من مكتبة مِداد الخطيب

ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ... أخلاقُ المُصطَفى في كُلِّ مَيادين الحَياة

مشاركة
🕌 ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ... أخلاقُ المُصطَفى في كُلِّ مَيادين الحَياة #خطبة_جمعة #الاقتداء_بالرسول #الشمائل_المحمدية #السيرة_النبوية #أخلاق_النبي #الرحمة #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسولًا مِنهُم، زكَّاهُ في خُلُقِهِ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وزكَّاهُ في رِسالتِهِ فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الاقتداءَ بنبيِّهِ مِعيارًا لِمَحبَّتِه، وميزانًا لِقَبولِ العَمَل. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ النَّاسِ بالنَّاسِ، وأرأَفُ الخَلقِ بالخَلقِ، الصَّادقُ المَصدوق، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: أيُّها الإخوةُ المؤمنون، تَخيَّلوا معي رَجُلًا تَدينُ لهُ الجَزيرةُ العربيَّةُ بأكمَلِها، تَأتيهِ الأموالُ والغَنائمُ وتَخضَعُ لهُ الرِّقاب، يَهابُهُ مُلوكُ الأرضِ قاطبةً... ومع ذلك كُلِّه، يُسَلِّمُ على الصِّبيانِ في الطَّريق، ويُرقِّعُ ثَوبَه بِيَدِه، ويَمسَحُ دَمعةَ حَيوانٍ أبكاهُ الجوع! كيف جَمَعَ بينَ هَيبَةِ النُّبُوَّةِ وتَواضُعِ البَشَر؟ وما هي الكَلِماتُ الَّتي صَدَمَ بها النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا تَعجَّبَ من رَحمَتِهِ بالأطفال؟ وكيفَ كانَ رَدُّهُ على مَن ظَلَمَهُ وآذاهُ سِنينَ طِوالًا؟ إجاباتٌ ومَشاهِدُ سَنَقِفُ عليها بَعدَ قَليل، لتُعِيدَ صِياغةَ مَفهومِنا لِلاقتداء. عبادَ الله، نَمضي اليومَ في حَديثِنا ضِمنَ سِلسلةِ الاقتداءِ برسولِ الله ﷺ. وكثيرٌ مِنَّا — للأسف — قَصَرَ الاقتداءَ على هَيئاتٍ ظاهريَّةٍ مُعَيَّنة، وظَنَّ أنَّهُ باستكمالِها قد بَلَغَ ذُروةَ الاتِّباع. وهذا حَقٌّ وخيرٌ وفَضل، لكنَّ اتِّباعَ النَّبيِّ ﷺ أوسَعُ من ذلك وأعمَق. يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. لقد كانَ أُسوَةً في خُلوَتِه، وأُسوةً في بَيتِه، وأُسوةً في سُوقِه، وأُسوةً مع مَن يُخالِفُه ويعاديه. قال ابنُ القَيِّمِ رحمهُ اللهُ في مَدارجِ السَّالكين، وهو يُلَخِّصُ لُبَّ الدِّين: "الدِّينُ كُلُّهُ خُلُق، فَمَن زادَ عليكَ في الخُلُق، زادَ عليكَ في الدِّين". فلا قيمَةَ لِصَلاةٍ لا تُهَذِّبُ طِباعًا، ولا لِصِيامٍ لا يَكُفُّ أذًى، والنَّبيُّ ﷺ قَرَّرَ غايةَ بِعثَتِهِ في جُملةٍ واحِدةٍ قاطِعة، رواها الإمامُ أحمد، فقال: «إنَّما بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ صالِحَ الأخلاق». تَعالوا نَفتَح أبوابَ حَياتِهِ ﷺ، بَابًا بَابًا. ولْنَنطَلِق أوَّلًا إلى غُرفَتِه، إلى مَكانِ خُلوَتِه، إلى بيته. كيفَ كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ مع أهلِه؟ هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا: لماذا يَكونُ أحَدُنا في مَقرِّ عَمَلِهِ، أو مَعَ أصدقائهِ، أو أمَامَ زَبائنِهِ في قِمَّةِ اللُّطفِ والابتسام، فإذا دَخَلَ بَيتَهُ وأُغلِقَ عليهِ بابُه تَحَوَّلَ إلى جبَّارٍ عَنيد، لا يُكَلَّمُ، ولا يُمازَحُ، وتَرتَجِفُ مِنهُ الأطراف؟ كيفَ نَرضى أن نَدَّعيَ مَحَبَّةَ النَّبيِّ ﷺ ثمَّ نُخالِفَهُ في أهَمِّ مَيادينِ الحَياة؟ يَقولُ المَصطَفى ﷺ في الحديثِ الذي رواهُ التِّرمذي: «خَيرُكم خَيرُكم لأهلِه، وأنا خَيرُكم لأهلي». ليسَ المِعيارُ كَثرَةَ المال، ولا شُهرةَ المَنصِب، مِعيارُ "الخَيريَّةِ" يَقيسُهُ اللهُ في بَيتِك. سُئِلَت أمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصنَعُ في بَيتِه؟ لم تَقُل كانَ يَأمُرُ ويَنهى ويَنتَظِرُ الخِدمَة، بل قالَت: "كانَ في مِهنَةِ أهلِه؛ يَخلُصُ ثَوبَه، ويَحلِبُ شاتَه، ويَخدِمُ نَفسَه". تَأمَّلوا! أعظَمُ رَجُلٍ خَلَقَهُ الله، كانَ يَرقَعُ ثَوبَهُ بيَدِه! قال الإمامُ النَّوَويُّ مُعَلِّقًا على هذا: "وفيهِ الحَثُّ على التَّواضُعِ في البَيت، والمُساعَدةِ في الخِدمَة، وتَركِ التَّكَبُّرِ والتَّرَفُّع". فمَن مِنَّا — يا عِبادَ الله — يَقتَدي بهذا التَّواضُعِ المُحمَّديِّ خَلفَ الأبوابِ المُغلَقة؟ ونَمضي خُطوَةً أُخرى... كيفَ كانَ ﷺ مَعَ الضُّعَفاءِ، والأطفالِ، والمَماليك؟ في زَمَنٍ كانَ العَرَبُ يَرَونَ في القَسوَةِ رُجولة، وفي تَقْبيلِ الأطفالِ مَنقَصةً وضَعفًا، يَدخُلُ الأقرَعُ بنُ حابِسٍ على رَسولِ اللهِ ﷺ، فَيَجِدُهُ يُقَبِّلُ سِبطَهُ الحَسَنَ بنَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهما. يَقِفُ الأقرَعُ مُتَعَجِّبًا، ويَقول: إنَّ لي عَشَرةً مِنَ الوَلَدِ ما قَبَّلتُ مِنهُم أحَدًا! ماذا كانَ رَدُّ النَّبيِّ ﷺ؟ هَل جَامَلَهُ؟ هَل سَكَت؟ بل نَظَرَ إليهِ وقالَ كَلِمَةً زَلزَلَت مَفاهيمَ الجَفاء: «مَن لا يَرحَم لا يُرحَم»! وفي رِوايةٍ: «أوَ أملِكُ لكَ أن نَزَعَ اللهُ مِن قَلبِكَ الرَّحمة؟». متفقٌ عليه. الرَّحمَةُ بالصِّغارِ ليست تَرفًا، بل هي شَرطٌ لِنَيلِ رَحمةِ الرَّحمن! وبَلَغَت رَحمَتُهُ بالأمَّهاتِ والأطفالِ مَبلَغًا عَجيبًا حتى في أعظَمِ العِباداتِ... في الصَّلاة! قالَ ﷺ: «إنِّي لَأقومُ في الصَّلاةِ أُريدُ أن أُطَوِّلَ فيها، فأسمَعُ بُكاءَ الصَّبيِّ، فأتَجَوَّزُ في صَلاتي، كَراهيةَ أن أشُقَّ على أُمِّه» رواه البخاري. يَا سُبحانَ الله! رَسولُ اللهِ ﷺ يَختَصِرُ صَلاتَهُ ومُناجاتَهُ لِرَبِّه، لِأجلِ دَمعةِ طِفلٍ، وقَلبِ أُمٍّ مُنشَغِل! فأينَ هذا مِمَّن يُطيلُ على النَّاسِ حتى يُنَفِّرَهم، أو مِمَّن لا يَرحَمُ ضَعفَ ضَعيفٍ أو حاجَةَ مُحتاج؟ ولْنَسأل أنفُسَنا الآن: كيفَ نُعامِلُ مَن هُم تَحتَ سُلطَتِنا؟ الخادِمَ في البَيت؟ العامِلَ في الشَّرِكَة؟ السَّائق؟ البائعَ البَسيط؟ إن كنتَ تُريدُ أن تَعرِفَ حَقيقَةَ أخلاقِ الرَّجُل، فلا تَنظُر إلى طَريقَةِ كَلامِهِ مَع مُديرِهِ أو مَن هُوَ أقوى مِنه... بَل انظُر إلى طَريقَةِ كَلامِهِ مَع مَن لا يَستَطيعُ أن يَرُدَّ عليه! يَقولُ أنسُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه، يَصِفُ خِدمَتَهُ للنَّبيِّ ﷺ: "خَدَمتُ النَّبيَّ ﷺ عَشرَ سِنين، فما قالَ لي أُفٍّ قَطّ، وما قال لِشيءٍ صَنَعتُهُ لِمَ صَنَعتَه، ولا لِشيءٍ لم أصنَعْهُ لِمَ لا صَنَعتَه" متفقٌ عليه. عَشرُ سِنين! لم تَفلِت مِنهُ كَلمَةُ "أُفّ" في لَحظَةِ غَضَبٍ أو ضيق. هذا هو القُرآنُ يَمشي على الأرض. واسمَعوا لهذا المَشهَدِ المَهيب، الذي يَرويهِ الإمامُ مُسلم. يَقولُ أبو مَسعودٍ الأنصاريُّ رضيَ اللهُ عنه: كُنتُ أضرِبُ غُلامًا لي بالسَّوطِ (من شِدَّة الغَضَب)، فَسَمِعتُ صَوتًا مِن خَلفي يَقول: «اعلَم أبا مَسعود... اعلَم أبا مَسعود». يَقول: فلَم أفهَمِ الصَّوتَ مِنَ الغَضَب، فَلَمَّا دَنا مِنِّي، إذا هُوَ رَسولُ اللهِ ﷺ، فإذا هُوَ يَقول: «اعلَم أبا مَسعودٍ أنَّ اللهَ أقدَرُ عليكَ مِنكَ على هذا الغُلام!». يَقولُ أبو مَسعود: فَسَقَطَ السَّوطُ مِن يَدي هَيبَةً لهُ، وقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجهِ الله! فقالَ ﷺ: «أمَا لَو لَم تَفعَل، لَلَفَحَتكَ النَّار!». أينَ نحنُ مِن هذا الميزان؟ ماذا لو عومِلنا يومَ القيامةِ بِنَفسِ القَسوَةِ والظُّلمِ الَّذي نُعامِلُ بِهِ مَن هُم أضعَفُ مِنَّا؟ إنَّ اللهَ أقدَرُ علينا مِنَّا عليهم! وإذا خَرَجنا مِن دائرةِ الضُّعَفاءِ والأصدقاء، إلى دائرةِ الخُصومِ والأعداء... هُنا تَتَجَلَّى المُعجِزَةُ الأَخلاقيَّةُ الكامِلة! يَقِفُ الإنسانُ حائرًا أمامَ قُدرَةِ هذا النَّبيِّ ﷺ على الصَّبرِ والعَفوِ حينَ المَقدِرة. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يَرويه البُخاري، صُورةٌ مِن صُوَرِ الاستفزازِ الشَّديدِ التي يَتَعَرَّضُ لها النَّبيُّ ﷺ. يقولُ أنسٌ رضيَ اللهُ عنه: كُنتُ أمشي مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ، وعَليهِ بُردٌ نَجرانيٌّ غَليظُ الحاشيةِ (ثَوبٌ خَشِن)، فأدرَكَهُ أعرابيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدائهِ جَبذَةً شَديدَةً... حتى نَظَرتُ إلى صَفحَةِ عاتِقِ رَسولِ اللهِ ﷺ وقد أثَّرَت بِها حاشِيَةُ البُردِ مِن شِدَّةِ جَبذَتِه! ثمَّ قال الأعرابيُّ بِجَفاء: يا مُحمَّد! مُر لي مِن مالِ اللهِ الذي عِندَك! تَخيَّلوا المَوقِف! رَجُلٌ يَجذِبُ حاكِمَ المدينةِ، ونَبيَّ الأُمَّةِ، جَذبَةً تَترُكُ أثَرًا في عُنُقِه، ويُناديهِ باسمِهِ مُجرَّدًا مُطالِبًا بالمال! ماذا فَعلَ النَّبيُّ ﷺ؟ هَل أمَرَ بِحَبسِه؟ هَل شَتَمَه؟ هَل زَجَرَه؟ يَقولُ أنَس: "فالتَفَتَ إليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، ثمَّ أمَرَ لَهُ بِعَطاء!". يا لَعَظَمةِ هذا الدِّين! ويا لَرَحمَةِ هذا الرَّبِّ الكَريمِ الَّذي بَعَثَ لنا هذا النَّبيَّ الرَّحيم! صَدَقَ اللهُ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَكَ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. ولَمَّا فَتَحَ اللهُ لَهُ مَكَّة، ودَخَلَها مُنتَصِرًا فاتِحًا، وَقَفَ أمامَهُ الصَّناديدُ الَّذينَ أخرَجوه، وعَذَّبوا أصحابَه، ونافَقوهُ وقاتَلوهُ على مَدارِ عِشرينَ عامًا. وهُوَ الآنَ يَملِكُ رِقابَهُم... سَألَهُم: «ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكُم؟» قالوا: خَيرًا، أخٌ كَريمٌ وابنُ أخٍ كَريم. فقالَ الكلمَةَ التي كُتِبَت بِنورٍ في جَبينِ الزَّمان: «أقولُ لَكُم كما قالَ يوسُفُ لإخوَتِه: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾... اذهَبوا فأنتمُ الطُّلَقاء». يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحمهُ الله: "فكانَ عَفْوُهُ ﷺ عِندَ المَقدِرةِ مِن أعظَمِ دَلائلِ نُبُوَّتِه، فإنَّ النُّفوسَ لا تَسمَحُ بِمِثلِ هذا العَفوِ إلا مَعَ كَمالِ الإخلاصِ للهِ، وتَجريدِ القَلبِ عن حُظوظِ النَّفس". يا عِبادَ الله، بَل إنَّ رَحمَتَهُ وأخلاقَهُ لَم تَقِف عِندَ البَشَر، بَل تَعَدَّتهُم إلى البَهائمِ والطُّيور والحيواناتِ العَجماء! في الإسلام، حُقوقُ الحيوانِ ليسَت مُعاهَداتٍ دوليَّةً كُتِبَت أمسِ، بَل هيَ دينٌ يُدانُ بِهِ للهِ مُنذُ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا. دَخَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ حائطًا (أي بُستانًا) لِرَجُلٍ مِنَ الأنصار، فإذا فيهِ جَمَل. فَلَمَّا رَأى النَّبيَّ ﷺ، حَنَّ الجَمَلُ وذَرَفَت عَيناه! فَمَشى إليهِ النَّبيُّ ﷺ، فَمَسَحَ خَلفَ أُذنَيهِ فَسَكَت. ثُمَّ سَأل: «مَن رَبُّ هذا الجَمَل؟ לِمَن هذا الجَمَل؟» فجاءَ فتًى مِنَ الأنصارِ فقال: لي يا رسولَ الله. فَغَضِبَ النَّبيُّ ﷺ وقال: «أفَلا تَتَّقي اللهَ في هذهِ البَهيمةِ الَّتي مَلَّكَكَ اللهُ إيَّاها؟ فإنَّهُ شَكا إلَيَّ أنَّكَ تُجيعُهُ وتُدئِبُه (أي تُتعِبُه)» رواهُ أبو داود. ومَرَّةً أُخرى، يَكونُ في سَفَرٍ مَع أصحابِه، فيَأخُذُ بَعضُهم فَرخَي طائرٍ صَغير (يُسَمَّى الحُمَّرة)، فجاءَتِ الأُمُّ تَرفرِفُ بِجَناحَيها فَرَقًا وحُزنًا على صِغارِها. فَلَمَّا رآها ﷺ قال: «مَن فَجَعَ هذهِ بِوَلَدِها؟ رُدُّوا وَلَدَها إليها!» رواهُ أبو داود. اللهُ أكبَر! نَبيُّ أُمَّةٍ، وقائدُ جَيشٍ، يَنشَغِلُ بِحُزنِ طائرٍ صَغير، ويَأمُرُ الكِبارَ أن يَرُدُّوا إليها فِراخَها ليَسكُنَ قَلبُها! ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ [الأنعام: 38]. ألا ما أرحَمَهُ مِن دين، وما أعظَمَهُ مِن نَبيّ! ولَكِن... لِنَنظُرْ إلى واقِعِنا اليوم. تَرى الرَّجُلَ مِنَّا، حَريصًا على الصَّفِّ الأوَّلِ في المَسجِد — وهذا خَير — لكنَّ زَوجَتَهُ تَبكي في البَيتِ مِن قَسوَتِهِ وظُلمِه! وتَرى المرأةَ تَصومُ الإثنين والخميس، لكنَّ خادِمَتَها لا تَنامُ اللَّيلَ مِن سُوءِ تَعامُلِها وشَتمِها! وتَرى الرَّجُلَ ليِّنَ الجانِبِ مَع مَن يَرجو مَنفَعَتَه، جَبَّارًا على أطفالِهِ أو عُمَّالِه! أينَ نحنُ مِن أخلاقِ المُصطَفى ﷺ هُنا؟ يقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحمهُ الله: "إنَّ قَومًا ادَّعَوا مَحَبَّةَ اللهِ، فابتَلاهُمُ اللهُ بهذه الآية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾". فالاتِّباعُ هُوَ المِحَكُّ، والأخلاقُ هيَ الميزان. فمَن خافَ مِنَ اللهِ أخافَ مِنهُ كُلَّ شيء، ومَن رَحِمَ خَلقَ اللهِ رَحِمَهُ الله، والجزاءُ مِن جِنسِ العَمَل. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ الذي شَرَعَ الخُطبَةَ يومَ الجُمُعةِ تَذكِرةً لِعِبادِه، وبَيَّنَ بها سَبيلَ رَشادِهِم، وصلَّى اللهُ على نَبيِّهِ مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحبِه. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، طُفنا في خُطبَتِنا الأولى في رِياضِ أخلاقِ المُصطَفى ﷺ، فَرَأيناهُ زَوجًا مُتواضِعًا يَرقَعُ ثَوبَه، وأبًا رَحيمًا يُطيلُ السُّجودَ لِحَفيدِه، وقائدًا يَعفو عِندَ المَقدِرة عن عَدُوِّه، بَل ونَبيًّا يَمسَحُ دَمعةَ بَهيمةٍ عَجماء. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأهمّ: كيفَ نُتَرجِمُ هذا الإعجابَ والمَحبَّةَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَكَ الآن أن تَجعَلَ رَحمةَ النَّبيِّ ﷺ ولينَهُ مِقياسًا لكَ في التَّعامُلِ مع الخَلق، لا سِيَّما مَن تَمْلِكُ السُّلطَةَ عليهم. الثانية (لِسانيَّة): طَهِّر لِسانَكَ في بَيتِكَ. لا شَتمَ، لا سُبَابَ، لا إهانةَ لِزوجَةٍ أو طِفل. اجعَل كَلِمَةَ الشُّكرِ والثَّناءِ هي الغالِبة، اقتِداءً بِمَن لم يَقُل لخادِمِه "أُفٍّ" قَطّ. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): هذا الأُسبوع، قُم بِعَمَلٍ في مِهنَةِ أهلِكَ في بَيتِك؛ رَتِّب، ساعِد، اخدِم نَفسَك بِنَفسِك، مُستَحضِرًا نيَّةَ الاقتِداءِ بسُنَّةِ النَّبيِّ ﷺ في بَيتِه. الرابعة (اجتماعيَّة): اعفُ اللَّيلَةَ عن شَخصٍ أساءَ إليك، أو تَجاوَز عن خَطَأِ عامِلٍ أو خادِمٍ تَحتَ يَدِك، لَعَلَّ اللهَ أن يَعفُوَ عَنكَ يَومَ الحِسابِ كما عَفَوتَ عن عَبدِه. الخامسة (موضوعيَّة): اقتَنِ كتابًا مُيَسَّرًا في سيرةِ النَّبيِّ ﷺ وشَمائِلِه، واقرَأ مِنهُ مع أسرتِكَ ولو عَشرَ دقائقَ أُسبوعيًّا؛ فالقُلوبُ لا تَتَّبِعُ مَن لا تَعرِفُه! فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هيَ الَّتي تَحمِلُكُم على التَّخَلُّقِ بأخلاقِ المُرسَلين، وبِها تُنالُ رَحمةُ رَبِّ العالَمين. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عليه، عَمَلًا بِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ ارزُقنا التَّخَلُّقَ بأخلاقِ نَبيِّكَ ﷺ في غَضَبِنا ورِضانا، وفي مَنشَطِنا ومَكرَهِنا. اللَّهُمَّ كَما حَسَّنتَ خَلقَنا فَحَسِّن خُلُقَنا، وجَنِّبنا مُنكِراتِ الأخلاقِ والأهواءِ والأدواء. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَرحَمونَ الضُّعَفاء، ويَعفونَ عنِ الزَّلَّات، ويَقتَدونَ بِسيِّدِ السَّادات. اللَّهُمَّ ارزُقنا الحِلمَ عِندَ الغَضَب، والعَفوَ عِندَ المَقدِرة، والتَّواضُعَ عِندَ الرِّفعة. اللَّهُمَّ أصلِح بُيوتَ المُسلمين، واجعَلها مَحاضِنَ لِلرَّحمةِ والمَوَدَّة، واهدِنا لِأحسَنِ الأخلاقِ لا يَهدي لِأحسَنِها إلَّا أنت. اللَّهُمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِن إخوانِنا في كُلِّ مَكان، كُن لَهُم مُؤَيِّدًا ونَصيرًا، واربُط على قُلوبِهم، وافرُج هَمَّهم يا أرحَمَ الرَّاحِمين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعْلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. 🌿 هنا يَنتهي القَلَمُ، وهنا تَبدأ مَسؤوليَّتُك أيُّها الخطيب. هذا نَصٌّ صاغَه نموذجٌ آليٌّ، والآلةُ تُحسِن وتُسيء. فلا تَأمَن لها إلَّا بعد تَحَقُّق — راجِع آياتها وأحاديثَها من مَصادرها، وامزُجها بقَلبِك وتَجربَتك، فالمِنبرُ ميزانٌ يومَ الحساب. وإن أرَدتَ صَقلَ هذه الخُطبة فحَدِّد طَلَبَك بدقَّة، تَنَل ما يُلائم منبَرَك.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.