَأمَّلوا مَعي: نَحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ تَوَفَّرَت فيهِ لأبنائِنا كُلُّ سُبُلِ الرَّاحَة، مِن طَعامٍ ولِباسٍ وتَرفيه، ورُغمَ ذلكَ، نَشتَكي كَثيرًا مِن ضَعفِ شَخصيَّاتِهم وعَجزِهم عَنِ المَسؤوليَّة. لِماذا أصبَحنا نَرى شَبابًا في العِشرينيات لا يُعتَمَدُ عليهم في مُهِمَّة، يَكذِبونَ للتهرُّب، ويَنقُضونَ وُعودَهم عندَ أوَّلِ اختِبار؟ هُناكَ خَطَأٌ فادِحٌ نَرتَكِبُهُ نحنُ الآباءَ بِاسمِ "الحُبِّ والحَنان".. خَطَأٌ يُدَمِّرُ مَعنى "الرُّجولَةِ" في نُفوسِهم. ما هو هذا الخَطأ؟ وكَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصنَعُ الرِّجال؟ الجَوابُ — ومَفاتيحُ العِلاجِ — في خُطبَتِنا اليَوم. ​أيُّها المسلمون، هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا: ما هي الرُّجولَة؟ هل الرُّجولةُ أن يَبلُغَ الشَّابُّ سِنَّ العِشرين، وتَنبُتَ لِحيتُه، ويَشتَدَّ ساعِدُه؟ لا والله. الذُّكورَةُ صِفَةٌ بَدَنيَّةٌ يَشتَرِكُ فيها كُلُّ ذَكَرٍ مِنَ البَشَرِ والمَخلوقات، أمَّا الرُّجولَةُ فهي صِفَةٌ رُوحيَّة، ومَقامٌ أخلاقيٌّ، لا يَنالُهُ إلَّا مَن صُقِلَت نَفسُهُ على مَكارِمِ الأخلاقِ وتَحَمُّلِ التَّبِعات. ​استَمِعوا إلى القُرآنِ الكَريمِ وكَيفَ يَصِفُ الرِّجال. لَم يَصِفُهُم بقُوَّةِ الأجساد، ولا بِكَثرَةِ الأموال، بَل وَصَفَهُم بالثَّباتِ على المَبادئِ، وبالصِّدقِ مع الله. يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. ووَصَفَهُم بأنَّهُم لا تَصرِفُهُمُ الدُّنيا عن غايَتِهمُ العُظمى، فقال سُبحانَه: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]. ووَصَفَهُم بالطَّهارَةِ والتَّرَفُّعِ عنِ الدَّنايا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]. ​هذِهِ هي الرُّجولَةُ في ميزانِ السَّماء: صِدقٌ في العَهد، ومُحافَظَةٌ على الصَّلاة، وعِفَّةٌ في النَّفس، وثَباتٌ في المَواقِف. ولِذلِكَ، لَمَّا جَلَسَ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنهُ مَعَ أصحابِهِ يَومًا وقال لهم: "تَمَنَّوا"، فتَمَنَّى بعضُهم مِلءَ بَيتٍ ذَهَبًا يُنفِقُهُ في سَبيلِ الله، وتَمَنَّى آخَرُ جَواهِرَ، قالوا: وماذا تَتَمَنَّى أنتَ يا أميرَ المُؤمِنين؟ قال الكَلِمَةَ الَّتي تُكتَبُ بِماءِ العَين: "أتَمَنَّى مِلءَ هذا البَيتِ رِجالًا مِثلَ أبي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاح، ومُعاذِ بنِ جَبَل، أستَعمِلُهُم في طاعَةِ الله". عُمَرُ أدرَكَ أنَّ الدُّوَلَ والحَضاراتِ، والأُسَرَ والبُيوتَ، لا تَقومُ بالذَّهَبِ والفِضَّة، بَل تَقومُ على أكتافِ "الرِّجال". ​ولكن، لِنَقِف وَقفَةَ صِدقٍ مَعَ واقِعِنا اليَوم. أيُّها الآباء، أيَّتُها الأُمَّهات، لِنَنظُر إلى طَريقَةِ تَربيَتِنا لأبنائِنا الذُّكور في هذا الزَّمان. لَقَد غَزَت بُيوتَنا آفةٌ خَطيرَةٌ تُسَمَّى "التَّدليلَ الزَّائِد" والمُبالَغَةَ في الحِمايَة. الأبُ يَقول: "لقد تَعِبتُ في صِغَري، ولا أُريدُ لابني أن يَتعَبَ كَما تَعِبت، أُريدُهُ أن يَعيشَ مُرَفَّهًا". والأُمُّ تَقول: "صَغيري لا يَحتَمِلُ الخُشونَة، دَعوهُ يَرتَح". والنَّتيجَة؟ النَّتيجَةُ جيلٌ كامِلٌ مِمَّن يَبلُغونَ العِشرينَ والثَّلاثين، أجسادُهُم أجسادُ رِجال، ونُفوسُهُم نُفوسُ أطفال! ​تَأمَّلوا! شابٌّ لا يَتَحَمَّلُ كَلِمَةَ نَقدٍ في عَمَلِه فَيَستَقيلُ في اليَومِ التَّالي بحُجَّةِ "الضَّغطِ النَّفسي". وشابٌّ يَتَزَوَّجُ، ومَعَ أوَّلِ خِلافٍ مَعَ زَوجَتِهِ يَهرُبُ إلى بَيتِ أُمِّهِ تارِكًا خَلفَهُ مَسؤوليَّةَ أُسرَةٍ بَناها. وشابٌّ لا يَعرِفُ كَيفَ يُنجِزُ مُعامَلَةً حُكوميَّةً، ولا كَيفَ يَشتَري أغراضَ المَنزِل، لأنَّ والِدَهُ كانَ يَفعَلُ لَهُ كُلَّ شَيء!
هذِهِ الهَشاشَةُ النَّفسيَّةُ نَحنُ مَن صَنَعناها يَومَ أردنا أبناءَنا مَحفوظينَ في صَناديقَ زُجاجيَّة، لا تَلحَقُهُم شَمسٌ ولا يَمسُّهُم تَعَب. وقَد ذَكَرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في كِتابِهِ "تُحفَةُ المَودود" قاعِدَةً ذَهَبيَّةً في التَّربيَةِ حينَ قال ما مَعناه: "ومِمَّا يَنبَغي أن يُعتَمَدَ في تَربيَةِ الصَّبيِّ أن يُجَنَّبَ الكَسَلَ والبَطالَةَ والتَّرَفَ والمَجالِسَ الفارِغَة، فإنَّها تُفسِدُ عَليهِ دِينَهُ ودُنياهُ، ويُعَوَّدَ الخُشونَةَ والبُعدَ عَن التَّرَف". ​ومن أخطَرِ ثِمارِ هذا التَّدليل، ظُهورُ صِفَتَينِ تُدَمِّرانِ الرُّجولَةَ مِن أساسِها، وقَد كَثُرَتا في شَبابِنا اليَوم: الكَذِبُ، ونَقضُ العُهود. الرَّجُلُ الحَقيقيُّ شُجاع، والشُّجاعُ لا يَكذِب. الكَذِبُ سِلاحُ الضُّعَفاءِ والجُبَناءِ الذين يَخافونَ مُواجَهَةَ الحَقيقَة وتَحَمُّلَ نَتائِجِ أفعالِهم. أصبَحنا نَرى الشَّابَّ يَكذِبُ على مُديرِه، ويَكذِبُ على أصدقائِه، ويَكذِبُ على زَوجَتِه بدمٍ بارد! كيف نَرضى أن نُرَبِّيَ أبناءَنا على هذِهِ الدَّناءَة؟ واسمَعوا لهذا التَّحذيرِ النَّبَويِّ الشَّديد؛ يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه]. ​كيفَ يُصبِحُ كَذَّابًا؟ لأنَّهُ تَرَبَّى في بَيتٍ يَرى والِدَهُ يَكذِب. يَرِنُّ الهاتِف، فَيَقولُ الأبُ لابنِه: "قُل لَهُ أبي نائِم". هنا، في هَذِهِ اللَّحظَة، ذَبَحَ الأبُ رُجولَةَ ابنِهِ مِنَ الوَريدِ إلى الوَريد! عَلَّمَهُ أنَّ الهُروبَ مِنَ المَواقِفِ يَكونُ بِالكَذِب. ويَكذِبُ لأنَّنا لا نُعاقِبُهُ على الكَذِبِ كما نُعاقِبُهُ على كَسرِ زُجاجَةٍ في المَنزِل! الكَذِبُ دَمارٌ للمُروءَة، يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [متفق عليه]. واليَوم، مَن يَقبَلُ أن يُزَوِّجَ ابنَتَهُ لِرَجُلٍ "كَذَّاب"؟ مَن يَقبَلُ أن يُشارِكَ رَجُلًا "كَذَّابًا"؟ ​والصِّفَةُ الثَّانيةُ المُدَمِّرَة: نَقضُ العُهودِ وإخلافُ الوَعد. الرَّجُلُ أسيِرُ كَلِمَتِه. الرَّجُلُ مِيثاق. إذا وَعَدَ أوفى، وإذا عاهَدَ صَدَق. يقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]. ويقولُ سُبحانَهُ في صِفاتِ المُفلِحين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 8]. نَرى اليَومَ شَبابًا يَدخُلونَ في عُقودِ زَواجٍ، ومَعَ أوَّلِ مَطَبٍّ ماليٍّ أو نَفسيٍّ، يَنقُضُ العَهدَ ويَترُكُ بَيتَهُ وعِيالَه! يَدخُلُ في شَراكَةِ عَمَل، ويُخِلُّ بِشُروطِها لأتفَهِ الأسباب! لِماذا؟ لأنَّهُ لَم يَتَرَبَّى على ثِقَلِ الكَلِمَة. لَم يُعَلِّمْهُ أبوهُ أنَّ "كَلِمَةَ الرَّجُلِ" لا تُكسَر، وأنَّ الحُرَّ يَأكُلُ التُّرابَ ولا يُخِلُّ بِوَعدٍ قَطَعَهُ على نَفسِه. ​... تَأمَّلوا هذا المَعنى جَيِّدًا. ... ​ولَعَلَّكُم تَسأَلون: كَيفَ نَصنَعُ الرِّجالَ إذن؟ كَيفَ نُعَلِّمُهُم المَسؤوليَّةَ والشَّجاعَةَ والصِّدق؟ تَعالَوا نَعودُ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا إلى الوَراء، إلى المَدرسَةِ النَّبَويَّة، لِنَنظُرَ كيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُخاطِبُ الصِّغارَ ويَصنَعُ مِنهُم أبطالًا تَرتَجِفُ مِنهُم عُروشُ كِسرى وقَيصَر. ​تَخَيَّلوا المَشهَد: النَّبيُّ ﷺ يَركَبُ بَغلَتَه، ويُردِفُ خَلفَهُ غُلامًا صَغيرًا لَم يَبلُغِ الحُلُمَ بَعد. هذا الغُلامُ هو عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاس رَضيَ اللهُ عنهما. طِفلٌ صَغير، ماذا سَيُكَلِّمُهُ رَسولُ الله ﷺ؟ هل سَيُعطيهِ لُعبَة؟ هل سَيَقولُ لَهُ كَلِماتٍ مُدَلِّلَةً فارِغَة؟ لا. النَّبيُّ ﷺ يَلتَفِتُ إليه، ويَضَعُ بَينَ يَدَيهِ قَواعِدَ العَقيدَةِ وأُصولَ الرُّجولَةِ في كَلِماتٍ زَلزَلَتِ التَّاريخ. قالَ لَه: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ». ثُمَّ يُعطيهِ الدَّرسَ الأعظَمَ في شَجاعَةِ النَّفسِ والتَّحَرُّرِ مِن خَوفِ المَخلوقين، فَيَقول: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].
​يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! طِفلٌ صَغيرٌ يُزكِّي النَّبيُّ ﷺ فيهِ عَقيدَةَ التَّوكُّلِ الكامِل! عِندَما يَترَبَّى الشَّابُّ على أنَّ النَّفعَ والضَّرَّ بيَدِ اللهِ وَحدَه، هل سَيَكذِبُ خَوفًا مِن مُديرِه؟ لا. هل سَيُخِلُّ بعَهدِهِ طَمَعًا في مالٍ حَرام؟ لا. لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ الأقلامَ رُفِعَت والصُّحُفَ جَفَّت. هكَذا تُصنَعُ شَجاعَةُ الرِّجال. ​وخُذوا مَشهَدًا آخَرَ مِن مَدرسَةِ الصَّحابَة. يَمُرُّ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنهُ في أزِقَّةِ المَدينَة. وعُمَرُ رَجُلٌ مَهيب، تَهابُهُ الشَّياطينُ فَضلًا عَنِ البَشَر. وكانَ هُناكَ مَجموعَةٌ مِنَ الصِّبيانِ يَلعَبون، ومَعَهُمُ الطِّفلُ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَير. فَلَمَّا رَأَوا عُمَرَ مُقبِلًا، هَرَبَ الصِّبيانُ جَميعًا رُعبًا ورهبة، إلَّا عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَير، وَقَفَ مَكانَه، شامِخًا ثابِتًا! فلَمَّا وَصَلَ إليهِ عُمَرُ تَعَجَّب، وقال: يا غُلام، لِمَ لَم تَهرُب مَع أصحابِك؟ فأجابَهُ الغُلامُ بكَلِماتٍ تَقشَعِرُّ لَها الأبدان، قال: "يا أميرَ المُؤمِنين، لَم أقتَرِف ذَنبًا فَأَخافَك، ولَم يَكُنِ الطَّريقُ ضَيِّقًا فَأُوَسِّعَ لَك!". اللهُ أكبَر! أيُّ مَصنَعٍ أخرَجَ هذا الجَواب؟ إنَّهُ مَصنَعُ أسماءَ بِنتِ أبي بَكرٍ (ذاتِ النِّطاقَين) والزُّبَيرِ بنِ العَوَّام، مَصنَعٌ لَم يُرَبِّ ابنَهُ على التَّذَلُّلِ ولا الخَوفِ منَ المَخلوق، بَل رَبَّاهُ على أَنَّ المَرءَ ما دامَ على الحَقِّ، فلا يَخافُ لَومَةَ لائِم. هذا هو الشَّابُّ الَّذي قادَ فيما بَعدُ جُيوشًا وبَنى أمجادًا. ​ولكِن ما حالُنا اليَوم؟ يُخطِئُ الشَّابُّ أوِ المراهق في المَدرَسَة، ويَعتَدي على زَميلِهِ أو يُقَصِّرُ في دِراسَتِه، فَبَدَلًا مِن أن يَجعَلَهُ أبوهُ يَقِفُ لِيَتَحَمَّلَ مَسؤوليَّةَ خَطَئِه، يَذهَبُ الأبُ نَفسُهُ إلى المَدرَسَةِ لِيَتَشاجَرَ مَعَ المُعَلِّمِ مُدافِعًا عَنِ ابنِهِ المُخطِئ! أيُّ رِسالةٍ تُعطيها لابنِكَ هُنا؟ أنتَ تَقولُ له: "اخطَأ كَما تَشاء، واظلِم مَن تَشاء، سَأكونُ هُنا لأُنقِذَك". وفي الحَقيقَة، أنتَ لا تُنقِذُه، أنتَ تَصنَعُ مِنهُ فاشِلًا في الحَياةِ لا يُمكِنُ أن يَكونَ أبًا صالِحًا غَدًا. ​عبادَ الله، الرُّجولَةُ تَبدَأُ حينَ تُحَمِّلُ ابنَكَ المَسؤوليَّة. كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعطي الشَّبابَ مَهامَّ تَتجاوزُ أعمارَهم لِيَصنَعَهم. جَهَّزَ جَيشًا فيهِ أبو بكرٍ وعُمَرُ وكِبارُ المُهاجِرينَ والأنصار، وجَعَلَ قائِدَهُم أُسامَةَ بنَ زَيد، وعُمُرُهُ ثمانيَةَ عَشَرَ عامًا! ثمانيَةَ عَشَرَ عامًا يَقودُ أُمَّة! واليومَ شابٌّ في العِشرينَ تُوقِظُهُ أُمُّهُ ليَذهَبَ إلى الجامِعَة، وتُعِدُّ لَهُ إفطارَه، وتُسَدِّدُ فواتيرَه، ثُمَّ نَنتَظِرُ مِنهُ أن يَحمي أُمَّة! ​فَاتَّقوا اللهَ في أماناتِكم، واعلَموا أنَّ هؤُلاءِ الأبناءَ نِعمَةٌ ويَومَ القِيامَةِ حُجَّة. يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]. الرِّعايَةُ لَيسَت أن تُطعِمَهُ وتَكسوَهُ فَقط؛ البَهائِمُ تُطعِمُ صِغارَها، ولكِنَّ الرِّعايَةَ أن تَبنِيَ فيهِ إيمانًا، وصِدقًا، ورُجولَةً لا تَهتَزُّ أمامَ عَواصِفِ الزَّمان. ​أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. ​[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. ​🕌 الخطبة الثانية ​الحمدُ لله حَمْدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فِيهِ كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: ​عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن صِناعَةِ الرِّجال، وكَيفَ أنَّ التَّدليلَ الزَّائِدَ أنتَجَ لَنا جيلًا هَشًّا يَستَسهِلُ الكَذِبَ ويَنقُضُ العُهود ويهرب من الصعاب. ووَقَفنا مَعَ مَدرَسَةِ النُّبُوَّةِ وكَيفَ بَنَتِ الشَّجاعَةَ والتَّوكُّلَ وتَحَمُّلَ المَسؤوليَّةِ في نُفوسِ صِغارِ الصَّحابَة. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا التَّأصيلَ إلى خُطُواتٍ عَمَليَّةٍ داخِلَ بُيوتِنا اليَوم؟ كَيفَ نُعالِجُ هذا الخَلَلَ ونُنقِذُ أبناءَنا؟
​أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، فاكتُبوها في قُلوبِكُم قَبلَ دَفاتِرِكم: ​الأولى (قَلبيَّة): اغرِسوا في قُلوبِ أبنائِكُم "خَشيَةَ اللهِ" قَبلَ "خَشيَةِ النَّاس". عَلِّموهُ أنَّ اللهَ يَراهُ في ظُلمَةِ اللَّيل، فإنَّ الشَّابَّ الَّذي يَخافُ اللهَ لا يَكذِبُ أبدًا، ولا يَخونُ عَهدًا، ولا يَظلِمُ أحَدًا، لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ لَهُ رَبًّا يُحاسِب. يقولُ اللهُ تَعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: 16]. ​الثَّانية (لِسانيَّة): طَهِّروا ألسِنَتَهُم ومَجالِسَهُم مِنَ الكَذِبِ، ولو كانَ مُمازَحَة! لا تَسمَحْ لابنِكَ أن يَكذِبَ حَتَّى في صِغارِ الأُمور. كُنْ أنتَ القُدوَة، إذا وَعَدتَهُ بشَيءٍ فأَوفِ لَه، لِيَكُونَ لِسانُكَ ميزانَ صِدقٍ يَتَرَبَّى عَليه. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ: هَاكَ، ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ؛ فَهِيَ كَذْبَةٌ» [رواه أحمد]. ​الثَّالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): حَمِّلوهُمُ المَسؤوليَّاتِ مُبَكِّرًا. دَعْهُ يَشتَري حاجاتِ البَيت، دَعْهُ يُرافِقُكَ في إنهاءِ مُعامَلاتِك، دَعْهُ يَتَحَمَّلُ نَتيجَةَ خَطَئِهِ في المَدرَسَةِ ويَعتَذِر بِنَفسِه. لا تَكُن المُمحاةَ التي تَمسَحُ أخطاءَه، بل كُنِ المُعَلِّمَ الَّذي يُوَرِّطُهُ في الحَياةِ لِيَصنَعَ مِنهُ رَجُلًا. ​الرَّابعة (اجتماعيَّة): اصحَبوهُم إلى مَجالِسِ الرِّجال. عَلِّموهُم كَيفَ يُسَلِّمون، وكيفَ يُنصِتونَ إذا تَكَلَّمَ الكَبير، وكيفَ يَتَحَدَّثونَ إذا سُئِلوا. المَجالِسُ مَدارِس، والشَّابُّ الَّذي يَنعَزِلُ في غُرفَتِهِ مَعَ شاشَتِهِ وإلِكترونيَّاتِهِ فَقَط، يَكبَرُ غَريبًا عَن مُجتَمَعِهِ، أخرَسَ في المَواقِف، عاجِزًا عَن بِناءِ العَلاقات. ​الخامِسة (موضوعيَّة مُرتَبِطة بِالصَّلاة): لا رُجولَةَ بِلا قِيامٍ لِحَقِّ الله. أوَّلُ مَيدانٍ لِتَدريبِ الشَّابِّ على المَسؤوليَّةِ هو الصَّلاة. الشَّابُّ الَّذي لا يَستَطيعُ أن يَنتَصِرَ على نَومِهِ ورَغَباتِهِ لِيَشهَدَ الفَجرَ أو يَحضُرَ الجَماعَة، لا يُنتَظَرُ مِنهُ أن يَنتَصِرَ في مَعارِكِ الحَياةِ الكُبرى. قالَ سُبحانَه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17]. ​فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ زِراعَةَ المَبادِئ في النُّفوسِ تَحتاجُ صَبرًا ودُعاءً وقُدوَة. فَابنِكَ نُسخَةٌ مُصَغَّرَةٌ مِن أفعالِكَ، لا مِن أقوالِك! ​ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَليهِ في مُحكَمِ كِتابِه، فقالَ عَزَّ مِن قائِل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ والتَّابِعين. ​🤲 الدعاء: ​اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ أن تُعينَنا على أداءِ الأمانَةِ في أبنائِنا. اللَّهُمَّ اجعَلهُم رِجالَ صِدقٍ لا يَكذِبون، وأصحابَ عَهدٍ لا يَخونون، وأبطالًا في الحَقِّ لا يَضعُفون. اللَّهُمَّ قِهم فِتَنَ هذا الزَّمان، ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن، ولا تَجعَلهُم أسرى لِلشَّهَواتِ ولا لِلشُّبُهات. اللَّهُمَّ ارزُقنا القُوَّةَ لِنُرَبِّيَهُم على عُيونِنا كما تُحِبُّ وتَرضى، ولا تُحَمِّلنا أوزارَ أخطائِهِم، بَلِ اهدِنا واهدِهِم وتُب عَلَينا وعَليهِم. اللَّهُمَّ اجعَل بيوتَنا مَصانِعَ لِلرِّجالِ الصَّالحينَ، والنِّساءِ المُؤمِناتِ القانِتات، ولا تَجعَلها مَرعىً للشَّيطانِ والغَفلَة. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ عامَّةً، وارحَم مُستَضعَفينَهُم في كُلِّ مَكان، وانصُر إخوانَنا المَظلومينَ، وأطعِم جائِعَهُم، وآمِن خائِفَهُم، وَوَحِّد صُفوفَهُم على كَلِمَةِ التَّوحيد. ​عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ​✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.